(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة النجم، من قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}، الآية: 1، إلى قوله تعالى: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى}، الآية:12.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15))
الحمدُ للهِ مكرمنا بالقرآنِ وبيانه، على لسانِ خيرِ إنسان سيدنا محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله المطهرين عن الأدران، وأصحابه الغرِ الأعيان، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياءِ والمرسلين عين الأعيان، الذين اختارهم الله من بين البريةِ في السرِ والإعلان، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وجميع عبادِ الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدو،،،
فإننا قد مررنا على بعض معانٍ من سورةِ القمر حتى جئنا إلى آخرها، وهذهِ سورةُ النجمِ افتتحها الحقُّ جلَّ جلاله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11)).
تفسير قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1))
وهي سورةٌ مكية، يقولُ الحقُّ تعالى في أولها مقسمًا بالنَّجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1))، ويأتي الهُويُّ:
يقولُ: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1))، فأخذ أهل التأمُلِ في كلامِ اللهِ والتفسير، أن من الصحابةِ والتابعين وتابعيهم، يذكرون عن (النَّجْمِ)؛ أنَّ المراد:
فكلُ هذهِ المعاني حامَ أهلُ العلمِ في مراد الحقِّ بقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ).
وجاء أذًا عن سيدنا جعفر الصادق أن:
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ) اي في خروج نبيهِ من السماوات العلى ومن العرش إلى الأرضِ، وخروجه في تلك الليلة.
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ) قسمٌ من الحقِّ جل جلاله:
وهو سبحانه وتعالى يحلفُ من الخلق بما شاء، وكل الخلقِ مظاهر قدرتهِ وإرادتهِ وتكوينهِ وخلقهِ وتصويرهِ وتدبيرهِ وتقديرهِ جلّ جلاله.
تفسير قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2))
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1)) جوابُ القسم والحلف: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2)):
فهو أعظم مَن هدى الله، وخير مَن هدى مِن الخلق، الخلق إلى الله، وإن الله هدى من شاء من عباده من الملائكة ومن الإنس والجن، ولكن ما أعطى الهداية لأحد منهم مثل ما أعطى نبيهُ من سرِّ الهداية، فهُدي إلى ما لا يُهدى إليه غيره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وبذلك كان في عالم الدلالةِ على الله وإرشاد الخلائقِ خير هادٍ ودالٍ ومعلمٍ ومرشد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2)) وما وقع في الغي، ولا حادَ عن سواء السبيل في كل ما يقولُ ويفعل.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3))
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3)): أي بالهوى، لا يتكلم ولا يتلفظ ولا يصدر من لسانه الطاهر كلام عن هوىً، ولا عن غرضٍ ولا عن منازعةٍ، ولا عن شيء مما يكتنفُ الناس ويقولونه، بل لا ينطق إلا بالحقِ الواضحِ الصريح، لا يقولُ إلا الحق.
صلى الحقُّ، على حبيب الحقّ، خير الخلق، مبين الحقَّ؟ والهادي إلى طريق الحقَّ، صلى الله عليه وعلى اله صحبه وسلم.
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3)):
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4))
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا) يعني ما ينطق به وما يتكلم (وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)) إليه:
ولقد قال الحقُّ تبارك وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ) [القصص:7]، فإذا كان الوحي يأتي أيضًا إلى غير الأنبياء؛ يثبتون ويُلهمون ويقال لهم هكذا، فالأصفى والأنقى؛ رسول الله محمد ﷺ، فإذًا لسانهُ في غاية الحفظ والعصمة.
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ) كل ما ينطق به (لَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
تفسير قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7))
ثم أشار إلى جبريل -في قولِ أكثر المفسرين- في قوله:
(ذُو مِرَّةٍ) خَلْقٍ سوي وصورة حسنة، وقوةٍ في حُسن الخَلْق وشدة (مِرَّةٍ)؛ (فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7)) أي برز جبريل للنبي محمد ﷺ وهو بالأفق الأعلى من جهة المشرق، لما طلب منه أن يظهرَ لهُ على صورتهِ التي خلقه الله عليها، كان يأتي للأنبياء في صورة البشر، ولم يره أحد من الأنبياء على صورته التي خلقهُ الله عليها إلا المصطفى ﷺ، وكان ذلك مرتين:
يقول:
ويأتي القولُ الآخر:
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8))
(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ)؛ قوةٍ عظيمةٍ يخْلُقُ ما يشاء، فتجلى للحبيبِ ﷺ وهو بالأفق الأعلى في ليلة الإسراء والمعراج المرة الأولى، ثم الثانية عندما قال عنه: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8)) وقال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11)).
1. يقول: (ثُمَّ دَنَا) الذين أخذوا بالقول الأول عن سيدنا جبريل، أنه دنا من الحبيب ﷺ وقرُبَ منه حتى كان ما بينه وبينه (قَابَ قَوْسَيْنِ)، يعني قدر قوسين:
(فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) أي بينه وبينه ذراعين، بين سيدنا جبريل عليه السلام، أو مقدار القوسين هذه التي تُرمى بها السهام.
2. (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9)) أي بل أقرب من ذلك، (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ)، سياق الكلام يدلُ على القول الثاني أنه: (دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8)):
(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8)) ثم إن الذي علمه هذا في ترقيه دنا، أي تنزل لعبدهِ المصطفى وكشف له من الحُجُب، كما يتنزلُ لأهلِ الجنة ويمكنهم من النظر إلى وجهه الكريم، (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8)) أي فصار في غاية القربِ.
تفسير قوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9))
فعبَّر عن المسافة المعنوية أنه طوى المراحل في معرفةِ الله تبارك وتعالى وشهوده، بحيث جاء التعبير: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9)) أي بل أدنى. وما ينتهي إليه ﷺ في معرفته باللهِ، وشهودهِ للهِ، ورؤيتهِ إياهُ في الآخرة، ما بقي من الوصول إلى تلك الغاية التي سينتهي إليها إلا مثلا أو قدرا قيد قوسين. ولكن هذه القوسين الذي عبّر الله عنها شيءٌ عظيم لا يتناهى، وهو إلى الأبد يترقى في رؤية الحقِّ وفي شهوده وفي معرفته، في خلال القوسين هذا إلى الأبد يستمر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..
فهو تجلي الحقُّ عليه تجليًا ما بقي من الغاية التي ينتهي إليه تجلِّيه عليه ﷺ إلا مقدار القاب القوسين ما بقي.
هذا كله نعلمُ:
تفسير قوله تعالى: (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10)).
(فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10))؛ الحقُّ يُوحي إلى أنبيائه وإلى ملائكته، (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) [الشورى:51]؛ لكن في هذا التخصيص منهُ لحبيبه، كلَّمه مباشرةً من دون واسطة مَلَك ولا غيره، وأوحى إليه.
في هذه الحالة، أوحى وحيًا، هو أقربُ لأن لا يصلُ إليه فهمُ الخلائق، فلذا أبهم الوحي ولم يخبر عنهُ إلا بالإبهام، بقوله: (مَا أَوْحَىٰ)، لم يقل "أوحى إليه كذا كذا كذا"، لا.. بل أوحى إليه الذي أوحى. الذي أوحى؟ أوحى إليه ما أوحى، أي أمر مبهم لا تستطيع العقول أن تكيّفه.
وبما ذكرنا البعد عن الجسمية وما إلى غير ذلك، يتبين أن معنى الرؤية إذا نُسبت للنبي ﷺ، وكذلك ما جاءنا في الأحاديث الصحيحة من رؤية المؤمنين لربهم في الجنة؛ أن كل ذلك بعيدٌ عن الصورةِ وعن الهيئةِ وعن كل مشتقات المخلوقات؛ الأمر بعيد عنها.
ولكن هذا التجلّي العظيم الذي هو ألذُّ ما يصلُ إلى القلوب والأرواح وأسرار الخلائق:
عُبِّر بالرؤية بالنظر، لهذا التجلي المعنوي العظيم الجليل الذي ليس فيه مشابهةٌ لرؤية البصرِ في عالم الدنيا إلى الأجسامِ والجهاتِ والصورِ وما إلى ذلك.
ولكن أمور الآخرة تتحولُ المعنويات فيها أمثال الحسيات في الدنيا:
المعنويات تتحول إلى مشمومات ومسموعات ومنظورات في الآخرة، لكن بهذا الاستعداد الذي يؤتيهِ الله الأرواح في عالم الآخرة، كما قال: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22].
أنت تبصر الى المعنويات التي كنتَ تُنكرها، والمعنويات التي كنت تستبعدها، والتي كنت تعدًًها في حيز المستحيل؛ ستراها اليوم رأي عين، كما كُنا نريك الأجسام والحسيات في الدنيا ولا تقدر أن تنكر وتشك فيها؛ لأنك تراها بعينك، فاليوم المعنويات التي كانت بعيدة في عقلك وفي ذهنك ومستحيلة عندك، تشاهدها مباشرة كما كنت تشاهد الحسيات بعينك في عالم الدنيا.
إذًا فنعلمُ أن الرؤية في الآخرة:
ما تنظر إليه البصيرة في عالم الدنيا ينظر إليه البصر اليوم، وخالق البصر والبصيرة هو واحد:
إذًا فندركُ المعاني، وكان يقول ابن عباس وغيره فيما يتبادر إلى الأذهان:
إذًا..
(فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10)) أُبهم الأمر لأنه عظيمٌ فوق مستوى إدراك الخلائق.
تفسير قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11))
ثم أشار إلى القلبِ الشريف والذي تحوَّل لهُ البصر في تلك الليلة، وفي تلك الساعة إلى مثل القلبِ، يقول: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ)، إن ما شاهدَ وما أبصرَ هذا الحبيب،؛ ما كَذَّبه الفؤاد، بل وعاهُ وأدركهُ وآمن بهِ كما هو.
(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11)) وفي قراءة: (مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ):
وبهذا يُعلم:
أنه لو كان ذلك لا يجوز به التعبير المستحيل، لكان أعرف الناس الأنبياء به، وما ممكن أي عالم من العلماء إلى أن تقوم الساعة يكون أعلم من موسى عليه السلام فيما يُطلب من ربه ما لا يُطلب..
وهذا المعنى أن الكائنات لا تطيق تجلِّي الرحمن عليها بعظمته، ولهذا يقول؛ أنه دون جلاله وعظمته من الستائر المعنوية والحجب الغيبية؛ سبعين ألف حجاب، يقول: "لو كُشف حجاب من هذه الحجب لأحْرَقَت سُبُحاتُ وَجْهِهِ، كلُّ ما وقع عليه بصره من خلقه"، والله يبصر كل شيء، ستحرق كل شيء، ولا تستطيع أن تتحمل لا السماء ولا الأرض ولا العرش ولا الكرسي، ستفنى وتهلك، كما جعل الجبل دكًا من هذا التجلي.
وهكذا بل نحن في عالم الدنيا، غالِبُنا والأكثرية الكاثرة منا، لا يتهيأون بقواهم إلى رؤية الملائكة، فضلًا عن الملائكة وهم خلق، خلق من الخلق، أجسام نورانية مخلوقة ما نقدر على رؤيتها بطبعنا هذا وشكلنا هذا، فإنما قد يراهم الخواص من العباد، وقد يبرزون في شيء من البروزات ولكن ما هم مؤهلين لهذا.
ليعلموا أن كل ما كانوا فيه مجرد خيال، ومجرد وهم لا حقيقة له، والحقيقة أنهم مخلوقون ولهم رب المرجع إليه؛ هذه الحقيقة، ماعدا ذلك يذهب هباء، بلاش كلام فارغ، تخيلات من إبليس يعدهم ويمنيهم:
تفسير قوله تعالى: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12))
يقولُ تبارك وتعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ) تجادلونه وتنكرونه (عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12))؟ أخبركم بشيء شاهده بعينه ورآه ببصرهُ وتنكرون عليه بها؟!
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ)، تقولون كيف ذهبت الى بيت المقدس؟ كيف طلعت الى السماء؟ كم عدد أبواب بيت المقدس؟ كم أبوابه؟ كم نوافذه؟ كم سواريه؟ عيرٌ عندنا في الطريق، رأيتها أو لم ترها.
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ)! هو يدعوهم إلى الإيمان بغيب أراهُ الله إياه.
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13)) أي مرة أخرى (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14))، إما جبريل إما الرؤية للحقِّ سبحانه وتعالى، (نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14))، وكما سيأتي معنا إن شاء الله بيانٌ في ذلك أن نحوم حول المعاني البديعة فيما أوحى الله إلى قلب عبده المصطفى محمد للمراتب الرفيعة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ونودع بيومنا العشر الأواسط من رمضاننا، وما بقي إلا هذه الليلة التي إذا جاءت في حياته ﷺ اعتكف وشد مئزره وزاد اجتهاده وهو في مزيد ﷺ، وأحيا ليله وأيقظ أهله ﷺ. أسعدنا الله وإياكم بهذه الليالي وجعلها من أبرك عشرٍ أواخر لرمضان علينا وعليكم وعلى الأمة ظاهرًا وباطنًا يا أرحم الراحمين.
وفقنا لما تحب واجعلنا فيمن تحب، وثبتنا على ما تحب، وأعد علينا عوائد (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1))، وعوائد جودك الذي يعظم في السر وفي النجوى، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، فنضلُ سواء السبيل. اللهم ثبتنا على ما تحبه منا وترضى به عنا في النية والقول والفعل والقيل، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 رَمضان 1443