(459)
(631)
(368)
الدرس الأول من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة فصلت، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6)
صباح الأربعاء 1 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله الذي بلّغنا وإيّاكم رمضان في لطف وفي عافية، وفي أمن وفي يُسر وتوفيق منه، اللّهم لك الحمد شكرًا ولك المَنُّ فضلًا. كما أنعمت علينا ببلوغ رمضان؛ فبلغنا اللَّهم ما جعلت فيه من نفحات ومواهب، وعطيات ورحمة ومغفرة، وعتقٍ من النَّار، وعتقٍ من الذنوب والمعاصي، وعتقٍ من النِّفاق، وعتق من العيوب، وعتقٍ من السيئات، وعتقٍ من الالتفات إلى ما سواك ومن جميع الغفلات، وما تواصل بهم محبوبيك والمُقربين إليك في ليالي هذا الشهر وأيامه، فواصِلْنا بذلك وزدنا من فضلك ما أنت أهلُه، يا ملك الممالك، يا حي يا قيوم.
واجعل رمضان هذا من أبرك الرمضانات على أمة حبيبك محمد خير البريات في الظواهر والخفيات، والحس والمعنى في جميع الأقطار، وفي جميع الديار بجميع المعاني يا أكرم الأكرمين. بارك لنا وللأمة فيه أكمل البركة، وكن لنا بما أنت أهله في كل سُكنٍ وحركة يا أرحم الراحمين، ومعَنَا هذا الغدوة والرواح، نسأله ويجعله في سبيله تعالى، ورسول الله يقول: "لَغَدْوَةٌ في سبيلِ اللهِ أوْ روْحَةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها"، "لَغَدْوَةٌ في سبيلِ اللهِ" وهذه -إن شاء الله- تكون غدوة في سبيل الله، بشاهد قول سيدنا رسول الله: "مَن خرجَ في طلبِ العلمِ فهوَ في سبيلِ اللَّهِ حتَّى يرجعَ"، "لَغَدْوَةٌ في سبيلِ اللهِ أوْ روْحَةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ..". اللّهم بارك لنا في الشهر ولياليه وأيامه، واقبل منا ما توفقنا فيه من الأعمال الصالحة ومن الخيرات برحمتك يا أرحم الرحمن.
الحمد لله الذي أكرمنا بالتنزيل والوحي إلى عبده المصطفى محمدٍ خير هادٍ ودليل، اللّهم أدم صلواتك على خير برياتك مَن هديتنا به إليك ودللتنا به عليك، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن والاهم وعلى منهجهم سار في السِّر والإجهار، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك خيرة الأخيار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإننا في نعمة تأمُلنا لكلام إلهنا، وربنا ومولانا وخالقنا -جل جلاله وتعالى في عُلاه-، نتأمل المعاني، ومررنا على السور من آخر كتاب الله -تبارك وتعالى-، وانتهينا إلى سورة فُصّلت؛ سورة (حم):
فما أعظمها من سورة! وما أجلّ ما فيها من تفصيل من الحق -سبحانه وتعالى-! وبيان على لسان رسوله خيرة الخيرة صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
ابتدأ -جل جلاله- سورة فُصّلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (حم (1))، وكما مضى معنا وأسلفنا أن هذه الحروف التي تُفتَتح بها السور:
(حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2))، أي:
(تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)..
(مِّنَ الرَّحْمَٰنِ): الذي عمَّت رحمته العباد، فأنزل الكُتب وأرسل الرُّسل؛ للبيان والهداية والدلالة على الحق، وإنقاذ الناس من شرور نفوسهم وأهوائهم، ومن أن يظفر بهم عدوهم الذي يريد قطعهم عن سبيل السعادة، وعن نيل الحُسنى وزيادة؛ فأكرم الكل تعالى بإنزال الكُتب وإرسال الرُّسل.
(تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)..
(الرَّحِيمِ): الذي يختص برحمته من هؤلاء الذين بيَّن لجميعهم، يختص برحمته مَن يوفقه منهم؛ للإيمان وقوته والإزدياد منه، وللعمل بمقتضى هذا الوحي؛ فيستقيم في هذه الحياة على ما هو أنفع وأجمع، وأجمل وأكمل وأفضل، نية وقصدًا، وقولًا وفعلًا ومعاملة، وإقامة سبيل هدىً وخير للأمة. (تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2)) -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
(كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3))..
(فُصِّلَتْ آيَاتُهُ)؛ فكان في عظمته كتاب لا يُستطاع أن يُؤتى بمثله، ولا بسورة من سوره، مع كونه باللغة التي يتكلمون بها، ولهم فيها فصاحة وبلاغة واتساع ودقة واطلاع:
ثم فسح لنا المجال أن نقرأ هذا الكتاب، وأن نتأمّله، وأن نتلوه، وأن نتدبّره. اللَّهم لك الحمد، فما أعظم ما مَنّ الله علينا بالقرآن! فاغتنموا الاتصال بالقرآن وخصوصًا في شهر القرآن، وحيثما كنتم وإينما كنتم فمِنَّة الله عليكم، بل هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض كتابه العزيز.
قال تعالى (قُرْآنًا): جامعًا للمعاني والدلالات، وما بُعِث به الأنبياء من قبل منقذًا من أنواع الضلالات والشّر والسوء، وهو مع ذلك فُرقان، مُفَصَّلة فيه الآيات ومُبيَّنة فيه الأحكام.
(قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ أي: اخترناه بهذا اللسان العربي، فاختار الله لأعظم كُتبه المُنزلة وخاتمها والمُهيمن على جميع الكتب اللغة العربية:
يقول تعالى: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، وبذلك يُعلَم أن خدمة اللغة العربية، وفهمها وتأمُّل دلالاتها وخصائصها؛ قُربة إلى الله لمَن أخلص لأنها تُبيِّن له حقائق من معاني كلام الله، وكلام رسوله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلِّم. ولذلك وجدنا في هذه الأمة مُختلف أهل اللغات لمَّا وصلهم هذا الدين؛
(قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وقد دانت أصناف الأمّة بتعبُّد الله تعالى بمعرفة اللغة العربية وتعظيمها، من أجل الوصول إلى فهم الخطاب الذي وُجِّه من رب الأرباب، (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:195].
(قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3))..أمّا الاستعداد للعلم؛ فلِكلّ من وهبه الله تعالى السمع والبصر والفؤاد؛ ولكن اختلاف القابليات بعد ذلك باختلاف الإنصاف والصدق والاستعداد من واحد لآخر:
والحال كما يقول هؤلاء الكفار الذين واجهوا أعظم دليل، وخير مُبَيِّن، وأجلُّ من يقيم الحجة، وأجلى من يوضح المحجة، أعقل الخلق، وسيدهم، وأصفاهم، قابلوه ومع ذلك قالوا: (وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) ما ندري بهذا…، والحجج واضحة وقوية، لبجرد النظر إلى وجهه يُعلَم أنه وجهه صادق ﷺ، فكيف؟ والحجج الكبيرة والمعجزات التي أجراها الله على يده، والقوم والعياذ بالله تبارك وتعالى أعرضوا وكذبوا، (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر:2]، والعياذ بالله تبارك وتعالى، تعْلَمُ بهذا هيبة تقليب القلوب من مقلبها
(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]، و(يُضِلُّ مَن يَشَاءُ) [فاطر:8]، اللهم اهدنا في من هديت.
(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) يقول الله: (وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة:13].
يا ربنا يا حقًُ، يا مُنزِل الكتاب بالحقّ، يا باعث رسولك بالحق، لا تجعل في أهل جمعنا، ولا من يسمعنا، ولا في أهل ديارهم مَن مآله النار، أجِرنا من النار، أجِرنا من النار، أجِرنا من النار، أعِذنا من النار، يَا خَيْرَ مُجِير، فَإِنَّا بِكَ نَسْتَعِيذ فَأَعِذْنَا، بِرَحْمَتِكِ يَا رَحْمَـٰن ادْخِلْنَا جَنَّتَكِ مَعَ الصَّالِحِينَ، (وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
يقول: (لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) والله يجعلنا منهم، ويزيدنا علم، ومفتاح العلم أن تعلم أنّ هذا الإنزال على محمد حق، وهو الخروج من العمى المعنوي الذي من عاش فيه حُشر يوم القيامة أعمى، كما يقول ﷻ: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ) [الرعد:19]، كَمَنْ هُوَ أَعْمَى؟ من الأعمى؟ الذي ما يعلم الحق في هذا النور الواضح، في هذا الدليل القوي، في هذا السناء الساطع، ما يعلم أنه الحق فهو أعمى، ولولا عماه لأبصر وأدرك أن هذا الحق الخالص (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ﷻ [فصلت:42].
(لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا..)
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا):
(بَشِيرًا) لكل مؤمن وبكلّ ما يزداد إيمانه به هو مُبشَّر، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة:25] خالدين فيها.
يقول: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) نذيرًا، وهو بشير لكلّ من عمل صالحًا، ولو مثقال ذرة:
ما أعظم الربّ الذي تتعاملون معه، والحمد لله الذي هداكم للإيمان به، والله يزيدكم إيمان، اللهم زدنا إيمانًا، اللهم زدنا إيمانًا، في كل لمحة ونفس يا أرحم الراحمين.
يقول: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) نذيرا لكلّ من كفر، ولمن ألحد، ولمن أشرك أن يُنقذ نفسه من هذه الورطات التي ورط نفسه فيها، وتصادم وتضادَّ وتخالف مع مقتضى العقل والبرهان والحجج القاطعة، استتباعا من عدوه، مسلَّطة عليه أسلحة الأهواء والشهوات، لكلّ كافر ولكلّ عامل بالسوء:
كل حسنة تعملها في القرآن مبشر لك بهذه الحسنة، مهما صَحّتْ وأخلصْتَ فيها القصد لوجهه:
كلّها تحمل في طَيِّها لك البشارة من الله؛ إذا وفقك لها، وقمت بها، وأخلصت لوجهه فيها، فالقرآن بشير، والقرآن نذير لكل من عصى الله.
فيا مطَّلِعا على معاصينا الظاهرة والباطنة اعف عنا ما كان منا، إنّك عفو تحبّ العفو فاعف عنّا يا أرحم الرّاحمين، واغفر لنا، واجعل لنا توبة خالصًا صادقة نصوحًا، تُحَوِّل بها سيآتنا إلى حسنات، وتحفظنا بها فيما بقي من الآناء والأوقات والساعات، حتى لحظة الممات تتوفانا على خير الحالات، في أقوى الإيمان وأحسن العمل الصالح المرضيّ لك يا رحمن.
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وذلك أنّ الخلق بما جبلهم الله عليه؛ يحتاجون في استقامتهم على ما هو أجمل وأكمل إلى ترغيب وترهيب، إلى بشارة ونذارة:
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وقال لمن أنزل عليه الكتاب في الكتاب مخاطبا إياه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب:45-46]:
اللهم وفقنا للحسنات وزدنا منها، واجعلها زادنا إلى الدار الآخرة، الذي قلت فيه: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:16]، يَا مَنْ وَفَّق أَهْلَ الْخَيْرِ للَخَيْرِ، وَأعانهُمْ عَلَيْهِ، وَفِّقْنَا لَلْخَيْرِ وَأعِنَّا عَلَيْهِ.
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا) يقول الله: ومع كونه قرآن عربي واضح لأهل العلم مفصلة آياته، القوم أصروا وعاندوا، فأعرض أكثرهم، لِمَا طوى عليهم من التشبث بالأصنام التي لا تفيدهم شيّ، ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ تولعًا بالإلف؛ لأنّ الإنسان إذا استحكمت عليه عادة وإلفٌ يألَفُه؛ أخذ به، إن لم يكن ذا قوة في تحكيم العقل فهو مأخوذ مأسور لتلك العادة ولذلك الإلف، ولا يبالي ولو كانت الحجج أمامه كالشمس واضحة، ما يرجع ولا يبالي لِمَا استمرّ عليه من الإلف، وغلب عليه من اتباع شهوة المألوف والمعتاد من ناحية، وما يكتنف ذلك أيضًا من تلبيس وتدليس لإبليس.
(فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ)، يعرضون وقد كلَّمهم رجل نشأ بينهم!
فماذا تريدون من دلالة؟! ماذا تريدون من توجيه؟! ماذا تريدون من دليل؟!
يقول: (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ) -والعياذ بالله -تبارك وتعالى- (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4))، أي: في حال وعملِ من لا يسمع، يعني: ما يستفيدون من الوحي الذي أنزلناه عليك، يَهدي ويُنَوِّر ويرفع إلى المراتب العلى، ولكن هؤلاء ما كأنّهم يسمعون شيّ.
(فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) أي: لا يدركون فائدة السماع، لا يسمعون سماع المنصف والمُستجمع لقوى عقله لينظر إلى الحق الصريح، بل يغالطون أنفسهم ويُعرِضون لمُقتضى شهواتٍ عندهم، حتى كان الكثير من كُبارهم وزعمائهم يحنُّون إلى سماع هذا الكلام، وهم كفّار تغلبهم أهواؤهم أن يصدّقوا بمحمّد وأن يتبعوه.
وله عادة في الليل يتلو هذا الكتاب الذي أنزل عليه، يتعجّبون فيه، فيأتي أحدهم، ويأتي الثاني، ويأتي الثالث، ويصغون إليه، وهو يقرأ عليه الصلاة والسلام، ويكفيهم ذلك حجة ودليل ولكن الأهواء! يعلمون أن هذا حق وأنه عظيم ولا يستطيعون يأتون بمثله، ومع ذلك يكابرون يأتون في اليوم الثاني ساحر، كذّاب، ولن نتبعه.. وهم يجتمعون في الليل حوالي بيته بعض زعمائمهم الكبار يصغونه وبعدين يقولون: ما جاء بكم؟ يقولون: وأنت ما جاء بك؟ يسمعون هذا الكلام فيتعاهدون يقولون بس لا عاد تجيء ثاني ليلة، ولا نحن نجيء وبعدين؟ لا يؤثر علينا وإلا يرون أولادنا وهكذا يعلمون بنا ويرجعون يستمعون إليه ويصدّقونه فلا تجيئوا، يقولون: مرحبًا فيتعهدون ما يجيئون، في اليوم الثاني لما يجيء الليل يتذكر روحه وفطرته هذاك الكلام الطيب كيف يفوته؟! يخرج يتسلل ويقول: ما أحد يجيء الليلة إلا أنا! وإذ الثاني وإذ الثالث وإذ الرابع وهم الذين اجتمعوا البارحة وتعهدوا ما يرجعون كلهم حضروا، وحصل منهم هذا مرتين وثلاث مرات يتعهدون ويرجعون يسمعون كلامه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. يسمعون هذا الوحي، الله أكبر!.
لكن (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) لا يسمعون، ما ينقادون؛ ما يأخذون؛ عملهم وحالهم عمل وحال الذي ما سمع، ما كأن محمد بينهم، ولا كأنه تلا عليهم الوحي؛ لغلبة الأهواء لغلبة الشهوات لإرادة السلطة إلى غير ذلك.
بل نفس هذه الآيات تلاها على عتبة بن ربيعة، وكان من أعقلهم في إدراك الظواهر وأعلمهم بالشعر وأعلمهم بالكهانة ومِن أعلمهم بالسحر أيضًا؛ فجاء أنهم قالوا له: مَن يكلم لنا محمدًا هذا يكفّ عن سبّ آلهتنا ويخرج عن هذا الأمر؟ مَن أعلم منكم بالكهانة وبالسحر وبالشعر؟ قالوا: عتبة بن ربيعة، قالوا: يا عتبة تروح تكلم محمدًا، قال: أكلم لكم محمدًا، قالوا: اذهب.
فجاء إلى عند النبي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: يا محمد جئتَ بهذا الأمر، وسببت آلهتنا وفرّقت بيننا وتركت دين آبائك وأجدادك، -هذا فيما يظهر لهم وإلا عنصر آبائه وأجداده كانوا على قدم التوحيد- ولكن فيما يظهر لهم، قالوا: فماذا تريد؟ إن كان بك حاجة من المال جمعنا لك من المال حتى تكون أغنانا، وإن كان بك إرادة إلى النساء تخيّرْ ونُزوجك عشرًا، وإن كان هذا الذي يأتيك شيء من الجن يأتيك فنُعالجك، يكلّم النبي، قال له: أكملت ما عندك؟ قال له: نعم، قال: فاسمع مني، فاسمع، فقرأ ﷺ:
اهتز ووضع يده على فم النبي: أنشُدك الله والرحِم يا محمد! أنشُدك الله والرحِم يا محمد! قام من عنده ومشى، قال له: عندك غير هذا؟ فقال له: ما هو إلا هذا، لما أقبل عليهم يقول بعضهم لبعض: لقد رجع بالوجه غير الوجه الذي ذهب به، وجهه ما هو كما راح، فيه شيء؟ سحره محمد، فجاء قالوا له: ما رأيتَ؟ قال: قلتُ له بأقصى ما يمكن أن تكلمونه به وتعرضونه عليه، وغاية ما يمكن أن تخاطبوه به وتقنعوه به كلمته به، فجاء لي بكلام ما أعرف ما هو! والله أنا أعرفَكم بالكهنة ما هو كهانة، أعلمكم بالسحر ما هو سحر، أعلمكم بالشعر ما هو بشعر، وما هو بقول بشر، فأطيعوني في هذا وخالفوني فيما شئتم، اتركوا محمدًا وشأنه. قالوا: سحرك محمد.. قال: هذا الذي عندي ما هو إلا أن سمعتُ منه ينذر بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فوضعت يدي على فمه وقلتُ: أنشُدك الله والرحِم يا محمد! بعد ذلك جئت عندكم، وقالوا: وجهك غير الوجه الذي ذهبتَ به وأعرضوا عن ذلك وما سمعوا الكلام (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) -جمع كِنان وهو الغطاء- (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ..(5))؛ إن الذي أدعوكم إليه ألصق ما يكون بالفطرة والقلب لماذا فيها أكنة لماذا تجعلون نفسكم في أكنة ما السبب؟ تحججات وتعذرات لا أصل لها.
(إِنَّنَا عَامِلُونَ) على تكذيبكَ ومُخالفتكَ وما جئت به ونبعد الناس منك ونحول بينك ونعمل..
(فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)) ولكن عملوا وعمل ﷺ وقد قال له الحق تبارك وتعالى قل لهم: فاعملوا وأنا مستقيم على ما أوحى الله إليّ وداعٍ إليه ومُبيّن للحق واعملوا ما شئتم: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف:195-196] فعملوا وانتهوا إلى:
وأين ذهبوا؟ وما القرارات حقهم ونتاؤجها؟ وإلى أين وصّلتهم؟
فكل من قُتل منهم على الكفر فهو في عذاب الله من حين قُتل إلى ساعتنا هذه ويستمر في العذاب إلى القيامة، ويوم القيامة يدخل أشد العذاب، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فما نتيجة عملهم؟ ما نتيجة إصرارهم على هذا المبدأ الزائف الباطل وردهم للحجج الواضحة والبيّنات الصريحة؟
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ..) ما الداعي لهذا كله؟
لماذا تعاندون هذا العناد ولا داعي له، ومقتضى أنني بشر أن تتفاهم البشر مع البشر، اسمعوا مني واصغوا وأنصتوا وأنصفوا؛ لنتوصل إلى إدراك الحقيقة، ولكن هكذا يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء.
إلهنا ما نفعت بهذا القرآن ورفعت به فانفعنا وارفعنا، اللهم انفعنا بالقرآن وارفعنا بالقرآن؛ فإنك من نفعته بالقرآن فنفعه أعظم النفع إلى الأبد ومن رفعته إلى القرآن فهو المرفوع على السرمد، اللهم انفعنا بالقرآن اللهم ارفعنا بالقرآن، وافتح لنا بابًا عظيمًا واسعًا في فهم القرآن وتدبره في رمضاننا هذا، وكن لنا بما أنت أهله يا مولانا يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. وافتح للمؤمنين وافتح لقلوبهم أبوابًا في فهم الكتاب ووعي الخطاب والارتباط بمن جمعتَ فيه الحُلل الأوصاف الصالحة والآداب يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين تدارك أمته، أغث أمته، فرج كروب أمته، ادفع البلاء عن أمته.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
02 رَمضان 1447