تفسير سورة غافر - 1 - من قوله تعالى {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب ..} إلى الآية 5
الدرس الأول من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5)
صباح السبت 11 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُنزل الكتابِ المتكرم بالخطاب، الكريم الوهاب، ذي العطاء المُنساب والجود والمَنِّ والرزق بغير حساب.
نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له؛ منه المبتدأ وإليه المرجع والمآب، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله سيد الأحباب، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدك المجتبى المختار محمدٍ وعلى آله والأصحاب؛ خير آل وأصحاب، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان على خير المسالك وأحسن الآداب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل حضرة الاقتراب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،،
فإننا في نعمة تأملنا لكلام إلهنا وخالقنا وربنا ﷻ، وتبيينه لنا وتعليمه لنا وهدايته لنا وتنزّله لنا سبحانه وتعالى، أنهينا تأمل بعض المعاني في سورة فُصِّلت (حم) السجدة، ونبتدئ في سورة غافر، وهي المفتتحة بقول الله تعالى:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)).
والذي جاء ما رواه الدارمي وغيره عنه ﷺ: أن من قرأ آية الكرسي وهذه الآيات: (حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، في صباح لم يضره شيء حتى يمسي، ومن قرأها في المساء لم يضره شيء حتى يصبح.
يقول جل جلاله: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (حم (1))، وهذه الحروف المقطعة تحمل الإشارات، وتعددت فيها أقوال من تكلم عنها من أهل التفسير من الصحابة فمن بعدهم -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
(حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2))، إلقاء هذا الكتاب إلى قلب النبي محمد ﷺ: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:193-195].
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ) إخراجه بوحي الله -تبارك وتعالى- من السماء إلى الأرض على يد الأمين جبرائيل.
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ) المُنزِّل له الله، قال: (مِنَ اللَّهِ)..
- (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ) الذي جلّ عن أن يُدرك أو يُحاط به..
- (الْعَزِيزِ) الذي عظم في علمه وقدرته -جل جلاله وتعالى في علاه-، لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
- (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ) الذي استغنى عن كل شيء وافتقر إليه كل شيء، فهو العزيز.
- (الْعَلِيمِ (2)) الذي أحاط علماً بكل شيء.
- (الْعَلِيمِ) الذي لا يشاركه في علمه أحد من حيث قدم العلم وإحاطته بجميع الأشياء، وإنما يتفضل ويتكرم على من يشاء من عباده بتعليمهم شيئاً، كما قال:
- (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].
- وقال الملأ الأعلى لإلهنا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[البقرة:32].
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2))، وما كان مصدره الله الحق الحي القيوم، صاحب العزة المحيط علماً بكل شيء، فحرِيٌّ..
- أن يُقبل عليه، وأن يُعظّم أمره.
- وأن تُستبان معانيه.
- وأن يُطبق ويُعمل بما فيه.
يقول: (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2))..
- (غَافِرِ الذَّنبِ) -جل جلاله وتعالى في علاه- فضلاً منه.
- (وَقَابِلِ التَّوْبِ) وعداً منه.
- (شَدِيدِ الْعِقَابِ) عدلاً منه.
- (ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3))؛ تفرداً له جل جلاله وتعالى في علاه.
(غَافِرِ الذَّنبِ) الذي يستر الذنب بأنواع الستر، فأجلُّهُ ما غفر به ذنوب المعصومين من الملائكة والنبيين، أي ستر عنهم الذنوب وحال بينهم وبينها.
ثم بعد وقوع المذنبين سواهم في الذنوب، فله غفرٌ بالستر الجميل على مراتب ودرجات..
- (غَافِرِ الذَّنبِ) ما شاء من الذنوب صغر أو كبر.
- (غَافِرِ الذَّنبِ) المكفر له بالحسنات، وماحيه بالتوبة الصادقة:
- (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) [الشورى:25] ﷻ.
قال تعالى: (وَقَابِلِ التَّوْبِ):
- (التَّوْبِ) إما مصدر تاب يتوب توباً.
- أو هو جمع، جمع توبة، وكما يجمع الدومة على دوم، يقول: دومة ودوم، وكذلك توبة وتوب، أي يقبل التوبات من التائبين.
(غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ)، ثم تكرر في القرآن بلفظ الغفور، وجاء في لفظٍ الغفار، والغافر جاءت قليلاً، والغفار جاءت كثيراً، والغفور جاءت كثيراً؛ فذلك لغلبة رحمته -سبحانه وتعالى- على غضبه، وسبق رحمته غضبه، له الحمد والمنة.
(غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) من التائبين الرجاعين إليه ﷻ.
وقد جاء أن سيدنا عمر بن الخطاب وقف عنده بعض الرجال وقال: يا أمير المؤمنين أنا وقعت في ذنب عظيم، أنا قتلت، فهل لي من توبة؟ فقال له سيدنا عمر: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)"، قال: اعمل ولا تيأس، ارجع إليه جل جلاله وتعالى في علاه.
(غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) ﷻ، وضع هذا بين هذه الأوصاف أيضاً؛ عزته وعلمه وغفره للذنوب وقبوله للتوب، وذكر شدة عقابه لمن يعاقبه، حتى لا يجترئ ويغترّ من نظر في صفات غفره وقبوله التوبة وتطوله وإنعامه، فيتساهل بالذنوب والمعاصي.
فيقول: مهما علمت من عظمتي ومغفرتي ورحمتي، فلا تتساهل بعظمتي ولا تسترسل في الذنوب، فإني إذا عاقبت فعقابي شديد: (شَدِيدِ الْعِقَابِ).
(ذِي الطَّوْلِ)، ذي الطول: الغنى، وذي الطول: الإنعام.
(لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3))، مصير كل شيء ومصير كل أحد، ومرجع الأولين والآخرين إليه، لأنه رب الجميع ﷻ.
(تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ)، وجاء عن ابن عباس وفي رواية عن ابن عمر قال:
- (غَافِرِ الذَّنبِ) لمن يقول: لا إله إلا الله.
- (وَقَابِلِ التَّوْبِ) عمن يقول: لا إله إلا الله.
- (شَدِيدِ الْعِقَابِ) لمن أبىٰ أن يقول: لا إله إلا الله.
(ذِي الطَّوْلِ) عمن لم يقلها، و (ذِي الطَّوْلِ) بمعنى الإنعام لمن يقول: لا إله إلا الله.
(غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، لا يستحق العبادة شيء غيره كائناً ما كان، فكل ما كان غيره فهو خلقه، وهو إيجاده، وهو صنعه، وهو فعله ﷻ، فلا يستحق العبادة إلا هو، لا إله إلا هو، وما سواه فهم له عباد.
نعم بعضهم مِمّن يحبّ ويرتضي *** لطاعته والبعض عاصٍ ومارق
والكل تحت حكمه، والكل عباده ﷻ.
وجاء أيضًا أن رجلاً كان ذا بأس، يتردد على سيدنا عمر بن الخطاب، وأحبه سيدنا عمر، ثم إنه سافر إلى الشام ثم أبطأ، فسأل عنه، فقال له بعض من ورَدَ من الشام: لا تسأل عنه. قال: لمَ؟ قال: إنه استرسل في هذا الشراب، أي: رجع إلى شرب الخمر..
- قال: فإذا عزمتم على السفر فآذنوني. فآذنوه، فقال للكاتب: اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، أما بعد: فإني أحمد إليك الله، (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3))".
- وحمل الكتاب له، ولما وصل الكتاب أخذ يتأمل ويقول:
- (غَافِرِ الذَّنبِ): وعدني يغفر لي.
- (وَقَابِلِ التَّوْبِ): يعدني يقبل توبتي.
- (شَدِيدِ الْعِقَابِ): حذرني من عقابه.
- (ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) مرجعي إليه.
- وأخذ يردد ويقول: صدق الله ونصح عمر، فأقلع عن الذنب وأناب إلى الرب -سبحانه وتعالى-.
- سأل عنه بعد ذلك، قالوا: إنه أناب وصلح، قال: إذا زلَّ أخ لكم فافعلوا له هكذا، ذكروه وادعوا له، ولا تكونوا عون الشيطان عليه.
وجاء في رواية أن بعض أصحابه كان ذا عبادة وإقبال، ثم سافر إلى مصر، ثم أخذ يسأل عنهم سيدنا عمر، حتى ورَدَ بعض أهله، فلما سأله عنهم أخبروه أنه ترك الطاعات وأقبل على السيئات، فكتب إليه بهذه الآيات، وفيه أنه أناب إلى الرب وتاب، وقال لهم: ادعوا له، ادعوا له أن يقبل الله بقلبه عليه وأن يتوب عليه. وهذا المسلك تعلمه سيدنا عمر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما قال: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".
يقول: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)، يجادل في آيات الله في القرآن وفي الدلائل الواضحة على وحدانية الله تعالى؛ أي: لإبطال الحق ولترويج الباطل، فهذا النوع من الجدال ما يكون إلا في الكفرة ومن شابههم.
(مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)، ممن حقت عليهم الكلمة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وغلبهم الجحود والهوى؛ وإلا فالآيات واضحة وبينة:
- يقابل هذا جدال لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ولبيان وجه الحق على وجه منضبط بقيود السنة الشريفة؛ فهذا جدال محمود حسن.
- قال قوم نوح لسيدنا نوح: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود:32]، يعني: في تبيينه للحق ودعوته لهم إلى الهدى.
- فالجدال لإحقاق الحق المأمور به بقوله: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125].
- وقال سبحانه: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت:46].
- أما الجدال الذي يقصد منه مجرد المغالبة، أو الذي يراد به إبطال الحق وإحقاق الباطل، فذلك الجدال العقيم السيء الخبيث الذي يجب الاحتراز منه والبعد عنه.
- وقال فيه ﷺ: "ما ضلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليه، إلّا أوتُوا الجدلَ".
- وقال بعض العارفين:
- إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل.
- وإذا أراد بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل.
فتجدهم يتشبثون بالجدال، ويتكلمون ويردون على الأحياء والأموات، وفكره في الليل والنهار يجادل وأعماله قليلة؛ حتى في الصلاة يجادل، وهو راكع يجادل، وهو ساجد يجادل، أقول له كذا وبينزل عليه كذا، هو في الصلاة جدال، كل حياته جدال! فتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العمل -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وقال الله لحبيبه: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199].
(مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)، يقول الله: وهؤلاء المجادلون بالباطل على ظهر الأرض لا تغتر بشيء من إمهالنا لهم ومن إملائنا لهم حتى نأخذهم، (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4)).
(مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4))، أسفارهم وتجاراتهم وملكهم في كثير من الأقطار وفي كثير من الأوقات:
- لا تغتر بهذا؛ فكله فتنة، وكله مؤقت، وكله زائل، والعاقبة محسومة أن يُؤخذوا وأن يُهلكوا وأن ينتقلوا إلى عذاب الآخرة.
- فلا تغتر بما يتقلبون به في البلاد، يقودون الحروب ويصدرون التجارات ويقيمون المشاريع ويطلعون وينزلون.
(فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ)، كما قال في الآية الأخرى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ) [آل عمران:196-197]، ما يتجاوز الحد المحدود الذي حده له الله ﷻ، ثم يهلكون في الدنيا ويعذبون في الآخرة؛ وهذه سنة الله في جميع المعاندين والجاحدين.
(فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ)، البلاد جمع بلد، أي في البلدان، وتنقلهم فيها وتمكنهم من ملك بعضها وزراعتهم لبعضها وبنائهم في بعضها إلى غير ذلك. كل هذا التقلب عبارة عن فتنة لهم، موقَّتة بزمن معين محدد لا يتجاوزونه ثم يُهلكون وينتقلون إلى عذاب الآخرة.
(فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ)، وكان للمعاندين لرسول الله ﷺ من كفار قريش رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف، وخروج في التجارة وما إلى ذلك، وأُخِّر عنهم العذاب ولم يصبهم شيء، فقال: (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ).
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)، فماذا كانت النتيجة؟ وأين ذهبوا؟ (وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ)، عاد وثمود، (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) [الفرقان:38]؛ إلى وقت النبي إبراهيم، وهذه قرون كثيرة، والرسل أُرسلوا وأهلكت تلك الأمم.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ)، أي: الجماعات المُتحزِّبة المجتمعة على تكذيب الرسل وعنادهم، كذّبوا، كما قال -جل جلاله وتعالى في علاه- في بيان هؤلاء الأحزاب يقول: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ* وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ) [ص:12-13]، هؤلاء الأحزاب.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ)، ولم يزل على ظهر الأرض كفار يكذِّبون بالرسل ويعاندون أمر الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله -تبارك وتعالى- سبق في حكمته وقضائه أن يملأ النار بأناس وحجارة (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة:24].
يقول: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ..(5))، كل أمة من الأمم يهمِّون أن يأخذوا الرسول ويقتلوه ويحبسوه، فكلهم همّوا بقتل الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- حتى نبينا محمد ﷺ، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30].
ولهذا تجد أيضًا في أتباعهم وورثتهم -في الغالب- ما يظهر أحد ويكون له الأثر في نفع العباد إلّا وهناك طوائف تهمُّ بقتله، (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ)، فيصرفهم الله تعالى عنهم إلّا في أفراد ممن اختار لهم الشهادة ويرد كيد أولئك، وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
(وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ):
- (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ)، الكفر والعصيان والفسوق؛ (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)، الإيمان والطاعة والتقوى،
- (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ)، الأوهام والخيالات والضلالات؛ (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)، الهدى والقرآن والوحي والتنزيل والإيمان والتقوى.
(لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ)، كل هذه الطوائف والأمم الذين جادلوا بالباطل وهمُّوا بأخذ رسلهم وأنبيائهم، يقول الله: أنا أخذتهم، أنهيتهم، لا إله إلا الله..
- الذين تطاولوا على نوح؛ أُغرقوا وراحوا من أولهم إلى آخرهم.
- والذين تطاولوا على النبي هود: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [الحاقة:7].
- والذين تطاولوا على النبي صالح؛ أخذتهم الصَّيحة وانتهوا في لحظة ويوم واحد.
- و الذين تطاولوا على النبي إبراهيم، النمرود؛ وحشرة أنهته وأنهت حياته ومُلكه، (فَأَخَذْتُهُمْ)، قال الله: أخذتهم.
- والذي تطاول على سيدنا موسى؛ صَيَّح في الغرق وهو في الماء، وقال: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90].
(فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5))، ما ترون سُنَّتي في الوجود؟! تغترُّون بمَن؟ إذا جاء واحد يزمجر ويتكلم، ما هو هذا! ما جاء أحد بمثله؟! ألوف جاؤوا مثله.. راحوا!
فَثِقْ بالقوي وكُنْ معه واصدق واثبت؛ فإن حسن العاقبة والمصير لمن تمسّك بحبله واستمسك بطاعته واتّقاه في السر والنجوى، ولم يغترَّ بهذه المظاهر والظواهر التي ما أسرع ما تزول وتتبدل وتتغير، والحُكم مستقبل للجميع في يوم الواقعة (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ) [الواقعة:3].
يقول: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)، ونشروا عليهم السباب والشتائم، وحاولوا يشوِّهوا صورهم أمام الناس ويقولون عنهم، وهذا أمر متكرر متكرر متكرر على مدى القرون في مختلف الأماكن؛ فيا فوز الأنبياء وأتباع الأنبياء الصادقين.
يقول تعالى: (فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)، كيف كان عقابي؟! وهذا المُعَجَّل في الدنيا قدامكم والأمر مُقبِل، كما قال الله -تعالى- في قوم فرعون لما يخاطبهم المؤمن الذي يكتم إيمانه، يناديهم ويناديهم، وبعد ذلك أصرُّوا على جحدهم وتهدّدوه، قال:
- (۞ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ* لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ* فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ)، والرجل معتمد على فوق، هو واحد وهؤلاء جماعات وبيدهم القوة.
- والنتيجة:
- (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، وإذا الفرد نجح وانتصر وبقي، والجماعة هلكوا.
- (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، في البرزخ.
- ويوم القيامة: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:41-46].
إذًا لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ(5) وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ أن يُهلكوا ثم يعذبوا في النار: (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ(6)).
(وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ممن كذبوك وخالفوك يا محمد: (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6))، أعوذ بالله من غضب الله، ومنهم أولئك الذين تخاطبوا معه وكلّموه وتعادوه، وقال لهم: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الكافرون:1-3]، ولا واحد منهم قدر يتجرأ بالصورة من دون حقيقة، يقول: أنا آمنت.. أنا أعبد ربك، وبعد ذلك يقول: تناقضتَ في كلامك أبدًا. محمد ﷺ يقول: واثق عن الحق الذي بيده قلوب الخلق والخواطر، وهؤلاء ولا طرأ على بالهم أن يكذبوا بصورة الظهور بالإسلام أبدًا، وبقوا لا يعبدون الله حتى ماتوا، وهكذا حقت عليهم الكلمة.
(وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6)) اللهم اجعلنا من أهل الجنة، (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20].
اللهم اجعلنا من أهل الجنة، أدخلنا الجنة بغير حساب، أدخلنا الجنة بغير حساب، أدخلنا الجنة بغير حساب، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، وأجِر أهلينا وأحبابنا وطلابنا وأصحابنا وذوي الحقوق علينا والمسلمين. آمين، آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
الفاتحة
12 رَمضان 1447