(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المنافقون، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ..} الآية: 1، إلى قوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }، الآية: 6
﷽
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) ۞ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8))
المقدمة والسياق التاريخي:
تفسير الآيات:
الحمد الله مكرمنا بالإيمان، نسأله أن يزيدنا منه في كل آن، وأن يتوفانا مؤمنين مسلمين صادقين محسنين نحب لقاؤه ويحب لقاؤنا بفضله إنه أكرم الأكرمين، ونسأله أن يصلي ويسلم على مَن به بثَّ لنا نور الإيمان، وهدانا إلى القرآن والتقوى والإحسان، فصلِّ وسلم وبارك ياربنا على عبدك الذي أنزلت عليه القرآن سيدنا محمد في جميع الآناء والأحيان، وفي كل الأحوال وكل شأن، وعلى آله المطهرين عن الأدران، وأصحابه الغر الأعيان، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب والمجد والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين أهل الصفات الحسان، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريم يا رحيم يارحمن
وبعد،،،
فإننا في تأمل خطاب ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وصلنا إلى أول سورة المنافقين وهي السورة التي كان يقرؤها ﷺ ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة في الصلاة، أو خارجها.
وسورة المنافقين هذه بيَّنت لنا أحوال الناس في مسالكهم وكيفية تفكيرهم وأنهم يعيشون على ظهر الأرض:
نتائج ما يقِرُّ في القلوب وما تحتويه العقول والأفكار؛ على ضوء ذلك يأتي اختيار الأسلوب والطريقة في التعامل والمسار، فالله يزيدُنا إيمانا ويقينا، وما من كرامة يُكرم بها الله عباده المكلفين أعظم من الإيمان.
يذكر لنا الحق صفات وسمات هؤلاء، وكيفية نطقهم وطريقة تعاملهم وتفكيرهم؛ لننتبه ونحذر:
وهكذا بيَّن لنا الحق أحوال هؤلاء، وكثير من الأوصاف التي ذكرها كانت تُلمح في رأسهم في تلك الأيام -عبدالله بن أُبي- وكثير من المقالات التي نقلها الله عنهم وأثبتها عنهم، وكانوا ينكرون أنهم قالوها أمام الرسول، كانت من كلام عبدالله بن أُبي في غزوة المُريسيع -غزوة بني المصطلق- وهي الغزوة التي خرج إليها ﷺ في السنة الرابعة، أو الخامسة من الهجرة الشريفة، وذلك أن بني المصطلق جمَّعوا جموعًا؛ يريدون حرب النبي ومقاتلته ﷺ، فلما بلغه ذلك خرج إليهم ولقيهم؛ ونصره الله -تبارك وتعالى-، واستاق أسرى من ذراريهم، ومن نسائهم إلى المدينة المنورة.
كان في أثناء تلك الغزوة وقد خرج معهم عبدالله بن أُبي:
وبما أن المسافة قريبة وممكن يحصل مكسب، فقلوبهم وراء الأموال من حيث ماهي، يريد يحصِّل مال وخرج في صورة قتال وجهاد، وهو إنما هو يريد المغْنم.
كان حاضر واحد من مواليه، كان عند مكان فيه الماء، فجاء واحد غفاري من المهاجرين، فتنازعوا في الكلام وترافعت أصواتهم ولطم أحدهم الآخر، فنادى هذا: يا آل الخزرج ، ونادى هذا: يا آل قريش؛ وثاروا، فدخل بعض المهاجرين وأصلحوا بينهم وأنهوا القضية.
بلغ الخبر عبدالله بن أُبي، وكان معه جماعة من قومه وأصحابه يتحدث معهم، وصادف بينهم سيدنا زيد بن أرقم، سيدنا زيد ابن أرقم صغير السن، كان مازال غلام، خرج المعركة بإيمانه.. فيقول:
فغضب سيدنا زيد بن الأرقم، وما تنبَّه أن هذا الغلام لا يؤبه له، ولا ظن أنه سيحفظ شيئا من كلامه، ولن ينقل شيء، قال: كذبت ما تقول عن رسول الله؛ بل هو العزيز وأنت الذليل، قال: اسكت إنما نلعب نضحك هذا كلام يعني فقط كلام ليس صدق مننا؛ لا يريده أن ينقل الكلام، وما تنبَّه إنه عندهم واحد من أهل الإيمان قوي، كان يتكلم في جماعة من قومه في أنفسهم شيء.
ذهب سيدنا زيد إلى عند الحبيب ﷺ وأخبره أنه يقول.. ويقول.. ويقول، يقول: (لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا..(7))، ويقول: (لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ..(8))، سيدنا عمر يسمع كان، قال: يا رسول الله دعني أضرب عنقه هذا، قليل حياء قليل أدب ويتكلم بهذا الكلام ومعك في الغزوة، قال: يا عمر تثأر له أُنوف -أُنوف ستثأر له- و ستقوم له.
قال: الله ورسوله أعلم، وسكت، قال: "لكن يا عمر سنشْغل الناس، نرحل بهم.
واستدعى عبدالله بن أُبي..جاء.
لما سمعوا كلامه قالوا: يا رسول الله هذا الغلام اشتبه عليه الأمر وما عرف ينقل الكلام، وما نظن يقول هذا، وما يمكن تصديق الغلام؛ عذره ﷺ في الظاهر.
سيدنا زيد ضاقت عليه الأرض بما رحبت الآن، حتى جاء عمه يؤنبه يقول: ما أردت، كذبك رسول الله والمؤمنون ومقتوك، لماذا تذهب تُؤلف كلام وتأتي بكلام وتعمل كذا؟ّ
قال: أنا سمعته. قال: اسكت ما نصدقك في هذا! كان حريص سيدنا زيد دائمًا إذا يمشي في الغزوة قريب من الرسول ﷺ، صار يمشي بعيد ومستحي، وهو يعلم أنه قال حق، وأنه سمع بإذنه، وإنما غار غيرة الإيمان على الله ورسوله.
وهكذا أوصاف المنافقين، ومَن شابههم:
فلا تصدق أن واحد يقول لك خيِّر، وأنه سيدلك على الخير، تجلس معه وهو يقول؛ فلان فعل، فلان ترك، فلان نزل، وفلان ندم، وخاصةً:
ما شُغل المؤمنين في مجالسهم:
هناك ناس كثير أرادوا أنفسهم أخيار، ولكن إذا جلسوا ما يسلم منهم أخيار بلادهم، ولا أخيار زمانهم، وربما خِيرة الأخيار في زمانهم ما يسلمون من ألسنتهم:
يقول على سادتنا المهاجرين ومعهم سيد المرسلين: ما مثلنا ومثلهم إلَّا سمِّن كلبك يأكلك، ويتكلم وأنتم السبب، وأنتم عملتم، يأتي بهذا الكلام؟! هذا شأن الزائغين؛ تحامُل وحقد ودعوى الحق.
قال النبي: سيروا، سار بالجيش، وكان من عادته أنه لا يسير في هذا الوقت، حتى لما استقلّ المسير لحقه صحابي من كبار الأنصار، فقال: يا رسول الله -فسلَّم عليه بتحية النبوة وحيَِاه- وقال: يا رسول الله مشيت بنا في ساعة، ما تعتاد تمشي فيها، قال له: "ما بلغك ما قال صاحبك، عبدالله بن أُبي؟!.
من قومه من جماعته: يارسول الله اعذره، فإنهم كانوا يعقدون له الخرَز لِيتوجوه بالتاج ليملِّكوه عليهم، فأكرمهم الله بالإسلام فآمنوا بك، فيرى أنك استلبت منهُ ملكًا، قال: نعذره".
جاء سيدنا عبدالله بن عبدالله بن أُبي -ولده- بعد ما بلغه مَقال أبيه وما تكلم قال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبي لِما بلغك عنه، فإن أردت ذلك فمرني أنا آتيك برأسه، قال: أنا الذي سأجلب لك رأسه، فإنه علم القوم أنه ليس أحد أبرَّ منى بالأبوين، وأخشى إن قتلهُ غيري، أن لا تطاوعني نفسي أرى قاتل عبدالله بن أُبي -أَبي يمشي- فاقتله، فأقتل مسلمًا بكافر فيدخلني الله النار، ولكن مُرنا أنا سآتي لك برأسه.
فمضوا، سار بالناس بقية النهار والليل، وصدر من النهار الأول، نزل بهم، وكانوا تعبانين كلهم، ناموا، ولا يوجد بلبلة ولا كلام؛ أراد أن يقطع هذه البلبلة واللقلقة ﷺ، وشغلهم بالحركة والسفر حتى وصلوا إلى المدينة المنورة.
ولما وصلوا إلى المدينة جاء سيدنا عبدالله بن عبدالله بن أُبي وجلس على مدخل المدينة، حتى وصل أبوه يريد أن يدخل، قال: ماذا بك؟! إجلس، قال: ويلك مالَك؟ قال: لا والله، لا تدخلها حتى يأذن رسول الله، ولتعلمنَّ اليوم مَن الأعز من الأذل، من هو العزيز ومن هو الذليل. لن تدخل المدينة، ابقَ مكانك، ما هذا؟! ولدي يمنعني؟! قال: لن تدخل، مكانك، اليوم ستعرف من الأعز ومن الأذل، حتى يأذن رسول الله قال: لن افتح لك الطريق.
أرسل إلى النبي ﷺ، فلما أرسل.. أرسل رسول الله إلى عبدالله بن عبدالله بن أُبي إن خلِّ عنه، أدخل معه، لا تؤخر والدك اتركه يدخل. قال: أما وقد أذِن ﷺ فنعم، أُدخل واخفض رأسك وأدخل أنت الأذل ورسول الله الأعز؛ لأنه عرف أن والده قال هذه الكلمة، صدَّق عبدالله بن عبدالله بن أُبي وإن كان جماعتهم ما صدَّقوا من الأنصار وظنوا أن الغلام هذا زيَّد كلام، دخل..
أنزل الله الآيات الكريمة وذكر أقواله في اثنائها، يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.. (8))
دعا النبي زيد بن الأرقم، وقرأ عليه السورة وامسك بأذنه قال له: "إن الله صدََّقك وأوفى بأُذنك"؛ فرح سيدنا زيد فرَّج الله عليه؛ لأنه صادق وصاحب حق ومازال غلام يافع، لكن إيمان ومحبة صادقة رفعه الله بها.
تفسير قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1))
يحكي الحق أحوال هؤلاء المنافقين وأقاويلهم:
(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)):
(قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، [الصف:9].
تفسير قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2))
(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ)، دائمًا يحلفون: والله، والله الذي أنزل عليك الكتاب، والذي بعثك بالحق والله؛ كذب -أعوذ بالله-.
ومنهم من قال إن قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ..(1))، معناها يمين؛ ولهذا عند الإمام أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل:
والمؤمنون يقصدون بالله؛ لأنهم لا يحلفون إلَّا بالله، فإذا قال: "أشهد كذا"؛ صارت يمين.
(جُنَّةً): وقاية تحمي أموالهم ونفوسهم ودماءهم فقط من أجل هذا، هم يعرفون أنهم إذا هم على الكفر، وأظهروا الكفر سيتعرضون للقتال مع المؤمنين، وسيضعفون أمامهم وسياخذون أموالهم؛ فقالوا: نُظهر الإيمان.
أظهروا الإيمان، (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، أعرضوا عن الحق، أمامهم واضح بيِّن؛ ولكن أهواءهم وشهواتهم دعتهم إلى التكذيب الباطني مع اظهار التصديق باللسان..
هذا وصف المنافقين:
(فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، قال: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)، [الأنعام:26]، وهم بعيدون ينأون وينهون -مازالوا- ينهون غيرهم، لا يريدون غيرهم أن يؤمن، ولا يُصدِّق، ولا يتبع الأخيار، -لاحول ولا قوة-.
قال: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)):
ولذا استحقوا الدرك الأسفل من النار: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، [النساء:145].
تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3))
يقول: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا(3))، متى آمنوا؟!
آمنوا بألسنتهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ).
بل كان هذا عبدالله بن أُبي:
قام جماعة من أصحابه وأمسكوا بثوبه وقالوا له: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: لا أحب أن يستغفر لي، ونفرَ.
بعد رجوعهم من المريسيع وحين نزلت الآيات وفضحته، قال له جماعة من أصحابه: يا عبدالله آيات شديدة نزلت فيك، تعال لرسول الله ليستغفر لك وتخلِّص نفسك؛ لوىَّ رأسه وقال: ماذا تريدون منا؟ اردتم الإيمان به آمنا، أردتم الصلاة صلينا، أردتم الزكاة زكينا، عاد باقي تريدوني أسجد لمحمد؟!. قل له: يستغفر لك، يقول: تريدونني أن أسجد له -هذه الخيالات-
والعياذ بالله صدَّ عن ذلك: (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)، بقُلوبهم:
(آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ)، فطُبع على قلوبهم بطابع النفاق والظُلمة والبُعد والحجاب- (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3))،
آيات أمامهم:
تفسير قوله تعالى: (۞ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4))
كذلك سيقول لك الآن كأنهم خشبة!
تعرف الخشبة؟ هيا قم تفاهم مع الخشبة، ماذا تسمع منك؟! -لا حول ولا قوة إلَّا بالله-: (وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)، [المنافقون:7]، (فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)).
(وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)، كان عنده لسان ذلق فصيح، يتكلم كلام بليغ ويخطب، (تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ):
(مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)، وصَفهم بالجُبُن:
قال: (يَحْسِبُونَ) وفي قراءة: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)، (كُلَّ صَيْحَةٍ):
قال الله:
(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ)، لعنهم الله -أحل عليهم اللعنة- (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4))، ما هذا الإفك والافتراء؟!
والأدلة أمامهم واضحة وشُعاع النبوة مشرق مضيء (أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ).
تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5))
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ)،-لاحول ولاقوة إلَّا بالله العلي العظيم- (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ)، يعني: يعرضون (وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ):
وهؤلاء يقول لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله؛ (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) -لاحول ولاقوة إلَّا بالله العلي العظيم- (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ).
تفسير قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6))
يقول الله لحبيبه: اسمع ياحبيبي؛ هؤلاء الذين يُعادونك ويبطنون البغض لك، أنا ما أقبل منهم شيء، ولا أقبل فيهم استغفار، ولو بنفسك أستغفرت لهم، أنا لن أغفر لهم؛ لأن الله لما قال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) -أولًا- إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [التوبة:80]،
قال: سأزيد على السبعين، قال له الحق تعالى: لا؛ ولكن ضربنا السبعين كمثل، لكن مادام في قلوبهم هذا البغض لك والتكذيب؛ لا مغفرة أبدًا، -لا مغفرة لهم-
كيف غضب الله عليهم؟
يقول: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، الله، (لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، -نعوذ بالله من غضب الله-:
(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)):
-أعوذ بالله- غضب الله عليهم -والعياذ بالله- ذكر: هم الذين يقولون وإلى ما يأتي معنا في التفصيل، فهذه أحوال أهل النفاق، باعدَنا الله من صفاتهم، ومن أحوالهم، ومن شؤونهم، وجعلنا مشابهين للمؤمنين الأتقياء الصالحين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
رزقنا الله محبتهم ومشابهتهم والاقتداء بهم، وجعل صفاتنا من صفاتهم وأخلاقنا من أخلاقهم، ونزهنا عن أوصاف المنافقين وشؤون المنافقين وأحوال المنافقين.
في الحديث: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها: مَن إذا حدَّث كذب، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا عاهد غَدَر، وإذا أؤتمن خان"، نعوذ بالله:
يعني ما يجتمعن إلَّا فيمَن لا إيمان في قلبه: يكذب، ويخلف الوعد، ويفجُر عند الخصومة، ويخون الأمانة؛ جميعها فيه!، هذا ما هو مؤمن أبدًا، ما يتأتى عنده إيمان وفيه الأربع خصال مجتمعة هذه.
الله لا يجعل فينا خصلة من خصال النفاق، ويُخلِّقنا بأحسن الأخلاق، إنه أكرم الأكرمين، وهذه فوائد رمضان، وفوائد التقرب إلى الرحمن، أن يُصَّفيك عن أدران النفاق وأهله، وعن مشابهتهم، وأن يجعل لك شبه بمن سبقك بالإيمان، ممن رضي عنهم وأرضاهم، وهيأ لهم النُزل الكريم، حتى تلحق بهم في البرزخ، وتلحق بهم يوم القيامة، وتلحق بهم في دار الكرامة، وترى تلك الوجوه الناضرة التي هي إلى ربها ناظرة، حشرنا الله معهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
17 رَمضان 1441