تفسير سورة غافر - 8 - من قوله تعالى {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار} الآية 41 إلى الآية 49
الدرس الثامن من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49)
صباح الأحد 19 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله الذي أقام الحُجة على عِباده بتنبيهه وتوجيهه وإرشاده، وإرساله إليهم مَن اصطفاهم من أنبيائه ورسله؛ الذين بالاستجابة لهم يَدخُل المُستجيبون في دائرة رحمة الله وعفوه وغفرانه ومحبته ووداده. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكَرّم على خاتم النبيين وسيد المُرسلين، خير هادٍ إليك ودالٍ عليك، عبدك الحبيب الأمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل ولائه ومحبته واتّباعه والتأدّب بآدابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين المبشّرين به، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام إلهنا ومولانا وربّنا وخالقنا، مُستنِيرين بنوره، مُرتقين به إلى مراتب الاقتِداء والاهتِداء والاتّباع، والاسْتِنارة بذلك النور في البُطون وفي الظُّهور، جعلنا الله وإيّاكم من أهل القرآن الذين جعلوا القرآن أمامهم فقادهم إلى جنّات الرّحمن.
وصلنا في هذه النّعمة إلى تدبّر الآيات في سورة غافر، ويَذكُر الحق لنا أخبار ذاكم المؤمن المُنيب إلى ربّه، القائم بحقّ الإيمان في التبليغ والتبيين والاجتهاد في بيان الحق، ورجاء الهداية لمن حواليه مِن قومه، وأخذ يكرر عليهم: (يَا قَوْمِ)، (يَا قَوْمِ)، (يَا قَوْمِ)؛ مُذكِّرهم أنّه منهم لا يرضى لهم إلا بما فيه خيرهم وصلاحهم ونفعهم، وأنّه غير مُتّهم بالغشّ لهم ولا بالخِداع والكذب عليهم.
وأخذ يُكرّر: (يَا قَوْمِ) حتى وصلنا إلى قوله، يقول -سبحانه- على لِسان ذلك الرجل المؤمن من آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43)).
بعدما بَيَّن لهم:
- أن هذه الحياة الدنيا متاع.
- يُختبر الخَلق فيها:
- مَن رَكَن إليها وغفل بها عن إلهه الذي خَلَقَه وعمّا بعدها من الدار الآخرة؛ فهو الجاهل المغرور الذي يتعرّض للعذاب في يوم البعث والنشور.
- ومَن أحسن التمتّع بها، بأنّ لم يأخذها إلا من حِلِّها ولم يصرفها إلا من محلّها، وتعامل معها بميزان ربّه ومِنهاج إلهه -جلّ جلاله-، مُتِّع فيها متاعًا حسنًا، ثم كان له أجرًا حسنًا.
يقول سبحانه وتعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [هود:3-4].
وبيّن لهم أنّ الجزاء يكون على الأعمال، وذاكم الجزاء الأخطر الأكبر الأصعب الأجلّ؛ جزاء الأعمال.
جزاء الأعمال بعد الخروج من هذه الدار إلى دار المآل: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ).
- فإن النّفع العظيم بالحسنات لا يكون إلا للمؤمن.
- والكافر مهما عمل من حسنات فإنّه يُجازى في الدنيا:
- بدفع أمراض وشدائد.
- أو توفير ولدٍ أو أهلٍ.
- أو تيسير شيء من المُرادات والمطالب، ومهما أكثر الإحسان خصوصًا إلى الناس، أو إلى مسلمين، أو حتى إلى حيوان:
- فإنّه ينال شيئًا من هذا في الدنيا.
- ثم يكون عذابه في الآخرة أخفّ من عذاب الذي لم يحسن -الكافر الذي لا يحسن-.
ولذا قال ما من محسن يُحْسِن إلا جازاه الله:
- أما المؤمن فجزاؤه عظيم ومنه دخول الجنة وهذا أكبر شيء واستقراره فيها.
- وأما الكافر فبتيسير مطالبه في الدنيا وأن يكون عذابه في الآخرة أخفّ من عذاب الذي لم يحسن.
إذًا فكل محسن يتعرّض لجزاء وأثر لإحسانه..
- وأما من أكرمه الله بالإسلام بعد كفره، فإن جميع ما عمله أيام الكفر من حسنات وخيرات يُعاد إليه ثوابها ونورها؛ فيثاب عليها الثواب الأكبر في الجنة.
يقول بعض الذين أسلموا لرسول الله ﷺ: إني كنت في الجاهلية أعمل وما أعمل وأفعل من حسن؟ قال: "أسْلَمْتَ على ما أسْلَفْتَ لكَ مِنَ الخَيْرِ". وذلك من عظيم فضل الله وحسن مُعاملته لعباده.
أخبرهم بذلك، والنتيجة بعد ذلك:
- في دخول الجنة لمن عمل الصالحات، ووجود الجزاء لعمل الصالحات.
- كما يُجازى عامل السيئات، ودخول النار لعامل السيئات كما يدخل الجنة عامل الحسنات.
ففي الآيات احتباك، يقول هذا مقابل هذا، كما في الآيتين اللتين بعدها أيضاً: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ):
- (أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ)، أي: إلى ما به تنجون من أشد الأشياء وهي عذاب الله وغضب الله وسخط الله والبعد عن الله.
- النجاة أدعوكم إليها؛ النجاة من النار؛ والنجاة من العذاب؛ النجاة من شدة العذاب ومن هول العقاب ومن خطر المصير.
- (أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ)، أي: بالإيمان بالله -تبارك وتعالى- ورسله وامتثال أمره واجتناب نواهيه.
(مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ) وأخذ يُحرّك عواطِفهم ويهز مشاعرهم، ويقول هذه المحاولات كلها معكم أنتم تعرضون؟!
- وأنا (يَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ)، ما لي غرض في دعوتكم مالي ولا دنيوي ولا مظهر من مظاهر الحياة الفانية، ما أستفيد شيئًا من دعوتكم.
- (مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ)؛ من أجل أن تنجوا من العذاب المهين ومن الشدائد والأهوال في يوم الدين.
- (مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ) بالإيمان بالله تعالى ورسوله والذي أرسل إليكم موسى، وموسى مُصدّق لجميع من قبله من المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم-.
(مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41))، وما لكم ما تستحون على أنفسكم؟ تدعونني إلى ما يوجب دخولي النار، وما يجعل مآلي جهنم وسعيرها وزقّومها وأغلالها في الآخرة؟
(مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41))، ما تستحون؟ ما ينبعث فيكم شعرة من الحس؟ ما تستحون من أنفسكم وترجعون؟!
- نوّع الأسلوب معهم.
- وبذل جُهده رجاء أن يهتدوا.
- فشكر الله له ذلك؛ فقص أقواله في أعظم كتاب أنزله من السماء.
مُشيراً إلى أن الله يحب من عباده من يعتني بعباده لهدايتهم إليه ودلالتهم عليه؛ فيُكافأه. هذا واحد من آل فرعون، قيل: إنّه ابن عم فرعون مُباشرة، وفي مُحيط كله سيء وبيئة كلها مُنتِنة، ولكن قام بحق الله وصدق؛ فكُوفئ حتى نقل الله ألفاظه وأنزلها في أعظم كتاب أنزله من السماء، في الكتاب المهيمن على جميع الكتب، مُعتنياً به كما اعتنى بدعوته -سبحانه وتعالى- و بدلالته عليه -جلّ جلاله-.
فإن الله يحب من عباده من يحرص على عِباده ويدعو عباده إليه ليُنقِذهم، وأحبّ العباد إليه -أحب الخلق إلى الله- من دعا إلى الله وحبّب عباده إليه، لأن هذا هو أعظم النفع. ويقول: "الخَلقُ كلُّهم عِيالُ اللهِ فأحَبُّ خَلقِه إليه أَنفَعُهم لعِيالِه"، ولا يمكن أن يُنفع العباد بشيء أحسن من دعوتهم إلى الله ودلالتهم عليه، ورفعهم في مراتب القُرب منه، هذا أعظم ما ينتفِعون به في الدنيا والآخرة، فلذا كان خيار الناس دُعاتِهم، ونقل الله ذلك.
بل قالوا: إنّه حتى حيوان لمّا اعتنى بنظرائه من الخلق، من بقيّة الحيوانات، وسعى في سلامتها ووقايتها من العذاب، نقل الله كلامه في القرآن: (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ)؛ لأن الله يُحب النّصح، الله يحب النّصح ويحب البيان للخير؛ فلمّا حرصت هذه النملة على أن تنفع أصحابها وتقيهم خطر الهلاك والموت؛ نقل الله كلامها في القرآن الكريم: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا) [النمل:18-19]:
- فصار قولها هذا يُتلى ويكتب لتاليه بكل حرف عشر حسنات.
- وكان قولها هذا يناجي الله به نبيه محمد والصحابة والتابعين وصالح الأمة ويقرؤونه في الصلوات، الله أكبر!
فالحق تعالى يحب من ينفع، ومن يرشد ومن يبعد الناس عن الهلاك، حتى حيوان مع حيوان شكر سعيه.
يقول: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41))، والمعنى: أنا أدعوكم إلى الجنة وأنتم تدعونني إلى الهلاك. (تَدْعُونَنِي) وبيّن ذلك؛ أين الهلاك؟ وأين الجنة؟ وبما تُنال وما هو الفوز والنجاة؟..
قال: أنتم (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّه) -والعياذ بالله تعالى- (وَأُشْرِكَ بِهِ) -أدّعي له شريكاً معه- (مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)، ما ليس عندي علم أنه يستحق الشركة، ولا شركة له قط، ما أعلم أن له أدنى شركة ولا حق في الشركة في الألوهية ولا الربوبية.
(مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42)) وما الذي تدعونني إليه؟! ما يستحق الشركة، فلا يكون عزيزاً ولا يستطيع أن يغفِر. وأنا أدعوكم إلى من يستحق العبادة وحده بعِلم، وهو مع ذلك عزيز، يستطيع أن يعزّكم ويحميكم ويحرسكم، هو غني عنكم وأنتم مُحتاجون إليه، ومع ذلك هو غفّار، فهو:
- عزيز يُذِل من كفر به، ومن أشرك به، ومن عصاه.
- وهو غفّار لكل من تاب ولكل من أناب، لكل من رجع إليه؛ في شيء في شركائكم من هذا الوصف؟!
(تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)، ما هناك دلالة من قريب ولا من بعيد أنه يستحق العبادة لتَدْعُونَنِي إليه.
- إن كان فرعون: فهو يأكل ويشرب ويبول وكان نطفة وعلقة ومُضغة، ويريد كذا ويقع كذا، مظاهِر العجز ظاهِرة عليه، كيف يصلح للعبودية؟!
- وإن كان غيره من صنم أو غيره: عدم ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، أنا أحسن منه أسمع وأبصر، وأحسن منه؟ عندي من السمع ما ليس عنده، فكيف ترون أن أدعوه مع الله تعالى؟!
لا إله إلا الله.
يقول: (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42))
- (الْعَزِيزِ): الذي يعزّ من آمن به ويخذل ويهلك من خالفه وعاند أمره وأشرك به.
- (الْغَفَّارِ):
- الذي يغفر لمن تاب وأناب سبحانه، ويبدل السيئات إلى حسنات.
- (الْغَفَّارِ) كثير المغفرة، يجود بالغفران كثيراً لعباده، ولا أعظم مغفرة من الله.
يقول: (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ) لا شك ولا مرية حقاً، (أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، يعني: ما يستطيع استجابة دعوة.
(لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، (إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ) -ليس بيدهم الأمر- (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر:14].
- (لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا)، يستطيع ينقذكم ولا يُخلِّصكم ولا يخلقكم ولا يرزقكم.
- (وَلَا فِي الْآخِرَةِ) ما ينجيّكم، ولا ينفعكم، ولا يقيكم العذاب.
(لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، يعني:
- ما يصح أن يُدعى، ولا يستطيع استجابة الدعوة.
- ثمّ إن أيضاً من العجائب، بالنسبة لغير هؤلاء المُتكبّرين كمثل فرعون والنّمرود من مُدّعي الألوهية، بقيّة من تُدّعى لهم الألوهية، ما فيهم أحد دعا الناس والمكلّفين لعبادته أصلاً، أحد منهم دعا؟
- يا عبدة الشمس، قل أرسلت إليكم الشمس من؟ وقالت لكم أنا إلهكم! كيف عرفتم؟ ودعتكم إلى عبادتها؟
- يا عبدة القمر، متى أرسلت القمر إليكم رسولاً؟ متى ادعت أنها إله؟
- يا عبدة الأصنام، أرسلت من إليكم الأصنام؟ ومتى ادعت أنها إله؟
- يا عبدة البقر، متى أرسلت إليكم البقر رسولاً؟ متى دعتكم لعبادتها؟ ما لكم تقلّبوا الكلام كذا كذا؟ وكذب وأوهام وخيالات، وكلام فارغ.
إلهنا الذي نعبده من أول ما خلق بني آدم، أرسل آدم: أن لا إله إلا هو، ودعانا إليه؛ فلو كان هناك غيره، أين هو؟ ما له ما يتكلم؟ أيّ أحد تدّعونه إله غير الله ما له سكت؟! آدم جاء، وشيث من بعد آدم جاء، وإدريس جاء، ونوح جاء، والله يرسل لنا: هو وحده خالق كل شيء وهو إله كل شيء، أخذ كل شيء.
وأين الإله الثاني الذي ما يتكلم؟ ما له؟ نائم؟! خلّه ينام هذا ليس إله! أصم؟ ليس إله ذا! ما يقدر؟ ذا عاجز؛ ما هو إله. سكون الأكوان كلها وسكوتها والحق يقول: أنا ربّ كل شيء الغني عنكم. لا إله إلا الله، لا إله غيره سبحانه وتعالى.
يقول: (لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا) -مرجعنا نحن وإياكم وكل هذه الكائنات- (إِلَى اللَّهِ) الذي خَلَقَنا منه المُبتدأ:
- (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26].
- (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104].
- (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115].
(وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ) متجاوزي الحدود، سواء من ادّعى الألوهية لغير الله، ومن قَتَّل خلق الله وآذاهم وأخذ أموالهم، وانتهك أعراضهم وحُرماتهم، هذا مسرف.
(وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43))، افهموا الكلام؛ يقع فرعون يقع غيره، (الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43)) كلام قوي وشديد، وأمام سلطة وجبروت وطغيان، ولكن رجل صادق ومُضَحّي.
وبعد ذلك قال: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ) سيأتي المَصير والمآب وتنظرون حقيقة ما أُحدثكم عنه، وعند معاينتكم للجزاء ستتذكرون ما قلت لكم، ما بينفعكم التذكر بعد ذلك، الأحسن الآن ترجعوا.
(فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ)، قالوا: أنت تطول وتعرض في الكلام وكذا وكذا، وأنت تريد أن تذهب إلا وراء موسى؟ سنفعل بك ونفعل فيك ونفعل فيك.
قال: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) توعدوه وهددوه، قال: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) -الله أكبر-، هذا التفويض أعلى التوكل وأعظم التوكل -التفويض- قال: أنا فوضت أمري سلمته كُله لمن أثق به.
(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ)، فأول درجات التفويض:
- العِلم بأن الأمر له، ولا ينفع شيء ولا يضر من دونه، من دون إذنه جلَّ جلاله، ولا سعي ولا غيره يستطيع أن يُثبت لي شيء دون ما يثبت له هذا الإله، هذا بداية التفويض.
- ثم الاعتقاد واليقين أنه المُقَدِم والمؤخر والنّافع والخافض، وأن الأمر له -سبحانه وتعالى-، ولو شاء أهل السماوات والأرض شيئاً لم يشأه لم يكن، وإذا شاء شيئاً وإن لم يشأه جميع أهل السماوات والأرض كان، فأنا أفوض أمري إلى هذا.
- والدرجة الثالثة: لي شهود أنه لا يكون كائن ولا يتحرك متحرك إلا بأمر قدرته، حتى جميع ما أقوله وما أفعله تحت خَلقه -سبحانه وتعالى- وإيجاده لي وتمكيني منه، فهذه مراتب التفويض إلى الله.
قال: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)) أَبصَرُ بنيّاتهم ومقاصدهم وأفعالهم وتَخطيطاتهم وترتيباتهم وقُدراتهم، وما يُسرون وما يعلنون، وما يفعلون وما يقولون، وما يتحركون وما يسكنون، بصير بهم، فالتفويض إليه حق وهدى، وهو الذي يكفينا شرّ هؤلاء العِباد فهو البصير بهم؛ ولهذا يقول الله للمؤمنين: ربكم (أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ)، أنتم تخافون أحد أعداء؟ قال: اصدقوا معي وقوموا بأمري، أنا أعلم بهم، أنا أدري بهم..
- (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76].
- (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا)، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) [النساء:45].
إذاً اعتمدوا عليه، واستندوا إليه، وقوموا معه، ولا تخافوا الأعداء، هو أعلم بهم منكم وهو الذي يسيرهم.
- قال سيدنا هود: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56]، (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ)، تعالوا أنتم وآلهتكم وما معكم كيدوني هيا، و (ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ): ولا تؤخروني ساعة واحدة، ليش إيش معك؟ قال: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم) [هود:55-56].
- (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) كان سيدنا جعفر الصادق -رضي الله عنه- يقول: عجبت لمن خاف مكر قوم ويغفل عن قوله: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)).
والله يقول بعدها: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) تَوَعدوه وهددوه وبيعملون وبيعملون، وما عملوا شيئاً من هذا كله، وهو في الأخير لحق بسيدنا موسى، وجاؤوا قومه ويدورون له وبيعملون وبيفتكون به، ولا وجدوا له أثر، وليلة سرى سيدنا موسى سرى معه، وأصبح، وجاء يقول له: إلى أين أمرك ربك يا موسى نذهب؟ أين نذهب؟ قال: أمامك، قال: ما أمامي إلا البحر! قال: أنا مُرسل من عند القوي القادر، وأخذ يقول له: يا موسى أين نذهب؟ لما أقبل القوم، قال: أمامك، حتى جاء، قال: ما أمامي إلا البحر، حتى جاء أمر الله: اضرب بعصاك، فضرب عصاه وانفلق، ومشى مع سيدنا موسى -عليه السلام-، ومِن آل فرعون نجا.
يقول تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، ودفع مكرهم عنه، وهم وقع فيهم البلاء، كل الذي أرادوا الفتك به في سيدنا موسى وقومه، وفي المؤمن هذا (حَاقَ) بهم، (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ).
(وَحَاقَ) حلّ ولزم وأقام بهم سوء العذاب، ما كانوا يريدون أن يَعملوه مِن الشر والسّوء في موسى وقومه ويعرضونهم للهلاك، وفي من آمن، وقع عليهم.
(وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45))، العذاب المُسيء السيء الذي يسوء الوجوه ويسوء الخواطر والضمائر، مِن هلاك في الدنيا وعذاب في الآخرة أشد وأشقّ، وانتهوا من سوء العذاب إلى النار؟
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، بمقدار كل غدوة وكل عشية يعرضون على النار، ما قال: تُعرض النار عليهم! قال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا)، هم يعرضون عليها؛ كيف يعرضون عليها؟ يؤتى بهم إلى عندها؛ زيادة في الإهانة، ولمعرفة الخطر الداهم والكبير، لما يقول تعال شوف؛ ففي كل صباح ومساء تَسوق الملائكة أرواح هؤلاء إلى أمام جهنم: هذه منازلكم تدخلونها في القيامة، شوف شوف العقارب هذه، شوف الحيات هذه، حقك وهذا وهذا، وبَدَل ما تُعرض عليهم وهم في أماكنهم، هم يُعرضون عليها ويُؤخذون إلى عندها، وإلى كثير من أهل العذاب ومَحَلهم في برازخهم، هم تُعرض النار عليهم، ولكن مثل هؤلاء هم بنفسهم يروحوا: تعالوا إلى هناك، يقربونهم من عند النار ويتشوفونها في الصباح، ويتشوفونها في المساء، لذا كان بعض الصحابة كلما أصبح وكلما أمسى، قال: أصبحت مؤمنا بالله والحمد لله، وعُرِضَ اليوم آل فرعون على النار، يأتي في المساء يقول: وعُرِض آل فرعون على النار، وكل مَن يسمعه يستعيذ بالله من النار في كل غدوة وفي كل عشية.
وهكذا جاء في الصحيحين ايضا أنه ﷺ قال: "إِذا ماتَ أَحَدُكُمْ، فإنَّه يُعْرَضُ عليه مَقْعَدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، فإنْ كانَ مِن أَهْلِ الجَنَّةِ؛ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أَهْلِ النّارِ؛ فَمِنْ أَهْلِ النّارِ. فيُقالُ: هذا مَقْعَدُكَ حتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ" يوم الحساب.
فتُعرض الجنة على أهل الجنة غدواً وعشياً؛ كل صباح وكل مساء، فأهل الجنة من أهل البرزخ كل يوم يشاهدوا منازلهم، شوف شوف هذه القصور، وهذه الحور، هذه الأنهار، حقك في القيامة تدخلها، ولهذا يفرح المؤمنون في البرزخ بقرب بالساعة! إذا جاء النبي يزورهم يقول: أبشروا فإن الساعة قريبة، أبشروا فإن الساعة قريب..
- المؤمنون في الدنيا يَخافون القيامة، وإذا ذُكِرَت امتلؤوا خوف، ومن عند الموت يفرحون بالقيامة.
- الكفار في الدنيا ما يبالون بالقيامة ولا يخافون منها، أما عند الموت يخافون أشد شيء عندهم القيامة، يخافون القيامة، لا إله إلا الله
(يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ) [الشورى:18]، والثانيين هؤلاء في الدنيا يستخفون بها، يقولون متى هذي الساعة حقك؟ متى هذا الوعد؟ بعدين مِن عند الموت يخاف ويفزع من القيامة، لماذا؟ ايش قدامه، هو في عذاب، لكن عذاب القيامة أشد من عذاب القبر، لا إله إلا الله.
فهذا العرض ثبت في القرآن لأهل البرزخ على النار، وكما أن أيضًا عامة المؤمنين تُعرض عليهم الجنة وهم في منازلهم، فبعض المؤمنين هم يُعرضون على الجنة، وإذا بهم وحتى جاء أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، في كل غدوة وفي كل عشية تسرح وتمر على ثمارها وأشجارها، فيجعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر، لا إله إلا الله، ويروى كذلك أن قوم فرعون يجعل الله أرواحهم في حواصل طير سود، يذهب بها إلى النار في كل صباح وفي كل مساء.
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) -طول أيام البرزخ، ووعد- (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)، يقال لهم: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46))، وفيه قراءة: (أُدْخُلوا) أي يقول الله لملائكته من خزنة جهنم (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) من الزبانية: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)) نعوذ بالله من عذاب الله، اللهم أجرنا من العذاب.
قال: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ)، اذكر لهم يا محمد أن هؤلاء والكفار والفجار الذين كَذَّبوا الرسل، كلهم وسط النار:
- يتحاجّون.
- يتخاصمون.
- يلعن بعضهم بعضاً.
- يسب بعضهم بعضاً.
يقول:
- أنبئ أمتك أن لا علاقة صالحة نافعة إلا ما كانت لوجهي ولي، كل العلائق بينهم التي ليست لوجهي فإنها تتحول عليهم كلها إلى تباعد، وإلى تباغض، ومحاججة ومخاصمة، (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67].
- فَعَلّم أمتك لا يتخذون علائق للأهواء وللأنفس وللشهوات، ولكن من أجلي يحبون، ومن أجلي يقيمون علائقهم وروابطهم وخَلَّتهم وتعارفهم، "أنَّ المتحابِّينَ في اللَّهِ على منابرَ من نورٍ يومَ القيامةِ".
يقول: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا):
- (الضُّعَفَاءُ) الأتباع.
- (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) المُنَظِّرين القادة.
أنواع الكفر والمعاصي فيها مُنَظِّرين وقادة وفيها أتباع، الأتباع استضعفوا والمُنَظِرين ذي القادات استكبروا.
(وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) مشينا ورائكم واتبعناكم، وكنا من ورائكم؛ كبّرناكم وأظهرناكم في الدنيا، ورائكم نمشي وراء آراءكم، ووصلتنا نحن إلى هنا الآن، جابتنا إلى النار.
(إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47))؟ تأخذوا شيئاً من هذا العذاب الشديد الذي نحن فيه؟ ماهي النتيجة استتبعتمونا ونحن مشينا ورائكم، والآن ماذا تعملون لنا؟!
(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) -نحن وإياكم سواء- ضيّعنا أنفسنا وضيّعنا الأنبياء وضيّعنا الصالحين، وخلاص نحن وإياكم كلنا وسطها؛ نار! نار لنا ولكم، كلنا وسط النار، (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) نحن وإياكم عذاب في عذاب.
(إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ) الله، عرفوا الحكم لمن؟ والأمر لمن؟ الملحد والفاجر والمعاند والمنافق كلهم (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ) وقد قالت لكم الأنبياء الله هو الحاكم، أصلحوا حالكم معه وأطيعوه، أبيتم واستكبرتم وعاندتم.
(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48))، وهكذا ذكر الله لنا ما يَحصل من المحاجة والمجادلة والمناظرة بين أصناف أهل الكفر والفسوق في النار في عدة آيات:
- (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ)، لماذا نحن ضعف العذاب وأنتم ما أنتم مثلنا؟ كفرنا وكفرتم، أشركنا وأشركتم، عصينا وعصيتم، شربنا الخمر وشربتم، أخذنا المخدرات وأخذتم، نحن وإياكم سواء، لماذا نحن لنا زيادة؟ (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) تقول لهم الملائكة.
- (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) يقول الله (وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [الأعراف:38-41].
ويقولون أيضاً لما يدخلون جميعاً إلى هذه النار -والعياذ بالله تعالى، أجارنا الله منها- ويجتمعون وسطها الأتباع والمتبوعين، فما يقولون كما تسمعون في كلام الله سبحانه وتعالى..
- يقول: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ)، نحن الضالين وأنتم جئتم ورائنا وضليتم كمان، ولو كان هدانا الله لهديناكم، نحن أضلنا الله وأضللناكم معنا، أنبياء جاؤوكم، وأولياء كلموكم، ما رضيتوا، أنتم رضيتوا معنا، نحن معكم سواء نار نار -لاحول ولاقوة إلا بالله- (قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا) ما في فائدة (مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [إبراهيم:21].
- ولما يجيئون لعند أكبرهم، الخبيث عدو الله إبليس، يقولون هذا هو رأس المصيبة كلها، هذا الذي دعا إلى الكفر وجَنَّد هؤلاء كلهم الأشقياء من وراءه (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) [إبراهيم:22] جاء لكم كلام واضح وحجج دلائل وأنبياء، وقال لكم (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8]، وأعطاكم وعد حق وأنا أكذب عليكم (وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ)، (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) [النساء:120]، (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ) فيَّ قوة؟
- هل أنا جئت بسلاسل مسكتكم برقابكم وسحبتكم بأرجلكم؟ أبداً، وسوستكم اتبعتوني؛ الآن تحتجون على؟ (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) -يعني: أنا ما أقدر أنقذكم ولا أخلصكم- (وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ) ولا أنتم بتقدرون بشيء (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم:21-22].
يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- في ذكر هذه الحقيقة أيضاً، يذكر -سبحانه وتعالى- أحوال هؤلاء الكفرة وسط النار، يقول:
- (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) يا خباث يا شياطين، أوقعتمونا في الذنوب والمعاصي ومخالفة الأنبياء ومعاداة الأولياء، وجبتونا احنا للبلاء والمفاسد، ووصلتونا إلى النار.
- (لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ)، أنتم فعلتم مثلنا وأشد ياخبائث، أنتم مجرمين مثلنا، (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ) خطط صلحتم وتراتيب داخلة وخارجة وشي اغراء وشي كذا وشي كذا.
- (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سبأ:31-33].
فهذه أخبار الحقّ عما يدور من كل الطوائف، التي تشوفونهم ممّن وصلتهم دعوة الحق وأبوْها، هذه نهايتهم، هذا مستقبلهم ونهايتهم إلى هذا، لا إله إلا الله، اللهم ثبتنا على الحق.
يقول جلَّ جلاله وتعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48))، ثمّ يتعلقون بالخزنة، خزنة النار، يقولون يا ملائكة، (ادْعُوا رَبَّكُمْ) وعِشتم منكرين جاحدين وعاصين لهذا الإله والآن (ادْعُوا رَبَّكُمْ)!! (يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49))، حتى يوم واحد نرتاح من الشدة التي نحن فيها كما يذكر الله لنا، نعوذ بالله من سوء المصير.
يا رب اجعل مآلنا الجنة، اجعل مصيرنا رضوانك وقربك، ومرافقة حبيبك وأنبيائك والصالحين من عبادك، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، فجنّبنا النار. اللهم إنا نسألك الجنة وماقرب إليها من قول أو فعل أو عمل أو نية واعتقاد، ونعوذ بك من النار وماقرب إليها من فعل وعمل ونية واعتقاد، اللهم فاجعلنا من اهل جنتك، وادخلنا الجنة مع السابقين، ونسألك الدرجات العلى من الجنة، فبوأنا الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ الأمين، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 رَمضان 1447