تفسير سورة غافر - 6 - من قوله تعالى {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه..} الآية 26 إلى الآية 33
الدرس السادس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)
صباح الخميس 16 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله ولي التبيين والهداية لِمَن استبيَن واسهتدى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ استوى في علمه ما خَفِيَ وما بدا، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله نبي الهدى، بعثه الله -سبحانه وتعالى- وأرسله (بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:9] من جميع العِدى.
اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك الهادي إليك وهو خير من إليك هدى، وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام السعداء، وعلى مَن والاهم فيك واتبعهم بإحسانٍ وبهديهم اقتدى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلِين سادات السعداء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإنّنا في نعمة تأمُلِنا لكلام ربنا ﷻ، وتَفكُّرِنا في دلالاتهِ وإرشاداتهِ ومعانيه، واستبياننا للسير إليه بما أوحى إلى عبده الهادي إليه والدال عليه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ انتهينا في سورة غافر إلى قوله ﷻ بعد أن ذكر إرسال موسى بالآيات والسلطان المبين، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ) -أي: وإلى قومهم ومَلَئِهم- (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24))، وجاءهم بالحق وكان الجواب: (اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26))، وفي قراءة: (أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ).
وانتهينا إلى قوله: (وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27))، قال سيدنا موسى -عليه السلام- في هذا الموقف والأحوال الشديدة، وما يتفجّر من حواليه من غيظٍ وحَنَقٍ، وطغيانٍ وتمردٍ، وقدراتٍ ماديةٍ عسكرية، قال: (عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم)؛ أي: لُذتُ، وتحفّظتُ، واستجرتُ بالله؛ ربي وربكم وربِّ كل شيء:
- فهو ربُّ المؤمنين والصالحين والنبيين والملائكة.
- وهو ربُّ المجرمين والفاسدين، والطُّغاة والباغين والكافرين.
وإن أنكروا وإن جَحَدوا وإن تولوا؛ هو ربُّ الجميع وإليه مرجع الجميع.
إن قال سيدنا هود لقومه: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56] ﷻ.
(وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم):
- وهذا لِياذُ الأنبياء وأتباع الأنبياء في جميع أحوالهم في السّراءِ والضّراءِ.
- وكلّ ما اكتنفهم من أنواع الشدائد والمِحن، وتكالُب الأعداء عليهم:
- فلِياذُهم بالله، وعِياذهم بالله، ورجوعُهم إلى الله، واحتمائهم بالله، واعتمادهم على الله، وتوكلهم على الله -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
- (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [الممتحنة:4]، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك.
اللَّهم مهما التجأ قلبٌ وفكرٌ من الناس بأحد من خلقك؛ فإنّا نلتجئ إليك، ومهما عاذَ أحدٌ منهم بشيء من عبادك وخلقك؛ فإنّا نعوذ بك من كل سوء أحاط به علمك، ومن مكر الماكرين، وخصوصًا هؤلاء الذين استجار سيدنا موسى من شرهم: (كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ(27))..
- فإنّ مَن يؤمن بيومِ الحِساب:
- يقفُ عند حُدوده.
- ولا يُمكّن هواه ولا شهواتِه منه؛ أن تسطو ولا أن تطغى عليه.
- ولا يمد يده على أحد.
- ولكن مَن لا يؤمن بيوم الحساب:
- فلا يرجو ثوابًا ولا يخاف عِقابًا.
- ومع ذلك عنده الكِبر والغطرسة.
فما الذي يصده عن كل سوء؟ وعن كل شر؟ وعن كل أذى؟ وعن كل ضُرّ بكل ما يملك؟ فهذا الذي خصّ سيدنا موسى العياذ بالله تعالى والاستجارة به من هذا الصِّنف من الخلق: (مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ(27)). فيا ربِّ عُذنا بك من كل متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب، يا ربّنا ويا ربَّ كل شيء، عُذنا بك من كل مُتكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.
- ويُشابه هؤلاء مَن يدّعي الإيمانَ بيوم الحساب ثم لا يحسب له حسابًا ولا يُقيم له وزنًا؛ فكأنه لا يؤمنُ به فيتكبر:
- فهم يتصرّفون تصرّفًا يشبه تصرف الفُجّار الكُفّار الذين لا يؤمنون بيوم الحساب.
- حتى يستخفون بالأعراض، وبالأموال، وبالدماءِ، وبالكذبِ، وبالدجلِ، وبالغشِ.. وما إلى ذلك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
- لكن مَن تمكّن من قلبه نور الإيمان بيوم الحساب:
- حمل نفسه على الاستقامة، على الهدى والصواب.
- وزجرها عما لا يَرضى ربُّ الأرباب -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26].
فالله يجعل يوم الحساب نَصْب أعيننا، موقِنين به، مُستعدّين للعرض فيه والوقوفِ بين يدي الباري -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.
(وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27))؛ فأعاذه الله ﷻ، وأغرق فرعون وقومه، ومكَّنه ومَن معه من مشارق الأرض ومغاربَها المُبارك فيها وهي: فلسطين وبقية أرض الشام وما حواليها من مصر وما حواليها، فمكَّنهم -سبحانه وتعالى- منها، وأهلكَ مَن كان يُناوِئَهم، ومَن كان يتحداهم ويقف أمامهم مُعاديًا بالمرصادِ، فأهلكهم الله تعالى؛ (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)، (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) [الأعراف:137]؛ كسُنَّتِنا في تدمير آثار البُغاة الطُغاة، المُجرمين المتمردين على ممرِ القرون، من الذين تَحزّبُوا على الأنبياء وآذَوهم وكذّبوهم.
قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27))؛ وهذا الركن الذي يجب أن يحيا في الأُمة؛ ركن عياذهم بالله ولِياذهم بالله، فإنه عند حسابات كثير من عقليات ناس مسلمين مؤمنين لكن ما عندهم حساب إلا: مادة ودُنيا، وهؤلاء يحكمون كذا، وهؤلاء يُخططون كذا، ولابُدّ لنا من مرجع إلى ذا، ومرجع إلى ذا، ولابُدّ ندخل في المَعمَعَة من حيث نتكئ على هذا، ونعتمد على هذا، ونتفق مع هذا، ونتحالف مع هذا.. فأين الله؟! أنت تدّعي أنّك مسلم، البعض يدّعي بأنه بينصر الإسلام ولكن حساباته كلها لا لِياذ بالله، ولا عياذ بالله، ولا لجأ إلى الله، ولا رجوع إلى الله؛ إلا نفس تفكير الكُفّار والفُجّار: ذا عنده قوة كذا، وذا نرتب معه كذا، وهذا نخدعه بكذا، وذا بنجيء له بكذا؛ هذا مسلك الكُفّار والفُجّار.. أين مسالك الأنبياء؟! أين مسالك الأصفياء والأولياء؟! أين اللياذُ بالله؟! أين الرجوع إلى الله؟! أين الاعتماد على الله؟!
ربِّ عَليك اعْتمادي *** كما إليك اسْتِنادي
صِدْقًا وأقْصَى مُرادي *** رِضاؤك الدَّائِم الحَال
وماذا نفعل بغيرك وبرضاهم؟ قال سيدنا وإمامنا وقُدوتنا وقدوة جميع الصّادقين: "إن لم يكُنْ بك عليَّ غَضَبٌ فلا أبالي"، "إن لم يكُنْ بك عليَّ غَضَبٌ فلا أبالي، ولكِنَّ عافيتَك هي أوسَعُ لي".
يقول: (وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، يقول الله: إِنِّي أَهْدِي مَنْ أَشَاءُ، ويا فوز قلب عرف الله وتعلّق به، وأطاعه وقام بأمره في خلال الحياة القصيرة؛ درجاته كبيرة وخيراته وفيرة، وأُعِدّ له "ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ"؛ يكون هذا القلب من أي طائفة، ومن أي جماعة، وفي أي مكان. وهذا رجل مؤمن من آل فرعون، من عمق مَحَلِّ التكبُّر والتغطرس والمعاداة للأنبياء؛ خرج مؤمنًا صادقًا صافيًا مُخلصًا ناصرًا لله ولرسُلِه -عليه الرضوان-؛ فقصَّ الله علينا خبره، حتى يُقال إنه ابن عمّ فرعون مباشرة.
(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)؛ اضطرّته الظروف والأحوال والملابسات من حوله أن يكتم الإيمان، لا لمُجرّد الخوف من طغيان هؤلاء وقتلهم إيّاه؛ ولكن ليَقِفَ مثل هذه المواقف، وليدافع ما استطاع، وليرتقب نصر الله تعالى وفرجه؛ فكان يَقِفُ لهم وهم يرونه أنه منهم ومن جِلدتهم، فيقبلون منه بعض الكلام والمحاورة والمراجعة.
(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)؛ وفيه:
- أن الذي يكتم إيمانه لعُذرٍ وقصدٍ صحيح؛ لا ضرر عليه، ولا عيب عليه، ولا نقص عنده في الإيمان؛ إذا كان بعُذر صحيح ولقصد صحيح. (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) أولًا.
- ثم من المؤمنين أيضًا مَن يُعلن إيمانه ويقوم به.
وفي هذه القصة كان فيما روى البزَّار وغيرهم، عن سيدنا علي بن أبي طالب، كان يذكر قصة لسيدنا أبي بكر، ويقول: أتدرون مَن أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين، قال: لا.. أشجعُنا أبو بكر؛ وذكر الموقف، قال: تجمّع عليهم المشركون، وقاموا يقولون: أنت الذي تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وتقول عن آلهاتنا؟ فقال ﷺ: أنا ذاكم، قال: وأخذوا هذا يجرُّه، وهذا ويأخذه، وهذا يأخذ بتلابيبه، وهذا يأخذوا برداءه، حتى أنه قال: فقام أبو بكر يضرب هذا، ويبعد هذا، ويجرُّ هذا، ويقول: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)، حتى جاء إلى عُقبة بن أبي معيط وهو يلُفُّ الرداء على رقبة رسول الله ﷺ يكاد أن يخنقه، فدخل وتواطأ عليه بجنبه حتى أبعده -أيام كان المؤمنون مستضعفين بمكة- يقول سيدنا علي: ما قام إليهم إلا أبو بكر، وقال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)، ثم قال سيدنا علي: ما تقولون.. أمؤمن فرعون خير أم أبو بكر؟.. فكان يقول: أبو بكر خير؛ ذاك رجل من آل فرعون يكتم إيمانه؛ وهذا يعلن إيمانه؛ (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ).
فجاء في الأخبار في السيرة المُشرّفة، أنه بعدما فكّه منهم وخلصه ومشى؛ رجعوا على أبي بكر يضربونه، وأشبعوه وأوجعوه ضربًا حتى من شدة ما لكمُوه، ودَكمُوه، و ضربوه؛ يكاد أنفه ينفطس ولا يُميَّز بين وجهه وأنفه من شِدّة ما ضربوه.. وأغُمي عليه، وجاءت العصبية عند جماعته من بني تيم وقاموا، وأخذوا أبو بكر إلى بيته، وقالوا: إن مات بنقتل فلان وبنقتل فلان؛ يعني الذين ضربوه.
فبقي مغميًّا عليه إلى آخر النهار؛ أول ما أفاق قال: ما فعل رسول الله؟ فغضب عنده المشركون من قومه، قالوا: بسببه نالك هذا كلّه، الآن أتسأل عنه؟! قال: لا والله، لا أطعم ولا أشرب حتى أنظر رسول الله ﷺ وماذا به؛ فرّوا منه المشركين.. فجاءت ابنته أسماء وقالت: يا أبي، رسول الله بخير. قال: أين هو؟ قالت: هو في البيت الفلاني، قال: خذيني إليه.. فجاءت بأحد معها؛ لأنه ما قَدِر يمشي من شدة ما بِه من ضرب؛ يمسكون بيده من هنا ومن هنا، ومشوا به، قالوا له: اشرب، قال: لا والله، لا آكل ولا أشرب حتى أنظر رسول الله، فأخذوه يقودونه حتى وصلوا.. فلمّا وصلوا ودقوا الباب؛ خرج ﷺ إليه، فالتزمه، وبكى أبو بكر وبكى رسول الله ﷺ وهو يلتزمه ويعانقه.. بعدها قدر يشرب ويأكل -عليه الرضوان-.
لا إله إلا الله. كم عانى نبينا! وكم عانى السابقون الأولون؛ من أجل أن نجلس مثل هذه الجلسة، من أجل أن نحصّل مثل هذا الخير، من أجل يمتد إلينا هذا النور. جزى الله نبيه عنا وآله وأصحابه خير الجزاء وأفضل الجزاء.. ما أعظم ما جاهدوا! وما أعظم ما رضي عنهم! وما أعظم ما آتاهم سبحانه وتعالى! (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100]؛ والله ذلك الفوز العظيم، اللّهم ألحقنا بهم، واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين.
(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، ثم إن سيدنا علي في بعض الروايات الأخرى ذكر موقفًا آخر لأبو بكر، قال: كنّا يوم بدر لم يحرس رسول الله ﷺ في العريش إلا أبا بكر؛ بقوا عند العريش والصحابة ذهبوا، وسيّدنا علي يقول: قاتلتهم ماشاء الله أن أقاتلهم وعدت إلى العريش، وأبو بكر عند نبيّه يحرسه، ورسول الله ساجد سمعته يقول في سجوده: "يا حيّ يا قيّوم"، قال: وعدّتُ إلى القتال، وقاتلتهم ماشاء الله أن أقاتلهم ورجعتُ إلى العريش، وجدته في سجدته يقول: "يا حيّ يا قيّوم".. وثالث مرّة كذلك، قال: ثمّ إنّه رفع رأسه الكريم صلّى الله عليه وصحبه وسلّم يدعو ربّه حتّى سقط رداؤه، فالتزمه سيّدنا أبو بكر من ورائه يقول: كفاك بعض مناشدتك ربّك يا رسول الله، إنّ ربّك منجزٌ لك ما وعدك. ثمّ قام من سجدة له، وقال: الله أكبر "هذا جِبريلُ آخذٌ بعَنانِ فرسِهِ يقودُهُ، على ثَناياه النَّقعُ"؛ أي: أثر الغبار، وخرج يقرأ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، وسيّدنا عمر كان يستقبله وهو خارج إلى ساحة المعركة، قال: أوّل مرّة أفهم معنى الآية، قال: كنّا نقرأها في مكّة (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، نقول: أي جمع هذا؟ ومتى يُوَلُّونَ الدُّبُر؟ قال: فسمعته يقرأها وهو خارج في غزوة بدر، يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)؛ وهي ساحبة ذيلها على كلّ جمع تجمّعوا لأجل إطفاء هذا النّور، ولأجل معاداة بدر البدور ﷺ، (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر:45].
وجعل نبيُّنا من شعارنا في تكبيرنا في أعيادنا: "وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ"، فكلّ من تحزّبوا على مضادة الله ورسوله؛ فهم المهزومون كالأحزاب من قبلهم؛ الذين تحزّبوا في مضادات الأنبياء والرّسل -صلوات الله وسلّمه عليه-.
- (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ) [غافر:5].
- يقول سبحانه وتعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ * إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ)، (إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) [ص:12-14].
فيا من خصّصتنا بزين الرُّسل، وسيّد الرُّسل، وخاتم الرُّسل، ارزقنا ولاء هذا الرّسول، ومحبّة هذا الرّسول، ونصرة هذا الرّسول، والثّبات على قدم هذا الرّسول، والعمل بسُنّة هذا الرّسول، وأن نحيا ونموت على الوفاء بعهدك وعهده يا بَرّ يا وَصُول، يا الله. آمنّا به وصدّقناه، وشهدنا أنّ ما جاء به هو الحقّ، فحقّقنا اللّهم بحقائق ذلك، واجعلنا بأرواحنا وأموالنا ناصرين له وما جاء به، برحمتك يا أرحم الرّاحمين.
(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، ثمّ إنّ الله قصّ لنا أنواع محاوراته ومحاولاته وَتبييناته؛ هذا الرّجل المؤمن؛ اعتناءً من الله بشأن هذا الرّجل..
- قال: ولم يؤمن من آل فرعون إلّا أفراد: هذا الرّجل، وامرأة فرعون آسية.
- ويقال: أن هذا هو الرّجل الذّي نجا مع سيّدنا موسى من جملة قوم فرعون كلّهم في البحر؛ وهو وحده خرج.
- والذّي جاء إليه سابقًا لمّا أحسّ ائتمارهم عليه، (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص:20]، هذا لمّا جاء سيّدنا موسى آمن هو.
فهؤلاء الأفراد الذّين آمنوا من قوم فرعون، وعامّتهم أصرّوا على العناد، والتّعصّب والعـَصبيّة، والتّحزّب لفِرعون؛
- (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) [الزخرف:54].
- (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ * ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) [هود:97-104].
يقول: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)؟ ما عنده ذنب، ما عنده مشكلة، ما عنده أذى لكم، ما عنده انقلاب عليكم، ما عنده ثورة عليكم، ولا عنده منازعة لسُلطانكم؛ فقط (يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)، ويدعوكم الله أن تؤمنوا بهذا الإله، ما أراد ملككم، ولا أراد مالكم، ولا أراد …
(أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ)؛
- جاءكم بالبيّنات.
- جاءكم بأوامر ونواهي.
- وجاءكم بآيات:
- يده تخرج بيضاء وترجع كما كانت.
- وعصا يحطّها في الأرض وتصبح حيّة، وبعد ذلك ترجع كما كانت عصا أمام عيونكم.
وجمّعتم السحر حقهم السحرة وما فادُوا شيء، وجاءت أكلت العصا حقه جميع ما عملوه؛ وعرفتم أن أمره ليس بسحر.
(وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وأنتم ما تتضررون؛ لو هو كذّاب، وكذب على ربّه تعالى، وقال أنّه أرسله؛ من غير صدق.. فكذبه عليه.
لكن (وَإِن يَكُ صَادِقًا)؛ أنتم الذين بتتضررون، (وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) كيف بعض الذّي يعدكم؟ يعني: الذّي وعدكم بيصيبكم… كيف بعض؟ ما هو بعض؛
- هو قال: وَعَدَهم: إن آمنتم لكم الخير في الدنيا والآخرة وكذا، وإن كفرتم فكذا…؛ فواحد بيصيبكم منه لابد إما ذا أو ذاك؛ (بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)، يصبكم بعضه؛ إما ذا، وإما ذا، واحدة من الاثنتين؛ إن آمنتم فذا، وإن كفرتم فذا.
- (يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)؛ وقد يُستعمَل في اللغة أحيانًا يقول: يصيبك بعض الأذى؛ يقصد الأذى كله.
(يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28))؛ يعني: لو كان هو يكذب وأسرف في الكذب على ربّه؛ ما بيهديه الله ولا بينصره؛ وأنتم يا فرعون وقومي؛ يا قومي ويا جماعتي، إذا افتريتم على الله وجعلتم معه إله آخر، وأسرفتم بالإشراك، وكذبتم بادعاء الرّبوبيّة والألوهيّة لغير الله، ما بيهْديكم:
- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ)، جاء بها عامّة وكذا كلام عام، بيفسرونه على هذا أويفسرونه على هذا؛ والمعنى صحيح.
- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ)؛ لكن لا مسرف ولا كذاب إلا فرعون وقومه، لا موسى ولا جماعته، ما أحد منهم مسرف ولا كذاب.
(يَا قَوْمِ) أحسنوا تشغيل الفكر والعقل، اليوم نحن ظاهرين في أرض مصر وما حواليها، ولنا القهر والغلبة والسّلطة، وكم قد ظهر أمثالنا في مصر وفي غير مصر؟ هنا وهناك؟ وما كانت نهاياتهم؟
(يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ)؛ أرض مصر وما حواليها، وقد ظهر قدّامنا كثير، وملكوا مصر وملكوا غير مصر وهلكوا.
(فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا)؟ إذا جاءتنا عاقبة مثل عاقبة أولئك؛ ونزل أنّهم جاءهم رُسل وكذّبوهم؛ وأهلكهم الله.. والآن نحن إذا اغتررنا بالملك في الحال والساعة التّي نحن فيها، إذا جاء عذاب الله تعالى ونقمته مَن ينجّينا؟ شغّلوا العقول! فكّروا تمام، فكّروا صح -على قولهم- فكر تفكير صحيح؛ (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا).
ثم قال فرعون: لا تطوِّل علينا الكلام؛ (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ)، يعني: الذي أرى أنا وأختار لنفسي أنا أختاره لكم؛ (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ) -لنفسي- (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29))؛ أنا على الصواب والحق، أنا الإله، وهذا يَكذِب؛ موسى ومن معه -لا حول ولا قوة إلا بالله-.
(قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29))؛ فتابع المؤمن محاولاته، وتَبييناته، وبذل جهده، يعرضه الله لنا؛ ليعرف واجبات المؤمن كيف تكون في مختلف الظروف والأحوال وإن اشتدت، كيف الواجب، ما واجبه، كيف يتكلّم، كيف يُبيّن، كيف يبذل ما في وسعه؛ "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ" يقول النبي.
يقول: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30))؛ الأمم التي تحزّبوا على الأنبياء وعادوهم، وبعدين هلكوا.
(مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ)؛ مثل الذّين جاءوا من بعدهم، مثل قوم لوط، ومثل قوم النمرود ومَن حوله، والأمم التي بين عاد وبين ثمود وبين موسى -عليه السلام-.
(وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31))؛ ما أهلكهم إلا لمّا كذّبوا وعاندوا وجحدوا، ولو استقاموا؛ ما يهلكون؛ إذًا فهلاك الأمم قائم على:
- مخالفة الأنبياء والرّسل.
- وعلى العناد هذا، والكِبر.
(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ) ما كان الله ليهلكهم لو لم يسرفوا ويتكبّروا، ويعادّوا الأنبياء؛ وأنتم لا تمسكوا نفس الطّريق، وبعد ذلك تكونوا مثلهم عاقبتكم مثل عاقبتهم.
(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ) -بعد هذا كله- (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32))، (أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ)؛ يوم القيامة.
ما (التَّنَادِ)؟ تناد أنواع النّداءات تكون فيه:
- تنادي؛ يُنادى كلّ أُناس ويُدعَون بأئمّتهم؛ (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) [الإسراء:71].
- ينادى على كلّ واحد للوقوف بين يديّ الله..
- ينادى المنادي بعد الوقوف بين يديّ الله كلّ واحد: "لقد سَعِدَ فَلَانُ ابن فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا".
- وينادى على الآخر: "لقد شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً".
- وينادي بعضهم البعض في أوّل مواقف القيامة، يهرب بعضهم من تجاه بعض، وينادي بعضهم على بعض؛
- عنّد النّفخة الأولى والفزع.
- وكذلك في وسط الموقف عنّدما تُقبل جهنّم، ينادي بعضهم ويهرب بعضهم إلى بعض.
- ثم ينادي أهلُ الجنّة أهلَ النّار: (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ) [الأعراف:44].
- وبعدين: (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) -يوم التّناد- (قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50].
- (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ)؛ ما الفوضى التي كنتم تحدثونها في الدُّنيا والحركة والزّمجرة الكبيرة؟ (أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)، تكلّمتم على هؤلاء وقلتم؛ هؤلاء الذين تكلّمتم عليهم قيل لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) [الأعراف:48-49]، وماذا استفدتم أنتم؟
- ثمّ يكون نداء عظيم لأهل الجنّة ولأهل النّار بعد أن يُصوّر الله الموت في صورة الكبش، ويأمر سيّدنا يحيى فيذبحه، وينادي المنادي: "يا أهلَ الجنةِ خلودًا فلا موتَ فيه ويا أهلَ النارِ خلودًا فلا موتَ"؛ فهو (يَوْمَ التَّنَادِ (32)).
ثم قرأ بعضهم (التَّنَادِ) بتشديد الدّال؛ يعني: النّفرة، تنادّ: يَنِدُّون.. يَنِدُّون إلى أطراف الأرض؛ يندُّ بعضهم بعض؛ (يَوْمَ التَّنَادِ).
(وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ)؛ خوفًا من النّار، تروحوا كذا، تروحوا كذا، لا يوجد طريق -لا إله إلا الله-.
(يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ) وتُقبِل النّار من هنا فيهرب جماعة من الكُفَّار إلى هنا.. فيجدون الملائكة أمامهم، ثم بيرجعون هنا… النّار أمامهم، بيرجعون هكذا…
(يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ)؛ ما أحد يعصمكم منه ولا يحفظكم، فأين تذهبون؟
- (يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ) [القيامة:10-11]، ولا أحد بيؤازرك، ولا بيناصرك، ولا بيقوم معك.
- (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) [النحل:111].
- (لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ:38].
الأنبياء والمقربون والصالحون هؤلاء اللذين يخاطبون الحق: يا رب فلان.. يا رب فلان.. يا رب أرحم فلان؛ يشفعون، أما الباقين ما أحد منهم بيقول قول بيٌنقذك، ولا أحد منهم بينفعك بشيء.
فإذا لك علاقة بالنّاس، دوّر للنّاس الذين لهم كلمة في القيامة، والذين لهم شفاعة عند الله؛ خلّ علاقتك بهم طيبة، هم هؤلاء بينفعونك، والباقين بيتبرؤون منك؛ (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67] -لا إله إلا الله-.
(يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)) اللّهم اهدنا فيمَن هديت، وأعذنا من الضّلال في النّيات والمقاصد والأقوال والأفعال.
وهكذا لا يزال الحقّ يعرض علينا ماذا حمل من مبدأ هذا الرجل المؤمن الذي يكتم إيمانه، وماذا قام به من محاولات وبيانات واجتهادات؛ عسى أن يهدي الله مَن يشاء، والأمر لله؛
- (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)).
- (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ) [الزمر:37].
اللَّهم اهدنا فيمَن هديت، نسألك الهداية الكبيرة يا رب بما هديت به المحبوبين المقرّبين من النّبيين والصّدّيقين، والذّين كانوا في مثل ليلتنا هذه في ساحة بدر مع نبيّك محمّد ﷺ، صلّى بهم العشاء، وأخذ قائمًا طول الليل يناجيك ويُكثر من "يا حَيُّ يا قَيُّوم"، وأصبحوا معه في يوم السابع عشر من شهر رمضان في يوم الجمعة على محبّة لك وله، آثَروك وآثَروه، وقدّموا أنفسهم وأرواحهم من أجل نُصرتك ونُصرته؛ فهديتهم هداية كبيرة، ونظرت إليهم في ذاك اليوم، واطلعت عليهم وقلت: "اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
اللَّهم اهدنا بهدى الأصفياء الأتقياء من الأنبياء وأتباعهم المقرّبين الأولياء. اللَّهم لا حرمتنا خير ما عندك لشر ما عندنا. اللَّهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولّنا فيمَن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللَّهم وفر حظنا من ليالي الشهر الكريم، ومن ليلة السابع عشر، ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان، اجعل لنا يا مولانا اقتداء بجمع الإيمان والتّوحيد؛ جمع نبيك محمد ومن حضر معه من الصحابة الكرام والملائكة المُقرّبين، اللَّهم سِر بنا في ذاك السبيل، واسقنا من ذلك السّلسبيل، وأرنا وجوه ذلك الجيل، في محل التكريم والتبجيل، يا كريم يا جليل، يا مَن يعطي ولا يبالي، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. وانظر إلى أمته، وفرّج كرُوبهم، وادفع البلايا والشّدائد والآفات عنهم، واجعلنا ممَن ترعاهم عين عنايتك في جميع الأطوار.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ المختار مُحَمَّدٍ ﷺ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
17 رَمضان 1447