(459)
(631)
(368)
الدرس الخامس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)
صباح الأربعاء 15 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله مبيّن سُبُل الهدى، وعالِم ما خفي وما بدا، وجامع الأولين والآخرين للحُكم بينهم غدًا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه المُنتهى كما كان منه الابتداء، ونشهد أن سيدنا ونبيّنا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون من العِداء.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرّم على عبدك المًّجتبى المُختار سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه وبهديه اقتدى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات السعداء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمّا بعد،،
فإنّنا في نِعمة تأمّلنا لكلام ربّنا -جلّ جلاله-، وتدبّرنا لوحيه الذي أوحاه إلى نبيه المُختار سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وصلنا في سورة غافر إلى قوله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ).
دعا الله -سبحانه وتعالى- أن يستعمل الناس ما أوتوا من قوّة العقل والفكِر والنظر استبصارًا واعتِبارًا وتذكّرًا بأن يسيروا في الأرض:
وكان أبونا آدم الذي أُهبط إلى الأرض قد مضت بيننا وبينه عشرات ومئات وألوف القرون بيننا وبين آدم -عليه السلام- فقد مضى قبلنا طوائف بعد طوائف، وأمم بعد أمم، وجماعات بعد جماعات، وزمر بعد زمر، وشعوب بعد شعوب، ودول بعد دول، كثيرة، ولا نكاد نسلك مسلكًا إلا ونجد قد سبقنا إلى هذا المسلك من سبق من أولئك؛ فكان لِزامًا علينا مهما عقلنا أن نسير في الأرض وننظر.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ):
(فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ)، ما كان مصيرهم؟ ما كانت نهايتهم؟ ما كان أواخر أمورهم؟
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ)، ينظرون نظر اعتبار واستبصار وادِّكار، وما أكثر العِبَر وما أقل المُعتبرين.
يقول سبحانه وتعالى: (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) يعني آتينا في أصناف من بني آدم وأمم مضت أنواع من القوّة الجسدية والفِكرية والمادية والعسكرية كثيرة وكبيرة:
(كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ)، من جِهة العَمار؛ من جِهة البساتين والمزارع؛ من جِهة الحِرف والصناعات؛ من جِهة الأواني والأمتعة؛ كثيرة كانت وكبيرة، وشيء من النحاس الخالص أواني كبار يطبخون فيها ويستعملونها، وشيء من الفضة وشيء من أنواع غالية وما إلى ذلك، آثار في الأرض، وأقاموا اجتماعات وأقاموا مؤتمرات وأقاموا حركات في الأرض كثير.. آثار، فلا عاد هم ولا عاد آثارهم، فهل ترى لهم من باقية؟! وأنتم يا معشر الموجودين على ظهر الأرض تنتظرون عاقبة غير هذه؟! تنتظرون نهاية غير هذه؟! هذه النهاية الحتمية لكل مَن على ظهر الأرض، ولا يبقى إلا ما قُصِدَ به وجه الباقي وارتضاه من النيات والمقاصد والأفعال والكلمات فقط، وما لم يرتضه كله بلاء على أهله وما أفادهم شيء، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128] وحدهم.
فماذا تنتظرون؟
لا أحد عنده قُدرة ولا إمكانية يغير هذه السُّنة، لا أفراد ولا جماعات، ما يقدرون يغيرون هذه السُّنة، هكذا يعيشون وهكذا يموتون، وهكذا تكون العواقِب، أمر محتوم من قِبَل الخلّاق الذي رفع السماء وبسط الأرض، ما أحد يقدر يُغيّر شيء من ذلك، لا إله إلا هو.
(كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، يقول سوء المصير من العذاب المُعجَّل في الدنيا ثم العذاب المُعَد في الآخرة ما سببه إلا:
هذا سبب الهلاك، هذا سبب الدمار، هذا سبب سوء العاقبة.
ذكر لنا سيدنا موسى -عليه السلام- وذكر فرعون وقومه ومن معه، وسيأتي ذكرهم قريبًا الآن في هذه السورة. وفي سورة يونس يذكرهم -جلّ جلاله وتعالى في علاه-:
هذه مُصيبتهم، هذا بلاؤهم، هذه الشُرور الواقِعة عليهم: (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ* وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) [الأعراف:136-137]، بما صبروا:
وهؤلاء النصارى ما قال نصرناهم وأورثناهم مشارق الأرض ومغاربها بقوّتهم ولا بكثرة عددهم ولا بتوفير الجيش عندهم، ما قال كذا، قال: (بِمَا صَبَرُوا):
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، فسبب البلاء والعاهات والعذاب والشِّدّة في الدنيا والآخرة الذنوب، الذنوب والمعاصي؛ فإذا ضبطت قلبك وأعضاءك وصرفتها في طاعة الله فلا بلاء ولا شدة ولا سوء ولا عذاب في الدنيا ولا في الآخرة.
(بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21))، ما كان أحد يقيهم ويحميهم من الله؛ لا سلْطتهم؛ لا قوّتهم؛ لا جماعتهم؛ لا أصحابهم؛ لا أصدقاؤهم؛ لا إنسي؛ لا جني؛ لا صغير؛ لا كبير؛ ما أحد! كلكم يا بني آدم وكلكم يا معشر المخلوقين مَن يحميكم مِنّي؟! مَن يحرسكم مِنّي؟! مَن يحفظكم مِنّي؟! اخرجوا من غَيّكم وضلالكم وأوهامكم وتصوراتكم الباطلة:
الفرق بين المؤمن والكافر:
(أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الملك:22]. وما الذي يجري على ظهر الأرض من قِبَلِ (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة:45]؟
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21))، ما أحد يستطيع يقيهم ويحميهم من نِقمة الجبّار، أعتى واحد فيهم يجيء له بحشرة صغيرة كما هذه وتنهيه، لا إله إلا الله. صِغارهم وكِبارهم بأدنى شيء يقِفون محلّهم، مغصه في بطْنه أسقطتهُ.
كان سيدنا عليٌّ -رضي الله عنه- يدعو إلى الاعتبار والادِّكار يقول: يا ابن آدم، تنْتِنك عَرْقة، تُؤذيك بَقّة، تقتُلك شَرْقَة. أنت هذا يا ابن آدم، وغير هذا أنت مُكوّن، غير هذا:
هذا أنت! هذا أنت! أتنسى؟! هذا تكوينك، القوّة لواحد اسمه الله، هو القوي، تتضح بعد ذلك الحقيقة للكل، (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [البقرة:165]، هو القوي.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21)):
لا أحد منهم يقدر يُخلّصنا من الله، ولا يحول بيني وبين الله. قال: (وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21)).
يقول الله: وإنّما أهلكناهم وجعلنا مآلهم هكذا وعاقِبتهم ومُستقبلهم هكذا، (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا)، يقول الله: ما ابتدأتهم بالعذاب وهم غافلون؛ ولكن أرسلت إليهم الرسل وبيّنت لهم السبيل فأصرّوا وعاندوا واستكبروا.
(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم) الذين اخترناهم واصطفيناهم:
جئنا لهم برسل يقولون: جِئناكم من عند الله، وأوحى الله إلينا آمنوا به، (تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) الدلائل الواضحات والمُعجزات، (فَكَفَرُوا)، لهذا السبب أهلكناهم:
ولكن إذا جاءتهم البينات وخرجوا من أن يكونوا جاهلين بالحقيقة بواسطة تعليم الأنبياء، ثم عاندوا أو لم يقوموا بالواجبِ فيُعِدّون، هؤلاء يأتيهم العذاب وينزل عليهم العذاب، وأمّا من آمن بالرُسل وقام بالإصلاح ما يُعجّل له العذاب.
يقول: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ)؛ لا يُعجزه شيء، يقدر على كلّ شيء، يُقدِّم، يُؤخِر، يرفع، يخفض، ينفع، يضر، يُسعِد، يُشْقِي، ويفعل ما يريد.
(قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22))، إذا عاقب الذي تعرّض للعِقاب واستحقه فعِقابه شديد، عِقابه قوي، وليس مثل أن يُعاقِب مخلوق مخلوقاً، هذا عِقاب ملك المُلوك، (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ) يعني مؤمن بالآخرة، (ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ)، من قبل ما نخلقكم قد حددنا أجله، ستمر منكم قرون قرون قرون إلى أن يجيء عند الأخير الذي حددنا؛ ستجي الساعة، (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود:102-105].
اللهم اجعلنا في السعادة، واجعل أهلينا في السعادة، واجعل أولادنا في السعادة، واجعل أصحابنا وطلابنا في السعادة، أسعدنا يا مُسعد السعداء، ولا تجعل منا شقيًا هاهنا ولا غدًا.
قال: (فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا):
(أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ):
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23)). آيات واضحات وعلامات، مثل ما قال له سبحانه وتعالى:
(بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ)، فرعون ووزرائه وهؤلاء هامان وقارون المغترين بأموالهم وبما أوتوا، وفي هذا التوافق في الأزمنة والأمكِنة بين سُلطات وأثرياء.
يقول: (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24))، هو نشأ بينكم وتربّى عِندكم، هل رأيتموه يسحر؟ تعلّم السِحر مِن عند مَن؟ عندكم سحرة مليان كثير لكنه كان بعيد منهم، لا هو ولا أسرته ما أحد من هؤلاء.
(فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، عاش بينكم ما قد كذب، كيف يرجع الآن ساحِر كذّاب لمّا جاءكم بهذه الدعوة؟! هذا عناد! عناد النفوس الخبيثة لمّا يجي شيء ما تتوافق عليه، تختلق أكذوباتّ؛ هذه شغلة من حُرِم نور الرحمن وحسن التربية وتطهير الجنان؛ يصير إنسان شيطان، وأخس من الشيطان، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44]، يكذِبون، يفترون، يفتعِلون ويختلِقون، وهم على هذه الطريقة في كل زمان، هذه أساليبهم، هذا تفكيرهم، (سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)).
قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا) الدعوة إلى توحيد الله والإيمان به والعمل بطاعته وفوق المُعجِزات.
(قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ)، كيف؟ أليس من قديم يُقتِّلون؟ نعم من قديم يُقتِّلون لكن انتهت تلك الفترة، ووقف الناس، وتركوا بني إسرائيل في هذه المُدّة، فلما جاء هذا من جديد، قال أرجعوا العِقاب عليهم.
(اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا) يعني ابقوا في الحياة؛ استبقوهم أحياء (نِسَاءَهُمْ) واتركوهم أحياء، ما تقتلونهم، يعني: اعملوا خُطّة من أجل إيذاء هذه العِصابة -موسى ومن آمن معه- من أجل أن يُشتتوهم، ومن أجل أن يُضعفوهم، من أجل أن يذلّوهم ويغلبونهم؛ لكن ما نجحوا.
(وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25))، يُعِدّون خطط، خطط، خطط، وبعد ذلك تفشل، تجيء نتيجة عكس ما رتبوا، ولا يزالون كذلك، لا يزالون كذلك في كل زمان وفي كل مكان. يُعِدّون خططًا وبعد ذلك تجيء عكس.
في القرن الماضي مرت عجائب، وما تكاد بلدة من بلاد المسلمين إلا غُزيَت واستُحلَّت ووضعوا فيها خططًا، ومنها جاؤوا عندنا الشيوعية إلى هنا في جنوب اليمن كله، ويقولون في بعض مخططيهم بعد عشرين سنة لم يبقَ مسجد في المنطقة، أين خططهم؟ بعد عشرين سنة زادت المساجد، وبعدها جاء ما جاء، لا إله إلا الله. وأغلقوا المدارس الدينية والأربطة وحتى المُعلّمين للناس في بيوتهم منعوهم، وعادت الأربطة وازدادت أماكن التعليم وكثر وفود الناس، خططوا كذا ويجيء كذا.
(وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)) مكانهم مستمرين، تخطيط فاشل، تخطيط فاشل، مستمرين ولا يعتبرون ولا يدّكرون! لا إله إلا الله.
قال: (فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا)، من عند الله الذي خلق، ليس وليد فِكر بشري، ولا أمر مُختلق من قِبل مخلوق؛ حق من عند الله الذي خلق.
(فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25))
يقول: (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ)، لماذا ذروني أقتل موسى؟ يعني: فرِّغوني له، أنا سأتولى قتله بنفسي، (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ)، اتركوه يدعو إلهه هذا الذي قال إنه أرسله، وجاء من عنده، قل له يدعوه، وسنرى سينفعه؟ (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ)..
ولكن هكذا يقول: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) يستخفون بالأديان، يستخفون بالإله الخالق -جلّ جلاله- (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ). هو الدين الذي معكم ما هو هذا؟ ما هذا الدين معكم؟ دين السطو وأخذ حق الغير واستعباد الناس ودعوى الربوبية، هذا الدين هو؟! وقال لا يُبدل؛ لا أحد يُبدل ديننا هذا.
(أَوْ أَن يُظْهِرَ)، وفي قراءة الأكثر: (وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26))، فساد! تعبد الله وحده ولا تشرك به شيء؛ و تخضع لجلاله؛ وتؤدي حقوق الناس؛ ولا تظلم، هو هذا الفساد! الفساد أنت الذي فيه. ما الذي أنت فيه هذا؟ ما الذي أنت عليه؟ قال هذا سيظهر الفساد؛ فيُسَمّون المُصلِحين.. مفسدين، وماذا يُسمّون أنفسهم؟ يُسمّون أنفسهم مُصلِحين! (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ) [البقرة:12].
وأيضًا قال لهم: إذا تمكن هذا -موسى- سيرد علينا الذي كنا نُقتِّل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وسيرجع يعمل فينا هكذا ويُفسد؛ لأن صاحب الخباثة والإجرام يَقِيس الناس على نفسه، ويدَّعي عليه -حتى من شأن تستمر صولته ودولته- يدّعي: هذا سيفعل فيكم كذا، حتى وهو يعلم أنه لن يفعل، لكنها سياسة؛ سياسة الفاسدين الفاسقين، يقولون: نحن سنخلّصكم، نحن سنحميكم، نحن سننقلكم من هذا؛ لأن النظام هذا ظالم، نجيء لكم بنظام أحسن. يجيئون يقتّلون، بعد ذلك تعب؛ تعب مالي، تعب اجتماعي، تعب اقتصادي، تعب فِكري.. انتهى الأمر.. لعبة بخلق الله.
يقول: هذا يجيء لهم بعد ذلك سيفعل! انظروا نحن الآن عشنا سنين، إذا تمكَّن هذا يرجع وسيرُد الجزاء لنا، يقتِّل؛ ولا يقتلهم سيدنا موسى، ولكنه حتى هو يعلم أنه ما بيقتِّل؛ ولكنه يتخذها ذريعة من شأن السياسة والرأي العام واسترضاء الشعوب والضحك على الخلق، هكذا..
فما أعظم سياسة الأنبياء! وما أخبث سياسة الفراعنة والمجرمين والظلمة في كل زمان!
والأنبياء في طريقتهم وسياستهم ما سيأتي معنا: (وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم)؛ هذه حصونهم، وهذا ملجأهم، وهذه قوتهم، وهذا مرجعهم.
(إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)):
اللهم اجعلنا من الصالحين، ادفع عنّا وعن الأمة شرّ البلاء والآفات، شرّ النفوس، شرّ إبليس وجنده، وارزقنا الاستِنارة بوحيك الذي أوحيته إلى حبيبك محمد ﷺ، والاستضاءة بهذا الهدى.
يا ربِّ كما بلغتنا نصف رمضان فبلغنا النصف الآخر، واجعله يا مولانا خيرًا لنا من نصفه الأول، وأبرك علينا، وأضوأ لقلوبنا، وأنقى لسرائرنا، وأطهر لبواطننا، وأقوى لإيماننا، نكون أقرب إليك ونحوز من رضاك الحظ الأوفى، وندخل في أهل الصدق وأهل الوفاء حتى نغنم سر رمضان وبركات رمضان وخيراته الكبرى، ومنحك التي تَترى يا حي يا قيوم.
وفرج كروب الأمة واحفظ يَمنِنا وشامنا وشرقنا وغربنا، واحفظ الحرمين الشريفين وبيت المقدِس، واحفظ اللهم المسلمين في المشارق وفي المغارب، وادفع عنهم المصائب والنوائب والبلايا والآفات والعاهات، واحقن اللهم دماءهم، واحفظ اللهم أعراضهم، وصُنِ اللهم أعراضهم وأموالهم. اللهم واحفظ عليهم دين الإسلام والإيمان حتى تتوفاهم عليه، ولا تجعلهم اللهم مستعبدين لسواك، ولا مأخوذين بمن عاداك. اللهم ارزقنا العبودية لك و المحضة الخالصة، وارزقنا يا مولانا كمال الصدق معك في جميع أحوالنا الظاهرة والباطنة، وأرِنا في الأمة ما تقرّ به عين نبيك وما يُسرُّ به قلب نبيك.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
15 رَمضان 1447