تفسير سورة غافر - 2 - من قوله تعالى {وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } الآية 6 إلى الآية 9
الدرس الثاني من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
صباح الأحد 12 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله العظيم؛ الذي عظُمَت حكمته، وعظُمَت رحمته، وعظُمَت منته، وعظُم عذابه وانتقامه.. لا إله إلا هو، وجعل مآل هؤلاء المكلفين عظيمًا في النعيم، وعظيمًا في النّكال والجحيم.. لا إله إلا هو.
وعلى قدر جهلهم يغفلون عن عظمة هذا المآل والمصير؛ من خلال:
- جهلهم بمعرفة العليّ الكبير وتنزيله.
- وما أوحاهُ إلى حمَلةِ وَحيهِ، المؤتمنين من أهل التبشير والإنذار -عليهم صلوات الله وسلامه- الذين خُتموا بمحمّد بن عبدالله ﷺ.
وهذا الجهل هو العمى: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72].
ومن عَرَفَ عظمة الإله الذي خلق، وأنه يخلق لحكمة عظيمة، وأنه لم يُنزِل كتب ويرسل الرُّسل؛ إلا لأمر جليل كبير عظيم هائل خطير، شأنه في عظمته وخطورته شأن الأبد والدوام والخلود، ومن أدرك ذلك:
- حَمَل نفسه أن يسلك أشرف المسالك.
- وحمى نفسه من الزيغ والانحراف والمهالك، التي يقع فيها أكثر هؤلاء المكلفين؛ لإيثارهم الأهواء والنفوس والشهوات -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
ولقد منَّ الله علينا بتدبُّر وحيه وتنزيله، وتأمُّل معاني ما أوحاه على حبيبه ورسوله ﷺ، ووصلنا إلى سورة غَافِر تأملنا أول آياتها حتى انتهينا إلى: (وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6))، اللهم أجرنا من النار.
ثم أخذ الحق تعالى يبيّن لعباده -ونحن من عباده- ويبيّن للمرسَل إليهم محمد ﷺ -ونحن ممن أُرسِل إليهم محمد ﷺ- يبيّن لهم برحمته:
- مآل وعاقبة المؤمنين، وحالهم في الدنيا، ثم في الآخرة.
- وعجائب الربط:
- بين الذين يَحيَوْنَ على هذا النور والعلم والإيمان من المكلّفين في الدنيا.
- وبين الملأ الأعلى من الملائكة المقرّبين إلى رؤوسهم؛ وهم حَمَلةُ العرش ومن حوله.
حَمَلةُ العرش ومن حوله: رؤساء الملائكة و عظماؤهم -عليهم سلام الله تبارك وتعالى- لهم ارتباط قوي وثيق عميق بمن على ظهر الأرض ممّن أُكرم بالإيمان، ممّن أُكرم بنعمة الدين الحق الإسلام والإيمان، وصدّق الله ورسله فيما جاءوا به عن الله -صلوات الله وسلامه عليهم-.
جعلنا الله وإياكم من خواص المؤمنين، ومن الذين يزدادون إيمان في كل يوم، وفي كل ليلة، وفي كل ساعة، وبكل مجلس، وبكل صلاة، وبكل قراءة، اللهم آمين.
فيقول الرحمن ﷻ عن بديع هذه العلاقة العظيمة الكبيرة:
- وهي علاقة شؤونها كبيرة ومستمرة دائمة.
- فلا تساويها كل هذه العلائق التي تسمعون عنها..
- وتشاهدون أحوالها بين الأفراد والجماعات والمؤسسات والدُّوَل.
- وكيف تتقلّب وكيف تنحل وكيف تختل.
لكن هذه علاقة من نوع أشرف وأعلى؛ يشبهها:
- علاقة الصّادقين المخلصين من المؤمنين في تحابُبِهم في الله -تبارك وتعالى-.
- ومودتهم للنبيّين والصدّيقين والصالحين من عباد الله.
فهي مودةٌ كبيرة عظيمة أبدية أيضًا، سرمدية إذا قامت على الإخلاص والصّدق؛ فشأنها أبدي سرمدي عظيم.
أما ما عدا ذلك من العلائق أنتم تشاهدون بأعينكم اختلالها وانقطاعها في الدنيا قبل الآخرة، واليوم يحارب هذا مع هذا، وبكرة مع هذا، وبعد بكرة مع هذا، وبعد بكرة هذا على هذا.. وانظروا إلى العالم وما يجري فيه وما يدور، كلهم قد تحدّثوا؛ هؤلاء كل الذين يتحاربون في وقتكم قد تحدّثوا عن بعضهم البعض: بنحصِّل لنا علاقة مع ذا.. هنا علاقة شقيقة وهنا صديقة وبعدين.. حرب!..علائقهم ما هي..!
هذه العلاقة الكبرى بيننا وبين الملأ الأعلى؛ لمن آمن منّا على قدر إيمانه، على قدر صدقه.
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ)، أي: والذين حوله؛ والذين حول العرش حافّين به هم المُسمّون: بالكروبيين أعلى الملائكة؛ الكُرُوبيون أعلى الملائكة.. مَن حواليه، حملة العرش (وَمَنْ حَوْلَهُ): الحافّين بالعرش، وهم عظماء الخَلق أجسامًا وأرواحًا؛ مِن أعظم الخَلق أجسامًا وأرواحًا -عليهم سلام الله تبارك وتعالى-.
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ)، حتى روى أبو داود والبيهقي وجماعة من أهل السُّنة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أُذِنَ لي أن أُحَدِّثَ عن ملكٍ من حملةِ العرشِ ما بين شحمةِ أذنِه إلى عاتقِه مسيرةَ سبعمائةِ عامٍ"، ما بين شحمة الأذن إلى العاتق مسيرة سبعمائة عام؛ عظمة! عظمة في الأجسام، وعظمة في الأرواح.
ومع ذلك جاء أنهم يُدهشهم النّور من فوق العرش، فما يستطيعون يُثبِتُون أنظارهم في النور؛ لأن الله أكبر من كل شيء، وأكبر من العرش، ومن حَمَلة العرش، وممّا فوق العرش، ومما تحت العرش، الله أكبر من كل شيء..
- وحاشا لذاته العظيمة أن تحل في عرشٍ أوفي غير عرشٍ، وكل هذه الكائنات والمخلوقات بأنوارها وظلماتها منه ﷻ؛
- يقول سبحانه وتعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [الأنعام:1].
- وهو أكبر من كل هذا، ليس في هذا شيء يُشابهه، وليس في هذا هو يُشبهه، ولا يحِلُّ في شيء من هذه الكائنات، ولا يحلّ فيه شيء من هذه الكائنات، تعالى عن الحلول ﷻ، وتعالى عن أن يشبهه شيء: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11].
وهنا رجع التفكير في العظمة إلى الكائنات والمخلوقات، التي هي ظلال الأسماء والصّفات، فما أعظم الأسماء والصّفات، والذات فوق ذلك كله، من خير ما يُعبر عنها ما قال الصِّدِّيق: لاَ يَعْرِفُ اللهَ إلاَّ اللهُ.
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) من هؤلاء الألوف.. بل ألوف الألوف من الحافّين بالعرش؛ ويكون أهل الجنة في الجنة على أقوى الاتصال بهم، وهم فوقهم مباشرة. يقول -سبحانه وتعالى- عن أهل الجنة: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزمر:73-75]؛ هو الذي يستحق الحمد على كل حال، حتى يستقرّ هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار:
- فيا فوز المقبلين والمؤمنين.
- ويا خيبة الكفار والمعرضين والمجرمين والظالمين بأصنافهم.
يقول تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ):
- على تقديسٍ وتنزيهٍ وتسبيحٍ للإله الحق ﷻ، فخير الشغل: أن يشتغل مخلوق بتسبيح خالقه؛ تسبيح هذا الخالق الحقّ الواحد الأحد العلي العظيم ﷻ.
- (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أي: يقدِّسونه وينزِّهونه حامدين له، أي: موقنين أن خلقهم وإيمانهم وتسبيحهم من فضله، فله الحمد.
- (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، هم يسبحونه ويقدّسونه؛ لكن مربوطًا ذلك بحمد الله، أي: موقنين أنه من مِنَنِ الله عليهم: أن خلقهم وعرَّفهم ووفقهم لتسبيحه وتقديسه ﷻ.
(يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، ما دام يسبحون بحمد ربهم؛ فهم المؤمنون، بل هم من خواص المؤمنين..
- ما المعنى بعده قال: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)؟
- هم يسبحون بحمده، والكافر ما يسبح بحمد الله، لماذا الثناء عليهم بـ(وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)؟
معلوم من قوله: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أنّهم من خواص المؤمنين، وتسبيحهم مستمر ودائم فهم من أعظم المؤمنين، لماذا قال: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)؟
كان من عجيب ما أشار إليه الزمخشري في تفسيره، وتكلّم عنه أيضًا فخر الدين الرازي في تفسيره: أن الله أثبت هذا هنا، وقال: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)؛ لتمجيد إيمانهم، لئلا يَتوهم مُتوهم أن الذات الإلهية في العرش أو على العرش، وأن الملائكة يشاهدونه، ومن كان يؤمن بشيء يشاهده ويعاينه؛ ما يُمدح بالإيمان به، هذا يستوي فيه الكلّ.
فترى إذا واحد يقال له: تشرق الشمس، يقول: أنا مُصدق هذه الشمس.. أنت مصدق! كل عاقل وكل من عنده أدنى بصر مصدق بها، فأنت مصدق ما لك فخر في هذا؛ لكن أن تصدق بشيء غائب؛ فهم وهم حملة العرش يؤمنون بغيب الغيوب؛ وهو الله، ليس بمعايَن ولا بمحصور في مكان ﷻ، ولا محمول على شيء؛ وهو الحامل لهم وللعرش ولكل شيء، (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]، لا حملة العرش ولا غيرهم من الخلق ما أحد بيمسك! لا عرش ولا كرسي ولا أرض ولا سماء ما أحد بيمسكها غيره ﷻ! رزقنا كمال الإيمان وكمال اليقين.
يقول: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) أي: أنتم وأنتم مدعُوّون للإيمان بالغيب وما تشاهدون ربكم، فكذلك حتى حملة العرش هم مؤمنون بالغيب، وإن كانوا في أقوى درجات اليقين؛ لكن لا يستطيعون أن يروا ربهم، وليست ذات ربهم عند العرش ولا عند غيره من الكائنات والمخلوقات ﷻ.
فاستواؤه على العرش كمثل ما قال: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) [فصلت:11]، معاني صحيحة ثابتة كما ذكرها الله على مراده، بلَّغها رسوله ﷺ لا يمكن أن يُجنَح ويُحرَف تفسيرها إلى شيء من الجسمانيات ولا شيء من الصور والحسيات قط؛ فذلك مستحيل على من (لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4] ﷻ.
يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) هم على كمال اليقين، ومع ذلك كله فالنبي ﷺ أشاد بالصّادقين المخلصين من المؤمنين من أمته، وخصوصًا من يأتي بعده؛ لأن منّة الله عليهم في الإيمان أوضح وأجلى من منّته على الذين يشاهدون كثيرًا من الحقائق، وكثيرًا من المعنويات والغيوب.
فلما قال مرة لأصحابه: "أيُّ الخَلْقِ أَعْجَبُ إيمانًا؟"
- قال بعضهم: الملائكة، قال ﷺ: ما لهم لا يؤمنون وهم يشاهدون من أمر الله ما يشاهدون ويرون التنزّل والتسيير؛ يعني: هم أقرب للإيمان من غيرهم -واحد-.
- قالوا: الأنبياء، قال: "وما لَهُمْ لا يؤمِنُونَ والوَحْيُ يَنْزِلُ عليهُمْ"، وكشف الله لهم وجلّى لهم كثير مما غاب عن غيرهم.
- قالوا: فنحن "الصحابة"، قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أَظْهُرِكم؟"؛ يوحى إليّ، وأبلِّغكم تشوفوا الآية هذه الكبيرة ومع ذلك ما تؤمنون!! ما هو أعجب الإيمان هذا.
- قالوا: فمن أعجب الخلق إيمانًا؟ قال: "قَومٌ يَأْتون مِن بَعْدي، يُؤمِنون بي ولم يَرَوني".
يعني: إيمان هؤلاء منّة من الله كبيرة مِن أعجب الإيمان، تفضُّل من الرحمن عليهم، أشاد النبي ﷺ بمكانتهم عند الله تعالى وأعجبيَّة إيمانهم -ما أعجبهم- قال: لا شاهدوا الأنبياء ولا هم ملائكة، وجاء الحق والنّور فآمنوا وصدقوا وأيقنوا.. قال: هؤلاء من أعجب الخلق إيمانًا، اللهم اجعلنا منهم؛ "يُؤمِنون بي ولم يَرَوني".
ثم إنه ﷺ في تفضّلات الله عليه وتفضُّله على المؤمنين؛ عَقَدَ أخوة بينه وبين هؤلاء المخلصين الصادقين من المؤمنين الذين يأتون من بعده؛ وقال -كما جاء في الصحيح- وهو بين جماعة من أصحابه في مقبرة كانوا قبروا بعض الصحابة مات، وهناك كتب بعود في يده بالأرض قال: "ودِدْتُ أنّا قدْ رَأَيْنا إخْوانَنا قالوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أنتُمْ أصْحابِي وإخْوانُنا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ"، "ولَكِن إخواني الَّذينَ آمَنوا بي ولم يَرَوني".
آمنّا بك يا محمّد، آمنّا بوحي الله إليك، آمنّا بتنزيل الله عليك، آمنّا أنك خاتم النبيّين وسيد المرسلين، آمنّا أنك صفوة الله في العالمين، وأنك الصّادق الذي لم تعرف الأرض ولا السماء أصدق لهجة منك، آمنّا بك يا رسول الله.. يقول: "آمَنوا بي ولم يَرَوني".
ثم ذكر عمّا يُحدِثُ الإيمان في عمق قلوبهم من الوداد، قال: "يودّ أحدهم لو رآني بنفسه وماله"، يعني: علاقتهم بي الروحية بالغة في الحد أنّ أحدهم لو خُيّر بين أهله وماله ورؤيتي لاختار رؤيتي على أهله وماله؛ "يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي فَفَدَانِي بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ" أو "بنفسه وماله".
هؤلاء الإخوان؛ إخوان الحبيب ﷺ، فهم من أقرب الناس من أهل الدرجات العلى، ويقربون له من مثل سيدنا علي بن أبي طالب الذي عقد له أخوَّة خاصة:
- فأخو المؤمنين على العموم.
- وأخو الأنبياء على الخصوص.
- وأخوه سيدنا علي على وجه الخصوص؛ لمّا آخى بين كل مهاجري وأنصاري معيَّن؛ أخوَّة خاصة، وهم كلهم إخوان.
- قال له سيدنا علي: آخيت بين كل مهاجري وأنصاري ولم تؤاخِ بيني وبين أحد؟ قال: "أَنَا أَخُوكَ"، قال له: "أَنَا أَخُوكَ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ووجد أيضًا المهاجرون رِفدًا من هذه الأخوة الخاصة، فكان أخوه الخاص يقول: بيني وبينك؛ كل ما عندي وملكي بيني وبينك كله؛ ولكن كانوا مع ذلك على قناعة وزهادة وعِفَّة ونُبْل -عليهم الرضوان- ما لهفوا وقالوا: هاتوا؛ أخذوا بمقدار الحاجات حتى وسع الله عليهم؛ وهكذا شؤون هذه الأخوَّة.
فانظر إلى المؤمنين الصادقين ممّن على ظهر الأرض اليوم، ممّن جاءوا بعد حبيب الله، ما منزلتهم عند الله وعند رسوله؟ وما علاقتهم بالملأ الأعلى؟
وهؤلاء الذين يحملون عرش ربنا، وهم في القيامة ثمانية بالاتفاق؛
- قبل القيامة هل هم ثمانية أو أربعة؟ هذا الذي فيه نظَرُ العلماء من خلال ما ورد، واشتهر القول: بأنهم أربعة، ثم يضاف إليهم في القيامة أربعة فيصيروا ثمانية.
- أما في القيامة بالإجماع والاتفاق لِما نصّ الله تعالى في القرآن: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة:17].
فهؤلاء حملة العرش، ومن حوله ألوف.. ألوف؛ (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)، قال لك: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا..(7))؛ في علاقة بينهم وبين المؤمنين، والأرض فيها هيئات وجماعات وأفراد ودول وشعوب؛ ما لهم علاقة إلا بالمؤمنين، العلاقة الخاصة في المودة.. للمؤمنين..
- (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) يطلبون الغفران من الله الغفور للذين آمنوا.
- (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أيقنوا بوجود الله ووحَّدوه -سبحانه وتعالى-، وصدّقوا رسله.
ثم أخذ الحق تعالى ينثر وينشر لنا بعض معاني هذه العلائق من خلال نموذج من استغفارهم للمؤمنين؛ ما هو؟ كيف يستغفرون لنا؟ قال: اسمع ماذا يقولون: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) يعني: رحمتك وسِعتْ كل شيء، وعلمك أحاط بكل شيء؛
- قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف:156].
- (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
(وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) جل جلالك؛ فلولا رحمتك ما كان شيء، وقد أحاط علمك بكل شيء.
(رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ) يجلّون الحق تعالى ويعظمونه ويقدسونه، ويعرفون عظمة رحمته وعظمة علمه.
يقول:
- (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا) الذين تابوا عن الشرك، ورجعوا إلى الإيمان وصدّقوا رسلك؛ اغفر لهم.
- (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا) استر ذنوبهم وسامحهم فيها، ولا تؤاخذهم بها.
وهذه علاقة أيضاً وطيدة متعلّقة بأهم شيء يهمّ الإنسان؛ لأن ما من مصيبة في الدنيا والآخرة إلا وسببها الذنب؛ يقول: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) أي: دينك الإيمان؛ فأسلموا.
(وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7))، هذا العذاب الشديد الذي توعَّدتَ به أعداءك، اجعل لهم وقاية منه، احفظهم، احمهم منه يا رب، لا يقربون النار، لا يدخلون النار؛ (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران:192]، لا تخزِ أحدًا من هؤلاء يا رب المؤمنين.
الملائكة يقولون هكذا.. من؟ حملة عرشه ومن حوله؛ فكلما تحقّقت بالإيمان أدركتَ من سرّ هذه الدعوات ما يُفِيضُ عليك أنوارًا ويقينًا وارتقاءً.
يقول: (وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) احرسهم، اجعل لهم وقاية وحماية من عذاب الجحيم؛ عذاب النار (الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:6-7]، والذي ليس كمثله عذاب.
بهذا الأمر المهم يدعو الملائكة: غفر الذنوب، والاستقامة على السبيل، والوقاية من النار:
- (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران:192].
- (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:194].
- (وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)).
اسمع! يقول الحق وهذه العلاقة أبيِّن لكم عمقها في انتباهِ هؤلاء حملة عرشي ومن حوله، من أهم أحوال المؤمنين بي في الأرض؛ بل تمتد علاقتهم إلى أهليهم وآبائهم وأزواجهم وذريتهم! الله.. الله.. الله.. يذكرونهم، يذكرون: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدنٍ).
(عَدْنٍ): الخلود؛ الخلود والمكث والبقاء، (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: جنات الخلود والبقاء، الجنات كلّها؛ وإن كان قسم من الجنة يسمى: جنة عدن؛ ولكن الجنات كلها والمراد بها هنا جنة عدن، عندنا:
- الفردوس.
- وعلّيون.
- والمزيد -جنة المزيد-.
- وعندنا جنة طوبى.
- وجنة المأوى.
- وجنة السلام..
ثمان جنات؛ لكل واحد في أي جنّة أحلَّهُ الله تعالى جنّتان:
- ظاهرة.
- وباطنة في تلك الجنة.
أما الثماني جنّات فما هناك ذات تستطيع وتستوعب أنواع النعيم التي في جنتين منها؛ بل من خلال الجلسة التي هو فيها -وله الجنتان بوسط الجنة هذه من أنواع نعيم الجنة التي هو فيها- ما يقوى على استيعاب نعيم هذه الجنة والجنة الثانية؛ إلا ذات محمد ﷺ، إن خيمته ضُربت من الفردوس إلى المزيد إلى عليين، فأتاه الله قوة يستطيع التّنعم بما في هذه الجنان العليا كلها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وذلك أن:
- شؤون الرّحمن وعظمة مملكته لا غاية لها ولا حد، وهي أكبر من كل تصوّر.
- وأنواع النعيم كلما حدّث عنه سيد أهل النعيم يقف، ويقول:
- "وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
- واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17].
اللهم اجعلنا من أهل جنانك، ونسألك الفردوس الأعلى، ونسألك الدرجات العلى من الجنة يا الله.
يقول الملائكة: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ)..
(تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) [مريم:63].
وعدهم -سبحانه وتعالى- الجنان ودخولها، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة:25].
الجنات الحسنة الجميلة ذات النعيم الكبير أدخلهم فيها، حماية من النار ودخول للجنة، فوز بالدخول للجنة؛ الحماية من النار شيء عظيم، ولكن الدخول إلى الجنة ونيل النعيم العظيم المقيم الشريف الأبدي الوسيع الذي لا غاية له ولا حد.
(وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ)، فجزى الله عنا حملة العرش ومن حوله خير الجزاء، وهذه دعوتهم لنا وهي أقرب إلى القبول عند ربنا من دعائنا ودعاء غيرنا.
يقولون: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ) رأيتم امتداد العلاقة؟ يقول:
- (وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ) أي أحد من آبائهم آمن أدخله معهم.
- (وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) يعني إيش؟ يعني: الذي في الدرجات العليا منهم عنده آباء ما وصلوا درجته، ولا أزواج ما وصلوا درجته، ولا ذرية.. أدخلهم معهم، ارفعهم لعندهم.
(وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ).
- كما في الآية الأخرى، يقول -سبحانه وتعالى-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ) -وفي قراءة- (وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) [الطور:21].
- حتى كان يقول سعيد بن جبير: "المؤمن في الدرجات التي يرفعه الله فيها، يقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين زوجتي؟ أين ابني؟ يقول الملائكة: لم يعملوا بمثل عملك. يقول: كنت أعمل لي ولهم. قال: فيناديهم الله: ارفعوهم، ارفعوهم إلى درجته، ليقر عينه بذلك".
لا إله إلا الله. (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) [الطور:21].
يا رب ألحقنا بالمقربين والصدّيقين، وأهل المراتب العلى من خيار الملأ.
في مقعد الصدق الذي قد أشرقت *** أنواره بالعندِ يالك من سنا
والمتقونَ رجالهَ وحضوره *** يارب فألحقنا بهم يا ربنا
(وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) فالملائكة ينتبهون من هؤلاء المؤمنين المخصوصين، ومن بحبل الإيمان اتصل بهم من آباءهم وذرياتهم؛ وإن لم يعمل بعملهم.
(إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ)، احمهم من السيئات؛ وقد سبق الوقاية من عذاب الجحيم، قال: وعاد، لكن الشدائد في البرزخ وفي القيامة، بعِّدْهُ منها.
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ):
- فضيحة في القيامة.
- أخذ كتاب بالشمال.
- هول عند الوزن.
- وهول المطَّلَع.
- وساعة الوقوف بين يديك.
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) حتى ذا يسودّ وجهه وذا تكثر...
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) فسيئات القيامة أسبابها سيئات العمل في الدنيا.
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) فأما من أكرمته بكمال الوقاية، وحفظته من السيئات في الدنيا؛ فلا سيئة له في ذلك اليوم، ولكن أيضاً اغفر وتب (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ)، سامحهم ولا عاد تكشفهم في الآخرة، وبيض وجوههم ولا تشدّد الهول عليهم.
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ) -في القيامة- (فَقَدْ رَحِمْتَهُ)، هذه الرحمة الكبرى العظيمة أن يقيك سيئات الموقف والمحشر، كما قال سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) [الأنعام:14-15]، رحمه الله هذه الرحمة الكبيرة، يصرف عنه عذاب القيامة.
(وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))، هؤلاء الذين يغرونا بالفوز؛ يا ألعاب، يا مباريات، يا رئاسات، يا أموال، يا استثمارات.. (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذا والله العظيم، والله العظيم ما (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إلا هذا..
- رغبنا فيه الله ورسوله، فلا يحقّ لعقولنا ولا لقلوبنا أن تزهد فيه، ولا أن تُولِّي عنه، ولا أن تعرض عنه، ولا أن تصدّق عروض الفوز البائر الساقط الهابط في هذه الدنيا.
- ما أنتم لعبة لأحد، من أهل الشرق والغرب، هذا ربّ المشارق والمغارب يعرض عليكم الفوز العظيم، ويحمل إليكم خبر حبيبه الكريم، فلا تلعب بعقولكم ولا بقلوبكم أهواء ولا نفوس ولا شياطين الإنس والجن.
ارغبوا في هذا الفوز، ولا تجعلوا في عقيدتكم ومشاعركم فوزاً عظيماً إلا هذا، (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)).
يتلاقى بعض أهل الجنة فيتذاكرون أيامهم في الدنيا:
- (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ) واحد منهم يقول: هو كان عندنا في البلاد قريب مني ساكن، مقارن لي، ولكن يضحك عليّ وعلى الإيمان.
- (كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) تقول لي حساب وعقاب وجنة ونار؟ كان يستهزئ.
- لما يقول هكذا، يقول له الملك: (هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ)؟ بتشوفون هذا الرجال صاحبكم ذا اللي كان يضحك عليكم، بتشوف؟ قال: (هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ) يقول: نعم، فيفتح لهم الحجاب يشوفوه في النار، يتقلّب من شدة ما هو فيه ما يحس فيهم.
- فيرُدّ الله له حسّه عشان يشوف هذا، يشوفهم ويسمع كلامهم (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) ناداه قال: (إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ)، بتضحك علينا؟
- قال: (تَاللَّهِ) احلف بالله (إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ) بتُهلكنا معك؟ لكن ربي نجّانا وثبّتنا على الإيمان حتى متُت، ولقيته وأنا مؤمن به وبرسوله.
- (تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي) في توفيقه وتثبيته لي (لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) -ماعندك في هذا الشدة اللي أنت فيها والعذاب المؤلم- (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
- قال الله عن أهل الجنة: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فعرض الفوز علينا، ترى عرض الفوز علينا من قِبل ربنا؛ عادك بتعدّ الفوز واحد؛ يا يحمل له شهادة ولا يصلح له لوحة يحملها يقول: شوفوا الفوز العظيم هذا، (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:50-61] .
ولذا قال العقلاء من الحكماء: لا خير في خير بعده النار، -إيش من خير في شي تسمّونه خير والنار بعده؟- كما لا شرّ في شرّ بعده الجنة، أي: شدة وتعب في الجنة وراءه؟ ما أقلها وما أسهلها! سهل، لكن الجنّة أهم شي، هذا الفوز العظيم (وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)).
ثم ذكر مصير الكفار: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ) في النيران.. أجارنا الله من النار، لا تجعل فيها أحداً منا، ولا من أهلينا، ولا من أولادنا، ولا من الحاضرين معنا، ولا من السامعين، ولا المشاهدين، ولا المتعلّقين، ولا من في ديارهم، ولا أهاليهم، ولا أولادهم، يا الله أجرنا من النار، قنا عذاب الجحيم، وقنا السيئات يومئذ.
(وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). فاجعلنا من أهل الفوز العظيم يا عظيم، اجعلنا من أهل الفوز العظيم يا عظيم، اجعلنا من أهل الفوز العظيم يا عظيم، يا الله، يا الله، ياالله.
يحق أن نلحّ عليه لأنه عظيم، والمآل هذا عظيم؛ عذابه عظيم ونعيمه عظيم، يا الله نلحّ عليك، يا الله نسألك، يا الله نطلبك، يا الله ندعوك، يا الله نرجوك، يا الله نتذلل بين يديك، يا الله نسألك الفوز العظيم، والنعيم المقيم في مرافقة حبيبك محمّد. اللهم في مرافقة حبيبك محمد، اللهم في أعلى مراتب المرافقة له، أسعدنا بذلك يا مُسعد السعداء، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين. قنا عذاب الجحيم، أجرنا من النار، أجرنا من الخزي في القيامة، قنا السيئات يومئذ، اصرف عنا عذاب يوم القيامة، (من يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) [الأنعام:16]. ارحمنا، ارحمنا، ارحمنا برحمتك الواسعة في الحياة وعند الوفاة، في البرزخ ويوم القيامة. أدخلنا الجنّة مع الأبرار المطهّرين المقربين السابقين، من غير سابقة عذاب ولا عتاب، ولا فتنة ولا حساب، ولا توبيخ ولا عقاب.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
الذين راعوا حق الصلة بحملة العرش ومن حوله، وتلقي أنوار هذه الدعوات، يتسع لهم المجال؛ ولهذا يقال له فتوحات عرشية، فهم يعيشون بأجساد في الأرض لكن القلوب عرشية، أرواحهم عرشية، فهم من أوثق الخلق رابطة بحملة العرش ومن حوله، فلهم من رب العرش نظر ولهم عناية منه جل جلاله، شأنها مدخر لا يمكن الإحاطة به لغير الذي فطر جل جلاله. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا يا أرحم الراحمين.
12 رَمضان 1447