(459)
(631)
(368)
الدرس الثالث من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11) ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)
صباح الإثنين 13 رمضان 1447 هجري.
الحمد لله مُكرمنا بأنوار القرآن والكتاب، وشريف النداء والخِطاب، على لسان سيد الأحباب، سيدنا محمد بن عبد الله صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه خيرِ آل وأصحاب، وعلى مَن والاهم واتّبعهم بإحسان مُتأدِّباً بخير الآداب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادة أهل حضرة الاقتراب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،،
فإنّنا نتلقّى مِن ربنا -تبارك وتعالى- إجلاء الحقائق، وما يصير إليه أمر الخلائق، بما لا ريب فيه ولا شك مِن مُستقبلهم العظيم، ومآلهم الفخيم، وغاياتهم الكُبرى، ذكَّرنا -سبحانه وتعالى- بما يحصل للمؤمنين وما يحصل للكافرين؛ مما يمُرُّون به في هذه الحياة، ومما يُعايِنُونه ويُعايِشُونه ويُزاوِلُونه في حياة المآبِ والأخرى.
يقول جلّ جلاله وتعالى في علاه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)) يُبيّن الله لنا أن الخطر الكبير والمُصيبة العُظمى على أي مُكلَّف أن تُوجَّه إليه دعوة الله ويصِله نبأ الله وخبر الله على أيدي رسله وأتباع رسله، ثم يُعرِض ويستكبِر ويُصرّ على الكفر ويبتعد؛ فيَحلّ عليه غضب الإله الجبّار، ولا شيء أشدُّ من ذلك.
فإنّ جميع مَن بلَغَتْهُ دعوة الله:
جميعهم يُلاقون نتائج كفرهم وعصيانهم في القيامة:
حتى جاء في الأخبار أن أحدهم مِن شِدِّة حسرته وندمه وغيظه ومَقته لنفسه يعضُّ على إصبعه حتى يقطعه، فيعود إلى الثاني والثالث ويُكمل أصابعه، ويعود إلى كفِّه من الحسرة والندامة ويقطعه مِن شدة ما يعض نفسه، ويأتي إلى ساعدِه، ثم يعود إلى اليسرى، ويُعيد الله اليمنى كما كانت ويعود إليها، ولا يزال هكذا يعضُّ على يديه مِن شدّة الحسرة، فتقول لهم الملائكة: مَقتُ الله -ما تعرّضتم له مِن غضب الله وبُغضه- عندما جاءكم النور والإيمان والهُدى فأعرضتُم وتولَّيتم أشد، هذا كله إنما نتائج الآن مِن نتائجه إعراضه عنكم وغضبه عليكم ومَقتِه إياكم، فلو أنكم استجبتم لتَجاوزتم هذا كله، ولسلِمتم مِن هذا الويل كله ومِن هذا الشر والآفات كلها.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)) فإذا دخلوا النار واشتد عليهم العذاب ويوم القيامة (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46] يقول الله تعالى؛ فإذا دخلوا ووجدوا فيها هذه الحيَّات والعقارب والسلاسل والأغلال والحميم والزقوم والسعير، واشتد الأمر عليهم؛ مقتوا أنفسهم..
فاجعل اللهم قلوب الحاضرين والسامعين ومَن في ديارهم وأهليهم من القلوب المُصغية السامعة لندائك المُلبية، لندائك المُجيبة؛ لدعائك ودعاء رسولك صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال:24].
فيا مُقلب القلوب، ويا مَن يحولُ بيننا وبين قلوبنا، صرِّف قلوبنا على طاعتك، وثبِّت قلوبنا على دينك، وارزقنا حسن القَبول لدعوتك، والتلبية لندائك، والاستجابة لدعوتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا)، وهم في طبقات النار وفي شدائد: (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) كُنا على خطأ:
(فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11))؟ هل مِن مخرج؟ إمّا تردَّنا إلى الدنيا نؤمن بالبعث والنشور ونؤمن بك وبدعوتك ودعوة أنبيائك، وإلا تدلّنا على شي عمل إلى أن نخرج من النار ونتخلّص مِن الشدَّة التي نحن فيها.
لاشيء، من أين المخرج يأتي؟ وقد جاءكم النذير-لا إله إلا الله- (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر:37].
(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) قالوا كيف أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ؟ يأتي في معاني:
(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) أفكارنا كاذبة خاطئة، مشاريعنا باطلة، ترتيباتنا وتنظيماتنا في الحياة سيئة خبيثة ما فيها فائدة؛ اعترفنا. الحق مع رسلك وأنبيائك وما بلَّغوا عنك، ونحن اغتررْنا في الدنيا، الآن اعترفنا.
(فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11))؟ ترجعنا مرة ثانية إلى الدنيا نُؤمن ونُصدِّق ونترك الفوضى الخاصة بنا هذه كلها واللعبة التي لعبناها في الحياة؟ نرجع مُتَّقين صالحين وأخيار. كنا نظنّ أنفسنا نحن فائزين، نضحك على ذا ونستدرِج ذا، ونضرب ذا بذا، وظنينا أنفسنا أننا حصلنا شيئاً، ونحن أهلكنا أنفسنا وعرضنا أنفسنا للسوء.
فيمقتون أنفسهم عندما يعاينوا الحقائق ويشتد بهم العذاب، ويعرفون أن لم يعد هناك مجال للهوى الآن. فيمقتون أنفسهم، ولو انكشف عنهم هذا العمى في الدنيا لمقتوا أنفسهم ورجعوا إلى ربهم، ولأفادتهم الرجعة في الدنيا أما في الآخرة: (فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11))؟ وإلى أي عمل تُخرجنا من النار؟
فكما أن أهل الجنة ينالهم مِن السرور والرضا والأنس والحبور شيء كبير، ويقال لهم: هذا كله فرع، الأصل رضوان الله عنكم أكبر من هذا كله، إذا فرحوا بما أوتوا في الجنة وما أعطُوا وما رُفِعت درجاتهم، وما ابيضَّت وجوههم، وما تُسخّرت الأسباب لهم، وما سلِموا من العذاب والشدائد والأهوال؛ قال قيل لهم: رضوان ربكم فوق هذا كله؛ ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ "أحِلَّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
فكذلك هؤلاء مع شدة ما هم فيه من العذاب يقولون: ما هذا كله؟ هذا نتيجة من نتائج غضب الحق عليكم، أنتم أغضبتم الرب بردِّكم لدعوته ولمَنهجه ولِشريعته، ورحتُم تُصلِّحون قوانين مُضادّة للشريعة، ونظام مُضاد للمنهج الرباني، من أنتم؟ من أنتم؟ أنتم خَلق خلقكم هو من النطف والعلق والمُضغ، وتأتون تُنازِعونه -سبحانه وتعالى- في مناهجه وفي شريعته التي يبعث بها أنبياءه!
يقول: ما في سبيل (ذَٰلِكُم) تقفَّل باب الخروج والرَجعة عليكم، (بِأَنَّهُ) أي: الشأن والحال منكم كنتم في الدنيا (إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) تذكروا حقكم الأصنام والآلهة، أو ما اخترتموه الذي سميتموه علم ونظام وحرية وتقدم وحداثة، إذا ذُكروا تفرحون، وإذا ذُكر الله وحده دين وشريعة و..و.. تزعلون وتغضبون وتبتعدون وتكفرون.
(ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) فالآن ما الذي ينفعكم وهؤلاء الذين عظمتموهم، الذي سميتموه علم، والذي سميتموه تقدم والذي سميتموه نظام، دعوه ينقذكم! قولوا له يخلصكم معكم شيء، دعوه يخرج يخلصكم منها؛ ما لهم حكم.
(فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ(12))، كما قال سيدنا يوسف: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف:40]. فهو الذي يقضي بين الناس يوم القيامة، ما أحد حاكم غيره، حقكم الأصنام والآلهة والترهات والأنظمة والحكومات والدول والأحزاب، ماشي لها حكم، لو لها حكم بتخلصكم اليوم، بتخرجكم، ولكن ما لها حكم أصلاً.
(فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِير(12))، الرفيع العظيم الكبير سبحانه وتعالى، الذي ليس كمثله شيء.
وأيام كنتم في الدنيا كان يريكم الآيات ويوضح لكم (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) ويبين لكم الطريق، ويوضح لكم المعالم، ويرسل لكم الرسل، وينزل عليكم الكتب، (يُرِيكُمْ آيَاتِهِ).
ومع ذلك سخَّر لكم السماء وأمطارها وأرزاقها، والأرض ونباتها، (وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) أمطاراً تبعث أقواتكم وتُنبت لكم الأشجار متاعاً لكم ولأنعامكم، وقدَّر لكم الأرزاق كلها التي ترزقون الظاهرة والباطنة، وكتب ذلك في السماء.
(وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا..(13))، ومرت حياتكم على هذا وأنتم تجحدُون الذي خلقكم ورزقكم؛ الآن تقولون: (فهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11)) من أين السبيل يجيء؟ الذي بيده الأمر كفرتم به ونقضتم أمره وخالفتموه وعصيتموه، من أين السبيل يجيء؟ الباقي ما أحد بيده الأمر، من أين يأتيكم السبيل؟ كيف المخلص؟ كيف المخرج لكم؟ (ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ(12)).
(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، كم أراكم من آيات في الحياة الدنيا، وكم أشهدكم من مشاهد مُذكِّرات مُنبِّهات، وكم أراكم من مواعظ وعبر، وكم أهلك من أمم قبلكم.
(وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا..(13)) ويُسخِّر لكم أنواع المطعومات والمشروبات وما تحتاجونه في حياتكم وأجسادكم، من عنده كله؛ تجحدون به! وبعدين تقولون: (فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ(11)).
(وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ (13)):
فالمُنيبون تذكَّروا ورجعوا، وهم الآن:
يقول الحق -تبارك وتعالى- فاستيقظوا وأنيبوا: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ادعوا الله مخلصين له العبادة:
دعِ الناسَ يا قلبي يقولون ما بدا *** لهم ولْتثِق باللهِ ربِّ الخلائقِ
ولا ترتجِ في الضُرِّ والنفعِ غيرَهُ *** تبارك من ربٍّ قديٍر وخالقِ
فليس لمخلوقٍ من الأمرِ ههنا *** ولا ثَمَّ شيءٌ فاعتمد قولَ صادقِ
واللهِ لا ربٍّ سواهُ وكلُّهم عبيدٌ *** وتحتَ الحكمِ من غيرِ فارقِ
نعمْ بعضُهم ممن يحب ويرتضي *** لطاعته والبعضُ عاصٍ ومارقِ
بتوفيقهِ صارَ المطيعُ يطيعُهُ *** وخالف بالعصيان كل مفارق
يا من وفّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفِّقنا للخير وأعِنَّا عليه، كما وفقتنا لصيام رمضان وحضور مجالس العلم فيه والقيام فيه، فاقبل ذلك منا بفضلك، وارزقنا شريف نتائجه وحصّلنا ثماره في الدنيا والبرزخ والآخرة، يا رب الدنيا والبرزخ والآخرة.
(فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)؛ أهل الجنة إذا تقابلوا فيها يقولون كنا ندعوه، أيام كنا في الدنيا (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا) أي في أيام حياتنا الدنيا (مُشْفِقِينَ) خائفين من هذا اليوم المرجع خائفين من العلي الكبير جل جلاله، فمن له الحكم؟ (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ) [الطور:25-28].
(فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)؛ فلا مجال لأحد أن يستخف لا بالدعاء، ولا بمجالس الدعاء، ولا بحلقات الدعاء، ولا بالدَّاعين، (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77]. ومَن يتجرَّأ بجهالة أو غفالة أو بكفر -والعياذ بالله- يقول: لن ينفعكم دعاؤكم! نحن ندعو الذي بيده الأمر، الذي أمرنا بالدعاء؛ وتقول ماذا ينفعكم؟ ترى أن غيره هو الذي يُصرِّف أو يُطوِّر أو يُقدِّم أو يؤخر؟ هكذا تعتقد؟ إذا أنت موقن موحِّد لهذا الإله كيف تستخف بالدعاء؟
أَتَهزَأُ بِالدُعاءِ وَ تَزدَريهِ *** وَما تَدري بِما صَنَعَ الدُّعاءُ
سِهامُ اللَيلِ لا تُخطِي وَلَكِن *** لَها أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ اِنقِضاءُ
(فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) مُخلصين له الطاعة والعبادة والدعاء، وكان ﷺ يقول بعد الصلوات: "لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولا نَعبُدُ إلّا إيّاه، ولَه النِّعمةُ ولَه الفَضلُ ولَه الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إلَهَ إلّا اللهُ مُخلِصينَ له الدِّينَ ولَو كَرِهَ الكافِرونَ".
ويريدون أن نتنازل عن مبادئنا، نتنازل عن قِيَمنا وعن عقيدتنا وديننا وإيماننا، ولو كرهوا؛ نحن على هذا الإيمان وعلى هذا الاعتقاد، ومُعتمدين على الرحمن ومُستندين إليه، وموقنين أن أمر الدنيا والآخرة بيده، ولا نتصرف إلا حيث شرع لنا وحيث أمر لنا على بيِّنة منه، والأمر له من قبل ومن بعد، و(الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود:49].
(فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، ومن أحسن أيام الدعاء:
يقول تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)).
هو سبحانه وتعالى (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ):
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) وإذا أعطاك درجة فالدرجة من عنده كبيرة، والدرجة من عنده عظيمة، وأنت مرفوع برفعة رفيع الدرجات جل جلاله..
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ)، خالق هذا العرش، صاحب هذا العرش الذي جعله فوق هذه الكائنات من الأرَاضين والسماوات، مُحيط بها في عظمة..
يقول الله تعالى: (ذُو الْعَرْشِ)، هو خالقه وخالقهم، وهو حامله وحاملهم، فالعرش وحمَلَته محمولون بقدرته وإرادته، وهو الذي (يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]، لا ملائكة، لا كبار أجسام، ولا جن ولا إنس، ما أحد يقدر يمسك الأرض ولا السماء إلا هو الذي يمسكها جل جلاله.
يقول: (ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ):
فهذا هو الروح. (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) من الأنبياء والمرسلين؛(لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15))، يُنذرون الناس ليعدّوا إعدادهم لمستقبلهم الكبير.
يقول تعالى: (لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15))؛ ما يوم التلاق؟ يوم القيامة، يوم جَمع الأوّلين والآخرين:
(يَوْمَ هُم بَارِزُونَ)، بارزون على سطح تلك الأرض:
لا نزول ولا طلوع، مصفوفة صف واحد والجميع يجتمع، لا إله إلا الله، الإنس، الجن، حيوانات البر، حيوانات البحر، ملائكة السماء الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، السابعة، كلهم يجتمعون؛ هذا (يَوْمَ التَّلَاقِ (15)) يوم لقاء الأولين والآخرين.
(يَوْمَ هُم بَارِزُونَ):
يقول سبحانه وتعالى: (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) [العاديات:9-10]، حُصِّل في قَعر؛ تحصيل على اللي في صدرك أبرز وأظهر وجازا عليه. (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)، المكنونات التي داخل تظهر.
(يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ) لا يوم القيامة ولا قبل ولا بعد، (لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)، لكنهم في القيامة بارزون ظاهرون، وكل مستور وغيب ظاهر واضح، إلا ما شاء الله أن يستُره.
(يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)؟ ينادي مناديه جلَّ جلاله:
(لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ يا دول صغرى، يا دول كبرى، يا دول عظمى، يا دول قصمى، لمن الملك؟
(لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ هل بقي أحد منكم رئيس؟ هل بقي أحد منكم ملك؟ انتهَوا.
(لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ سبحان الله، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1]؛ وإذا بالجبابرة الذين كانوا في الدنيا مُتغطرسين، على صور الذرّ في واد اسمه وادي بُولس تطؤهم الناس بأقدامهم.
(لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ وينادي الجبّار: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ لا يُجيبه أحد، بين النفختين يُجيب نفسه بنفسه، يقول:
(الْقَهَّارِ (16)):
يجب أن نمتلئ إيماناً به وتعظيماً له، وأدباً معه، وكثرة ذكر له وشوقاً إليه ومحبة..
لكن المحبة له أوّل قبل كل شي، هو،هو الذي يستحقّ المحبة، وهو المحبوب لذاته، وما تصحُّ المحبة التي يحصل منها فائدة أو خير لأي شيء من الكائنات إلا ما تفرَّع عن محبته سبحانه وتعالى. هو الذي ينفعك، وما عدا ذلك أحبب من أحببت فإنك مُفارقه. وأحبب أي شيء أحببت، سيتركك وستتركه، وإن كان أيضاً شر أو شرير أو سوء أو معصية ستجد جزاءها الصَّعب.
الذي يستحق المحبة ربك، هو المُنعِم، هو المُتفضِّل، هو المُنشئ، هو الفاطر، هو المُوجد، هو الخالق، هو الذي والى عليك النعم، وهو سخَّر لك الأسباب والكائنات، وهو ربُّ الكمال، ربُّ العُلا، وهو جامع جميع معاني الكمال المُطلق بلا غاية ولا حد، هو الذي أحق أن يُحب.
لا أجمل من الله، لا أكمل من الله، لا أرحم من الله، لا أحسن من الله في أي شيء من الشؤون، فهو أحقُّ أن يُحَب من كل شيء. وهكذا وصف الله المؤمنين الصادقين، ما يُقدِّمون محبة أنفسهم ولا محبة ألعابهم ولا محبة دنياهم على الرب، ولا محبة الآخرة ولا محبة أي شيء عليه.
يقول ينتقد على هؤلاء المغرورين الذين أحبوا ألعابهم أو دنياهم أو أصنامهم مثل ما يُحب المؤمنون ربهم تبارك وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، لكن قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) [البقرة:165].
يا الله بِذرَّة من محبة الله، يا ربنا اجعل من قِراك لنا وجودك علينا في مجالسنا أن تُكرم قلوبنا بمحبتك القوية الصادقة الخالصة، وأن تجعلنا لك محبوبين، ولحبيبك الأمين. وإذا وفقتنا لمحبَّة محبوب من أجلك، فاجعل ما هو أحب إليك أحب إلينا، ومَن هو أحب إليك أحب إلينا؛ لتكمل عبوديتنا لك، ولتتولانا بربوبيتك العلية، يا رب العالمين يا أكرم الأكرمين بوجاهة الحبيب الأمين، وأهل التمكين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
14 رَمضان 1447