تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المنافقون، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ..}، الآية: 5، إلى قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ..}، الآية: 10
﷽
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11))
من أبرز ما جاء في الدرس:
- حقيقة النفاق وأخلاقه:
- التأمل في أحوال المنافقين وخطر اتباع الهوى.
- الاستكبار عن الاستغفار كصفة أصيلة فيهم.
- العزة والنصرة الإيمانية:
- العزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين.
- الاعتماد على الله لا على المال في نصرة الدين.
- نماذج إيمانية في العزة والزهد:
- تواضع وعزة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتح القدس.
- قصص ملهمة في الزهد والإنفاق في سبيل الله.
- الحث على المبادرة: التذكير بضرورة الحث على الإنفاق قبل فوات الأوان.
نص الدرس مكتوب:
الحمد الله مكرمنا بالآيات البينات، وبيان خاتم الرسالات خير البريات، اللهم أدِم منك عليه الصلوات والتسليمات، في جميع الآناء والأوقات، وعلى آله الأطهار وأصحابه أهل الثبات، وعلى مَن تبعهم بإحسان من أُولي الصدق والعزمات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين جعلتهم أرفع الناس لديك في الدرجات، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم و ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين والصالحات، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا مجيب الدعوات، ويا قاضي الحاجات.
ولقد تأملنا في فضل الله علينا:
- ما ذكَّرنا به من أخبار المنافقين في سورة المنافقين.
- وشأن مجيئهم إلى عند سيد المرسلين ﷺ، فلم ينتفعوا بالكنز الثمين، ولم يهتدوا بالنور المبين.
- لِما غلب على قلوبهم من ران الهوى والشهوات، فهي المخزيات والقاطعات.
وأسباب الهلاك في الدنيا والآخرات؛ اتباع الأهواء والشهوات..
- ومَن أراد به خيرًا آتاهُ من الإيمان والعقل ما يقمع به الشهوة، ويغلب به الهوى؛ فينقاد لأمر الحق، فيكون هواهُ تبعًا لما جاء به خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
- أولئك الفائزون والرابحون، "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يكونَ هواه تبعًا لِما جئتُ به".
وما الذي لعِب بهؤلاء في كل أقوالهم القبيحة، ومعاملاتهم السيئة:
- إلَّا الأهواءَ والشهوات، انقادوا لها وخضعوا.
- فذهبت إنسانيتهم وكرامتهم، وعقولهم ومراتبهم الرفيعة.
ضيعوها، باتباع هذه الأهواء والشهوات.
- التي جعل الله تعالى؛ في الصلاة، ثم الزكاة، ثم في الصوم، ثم في الحج تقوية لغلبتها، ولإخضاعها وللخروج من سلطتها؛ الأهواء والشهوات.
- بواسطة الصلاة، بواسطة الزكاة، بواسطة الصوم؛ يتم الغلَبة، ويتم النصرة عليها وتقويمها:
- حتى لا تَصْرِفَ صاحبها، ولا يَتَصرف فيها إلَّا بمرضاة الخالق -جلَّ جلاله-.
- فلا توقعهُ في مهاوي الانقطاع ، ولا في أسباب الضياع، ولا في الوصول إلى النار الموقدة التي تطلّع على الأفئدة، ..الله .. لا إلهَ إلاَّ اللَّه..
وبذلك تُرى أنواع الشهوات التي كانت تَجُر أصحابها في الدنيا:
- إلى ترك واجب، أو فعل محرم، يرونها في الآخرة؛ شدَّة من الحيات والعقارب؛ يتأذون بها وبآلامها.
- وإذا بكل ما انصرفوا فيه عن أمر الله، أو وقعوا فيه في معصية الله -تبارك وتعالى-؛ يتحول لهم إلى كدر وندمٍ وألمٍ وهمٍ، وغمٍ وضيقٍ وشدةٍ، ولسعٍ وقطعٍ وحجابٍ وظلمة.
كلها نتائج الذنوب والمعاصي، نتائج الأهواء والشهوات، فالإنسان الذي قهر نفسه وغلب هواه هو الإنسان:
- هو الإنسان، الذي أدرك مزية الإنسانية.
- وخُصوصَتِه والكرامة التي قال عنها: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء:70].
رزقنا الله ذلك الإتباع والاقتداء، والاهتداء والتزكية، وجعل هوانا تبعًا لِما جاء به نبينا محمد .
ذكر مجيئهم - المنافقين- وذكر ما يقولون، وذَكر ما في قلوبهم، وذكر أنهم أجسام قد تُعْجِب في منظرها وصورتها، وأقوال قد تغُرُّ بفصاحتها وبلاغتها؛ ولكنهم كالخُشب المسنّدة.
الخُشُب، والخُشْب، الخَشَب الذي ليس بشجر يثمر، ولا يقوم إلَّا مستندًا إلى جدار، أو إلى عمود، ما ينتفع ولا تستطيع التفاهم معه، والآيات أمامهم وتتجدد، والمعجزات أمام أعينهم:
- وما كأن شيء لِما غلب على قلوبهم من الهوى: (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا) [الأنعام:25].
- (وَلَو فَتَحنا عَلَيهِم بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلّوا فيهِ يَعرُجونَ * لَقالوا إِنَّما سُكِّرَت أَبصارُنا بَل نَحنُ قَومٌ مَسحورونَ) [الحجر:14-15] هذا ليس بصدق هذا!
- وهكذا: (وَلَو أَنَّنا نَزَّلنا إِلَيهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوتى وَحَشَرنا عَلَيهِم كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا ما كانوا لِيُؤمِنوا إِلّا أَن يَشاءَ اللَّهُ) [الأنعام:111].
فالحمدلله على نعمة الإسلام والإيمان، ونسأله الثبات، ونسأله الزيادة منها حتى نلقاه على أكمل الإسلام وأتم الإيمان وأعظم الإحسان اللهم آمين.
تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5))
يقول جلَّ جلاله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5)) قلنا:
- أن المؤمن يفرح باستغفار أخيه ويحرص عليه، لمكان إيمانه.
- ولكن المنافق يستكبر! ولا يرى نفسه محتاج أن يستغفر له أحد.
حتى يصدُّون ويلوون رؤوسهم إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ﷺ.
وذكرنا قول النبي لسيدنا عمر وسيدنا علي:
- "إذا أنتما لقيتما أويس القرني فسألاه يستغفر لكما يغفر الله لكما" -الله أكبر- حتى لما لقياه في آخر سنة من سني خلافة سيدنا عمر وطلبوا منه الاستغفار، قال: استغفاري في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات.
- قالوا: إن رسول الله أمرنا أن نطلب منك الاستغفار؛ بكى سيدنا أويس قال لهم: ذكرني؟! قالوا: باسمك واسم أبيك وقبيلتك ووصفك.
- وحتى أنبأنا عن سر فيك: كان بك برصٍ فبرأت منه، إلَّا موضع لُمعة تحت منكبك الأيسر! -أخبار خاصة جاؤوا بها من عند الحبيب ﷺ- قال: إنك سألت الله أن يبقيها؛ لتذكر نعمته عليك إذا رأيتها، بكى كثيرا لما ذكروا له الحبيب وذكروا له -عليه الرضوان-.
وهكذا، وجاء بعض الصالحين وكان صائما في صوم نفل، وعلى مذهب جواز الفطر من صوم النفل:
- وكان في آخر العشية سمع واحد يقسِّم ماء سبيل لله -تبارك تعالى- صدقة، ويقول: غفر الله لمن شرب من هذا الماء، قال: هات، وشرب.
- تعجبوا فيه! قالوا له: أنت صائم والآن آخر النهار، قال: دعوة هذا هي أوثق عندي من صيامي. قال: هذا دعا، قال: غفر الله لمن شرب من هذا الماء، فأردت دعوته بالمغفرة لمن شرب من الماء، دعوة هذا أوثق عندي من صيامي.
-الله أكبر- رأيتُم الصالحين؟! والمنافقين: (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5)) فهذه أوصاف أهل النفاق بئست الأخلاق، -أعاذنا الله منها-.
تفسير قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7))
وذكرنا ما أخبره الحق أنه لن يغفر لهم قط وهم بهذا الوصف: (لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا)، سواء عبدالله بن أُبي الناطق بهذا في ذلك الموقف، وغيره، مالك بن الدُخشم كان يقول لأصحابه:
- أنا أقول لكم لا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا، وإذا جاءوا يقولون لبعضهم البعض: الأعراب ما داموا عنده لا تعطوهم أكل اتركوهم يذهبون.
- وإذا أطْعمتموهم وهم عنده؛ رغبوا فيه، ولكن إذا ما وجدوا أكل هؤلاء الأعراب؛ سينفضون ويذهبون.
هم يعرفون أن أمثال أبي بكر، وعمر والسابقين ما يؤثِِّر عليهم جوع ولا عطش ولا تعب في سبيل الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-؛ ولكن قالوا: هؤلاء الأعراب الذين يأتون من هنا، وهناك إذا ما وجدوا نفقة سينْفضون عنه.
(لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، قال الله:
- اغتروا إن أعطيتهم شيء من المتاع محدد في وقت محدد بمقدار محدد.
- ولا يقدر من أعطيته هذا أن يدفعه، ولا أن يصرفه على غيره إلَّا بترتيب مني، بإرادة مني.
- وعندي خزائن السموات والأرض، لوأردت أن أرزق نبيي ومَن معه من الذهب والفضة، والطعام مالا يُحَدُّ لفعلت.
ولكن لحِكَم في تسيير الأشياء وقد عُرض على رسول الله أن تتحول بطحاء مكة وجبالها معه ذهب وفضة تسيرُ معه فردَّها ﷺ
وراودتهُ الجبالُ الُشُّمُّ من ذهبٍ *** عن نفسهِ فأراها أيما شممِ
صلى الله عليه
يقول: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7))، ويظنون في نظرتهم إلى المال أنه كل شيء:
- كما يتأثر كثير من المؤمنين، يقولون؛ المال هذا هو عصب الحياة وأساسها ولا بد منه، وسيلة صحيحة ومؤثرة على نفسيات كثيرة.
- لكن ليس هو الذي تقوم عليه الدعوات، ليس هو الذي تقوم عليه النبوءات والرسالات هذه، بهذه الصورة يستخدمها الدجال نحونا للإغراءات، والاغواءات.
نعم، لكن دعوة الصدق والحق لا تقوم على هذا، وأول أتباع الرسل هم الفقراء، لا يسارع الأغنياء إلى إتباع الرسل، إنما يسبق الفقراء إلى إتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
وكان يبعث بعض الجيش فيُزَوِّدُهُم جِرابًا من تمرٍ، كيف هي في قياسات أهل العقول هؤلاء؟!
- سيقولون لك: هذه خطة فاشلة، هذا الجيش لن يعمل شيء!.. كذبتم، هو الذي قامت به النصرة، هو الذي قام به الحق، هو الذي علتْ به كلمة الله.
- هذا الجيش الذي كان أميره يوزع عليهم في اليوم من ثلاث تمرات، ثلاث تمرات قوتهم في اليوم والليلة، بعد ذلك نقص التمر، في اليوم الى تمرة واحدة ، -في اليوم تمرة-.
- ولما ذكروا القصة لمن بعدهم قالوا: ما تغنيكم تمرة؟! قالوا: وجدناها حين فقدناها، وجدنا أثرها لما فقدناها تمرة نمصها أحسن من لاشي.
- ثم أرسل الله إليهم من البحر عنبر -حوت كبير- أخذوا أصغر ضلع من أضلاعه ووضعوه على الأرض وجاءوا بأطول جمل وأطول رجُل، ومرُّوا تحته ما وصلوا إليه، ولما أخرجوا عينه دخل في مقْور العين اثنا عشر رجلا، في مقْور عيِنه من كِبره.
- وقالوا: سمُنَّا لما أكلوا السمك. كانت أجسامهم صحيحة وما فيها أثر غش كثرة الأكل، بمجرد ما جاء الأكل بسرعة تفاعل الجسد مع الأكل فكان كثير يؤثر فيهم، فظهر السمَن فيهم؛ لما حصَّلوا هذا السمك -عليهم الرضوان-.
إذًا نظرة المال وسيلة من الوسائل، سبب من الأسباب ليس الأصل وليس الأساس، والذين أقاموا شؤون حضاراتهم وتحركاتهم على تقديس المال وتعظيمه وأنه الأصل والأساس انظر:
ماذا عملوا بحضاراتهم؟ ماذا ورّثوا أنفسهم؟ ماذا أورثوا الناس معهم؟
- شؤم ولؤم وقتال وخِسَّة وذهاب قِيم وجشع وطمع بلا معنى.
- وهكذا في وقت ادِّعاء حقوق الإنسان وغيرها، مرَّت لهم سُنون إذا زادت الكمية من البُر رموه في البحار.
وهم يعلمون ان من بني آدم على ظهر الأرض مَن لا يجد لقمة، حرصًا ألاَّ ينقص ثمن البُر الذي يزرعونه ويبيعونه.
انظر الى تقديس المال إلى أين وصل؟! ثم من أجله اتهامات، ومن أجله حروب وقتال، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، مع أنه هنا توجد مقاييس وموازين صحيحة غير هذا المسلك البطال:
- "من قُتِل دون ماله فهو شهيد"، يعني مراتب: لبذل المال، والنظر إلى المال، والدفاع عن المال.
- ميزان دقيق وضعهُ الله، والناس فيه على درجات، بعد ذلك في الإيثار وأخذ الحق والمطالبة به، والإعراض عن الحق الذي للشخص.
- وما إلى ذلك:
- ومدح قوم قال: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9].
- ومدح قوم يقول: (إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان:67].
وهكذا، مع كونه جاء عندنا في الشريعة:
- إن إهدار المال وإِضاعته حرام، لكن وضعه في محله بإنفاقه في سبيل الله كما تأتي معنا في الآيات: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) في آخر السورة.
- شأن من الشؤون بعيد عن هذا الشح، وعن الرغبة في المال، و تقديسه وتعظيمه، والجماعة يظنون أن المال والنفقة هي كل شيء، وهي مؤثرة بحدودها؛ ولكن يعتمد عليها أرباب الباطل.
- أما أهل الحق فيعتمدون على صدق الإيمان وقوته، صدق الصِلة بالرحمن، و"اصْبِرُوا آلَ يَاسِرٍ؛ مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ".
ولما رأى مصعب بن عمير، ليس معه إلَّا ثوب من الصوف، وخلَّلل بعضه بشوك -يربط طرف بطرف- دمعت عيناه ﷺ، قال: "رأيتُ هذا الفتى وبان بمكة أنعم منه"، من أُسرة غنيِّة، كان في رفاهية يلبس أحسن الثياب ويتعطر بأغلى العطور حتى يُطل الناس من بيوتهم لمَّا يمُر في الطريق من طيب رائحته وحُسن ثيابه، قال ﷺ: "حمله حُب الله ورسوله على ترك كل ذلك"، والآن يلبس عباء يُخللها بالشوك، وهو فرحان:
- وكان أول سفير لحبيب الرحمن إلى المدينة المنورة، وأرسله إلى الأنصار وأسلم على يده كبارهم وعظماءَهم، وعلّمهم الدين -عليه الرضوان-، وهكذا،، وأقام بهم الجمعة في حياته قبل مقدم الرسول ﷺ.
- ثم كان أول جمعة صلاها ﷺ بعد الهجرة ما بين قباء والمدينة المنورة، أدركته الجمعة في الطريق فصلَّى بمن معه وكان عددهم أربعين.
- وتغدّّى هناك في ديار بني سالم بن عوف، ثم دخل إلى المدينة المنورة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فاتُخِذ المكان الذي صلَّى فيه مسجدًا يسمى مسجد الجمعة.
يقول فالأمر قائم على ذلك:
- وأما الذي يأتيك بالمال بنشاط في أي مجال، فعند فقْد المال سيعرض عنك ويترُكك.
- وإذا أعطي أكثر منه عند غيرك فسيهملك.
- وإذا غلب عليه حب المال واستقطبته بالمال، وقت يحصل أكثر، ممكن أن يستخدمه ليغتالك، ممكن!!
أعوذ بالله من محبة المال ومحبة الدنيا إذا غلبت على قلب الإنسان وعقله.
وهكذا؛ ولكن في هذه الموازين تعجّبوا من بعض الصالحين:
- كان تاجر يُماكس في البيع والشراء حتى على الدرهم، يأتي وقت الصدقة فيصرف نفقات، يُخرِّجها بالمئات بل بالأُلوف! يقولون: هناك تجلس تحاسب على درهم واحد؛ تطلع وتنزل!!
- قال: ذاك لنا، وهذا لربنا، هذا شغل وذاك مُلكنا، ولا نصبح مقمورين فيه مغبونين؛ أحد يضحك علينا، ولهذا يقول: المغبون لا مأجور ولا مشكور، بل أهبل يترك الناس يزيدون عليه ويضحكون عليه، لا له أجر ولا هو مشكور.
ولكن الذي يُنفق لأجل الله تعالى؛ فرحا وطواعية فأولئك الذين أثنى الحق عليهم. اللهُ.. لا إله إلَّا الله.
يقول وقد تألف ﷺ قلوب أقوامٍ ولم يعتمد الأمر على ذلك في دعوته بشيء من المال لقُربهم؛ ليُسْقَوْا حقيقة الإيمان التي حظي بها مَن قبلهم من الكبار:
- وقال لسادتنا الأنصار بعد غنائم حُنين: "أحزنتم على لُعاعة من الدنيا، تألَّفتُ بها قلوبَ أقوام، وتركْتُكم لِما أعلم من إيمانكم وصدقكم" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
- وقال: "إنِّي لأُعْطِي أقوام وأَدَعُ أقوام، والذي أدعُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الذي أُعْطِي، أُعْطِي أقْوَامًا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَلَعِ والجَزَعِ، وأدعْ أقواما لِما أعلم في قلوبهم من الإيمان والخير، منهمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ". وكان سيدنا عمرو بن تغلب يقول؛ ما أحبُ بأن لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ -ولا الدنيا وما فيها شهادته لي- ﷺ.
- كما شهد لابن مسعود في هذا المجال قال: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ) [النساء:66]، قال ﷺ: "ابن مسعود من هذا القليل لو كُتِبْ لَفعل"، وكان يفرح ابن مسعود بشهادة النبي ﷺ له بهذا.
وهكذا.. وسيدنا زيد بن الأرقم، الذي كان غلام:
- وجاء في رواية أنه علَّم عمه أن يكلم النبي، فلما جاء ذاك وحلف فصدَّقوه الناس، ورجع يلومه عمه. جاء رواية عند الترمذي أن النبي ﷺ قُبيل نزول الآية لقيهُ في المدينة، ففرك أُذنه وتبسم في وجهه، قال: وكانت أحب إليَّ من حُمر النعم.
- قال: فلقيني أبو بكر قال: ما قال لك رسول الله؟ قال: قلت له: لم يقل لي شيء؛ ولكن فرك أُذني وتبسم، قال: أبشر بخير مادام هكذا سيأتي تصديقك من الله ما دام النبي عمل هكذا معك، وقال: لقيني عمر، قال: ما قال لك رسول الله؟ قلت له: لم يقل لي شيء ولكنه فرك أُذني وتبسم في وجهي، قال: أبشر اذا عمل معك كذا، فهناك خبر لك.
نزلت السورة، وكشفت القوم وبعد ذلك أتى إليه: تعال.. إن الله تعالى صدَّقك ووفَّى بإذنك، وكأنه قد شُعر إنه كان صادق،' والجماعة كذَّبوه من حواليه، ولكنه في أدبه مع الله ينتظر حتى يكشفهم الله من عنده، بقي حتى نزلت الآية -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهكذا يقول: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7))، هذه الحقائق، وإذا أراد فتح ما شاء على مَن شاء بما شاء.
وهكذا يحتسِبُ أهل العقول المختلفة، والتعلُّقات القلبية بالفانيات احتسابات في كسب الأموال من هنا وهناك:
- فإذا أراد الله أمر، ذهب المحل الذي يحتسبون منه.
- ومحل ما يظِنون يأتي؛ وإذا بالأمور بيد فرد أحد صمد، ليست بيد غيره.
تفسير قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8))
(وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) وهو قال: أنا ما قلت هذا، وحلف!: والذي أنزل عليك الكتاب، ما قلت!، (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).
قال الحق: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ)، على الإطلاق بكل المعاني، ثم إن ما يُعز به رسوله والمؤمنين:
- فكل ما سُمِّى عزة لمن يموت على غير الإيمان؛ فباطل، باطل، باطل. ما لهم عزة؛ إن كانت رئاسة، وإن كانت دُول، وإن كانت أسلحة، وإن كانت حضارة، كُل مَن مات على الكفر فكل ما وصف بأنه كان له عزة؛ ليس بعزة على الحقيقة من قريب، أو بعيد.
- ولكن عبارة عن ورطات تورط فيها، وسقطات سقط بها، واغترار بزائل فاني حقير منقطع، وإضاعة للمُلك الكبير، وإضاعة للعطاء العظيم والنعيم المقيم.
ما من عزة! ما من عزة هذه! ..لا إله إلَّا الله.. (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60].
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ)، ثم يعز نبيه والمؤمنين، (ولرسوله) وهو أعز مخلوق،:
- هذا الذي بات في ليالي في غار ثور.
- وهذا الذي ربط الحجر على بطنه من الجوع.
- وهذا الذي وُضِع السلى على ظهره.
لا يوجد أعز منه مخلوق في الأرض ولا في السماء، هو الأعز، وسيرى الكُل عزته، الكُل، أما ساداتنا الملائكة والأنبياء فهم أعرف الناس بمقامه وعزته، لكن الكل حتى الكفار، حتى الملحدين:
- سيرون عزة محمد يوم القيامة، ويتمنون القرب منه، وسيرون المقام المحمود، يقول: "أنا لها" صلى الله عليه وصحبه وسلم.
- (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلً) [الفرقان:27]، اللهم صلِّ عليه وعلى آله.
واجعل لنا معه خير سبيل وأقوى سبيل وسقانا في محبته أهنى سلسبيل.
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) وتفيض على المؤمنين -على قدر إتباعهم له- عزتنا على قدر اتباعنا له، على قدر محبتنا و تعظيمنا واقتدائنا به هي العزة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، بحسب التبعية للحبيب الأمين.
فمن كان أحسن اتباع فهو أعز عند الله:
- (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31].
- فهنا العزة: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10] -جلَّ جلاله-.
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(8))، فهم يجهلون، ويصِفون فلان بعزيز، وهو ليس بعزيز! ويصفون أن العزة في نيل الأمر الفلاني؛ في العُرف، أو في المجتمع، أو في النفوذ، أو الجاه أو الحُكم؛ وليس ذلك بحقائق العزة أصلًا.. جهل.. جهل ما يعلمون.
العزة أن تعرف مَن خلقك وتُحسِّن حالك معه، تعرف العزيز صاحب العزة وتُصْلح حالك معه، هذه هي العزة من دون هذه ما في عزة قط، (وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) أنت مؤمن؟! إعْلم..لا تقع جاهل مثلهم تظن العزة في غير الإيمان.
وصدق سيدنا عمر عندما قال: "إنَّا قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، متى قال هذا؟
- عند دخوله إلى بيت المقدس -فرَّج الله على بيت المقدس ومَن فيه- عند دخوله قالوا له: إنك تقْدم على رؤساء النصارى، وقميصك فيه رُقع، هذه حُلة -جديدة- موجودة البسها، يكون أليَق بمقابلة أمير المؤمنين.
- لبسها سيدنا عمر ومشى خطوات فأنكر قلبه فوقف، وقال: ردوا عليَّ قميصي، نزع الحُلة، ولبس القميص، وقال: إنَّا قوم أعزنا الله بالإسلام.
نحن ما عندنا عزة بالثياب والمفاخر، "إنَّا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"؛ -صدق-، ودخل بعزته، بقميصه المرقع، فذلَّت له رقاب الرؤساء.
وعندهم في الكتب السابقة:
- أن من أصحاب محمد مَن يفتح بيت المقدس؛ باسمه ووصفه بما يقدم، حتى عندهم في وصفه إنه يَقْدم حافيًا.
- وقد كان قبل وصوله انقطع نعله فأبعدها، وصار يمشي حافيًا.
- وأنه يقود جملًا يركبه خادمهُ؛ لأنه عندما كان يمشي وهو ذاهب، كان معه خادم واحد فقط.
أمير المؤمنين! كم دولة تحت أمره، وكم جيش معه؟ وكم حرس؟ عنده خادم واحد، هو وإياه يتساعدون.
خرج من المدينة إلى الشام هو وواحد! هيا، قولوا لرؤساء العالم المتقدمين المتطورين، عندكم مثل هذا؟!
- خرج وقال: إسمع؛ الطريق نوبة لي ونوبة لك، مرة أنت تركب ومرة أنا. قال: يا أمير المؤمنين أنا خادمك وسأقود الجمل. قال: لا.. نوبة لك ونوبة لي، ساعة أنت تركب، وأنا أمشي، لأنه هو قد مشى في بدر مع النبي ورأى النبي يمشي.
- يقول له سيدنا على وسيدنا مرثد: يا رسول الله نحن نكفيك المشي، قال: "لا.. لستما بأقوى على المشي مني ولست بأغنى عن الأجر منكما" اللهم صل عليه؛ سيدنا عمر مُربّى.
- وما مع الخادم إلَّا أن يمتثل، قال: الآن عندك -النوبة- إطلع، وسيدنا عمر يقود الجمل ويمشي يأخذ بُرهة ويرجع، وبعد ذلك صادف عند دخوله إلى بيت المقدس إن النوبة للخادم، قال له: إطلع، قال له: يا أمير المؤمنين الآن سنصل! قال له: إطلع هذه نوبتك.
- ودخل، فلما أقبل عليهم، يقولون من هو الأمير؟ هل هو الراكب؟، قالوا: لا، الذي يقود الجمل، انظروا إليه، إنه بلا نعال وإسمه عمر -موجود عندهم- ارتعبوا -خبره عندهم من الله في الكتب السابقة- سلَّموا له الزمام وفتح بيت المقدس، ودخل وصلَّى فيه، وأقام أمر الله، ورتب الأمور، وأهل الكتاب أقامهم على الجزية والترتيب في محلهم ورجع، ودخل بعض كنائسهم:
- حضر وقت الصلاة، قال: لولا أن يغلبكم المسلمون من بعدي على كنيستكم لصليت هنا عندكم"، لكن سيقولون هذا مكان صلَّى فيه عمر، سيأخذونه عليكم بعد ذلك. فخرج وصلَّى خارجا.
- العقل الكبير الواسع والفهم والتعامل هذا معهم، هؤلاء كانوا محاربين، يعرف أنه باطل دينهم وأن كنائسهم باطلة؛ ولكن أُمر أن يتعامل معهم هذا التعامل، وبقي أيضًا يحافظ على حرمتهم، وعلى ما لهم من كرامة، بميزان الدين، ورجع إلى المدينة المنورة -عليه الرضوان-، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)).
تفسير قوله تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11))
الله يكرمنا وإياكم بالنور والإيمان واليقين ويرزقنا كريم الإنفاق الذي ختم به السورة في قوله:
- (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم)، ما قال: أنفقوا ما رزقناكم، بل قال (مِن مَّا رَزَقْنَاكُم) أي بعضًا، يقول: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) أي يُخرِّج بعض فقط، الزكاة أمر يسير، وبعد ذلك أخرج قليل من المال، من الذي معك.
- (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم)، ليس أنفقوا مارزقناكم، أنفقوا من ما رزقناكم يقول: (هَا أَنتُمْ هَـؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ) [محمد:36-38].
(وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) وينتهي أجله، (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)؛ (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرونَ ساعَةً وَلا يَستَقدِمونَ) [الأعراف:34]، (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(11)) فيجازيكم عليه أحسن الجزاء، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
اللهم إجعلنا من أهل الخير، وأهل إنفاق المال، وأهل إنفاق العمر، وأهل إنفاق العقل والفكر في مرضاتك، وفي نصرتك ونصرة رسولك على خير الوجوه وأعلاها وأفضلها في لطف وعافية ويقين وتمكين مكين برحمتك ياأرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي
اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9))
سبق تفسيرها في سورة الجاثية -06- و في سورة القيامة -2-.