تفسير سورة غافر - 9 - من قوله تعالى {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا} الآية 47 إلى الآية 52

للاستماع إلى الدرس

الدرس التاسع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)

صباح الإثنين 20 رمضان 1447 هجري.

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله ربّ الخليقة، المُبيّن لعباده الحقيقة، والدَّاعي لهم للاستمساك بالعُروة الوثيقة، نشهد أنّه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، بيده الأمر كلُّه وإليه يرجع الأمر كلُّه، ونشهد أنَّ سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وصفيُّه وخليله، ختم به النُّبوة والنَّبيِّين، وجعله سيد المُرسلين، وإمام المُتقين، وأكرم الدّاعين إليه، وخير الدَّالّين عليه. 

اللَّهم أدِم صلواتك على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة، السراج المُنير البشير النذير، عبدك الهادي إليك والدالّ عليك سيدنا محمد، وعلى آله وأهل بيته وصحابته وأهل مودّته ومُتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل قُرب الله تعالى وحضرته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أمّا بعدُ،، 

فإنّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربّنا المُبيَّن لنا سبحانه، والمُفصِّل أخبار المعاد والمرجع والمآب، والمستقبل الخطير الكبير، بلسان الحق على لسان رسوله محمد الناطق بالصدق، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. 

وصلنا في آيات سورة غافر إلى ما ذكر الحق تعالى من تحاجُج أهل النار في النار؛ ما بين الضُّعفاء والمُستكبرين. وهكذا ذكر الحق لنا -كما ألمحنا فيما مضى- نماذج ممّا يحصل من التحاجُج بينهم والتّخاصُم في النار، وقبل دخول النار، وفي يوم القيامة: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]؛ فلا والله، لا تبقى علاقة، ولا رابطة، ولا صلة بخيرها ونورها وحُسنها إلا ما كان بين الكائنات والمخلوقات، وبين المكلَّفين خاصة، مِن تواصل وترابط في الله، ومن أجل الله، وعلى طاعة الله -سبحانه وتعالى- وما عدا ذلك مهما كبُرت ومهما كثُرت علائق وروابط من هُنا ومن هُناك؛ فمضمحلّة وراجعة إلى التلاعن بينهم وسبّ بعضهم، وغضب بعضهم على بعض -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وهكذا تتقطَّع بهم الأسباب: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) [البقرة:166]، لا إله إلا الله.

يقول سبحانه وتعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا)، مُنقادون لكم ونسمع كلامكم، ونُناصركم ونقوم معكم، ونُكَثّر عددكم، (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47))؛ تتوَصّلوا إلى تخفيف شيء من العذاب الذي نحن فيه؟ فإنّا بسببكم وصلنا إلى هذا المحل، وأنتم الذين قُدتمونا إلى هذه البلايا، (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48))

  • آل الكفر نحن وأتباعُنا سواء، في نار جهنم. 
  • والذين استجابوا لدعوته ولبّوا رسله في الجنة.

فلا نحن بنخرج من النار، ولا هم بيخرجون من الجنة، والكلام ما ينفع بيننا وبينكم، ماشي فائدة، اسكتوا خلاص.. (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)) -جلّ جلاله- حُكمُ الفصل، و(لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد:41]، ولا رادّ لقضائه سبحانه، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)؟ [التين:8] بلى، ونحن على ذلك من الشاهدين. فهو أقضى القُضاة، وقضاؤه هو الذي لا يُرَد، وحكمه الذي لا يُعَقّب -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-. اللَّهم اجعلنا من أهل رضاك وقُربك، ومحبّتك وجنَّتك.

(وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ)؛ أي: الملائكة الموكلون بشؤون النار وتعذيب أهلها، وسقيهم الحميم، وإطعامهم الزقّوم، وضربهم بالمقامع من الحديد، وغلِّهم وربطهم بالسلاسل، وسحبهم على وجوههم، إلى غير ذلك مما وكّلوا به أن يعملوه مع هؤلاء المُعاندين، الجاحدين، المُخالفين الذين أتاح الله لهم أن يدركوا الحقيقة، وأن يستمسكوا بالعروة الوثيقة؛ فأبوا إلا غيّهم وضلالهم، وإيثار دُنياهم الحقيرة الفانية؛ فصار هذا مآلهم -والعياذ بالله-. 

فيجدون الخزنة عندهم.. وهم تعبوا من العذاب، والتعب وبينهم البين، لا فائدة من مُراجعة بعضهم البعض، وسبّ بعضهم البعض، ولعن بعضهم البعض، رجعوا يتعلقون بالملائكة هؤلاء.. يا خزنة جهنم، يا ملائكة ربُنا، ادعوا، ادعوا ربكم (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49))؛ مِقدار يوم من أيام الدُّنيا لأن عندهم خلاص ما عاد بقي تعاقب الليل والنهار هذا، (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) [القيامة:7-10]؛ ما عاد شيء، ولكن تبقى عندهم هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة، هؤلاء في ظُلمة دائمة وهؤلاء في نور دائم، مع مرور الوقت تظهر لهم علامات أنّ هذا مقدار ساعة من ساعات الدُّنيا، أنّ هذا مقدار يوم من أيام الدنيا، أنّ هذا مِقدار أسبوع من أسابيع الدنيا، أنّ هذا مِقدار سنة من سنيّ الدُّنيا التي عيّشناكم فيها من أول، ومددنا لكم فيها مُدّة؛ لتتذكّروا ولتتبصّروا، وانتهت.

فالآن هم كذلك، ففي مِقدار مرور الساعة، واليوم، والليلة، والأسبوع، والشهر يعرفون ذلك بعلامات تظهر لهم، يعرفون هذا مقدار مرور يوم، هذا مقدار مرور أسبوع، هذا يساوي أو يوافق في الدُّنيا يوم جمعة؛ يسمونه أهل الجنة يوم المزيد، هذا يوم سبت، هذا يوم أحد، هذا يوم اثنين، هذا يوم ثلاثاء مقابله، وهذا غدوّ وهذا عشيّ، وإلا فلا شمس تطلع وتغرب ولا شيء: (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان:13].

يقول سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ) -من الكفار والمجرمين- (لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ)؛ الملائكة الموكّلين بشؤون النار وما يجري فيها، وما يعذَّب به أهلها: (ادْعُوا رَبَّكُمْ) -جلّ جلاله-، هو ربّ الجميع ولكن يقولون معنى كلامهم: أنتم أصفياء ومقرّبين وأخيار، ما عصيتم الله، ربكم أرحم بكم، ادعوه لنا.. (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49))؛ مقدار يوم من أيام الدنيا، يفك علينا من العذاب، نتخلص من هذه الشِّدة التي نحن فيها. 

(ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49))

  • ودعاء المُقرّبين والصالحين؛ يُستجاب بحسب إرادة المولى، ولا تقبل الشفاعة إلا لمَن كان مؤمنًا بإذن الله جلّ جلاله: (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [البقرة:255] -جلّ جلاله- وفي المؤمنين. 
  • ولا تقبل الشفاعة في الكافرين والجاحدين ومَن مات على الكفر، ولا ينالهم شيء من الشفاعات، ما عدا ما ينتفع الكُلّ فيه من النقلة من تحت الشمس بشفاعة المصطفى محمد ﷺ صاحب المقام المحمود، ما عدا ذلك؛ لا شفاعة تنال الكفار أصلًا: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر:48]، (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء:100-101].

فيريدون يتشفعون بالملائكة؛ (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49))، تقول لهم الملائكة: 

  • (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ)؟ ما أرسل الله إليكم رسل وأنتم في عالم الدُّنيا أيام التكليف والفُرصة معكم؟ وتستطيعون أن تغنموا أعماركم؟! 
  • (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ)؛ الدلائل الواضحات تدعوكم لتوحيد الله الذي خلقكم، هو خالق النار هذه، وخالق الجنة وهو ربّ الكل وإليه المصير، ما أنذروكم؟ ما بلّغوكم؟ ما بيّنوا لكم؟ 
  • (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ)، ويدعونكم إلى الإيمان بالله وترك الذنوب والمعاصي؟ (قَالُوا بَلَىٰ)؛ جاؤونا، وذكّرونا، وأتوا بالدلائل وبالحُجج، ولكن نحن ما أطعناهم.

فادعوا.. خلاص، نحن ما نريد أن ندعوا لكم، أنتم بهذه الصورة عاملتم إلهكم الذي خلق وتكّرم عليكم، وجاء لكم بالرسل وأنكرتم وجحدتم، الآن تقولون لنا: ندعو لكم؟! ادعوا أنتم.. 

(قَالُوا فَادْعُوا)؛ أنتم ادعوا لأنفسكم، أما نحن بهذه الصورة ما ندعو لكم، قد علمنا مراد المَلِك أن مَن كفر به وأشرك لا يَغفر له، فنحن ما ندعو لكم، نحن عبيده وإنما ندعوه فيما شرع لنا وأحب لنا فقط، وأمّا فيما حدّ من حدود وقيَّد من قيود؛ فلا مُعقّب لحكمه -جلّ جلاله-. ادعوه.. شوفوا إن كان بينفعكم دعاؤكم ادعوه أنتم. قال الله تعالى: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50))؛ يعني: لا يستجاب لهم، ما ينفعهم شيء، يضِل، يذهب أدراج الرياح لأنّهم كفروا بالإله -سبحانه وتعالى- أيّام التكليف أيّام كانوا في الدُّنيا؛ (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)).

وبعد الخزنة، ينادون مالك أيضًا: يا مالك، يا مالك، يا مالك، وبعد مقدار ألف عام يجيبهم مالك -رئيس خزنة جهنم-: ما لكم يا أهل النار؟ قالوا: (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)، قل لربك: أدركنا الحقيقة، وندمنا على ما كان منا، وتعبنا من العذاب، قل له: ليقض علينا، (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ). (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)!  جاء بكم هنا لتخلدوا في ذا الجحيم فتقولون ليقضِ علينا ربك! محلّكم (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) أنا موكّل بدار تدوم ويستمر تعذيبكم فيها، وتقولون لي أقول له: (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)! تريدون تنقضوا حكم الله؟! (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]. 

(وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50))، يرجعون يدعون ربهم: يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا… وبعد مقدار ألف عام يناديهم الجبار -جل جلاله-: ما بالكم يا أهل النار؟ 

  • يقولوا: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ)؛ كلهم بيرجعون إلى هذه الحقيقة، وقول هذا.. ملحد، كافر، معاند، ملِك، صغير، كبير، كلهم يرجعوا هكذا، كلهم يؤولون إلى هذا.. 
  • كلهم يرجعون إلى هذا: (غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)، ولا بنكذّب برسلك، ولا بآياتك، ولا بنعصيك، أرجعنا.. أخرجنا من النار (فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ). 
  • والجواب القوي الشديد: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)؛ لا كلام لكم مقبول عندي؛ أنا أقبل شفاعة أنبيائي وأوليائي والصالحين، وأنتم الذين عاندتم وأبيتم، اليوم بتتكلمون معي! 
  • (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:106-108]، حتى يبلسون وييأسون من الخروج من النار، (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:167] والعياذ بالله تعالى.

ويُنادي المُنادي لهم: "يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ". 

قال تعالى: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50))، فتريد حقيقة تغيب عن كثير من الأذهان، وتأتي حولها مُلابسات قد يتوهّم الناس منها غيرها، وهو: أن الرسل -صلوات الله عليهم- والمؤمنين الصادِقين الذين آمنوا بهم؛ هم المنصورون في الدُّنيا والآخرة، مهما كانت الأحداث، بالمعنى الذي أراده الله؛ ليس معنى أنّهم لا يُختبرون أو لا يؤذون؛ فيهم من يُقتل، فيهم من يُحبس، وفيهم من يُسب، فيهم من يُؤذى ولكن النهاية لهم، والغلبة لهم، والعاقِبة لهم. ولا يبقى أحد ممَن عاندهم وضادّهم إلا وعُذِّب في الدُّنيا والآخرة (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192]. 

فإذًا المنصورون لا جيوش الكُفر، ولا جيوش الفسق، ولا أرباب الطُغيان، ولا مَن أسفك دماء الناس، ولا مَن يُهدد بالأسلحة النووية، ولا بالقنابل الذرية، ولا بالهيدروجينية… ما أحد منهم منصور؛ النصر للأنبياء والمؤمنين فقط. هؤلاء يلعبون ويتقاتلون ويتعبون، ولهم سوء العذاب، وسوء المصير، والشِّدِّة في الدُّنيا، والخزي الأكبر في الآخرة؛ ما أحد منهم منصور.

كما لم يُنصر النمرود، ولم يكن فرعون منصور، ولم يكن قوم عاد منصورون، ولم يكن قوم نوح الذين كذبوا منصورون؛ ما أحد منهم منصور، مَن منهم منصور؟ والله ما نُصِر أحد منهم.. وحلّت بهم المَثُلات، وهم في عذاب من يوم ماتوا، والعذاب الأكبر مستقبِلهم، مَن منصور منهم؟ من الذي نُصر منهم؟ إبعِد من الوهم والخيال، مَن نُصر؟.. 

نُصر آدم، وشيث بن آدم، ونوح، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وهود، وصالح؛ هؤلاء الذين نُصِروا؛ هؤلاء الذين عاشوا في الدُّنيا في كنف عناية الله ورعايته، وحمل الأمانة، والتشريف بالمكانة، والذين نالوا من الفخر والعز والكرامة، والنعيم من حين موتهم إلى الآن ما لا يوصف ولا يُحَد، وما هو مستقبلهم أكبر وأجمل وأعظم. هؤلاء الذين نُصِروا، هؤلاء المنصورون. 

أبْعِد الوهم والخيال، أبْعِد التوهم للأمر المُنقضي الزائل؛ حقائق النُّصرة للنبيين والمؤمنين فقط، واسمع قول الجبّار الذي بيده ملكوت السموات والأرض: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51))؛ يعني: يوم القيامة. (إِنَّا لَنَنصُرُ)، (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن)؟ (فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران:160]. 

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)). يقول جل جلاله: (إِنَّا لَنَنصُرُ)، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:71-73]، الله أكبر! (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47].

من أوّل مؤمن برز في عالم الجسد والحِس سيدنا آدم -عليه السلام- وأُمّنا حواء، نحن الآن في أثر من آثار نصرهم. نصَرَهم الله، وأبقى هذا المبدأ الذي حملوه، والدّين الذي كانوا عليه إلى الآن، مجالسنا منها؛ نصر من الله للمؤمنين. الله أكبر! ولجميع النبيين السابقين حتّى جاء الخاتم نبيّنا الذي به أُكرمنا صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وقال له الحق تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:1-3]. اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله. 

سيدنا محمد نُصر، وإن أدخلوه الغار ثلاث أيام، وإن وضعوا السَّلا فوق ظهره؛ هذا نصْرُه، وهذه ديانته، وهذه مِلّته، وهذه مجالسه، وهذه رسالته، وهذه أنواره، وهذا ما بُعث به، قائم على رغم أنوف جميع مَن كان في وقته يناوئه من الكفار، ومَن خلفهم جيلًا بعد جيل، وزمن بعد زمن، ومعهم رأسهم إبليس إلى يومنا هذا، على رغم أنوفهم؛ محمدٌ منصور، بالخير مذكور، ودينه منشور، وله الشرف الأفخر والعز الأكبر يوم البعث والنشور. 

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان:27]، ينتهي النصر للأنبياء في القيامة. في القيامة، ولا واحد من أهل القيامة يتمنى أنه كان مع الحكومة الفلانية، ولا مع الحزب الفلاني، ولا ليتني دخلت مع الطائفة الفلانية، ولا الجماعة الفلانيّة: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)؛ ليتني مع محمد، اللَّهم صل عليه. شفتوا النصر؟ اللَّهم صل عليه، (وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا). 

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا)، قال: أنا أرسلتهم، أنا اخترتهم، أنا انتخبتهم، أنا اصطفيتهم، أنا اجتبيتهم، مَن ذا الذي بيقاومنا؟ ومَن ذا الذي بيَرُد أمري؟ (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]. قال: هؤلاء رسلي، رسل من عندي، هؤلاء من عندي جاءوا، ما لهم مُقايِس ولا مُشابه من جميع ما يدور بينكم. من أين جئتم أنتم؟ أصحاب الأفكار المختلفة، من أين؟ هؤلاء يقول الرحمن من عندي، أنا الملك، أنا الذي أرسلتهم! أنتم من أين جئتم بأفكاركم هذه؟ من أين جئتم بالمبادئ هذه؟ لعبة بينكم البين بالأهواء والتبعات بتقاومون بها كلمتي؟ والحق الذي جاء من عندي!. 

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا)؛ بهؤلاء المرسلين وصدّقوهم واتّبعوهم، وكان من مواطِن وموائد وحقائق نصرهم ما قال سبحانه وتعالى: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). ذي الجنة وما فيها، لمن؟ 

  • (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، كلها معدودة للذين آمنوا بالله ورسله. آمنّا بالله ورسله، حقّقنا اللهم بحقائق الإيمان. 
  • (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد:20-21]. يا ذا الفضل العظيم آتنا الفضل العظيم وهب لنا هذا الفضل العظيم.

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ يبقى ذكرهم الجميل والحُجج البالغة والدامِغة والبراهين الساطعة معهم، ليس مع أحد ممن يُناوئهم ولا يُخالفهم حقيقة حُجّة ولا دليل قط.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) تؤمن بإلهك هذا وتعتز به؟! (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)! كيف تحيي وتميت؟ جاء باثنين، قتل واحد وترك الثاني، وقال شُف هذا أنا أحييته وهذا أمتّه! أبله.. ما فهم المعنى للحياة ولا الإماتة. جاء له بمثال واضح قدّامه، قال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ). وقل للمُلحدين وللفاجرين في العالم: إِنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتوا بها من المغرب! عندكم قوّة بتقاومون إلهنا الذي آمنا به؛ هيا، اقلبوا شي من كائناته! بيدهم شيء؟.. (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة:258].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا)، شُف التحدّي هذا من أيام نبينا محمد إلى اليوم! خلّونا مما تفتخرون به من التكنولوجيا والآلات الحديثة والذكاء الاصطناعي، اخلقوا ذباب، اخلقوا ذباب، اخلقوا ذباب… ما يقدرون! (لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)، والأغرب من ذلك يقول: (وإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا)؛ يأخذ عليهم حبّة سُكّر ويحملها، ردّوها.. ما عاد يقدرون! (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج:73]؛ لا الذباب قوي ولا هم أقوياء، وكلّهم عِباد تحت القهر والحُكم، والقوّة لله، الله أكبر.

يقولون: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فجميع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- نُصِروا سواءً؛ 

  • من لم يبلغ فيهم أعداؤهم حبسًا ولا قتلًا ولا شيئاً من الأمور الكبيرة. 
  • ومن قتلوهم أيضًا؛ نُصِروا. 

قتلوا يحيى، والذين قتلوا يحيى صاروا بعد ذلك عِبرة من العِبر وأُهلِكوا، وبقي دين يحيى ومسلك يحيى ومبدأ يحيى حيّ وثابت، وجاء الأنبياء من بعده إلى مجلسنا هذا، ويحيى منصور، والذين قتلوه أين ذهبوا؟ أين راحوا؟ لا إله إلا الله… 

وهكذا يتعرّض من يتعرّض من الأنبياء ثم من المؤمنين لتعذيب أو لقتِل وما إلى ذلك؛ ولكن ..

  • النُصرة لهم، والتأييد لهم، والعاقِبة لهم، والغاية لهم، والحُجج عندهم، والبراهين والأدلّة عندهم. 
  • و دينهم ومنهجهم يظهر على مدى القرون، يُحارَب من كثير بأوجه وأنواع المحاربة، ويبقى ويقوى، ما هذا؟! سبحان الناصِر.. 

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51))، النصر أوضح وأبلج وأصرح لكل ناظِر ولكل عاقِل، النصر للرسُل والمؤمنين في القيامة، مواقف القيامة كلها من أولها إلى آخرها نصر للأنبياء والمرسلين. 

  • (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)؛ الْأَشْهَاد هو جمع شاهِد، شاهِد وشاهِد وشاهِد؛ أشهاد. 
  • (يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ): 
    • الأنبياء يشهدون على أممهم، والملائكة يشهدون للأنبياء. 
    • والنبي محمد يشهد لمن قبل، وأمّته -خيار أمته- يشهدون للأنبياء السابقين؛ أشْهاد. 
    • ثم بعد ذلك الأعضاء أشهاد؛ تشهد على أصحابها. 
    • والأرض من الأشهاد تشهد على ما فُعِل فيها. 

(وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51))، فخيار هذه الأمة يكونون مثل الأنبياء في الشهادة، فالأنبياء يشهدون على أممهم، يكذبونهم أممهم فيقولون: من يشهد لكم معاشر الأنبياء؟ يقولون: أمة محمد! فيقول: أين أمة محمد؟ فيأتي خيارنا؛ ثلة من خيارنا وصلحائنا الأتقياء الموقنين هم الذين يقومون، يقولون: نعم يا رب، تشهدون؟ يقولون: نعم، نشهد أنهم بلّغوا، شيث بلّغ، وإدريس هذا بلّغ، ونوح بلّغ، وهؤلاء كلهم بلّغوا. 

يصيحون الأمم السابقة: يا ربنا هؤلاء جاءوا من بعدنا، كيف عرفوا أنهم بلّغوا؟ يقول: يا أمة محمد، كيف عرفتم أنهم بلغوا وأنتم جئتم من بعدهم؟ يقولون: جئنا من بعدهم ولكنك أرسلت إلينا رسولًا ناطقًا بالحق من عندك، أنزلت فيه كتابًا بلّغتنا أن هؤلاء بلّغوا، فنحن نشهد بشهادة رسولك وبشهادتك. يقول الله: من يشهد لكم؟ يقولون: نبينا، فيؤتى بالحبيب العظيم ﷺ يشهد ويزكي شهادتهم: 

  • (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]. 
  • (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143]. 

فيشهد ﷺ، فتزكي الملائكة يقولون: يا ربنا محمد صادق وأمته والأنبياء ونحن نشهد بذلك. يقول الله: وأنا أزكي شهادتكم، (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الفتح:28]، وانقطعت الحجة على الكفار والفاجرين:

  • (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ)
  • (كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) [القيامة:11-12]. 
  • (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ)  [القيامة:14-15]. 

(يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ)، وفي قراءة: (يَوۡمَ لَا تَنفَعُ اُ۬لظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡ)، لا إله إلا الله.. (فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت:24]. فلا يقبل لهم عذر ولا لهم حجة، لا إله إلا الله..

  • (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ)؛ الطرد من الرحمة والإبعاد عن الخير وعن النور وعن الفضل وعن النعيم وعن الإحسان، الإبعاد من رحمة الله لعنة -أعوذ بالله- (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ) البعد عن رحمة الله. 
  • (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)؛ شديد العذاب في دار المآل والمصير والنهاية التي لا لها نهاية، (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)).

هكذا يبين الحق -جلّ جلاله-: 

  • ويواصل البيان بما آتى موسى من الهدى، وأورث الذين آمنوا بموسى وصدقوا به الكتاب والتوراة التي أنزلها عليهم هدى وذكرى لأولي الألباب. 
  • ثم يخاطب نبيّنا محمد: (فَاصْبِرْ).. الأنبياء من قبلك قد كُذبوا وأوذوا، اصبر.. امتثل ما أمرناك به، وأنت المقدَّم وأنت المعظَّم وأنت المكرّم في الدنيا وفي الآخرة. 

يا ربِّ صلِّ عليه وزِده تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وعلى آله وصحبه ومن سارَ في دربه وعلى جميع أمّته، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

املأ قلوبنا باليقين يا رب، وتولّنا في الحاضر وفي المنقلب، وبارك لنا في بقية أيام شهرنا فقد مضى ثلثاه وبقي ثلثه الأخير والعشر الأواخر وما فيها من الجود الغزير والفضل الكبير، لا تحرمنا فضل هذه الليالي ونور هذه الليالي وسر هذه الليالي وبركات هذه الليالي والأيام يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام، لا تجعل فينا ولا في أهلينا ولا أولادنا لا في الحاضرين ولا في السامعين ولا في أهاليهم ولا أولادهم ولا أصحابهم محرومًا لهذه الليالي، ولا محرومًا من ليلة القدر التي قال عنها نبيك المعصوم: "لا يحرَم خيرها إلا محروم". لا تجعل فينا محرومًا من هذه الخيرات وهذه النفحات وهذه الهِبات.

واجعل هِمّتنا تزيد وتقوى في العشر الأواخر من رمضان ونشاطنا يكبر ويعظم في العشر الأواخر من رمضان، حتى نجتهد فيها ما لم نجتهد فيه في أوائل رمضان ولا أواسط رمضان، مقتدين بمن أنزلت عليه القرآن، عبدك المصطفى محمد سيّد الأكوان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذي يعتكف في مثل هذه الليالي على بابك، ويناجيك ويدعوك ويتضرّع إليك، وكم ذَكَر أمّته، وكم نادى لأمَته.. ونحن في بركات دعائه الذي دعاك، فأفِض اللهم علينا فائضات منّتك الكبرى عليه، وما جعلته فيه سببًا للنور والهدى والرشاد والسداد والتأييد والنصرة.

اللهم وفّر حظّنا من المِنَن، وادفع عنا الفتن والمِحن، واجعلنا في حصنك الحصين الأحصن، وقِنا شر أهل الكفر والفسوق والعصيان والطغيان ومن حادَ عن أقوم السَّنَن. اللهم ثبّتنا على الحق فيما نقول، اللهم ثبّتنا على الحق فيما نفعل، اللهم ثبّتنا على الحق فيما نعتقد، اللهم ثبّتنا على ما تحبّه منا وترضى به عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

لو تعلم أمّتي ما في رمضان لتمنّت أن تكون السنة كلها رمضان. وما هي إلا أيام معدودات وبقيت الأخيرات، بارك اللهم لنا فيها يا مجيب الدعوات، واجعل حظنا وافرًا يا عظيم الهِبات، يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

22 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

11 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام