تفسير سورة غافر - 4 - من قوله تعالى {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم..} الآية 17 إلى الآية 20

للاستماع إلى الدرس

الدرس الرابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:

الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)

صباح الثلاثاء 14 رمضان 1447 هجري.

 

نص الدرس مكتوب:

الحمد لله العلي الكبير، الرحمن الرحيم الغفور القدير، من بيده ملكوت كل شيءٍ وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أرسل إلينا البشير النذير والسراج المنير، فجمَع أسرار البشارة والنذارة والدعوة إلى الحق والهدى والنقاء والصفاء والطهارة، فكان خير داعٍ دعا إلى الرحمن، وأكرم دالٍّ دلَّ على الإله المنّان. خُصَّ بتنزيل القرآن الذي جعله الله تبارك وتعالى هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، ورفع الله له القدر والشأن، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله في كل لمحةٍ ونفَسٍ ولحظةٍ وآن، وعلى آله وأهل بيته المطهّرين عن الأدران، وصحبه الصادقين المخلصين الغرّ الأعيان، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان، وعلى ساداتنا من آبائه وإخوانه الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد،، 

فإننا في نعمة استنارتنا بنور الله وتفهّمنا لوحي الله، وتدبّرنا لخطاب الله وكلام الله المنزَل على مصطفاه، وتلكم عنايات من عناياته تعالى في علاه، تأملنا بعض معاني أوائل سورة غافر، حتى وصلنا إلى قوله جلّ جلاله في ذكر المآب والمرجع ويوم القيامة: (الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17))(الْيَوْمَ): (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) وينادي منادي: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ويجيب نفسه بنفسه، فيقول: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16))، الذي قهر عباده بالموت كما قهرهم بالحياة، فأحياهم ثم قهرهم بالموت، (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) [البقرة:28]، فسبحانه من فعَّال، وما سواه هي أفعاله فهي شؤون يُبديها ولا يبتديها، فالوجود الحق له، ولا معبود إلا إياه، ولا ينبغي لمؤمن عَقَلَ الإيمان به تعالى أن يقصد في شيءٍ سواه، ولا أن يشهد إلا إياه، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]. اللهم لا تحرمنا هذه المزايا والمنح وعظيم العطايا يا عالم الظواهر والخفايا يا أرحم الراحمين.

يقول جل جلاله: (الْيَوْمَ)؛ أي: هذا اليوم، يوم جمع الأولين والآخرين ويوم الفصل والقضاء، (تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، فلا يفوت ولا يخفى ولا يغيب ولا ينقص مقدار ذرّة، لا من الحسنات ولا من السيئات. (تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)

  • فما كان من عفو الله تعالى وتجاوزه ومغفرته؛ فذلك فوز الذين يعفو عنهم، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا.
  • وما كان من مؤاخذة المجرمين والظالمين فذلك عدله الذي يقيمه عليهم؛ (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ)؛ لا ظلم اليوم. 

ما كنتم تُغالطون به بعضكم البعض وتُغالطون به أنفسكم في الحياة الدنيا انتهت مادته وانتهت إمكانيته، اليوم لا مغالطة، لا كذب، لا تَخَفِّي.. لا شيء يخفى، (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ..(16))، (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)).

يقول سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله تعالى عنه-: بلغني أن عبد الله بن أنيس يروي عن النبي ﷺ حديثًا في القصاص -وكان عبد الله بن أنيس في مصر وسيدنا جابر في المدينة- قال: فأخذت راحلة، اشتريتها ورحلتُ مسيرة شهر حتى وصلتُ إلى مصر. من أجل أن يسمع منه هذا الحديث، تعظيمًا من ساداتنا الصحابة لكلام سيدنا رسول الله وحديثه، وسفر شهر من المدينة إلى مصر من أجل يسمع هذا الحديث مِن الذي سمعه من النبي، والذين عنده في المدينة من الصحابة ما وجد منهم أحد سمعه مباشرة من رسول الله ﷺ؛ فذهب ورحل لأجل هذا السماع لحديث سيد المرسلين ﷺ، خير من تشرفت به البقاع. وهكذا كانت رحلات الصحابة بعد أن أدّبهم الذي ظللته السحابة -صلوات ربي وسلامه عليه- يعظّمون شعائر الله، ويسافرون من أجل سماع حديث من أحاديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.

يقول: فسافرت فجئت إلى عبد الله بن أنيس، فقلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص يوم القيامة؟ قال: نعم. قال: حدِّثني. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، ينفذهم البصر ويُسمِعهم الداعي". قال: وينادي: أنا الله، أنا الديَّان، الذي لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة لأحد، اللطمة فما فوقها، حتى أقضيها منه -أو آخذها منه-. لا إله إلا اللهّ... قال: "حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء"، الله أكبر. قال: وتلا ﷺ قوله: (الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)). سريع الحساب ما يحتاج إلى عد ولا إلى وزن ولا إلى استكشاف؛ محيط بكل شيء علم، سريع.. لا إله إلا الله! ويحاسب الأولين والآخرين في أسرع وقت، (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)). (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40].

(الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، فانظر كسبك، وأصلح حالك ما بينك وبين الحاكم المُجازي في ذاك اليوم ما دمتَ في الحياة، حتى يبدّل سيئاتك حسنات، وحتى يتحمّل عنك الظلمات، ويقذف في قلوب من لهم حق عليك مسامحتك، وإلا فإن لم تحسب حسابك ليوم الحساب اشتد عليك الحساب، وخِبتَ في يوم المآب مع من خاب والعياذ بالله تعالى.. 

  • مَن أكثَرَ ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة.
  • ومن نسي ذكر الموت وجد قبره حفرة من حفر النار. 

ويقال للمعذَّبين في ذاك اليوم: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا) [السجدة:14]، ذوقوا العذاب بما نسيتم. يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]. فلا يجوز للمؤمن ينسى يوم الحساب، بل يجعله نصب عينيه ويحسن التفكر فيه، ويهيئ نفسه للخلاص في ذاك اليوم: 

  • بصدق الرجعة إلى الرب والتوبة.
  • وأداء الحقوق والمظالم لأهلها. 

(لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)).

قال الله تعالى عن ساداتنا الأنبياء: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ)، ذكرى الدار الآخرة، (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص:45-47]، صلوات الله وسلامه عليهم. 

يقول الله تعالى لحبيبه محمد: هذا اليوم، ذكّرهم به، أنذرهم به، أنبئهم عن حقيقة ما فيه، وعن خطر ما فيه وعن عظمة ما فيه: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ)؛ الآزفة، يقولون أزِف الشيء: إذا قَرُب ودنا، ولما كانت آتية بيقين فهي قريب؛ فسمّيت القيامة آزفة، الله أكبر… (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) [النجم:57-58]. (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ)؛ أي: يوم القيامة القريب مجيئها، (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب:63]، وكل آتٍ قريب: (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل:1]. 

فلما كان مجيئها متيقن لا مرية فيه فهي قريبة، إنما البعيد ما لا يأتي. ولكن قال الله عن ذاك اليوم: (إِنَّهُمْ)؛ أي: الكفار والجاحدون (يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج:6-7]. 

  • فمن كانت رؤيتهم فيما يعقلون ويدركون ويفكرون من رؤية الرحمن وميزانه، يرونه قريب كأنه حضر، لا شك عندهم في ذاك اليوم فكأنه حاضر، فينتبهون لأنفسهم ويستعدّون له أحسن الاستعداد.
  • وكل من شابَهَ الكفار استبعد ذاك اليوم، وبَعُدَ في فكره الاستعداد له والتهيؤ له. 

(إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]، (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا) [الجاثية:34]. لا إله إلا الله.

يقول: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ)؛ القيامة القريبة، (إِذِ الْقُلُوبُ)، في ذاك اليوم من شدة الهول (لَدَى الْحَنَاجِرِ)، ويُعَبَّر عن شدة الخوف والفزع بخروج القلب من محله وكأنه طلع إلى الحنجرة، (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ)، ما هي مستقرة في محلها من شدة الخوف، فكأنه طالع إلى الحنجرة، لا هو يخرج فيموتون ولا يستقر في مكانه ويهدأون. وهذا حال عامة المجرمين والكفار في موقف القيامة؛ (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)، ملآنين حَزَن وغمّ وهمّ ورعب، (كَاظِمِينَ)

(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ)، يقول الله لحبيبه محمد: أحسِن النذارة لأمتك والبلاغ والبيان، (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ) في أوصافها (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)؛ يعني: من شدة الخوف ارتفعت قلوبهم من أماكنها وكأنها في الحنجرة، فلا هي تخرج فيموتون ولا هي تستقر في مكانها و يهدأون. (كَاظِمِينَ)؛ ملآنين حَزَن وهمّ وغمّ وكدر وخوف ورعب، (كَاظِمِينَ)؛ مكظومين من شدة ما هم فيه.

(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)). يقول الله لنا: أقيموا الميزان في العلائق ولا تركنوا إلى الخلائق، وإذا واليتم أحد أو واددتم أحد وأحببتم أحد ففيَّ ومن أجلي وبميزاني أحِبُّوا، وإلا فلا ينفع الحميم ولا الصديق ولا الخليل إذا لم تقُم العلاقة بينك وبينه على مرضاة الله، وعلى التعاون على شريعة الله والاقتداء بالنبي محمد بن عبد الله. 

الظالمون كان لهم أصدقاء، كان لهم أخلاء، كان لهم حلفاء، كان لهم موالين، لكن قال: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ)؛ ما من صديق لهم يحميهم، والحميم الأمر الحار، والقريب من شدة غضبه لقريبه يحمى، وكأنه حميم؛ يغضب على قريبه ويدفع عنه ويدافع عنه. قال: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ)، أين الصداقة؟ أين الأخلاء؟ أين القرابة؟ (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]. إذًا؛ ففتش صحيفة علاقتك بالخلائق، تحب من؟ وتوالي من؟ وتستند لمن؟ وأقِم الميزان، الله الذي بيده الأمر وإليه يرجع، من أجله أَحِب، ومن أجله أبغِض، ومن أجله والِ، ومن أجله عادِ. نحب بحبك الناس ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك.

(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18))، إذ لا تُقبل الشفاعة فيهم، فلا تُقبل الشفاعة في المشرك ومن مات على الكفر وغير الملة، فما ينالهم شيء من الشفاعات للأنبياء والأولياء، وإن انتفع الكل بشفاعة صاحب المقام المحمود، شفاعة النقل من هول الموقف وشدة الحر فيه والشمس إلى الحساب، وكانوا يتمنون ذلك، كلهم يحمدون محمدًا في ذلك الموقف، فهو مُحَمَّد على الحقيقة، ما في الخلق من تجتمع له المحامد كمحمد، فهو جامع المحامد والصفات الحميدة، ولا أحد يحمده أهل الأرض والسماء من الخلائق كما يُحمد محمد صلوات ربي وسلامه عليه. 

أمّا في هذا الموقف؛ يحمده جميع الطوائف، وجميع الملحدين والمجرمين والفاسقين والظالمين والمعاندين والمخالفين الذين كانوا يقاتلون دينه وأهل دينه ويعادونه… في ذاك الموقف كلهم يحمدون محمد! يرون عظمته، يرون عُلُّوه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79].

وجاءنا في الصحيحين وغيرهما من كتب السُّنة روايات عديدة عن شأن المقام المحمود والشفاعة الكبرى التي تَعُمّ الكل، والكل يدخل في بركتها، مِن قِمم أنبياء الله تعالى، والصدِّيقين، إلى أفسق الفاسقين وأكفر الكافرين، كلّهم يُستجاب لهم وينقَلون إلى أرض الحساب. 

وفي الأحاديث قَصدُهم لأبينا آدم -عليه السلام- وأنّه يُراجِع بعضهم بعضًا للخلاص في ذلك اليوم، ويقيم الحق تعالى ميزان أنه يُسأل ويُسترضى بأحبابه وأهل قربه، وإلا كان بإمكان أهل الموقف يسألونه مباشرة، مؤمنهم وكافرهم، لكن يتراجعون الحديث والقول بينهم، يقولون: ألا ترون مَن يشفع لنا عند ربنا؟ مَن يكلم لنا ربنا؟ وكلّهم في ذاك الموقف يوقنون أنه يسمعهم وأنه محيط بهم، ولكن يطلبون من يرتضيه ومن يقبَل منه، فيُقيمون شؤون التوسل.

وجاء في صحيح البخاري، قال: إذا كرب الناس في الموقف استغاثوا بآدم. استغاثوا بآدم، فسمّى هذا التوسّل والتوجّه والتشفّع: استغاثة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. "استغاثوا بآدم"؛ فيأتون آدم -عليه السلام- يقولون له: ما ترى ما نازلنا؟ ونحن في أمر ما يطاق، ما يحتمل، نُنقل من هذا إلى النار أو إلى الجنة، حيثما كُنّا، نتخلّص مما نحن فيه.. وسيدنا آدم يقول: نفسي، نفسي، إنّ ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ارجعوا إلى غيري. وما أحد من هؤلاء الأنبياء -الذين يلوذون بهم الناس ويتشفّعون بهم إلى الله- عنده عقلية بعض الذين لا يفهمون التوحيد على وجهه، يقولون لهم: اذهبوا ادعوا ربّكم أنتم، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد، وهو يسمعكم، لا أحد منهم يقول كذا! الأنبياء يقولون: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا تشفَّعوا… اذهبوا توسَّلوا.. هذه عقيدة الأنبياء، لا أحد منهم لديه عقلية: ماذا أردتم بالخَلق تقصدون الخَلق؟! اذهبوا إلى الله، سلوا ربكم!.. لا آدم يقول، ولا إبراهيم يقول، ولا موسى يقول، ولا عيسى يقول، ولا نوح يقول، لا أحد منهم يقول هكذا! بل يقول: اذهبوا لغيري، ابحثوا عن واسطة، ابحثوا لكم عن شافع. 

"اذهبوا إلى نوح"، يقول سيدنا آدم، يجون إلى النبي نوح يقولون: يا نبي الله، يا نوح، ألا ترى ما نحن فيه؟ اسأل ربك، فيقول: "نفسي، نفسي" أنا اليوم ما أقدر أسأل إلا نفسي في هذا الموقف، "اذهبوا إلى غيري" ابحثوا لكم عن شافع، "اذهبوا إلى إبراهيم".

ويأتون الخليل إبراهيم -عليه السلام- خليل الله، ما يقول لهم: أيش بغيتوا بالوسائط والوسيلة؟ الله ما يحتاج واسطة وما يحتاج وسيلة، اسألوه!. ما أحد يقول كذا، يقول: شوفوا لكم وسيلة! الخليل يقول لهم: "اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى"، يا موسى أنت كليم الله، وأصابنا ما أصابنا، سل ربك ينقلنا مما نحن فيه، فيقول: "لست لها، نفسي نفسي".

كلّهم: لست لها، نفسي نفسي، إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ… "اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى"، وسيدنا عيسى يقول: لست لها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد؛ عليكم بمحمد، اذهبوا. قال: "فيأتوني فأقول: أنا لها". ما هذه الوجاهة؟ ما هذه المكانة؟ ما هذه المنزلة؟ ما هذا الشرف؟ ما هذه المُكْنَة؟ ما هذا القَدْر عند الرب؟… "أنا لها"، يا رب صلِّ عليه، ما أعظم قدره، ما أعظم جاهه، ما أعظم مكانته عند الإله!

قال: فأسجد لربّي سجدة، فيناديني.. حتى ذكر اسم يقول: الفُحْصَ آتي إليه، فقيل له: "ما الفحْصَ؟ قال: قدام العرش"، المكان الذي أسجد فيه. قال: فيناديني: "يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَى، وقل يُسمع لقولك، واشْفَعْ تُشَفَّعْ"، فأقول: يا رَبِّ، انقل الناس من الموقف، فيقول: نقلناهم.. فيرفع الشمس وينقلهم، (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79].

ويرجع إلى شفاعة ثانية، وإلى شفاعة ثالثة، وإلى شفاعة رابعة.. ولكن هذه مخصوصة به، ما يشاركه فيها أحد، وهي مفتاح لجميع الشفاعات، فما يشفع بعده نبي ولا مَلَك ولا شهيد ولا صدِّيق إلا بعد ما يفتحها، فهو شافع الشفعاء، فاندرجت شفاعات الشافعين في شفاعة سيد المرسلين.

ثم مَن لا تُقبل فيه الشفاعة بعد ذلك من الكفّار شأنهم خطير، قال سبحانه وتعالى: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر:48]؛ حتى أن بعض المؤمنين والصديقين المُخلَصين يكون له أب أو له قريب مات على الكفر -والعياذ بالله تعالى- فيتخيل له أنه يمكن الشفاعة فيه، فيمسك بيده ليدخله الجنة فتعترضه النار، فيقف يقول: يا ربي، هذا أبي أو هذا قريبي فلان، يقول له الحق -تبارك وتعالى-: إنه كَفَر بي وأشرك بي، إنَّ الجنة لا تقبل من أشرك بي، فيحوّل الله صورته إلى حقيقة خباثته وما فيه فَيَـفِر منه ويتركه، قريبه المؤمن يتركه ويفِر منه، (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)؛ ما تُقبل الشفاعة فيهم أصلًا؛ لأن الذي بيده الحكم غَضِبَ عليهم وكرههم -سبحانه وتعالى- نعوذ بالله من غضب الله.

قال: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18))، وهم يقولون حتى بعد ما يدخلون النار: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) والصداقات حقكم أين راحت؟ قالوا: ما معنا، كلهم لا أحد منهم مقبول، لا أحد منهم له قدر عند الله، لا أحد منهم مطيع، وكلهم مردود كلامهم، لا فائدة، ما عاد تنفع هذه الصداقة بينهم البين، (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء:100-101].

يقول: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18))؛ صاحب الحكم في ذلك اليوم (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ)؛ 

  • غمزَها؛ إشارتها.
  • إبطانها ما لا تُظهره.
  • امتدادها خُفيَة إلى رؤية ما حرّم.

(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ)؛ ومِن الأعين تصدر خيانات، ولكن سمّاها خائنة، لِفظاعة هذه الخيانات للأعين، وانستارها عن الخَلق؛ ما يحسّون بها. قال: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) -جلّ جلاله- (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)) سبحانه.

ولذا جاء أيضًا في الحديث: أنه ﷺ لمّا دخل مكة أهدر دماء أربعة رجال وامرأتين -وفي رواية غير ذلك من العدد- منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاختبأ عند سيدنا عثمان وبقي حتى تم الفتح، وأخذ الناس يبايعون رسول الله ﷺ من الذين آمنوا وأسلموا، فجاء سيدنا عثمان بعبدالله بن أبي السرح، قال: هذا عبد الله بن أبي سرح بايعه يا رسول الله؛ نظر إليه وأعرض عنه وأبى أن يبايعه، والصحابة وقفوا يعلمون أنه مُهدر دمه وأنه قد أمرهم أن يقتلوه، ولو وجدتموه مُتعلقًا بأستار الكعبة؛ لشدة خيانته وإضراره بالمسلمين من قبل. فترقّب أن يقوم أحد منهم يقتله، فَعرضه ثاني مرة سيدنا عثمان، والنبي ﷺ أعرض عنه وأبى أن يبايعه، ما أحد قام؛ هابوا النبي وخافوا، وإلا فهم عندهم أمر أن هذا يُقتل.

ثالث مرة عرضه سيدنا عثمان على النبي ﷺ، فأعرض عنه ولا أحد قام، ثمّ عرضه عليه فبايعه، لمّا انصرف، قال لمن عنده من الصحابة: انتظرتكم، إذ أعرضت عنه، أن يقوم أحد منكم إليه فيقتله، قالوا: هِبناك يا رسول الله وخفنا، لو أشرت إلينا بعينك.. قال: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ"؛ نحن الأنبياء ما نفعل إشارات… أمرنا واضح! لا نقول بالعين شيء وباللسان شيء، ولكن كلام واحد، ما كان لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين، يا رب صلِّ عليه وعلى آله وصحبه أطهر خلقك، وطهّرنا من طُهره. 

وجاء في دعائه ﷺ فيما روى الحكيم الترمذي ورواه كذلك غيره، أنه ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم طهّر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة" اللهم صلِّ عليه وعلى آله.

"اللهم طهّر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة"، اللهم طهّر قلوبنا من النفاق، وطهّر أعمالنا من الرياء، وطهّر ألسنتنا من الكذب، وطهّر أعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. يا الله، هذا من دعائه -عليه الصلاة والسلام- يعلّمنا كيف نسأل ربنا ونطلبه حتى يكرمنا بهذه المزايا.

(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ)؛ يقضي بالحق، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [التين:8] -جلّ جلاله- (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]؛ فهو الذي يقضي ويحكم -سبحانه وتعالى- بالحق الصريح الواضح، إذ أحاط علمًا بكل شيء.

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ)، وفي قراءة: (تَدْعُونَ مِن دُونِهِ)؛ تدّعون ألوهيتهم وتدعونهم من دون الله -تبارك وتعالى- (لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ)؛ ليس لهم حكم، ليس لهم أمر، ولا يعرفون الحق ولا يقضون، فضلًا عن أن يقضوا بغير ما قضى الله تعالى وبما خالف قضاء الله، من أين يقدرون!.. (لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20))

(السَّمِيعُ)؛ لكل ما شاء من شأنه أن يُسمع، حتى ما لا يدخل تحت سمعكم أنتم، الموهوب لكم أيها المخلوقون من السمع، مثل: دبيب النمل، مثل: وقوع الخاطر؛ فالخاطر لا تسمعونه، مهما كان أحدكم حاد السمع، مهما أعطيته من سمع فليس بمقدوره، لكن الله يسمع كل هذا، ويقولون في بيان عظمة الحق -تبارك وتعالى- وسمعه وبصره: لو فرضنا أنّا جئنا بذرّة سوداء -نملة سوداء- ووضعناها وسط صخرة حجرة صَمَّاء، ورمينا بها في البحر، وجاءت ظلمة الليل، فإن الرحمن يراها ويسمع دبيبها، ويرى عروقها ومخها في ساقها -جلّ جلاله- ولا يحجب سمعه شيء.

(إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20))؛ الذي يبصر كل شيء، ويرى كل شيء، مَن مِنَ الذين تدعونهم من دونه عنده هذا؟ والحكم حكمه -لا إله إلا الله- يقول سبحانه وتعالى: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الانفطار:19]. 

يا مَن له الأمر في ذاك اليوم، ارحمنا وسامحنا، واجعلنا في دائرة حبيبك محمد وفي زمرته وفي مرافقته، آمين.. وجميع الحاضرين والسامعين، وأهالينا وأولادنا وذوي الحقوق علينا، وقراباتنا وطلابنا ومن والانا فيك، اللهم آمين، اجعلنا في دائرة حبيبك محمد، يا من له الأمر في ذاك اليوم، لا تفضحنا ولا تحكم علينا بخزي ولا بدخول النار، واجعلنا ممّن تقضي لهم بعفوك ومغفرتك وعافيتك ورضوانك الأكبر، يا أكرم الأكرمين، يا سميع يا بصير، يا مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، طهّر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فاشرح لنا الصدور، ويسّر لنا الأمور، وآمِنّا يوم البعث والنشور، واجعلنا في دائرة بدر البدور حبيبك البَر الشكور.

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة
 

تاريخ النشر الهجري

14 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

03 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام