(459)
(631)
(368)
الدرس السابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)
صباح السبت 18 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله حمدًا يُثبِتُ به صدق إقبالنا بقلوبنا عليه في جميع الأحوال، ويفتح لنا به ويفسح آفاق التلقي عنه فيما أنزل على عبده المصطفى خاتم الإنباء والإرسال، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان ومشى على ذلك المنوال، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المخصوصين من الرحمن بأعلى الإفضال، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين المتفضل الوال.
أما بعد،،
فإننا في نعمة تأملنا لكلام ربنا وارتباطنا بوحيه وتنزيله، وما أوحاه إلى عبده وحبيبه ورسوله سيدنا محمد ﷺ، تأملنا آيات سورة غافر حتى انتهينا إلى قول الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه؛ لما اضطره من ظروف الواقعةِ لديه، فكتم إيمانه عنهم؛ حتى لا يستعجلوا بإيذائه وقتله، وليؤدي أيضاً مهمةً وهو يُخفي الإيمان ليكُفَّهم عن شيء من الإضرار بالناس بغير حق..إلى غير ذلك، ويصدهم عن التفكير في قتل موسى.
وقد عَلِمنا في سُنَّةِ الله أنه ما من نبي إلا وفي أمته من يهم بقتله: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5))، ونصر الله تعالى رسله -صلوات الله وسلامه عليهم-، سواء عامتهم الذين لم يُمكِّن الكفار من أمتهم من قتلهم، ومن قُتلوا من الأفراد الذين قتلهم أممهم من الأنبياء، فالجميع منصورون بنصر الله -تبارك وتعالى- في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
وأنَّ هذا الرجل المؤمن:
قال لهم: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ)، وما آتاه الله من الآيات وما أقام من الحُجَجِ، سيدنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الذي قال عنه نبينا ﷺ في وصفه: "الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحاقَ بنِ إبْراهِيمَ"، رسول ابن رسول ابن رسول ابن رسول صلوات الله وسلامه عليهم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والصحب والتابعين.
يقول: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ) الدلائل الواضحات، وما قال لكم: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف:39]، وما كان يُنبِّئ به من الرزق الذي يأتي، وما كان يُعبِّر من الرؤى التي تُقَصُّ عليه (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ):
(فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ)، غمركم الشك ولا خرجتم إلى الظن ولا إلى اليقين أنه رسول من عند الله -تبارك وتعالى-، يعني:
(فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ)، يقصد انتقل من الحياة الدنيا بالموت -عليه صلوات الله وتسليماته-.
وكأنه جاء بهذه اللفظة ليبين لهم -كأنه يخفي إيمانه بينهم- كأنه ما يُعظِّمه، ولكن يدعوهم للفكر الصحيح والنظر في الأمر.. في واحد قد جاء رسول قبله بنفس هذا الكلام، ويوم جاءكم موسى بنفس هذا الكلام. دعونا نفكر، دعونا ننظر، دعونا نتدبر الأمر؟!
(حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا)، كيف؟ يعني ظننتم أن الله تعالى لا يجدد الحجة عليكم ولا يبعث رسولاً آخر من بعد ذلك النبي:
يقول سبحانه وتعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)، سيموت ويسكت ولن يأتيَ أحد كما قالوا قريش، (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)، أنا أنظر أمر الله تعالى فيما أمرني بتبليغه، ومتى أظهر ذلك في حياتي أو بعد وفاتي، فإنه غالب على أمره -جل جلاله وتعالى في علاه- (فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) [الطور:30-31]، وانظروا لمن تكون العاقبة؛ فضلوا وفسدوا، والعاقبة لمحمد ﷺ وما جاء به، وهو دينه المنشور ومنهجه المنصور. جعلنا الله وإياكم من أنصاره حقيقة.
قال: (فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ) -تبارك وتعالى- ويُنزِلُ ظلمة الانحراف عن المنهج السوي:
(كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ)، هكذا يقول لنا الله -سبحانه وتعالى-، إن مَن أسرف على نفسه وارتاب فيما بُعِثَ به الرسل فإنه يتمادى في الغي والضلال؛ لأنه رفض نور الله وهدى الله وبيان الله الذي جاء به الأنبياء، فـ (يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)).
أمَّا الذين أنصفوا وتأملوا فإنه يهديهم، "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"، "فاستهدوني": اطلبوا الهداية بحسن النظر، بحسن الفكر، والتأمل، وبالدعاء، فإني أدلكم وأُبَيِّن لكم الحق، قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت:53].
ولكن مَن أصرَّ وعاند فأسرف وجاوز الحد وظلَّ مُتَشَبِّثًا بالارتياب والشك فهو الذي يُضَل ويبعد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فكما أنه يزداد أهل الهدى هدى، فهؤلاء يزدادون عمى:
قال -سبحانه وتعالى- شأن هؤلاء أهل الارتياب والإسراف:
قال: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ)، كما يقول في الآية الأخرى التي تأتي معنا: (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) [غافر:56].
يقول تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا)، كَبُرَ هذا المسلك المنحرف، مجادلة بغير سلطان، مجادلة بعصبية وبهوى، مجادلة على باطل وضلال.
(كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا)، وذلك أن الله تعالى يرعى المؤمنين به؛ فيقوم الميزان بينهم على قسطٍ وهدى، فيحبون ما أحب الله ويكرهون ما كَرِهَ الله، ولا يُحبَّبُ للمؤمنين أمر ينتشر بينهم إلا وهو محبوب عند الله -تبارك وتعالى-، ولذا قال سيدنا ابن مسعود كما صح عنه: "وَمَا رَآهُ الْمُؤمِنُونَ حسناً فهو عند الله حسن".
يقول: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا):
وهكذا كان من فضل الله تعالى على هذه الأمة:
فكانت علامات واضحات في الأمة..
والخلفاء بعده والعترة *** بهم مع القرآن مستمرة
ومِلَّته محفوظة من فترة *** على الهدى دأبًا بلا انفصالِ
وتركهم على المحجة البيضاء..
وما مضى حتى أقام الدينا *** وصار سهلًا واضحًا مبينًا
فلم تخف أُمته فتونًا *** بل عُصِمُوا في الجَمْعِ عن ضلال
فلا يجتمعون على ضلالة؛ فضلاً من الله تبارك وتعالى.
ولهذا يقول: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا)، فجعل من الموازين أيضًا حال المؤمنين مع المسائل ومع القضايا، فإنهم بمجموعهم إنما يكونون على الهدى وما أراده الله تبارك وتعالى.
(كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35))، وفي قراءة: (عَلَىٰ كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ):
والتكبُّر وهو ادعاء الإنسان ما ليس له وقطعه بأفضليته على من سواه في عقل أو في مال أو في نسب أو في علم أو ما إلى ذلك. التكبر بأي شيء من هذا؛ مانع وقاطع وحاجز عن إشراق النور وإدراك الهدى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف:146].
يقول: (كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35))، مجاوز لحدوده بطغيانه، واستضعافه لمن سواه، وأخذه حقوق الغير، وتكبره على الغير، والاستخفاف بالغير كذلك، هذا جبروت وطغيان.
(عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) يُطبَع على قلبه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. والمعنى أن الذنوب كلها بسببها يُطبَع على القلوب؛ ولكن الكبر والجبروت على وجه الخصوص يَقْوَى به طبْع القلب، يُطبَع على قلب صاحبه فلا يهتدي. وقد قال سبحانه وتعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين:14]، ما كانوا يكسبون من الذنوب والآثام، يطلع الرَّان على قلوبهم فيُغطيها فلا تدرك الحقيقة، ولكن من بين الذنوب والمعاصي: الكبر والجبروت والطغيان أشد، فأصحاب هؤلاء نادر أن يهتدي منهم أحد، بل يُطبَع على قلوبهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- بطابع الكفر والنفاق.
(كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35))، يقول الحق -سبحانه وتعالى-، يُبَيِّنُ أن طغيان الناس في طريقة تفكيرهم وما ينتهون إليه؛ من إرادة جعل الغيبيات والمعنويات كأنها من الحِسِّيَّات، والأمر بحكم نظر العقل المستقيم السليم، وفرقٌ بين الغيب والمعنى وبين الحس والجسم: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف:54]، ما ليس بالأمر ما ليس بجسم ولا يأخذ حيزاً من الأرض وليس له طول ولا عرض.. هو أمر، مثل الروح: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85].
إذًا يقول هذا فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا):
(ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36))، الأسباب: الأبواب والطُّرُق، أيُّ أسباب تلك؟ قال: (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ)، يطلع للسماء! شفت الطغيان؟ شفت طريقة التفكير؟
وهذا عند قادتهم يفكرون هكذا، مثل القادة في أي زمان من الضالين تكون أفكارهم هكذا. كأنه قال: هيَّا دعونا ننظر في أمر موسى يدعي له ربا، يخرج لنا قصرا كبيرا؛ نصعد إلى السماء ننظر أين هو هذا رب موسى؟. وموسى يدعوه إلى إله عظيم قادر ليس كمثله شيء، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار، خالق السماوات والأرض، وفرعون لا يريد إلا إلها جسدا ظاهرا مثله هو! وهذا منافٍ للألوهية! هذا علامة الضعف والحدوث! وعلامة العجز، وجود هذه الجسمانية والحال الذي أنت عليه! ، ولكن هكذا يتصور الإله! لا حول ولا قوة إلا بالله.
(يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا)، (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) [القصص:38]، فكان أول من بنى بالآجُر، وكانوا يبنون بالتراب العادي المُقَوَّى بالماء أو بالحجر، ولكن الآجُرّ هذا الذي يُطبَخ فيه الطين ليصير قويا يُبنَى عليه..هذا من ابتكار هامان مع فرعون، هم الذين ابتكروا هذا وأول من بنى بالآجُرّ.
يقول: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36))، ما الأسباب؟ يا من هو بلا حس بلا عقل! يريد يتناول السماء ويرى الذي فيها! سبحان الله!
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) [الرحمن:33]، مَن مكَّناه وقوّيناه ودعوناه، فنحن الذين نُكرمه في الكون، مثل محمد ﷺ، أعرجنا به ورفعناه إلى فوق، أمَّا واحد ثاني من أين يقدر؟ هذا معه سلطان من الله تعالى فجاوز السبع الطباق ﷺ.
وهذا فرعون يقول: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا) وزيره؛ (لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ)، ومع ذلك كله: (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)! فلا أظن أن إلها آخر إلا أنا فقط! (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي). وأول كان يقول: أنا ربكم الأعلى؛ يوجد أرباب آخرون، وآلهة آخرون لكن دوني، أنا أكبر، ثم قال: لا أحد إلا أنا، قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38]؛ وهذه شؤون الكبر والغطرسة.
ولذا تعجب واحد من بعض أهل الابتداع الذين يسيئون الظن بالمسلمين وينسبونهم إلى الكفر والتقصير والشرك، فجلس يقول مرة واحد منهم مع واحد آخر، فيقول له: ايه ترى الأمة الآن ضلَّت وذهبت، ما بقي إلا أهل بلدتنا هذه فقط. قال له الثاني: صح. قال له: الناس ما يعرفون الدين ولا يعرفون هذا، كلهم مبتدعون مشركون، وما بقي إلا أهل بلدتنا هذه. قال له: شباب بعض البلد ليسوا منا، إلا أهل حارتنا هذه. قال له: صحيح كلامك. قال: تريد الصدق تسمعه؟ قال: نعم؟ قال: حتى أهل حارتنا ليسوا منا إلا بعضهم الذين بالمسجد هذا الذي نحن فيه، نحن والإمام فقط. قال له: صحيح كلامك. قال له: اسمع، أهل المسجد بعضهم تغيروا، ما أحد على الصواب إلا الإمام وأنا وأنت. قال له: صح. قال: بقول لك حتى الإمام فيه بعض نقص! .. ما باقي إلا أنا وأنت. قال: صحيح أنا وأنت. قال: تريد الصدق؟ حتى أنت! ما أحد إلا أنا على الصواب!. لا حول ولا قوة إلا بالله وهكذا، وهذا فرعون يقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38]، ما أحد إلا أنا، وذا ما أحد يعرف الدين إلا أنا!
يا عباد الله! يا خلق الله! يا مؤمنين بالله! عيب عليكم، أين الأدب؟ أين التواضع؟ أين الصدق؟ أين الإخلاص؟ أين معرفة قدر أهل لا إله إلا الله؟
يقول: (فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ)، حُسِّنَ له القبيح الخبيث من العمل السيء يراه ممتازًا. (زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ)، أي يمنع غيره: لا تصدقوا ولا تؤمنوا بموسى، أنا ربكم الأعلى، (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي).
(وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ)، بكل ما يرسم ويخطط ويبني: (إِلَّا فِي تَبَابٍ (37))، في خسر وهلاك. وكل مخططات من كفر بالله ورسوله (فِي تَبَابٍ)، يقول سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ) [النور:39-40]، هل من ظلمة أكبر من هذه؟ هؤلاء في ظلمات، وهكذا كل من لم يؤمن بالله هم ومشاريعهم وخططهم وحضاراتهم (فِي تَبَابٍ)، مثل فرعون والنمرود وقوم عاد وقوم نوح وأصحاب الرس وثمود ومن قبلهم ومن بعدهم من الكفار.
(وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37))، خُسر وهلاك، إلى أين ذهب به كيده؟ إلى أين أوصله كيده؟ ولمَّا (أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) ما تُقبَل التوبة الآن، وهلَك إلى الأبد! قال: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، قال الله تعالى: (آلْآنَ)! ما ينفع! الكيد انتهى ومضى! (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس:90-92].
سبحان واسع الآيات، ويا خَيْبَة المعرضين عن آيات رب البريات، من أرباب الغفلات ومن أرباب التكذيب ومن أرباب المعاصي والذنوب. اللهم ارزقنا اليقين والإيمان والأدب معك في كل شأن.
قال: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37))، وواصل المؤمن محاولاته وتبيناته وإيضاحه للحق بالأوجه المتعددة، حتى بعد كل ما بيّن لهم: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)) ما هناك علامة على الرشد والهدى فيما يدور بيننا من هذه الأفكار وتَحامُلنا على موسى وغيره، تعالوا.. الرشاد هنا أنَّا نُنصِف ونُدرك الحقيقة، (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)) المسلك الصحيح القويم الطيب.
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) مدة محددة، إمكانيات محددة، يتمتع الناس فيها؛ والمقصود الأكبر أن يتزودوا لما بعد الحياة، والمتعة التي فيها من طعام وشراب ومأكول ومنكوح وملبوس ومشروب ومركوب وجاهٍ وما إلى ذلك، وحكم وسلطان.. كل هذا المتاع: قليل بالنسبة لما بعد -أولا-.
ثم يمكن أن يُؤخَذَ على وجهٍ مُقتَرِنٍ بإدراك الحقيقة وبالانتباه للمهمة التي خُلِق الإنسان من أجلها، فيتمتع بها بمنهج الله -سبحانه وتعالى- بما أباحه وأحلّه، قاصدًا التزود للقائه والاستعداد للدار الآخرة. وإلا فإنه يغرق في التمتع بها فيسُتعبد لها، فكأنها ربه وإلٰهه، ويضل عن سبيل الله فهو يخسر الدنيا والآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ وهذه متعة الكفار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12].
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) مُدَّة معينة بإمكانيات محددة معينة مُنقضية مُنتهية، فلابد نعلم أنها ليست المقصودة، ونحن نوقن أننا لا نتخلد فيها.
إذًا فلِمَ جاءت بهذه الصورة؟ من أجل نتزود، من أجل نستعد لما بعدها، أما ننقطع عندها ونقف فهذا خبَل في العقل، خَبَل في العقل، قُدَّام عينك لا هي باقية ولا دائمة ولا مستمرة وتغتر بها! هذا المتاع الفاني إنما نصيبك منه أن تتزود منه للباقي ولحياة الأبد، وإلا صار فتنة عليك وصار عقلك أخبل، تلتهي بمثل هذا.
وهكذا مَن كان يُطلَب منه الحضور إلى عند الملك والأمير، ويتوجه يحصِّل في الطريق بعض الحيوانات وبعض الزروع تعجبه.. يقول: عجيب! ويبقى حيث هو، إيه.. اِمْشِ! أنت المطلوب منك مقابلة الملك! يبقى ملتهياً بها إلى أن ينتهي الوقت، ويُؤتَى بعد ذلك يُؤخَذ بالقوة ويستحق العقاب والعذاب؛ لأنه الْتهَى، هذه متعة في الطريق ليست مقصودة.. المقصود أمامك!
وَما هَذِهِ الدُنيا بِدارِ إِقامَةٍ *** وَما هِيَ إِلّا كَالطَريقِ إِلى الوَطَنِ
وَما الدارُ إِلّا جَنَّةٌ لِمَنِ اِتَّقى *** وَنارٌ لِمَن لَم يَتَّقِ اللَهِ فَاِسمَعنِ
اللهم اجعلنا من أهل جنتك.
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً) من شرك وكُفر وما دون ذلك من الذنوب؛ (فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا)، أي: نتيجتها وجزاؤها المناسب لها يُحصِّله:
(مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا) وهو ما يُحبه الله -تبارك وتعالى- ويُشرِّعه. يقول: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) يعمله لأجل الله تعالى؛ (فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)) لا كيل ولا وزن ولا حدود ولا تموين ولا اقتصاد على قولهم، خُذ ما تشاء؛ (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص:39]، وهذا جزاء من اتقى الله في الحياة القصيرة هذه الفانية، أيام المتاع الفاني. خُذ لك ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين، أنت قهرت نفسك من أجلنا في الحياة الدنيا، تعال الآن خذ لك ما تشتهي النفس وما تلذُّ العين، فلا حساب ولا عد ولا كيل ولا وزن، خذ، الله أكبر! اللهم اجعلنا من أهل الجنة (فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)).
اللهم إننا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، فأَجرنا من النار وأدخلنا جنتك مع المقربين، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
الفاتحة
19 رَمضان 1447