تفسير سورة المنافقون، من قوله تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ..} الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المنافقون، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ..} الآية: 1، إلى قوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }، الآية: 6

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) ۞ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8))

من أبرز ما جاء في الدرس:

المقدمة والسياق التاريخي:

  • كشف أحوال المنافقين و أحداث بني المصطلق (المريسيع):
    •  بيان خطورة النفاق، و مقالة ابن سلول.
    • غيرة زيد بن أرقم، و حكمة النبي ﷺ في احتواء الفتنة.
    • وموقف ابنه عبد الله في تقديم الإيمان على القربى.

تفسير الآيات:

  • صفات المنافقين وعاقبتهم:
    • كذبهم واتخاذ الأيمان جنة ودرعاً للصد عن سبيل الله  .
    • المظهر الخادع ورعَبُهم الباطني وحذرهم الدائم.
    • استكبارهم وحرمانهم من المغفرة.
  • الخاتمة:
    • النهي عن خصال النفاق والتشبه بأهله، والالتجاء إلى الله بالثبات.
       

نص الدرس مكتوب:

الحمد الله مكرمنا بالإيمان، نسأله أن يزيدنا منه في كل آن، وأن يتوفانا مؤمنين مسلمين صادقين محسنين نحب لقاؤه ويحب لقاؤنا بفضله إنه أكرم الأكرمين، ونسأله أن يصلي ويسلم على مَن به بثَّ لنا نور الإيمان، وهدانا إلى القرآن والتقوى والإحسان، فصلِّ وسلم وبارك ياربنا على عبدك الذي أنزلت عليه القرآن سيدنا محمد في جميع الآناء والأحيان، وفي كل الأحوال وكل شأن، وعلى آله المطهرين عن الأدران، وأصحابه الغر الأعيان، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب والمجد والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين أهل الصفات الحسان، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريم يا رحيم يارحمن

 وبعد،،، 

فإننا في تأمل خطاب ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وصلنا إلى أول سورة المنافقين وهي السورة التي كان يقرؤها ﷺ ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة في الصلاة، أو خارجها. 

وسورة المنافقين هذه بيَّنت لنا أحوال الناس في مسالكهم وكيفية تفكيرهم وأنهم يعيشون على ظهر الأرض:

  • فللمؤمنين سِمات وصفات وطريقة في الفكر والنظر والتعامل. 
  • وللمنافقين سِمات وصفات وطريقة في النظر والتعامل تكاد تُميزهم في الدنيا قبل الآخرة. 
  • كما أن للكفار المظهرين لكفرهم سِمات وصفات وطريقة وأسلوب في التعامل. 

نتائج ما يقِرُّ في القلوب وما تحتويه العقول والأفكار؛ على ضوء ذلك يأتي اختيار الأسلوب والطريقة في التعامل والمسار، فالله يزيدُنا إيمانا ويقينا، وما من كرامة يُكرم بها الله عباده المكلفين أعظم من الإيمان. 

يذكر لنا الحق صفات وسمات هؤلاء، وكيفية نطقهم وطريقة تعاملهم وتفكيرهم؛ لننتبه ونحذر: 

  • ولقد كان يحذر النفاق أكابر الصحابة، وهكذا كل مؤمن، كل مؤمن يخاف من النفاق إلَّا المنافق. 
  • المنافق لا يخاف من النفاق، لكن المؤمن يخاف على نفسه من النفاق. 

وهكذا بيَّن لنا الحق أحوال هؤلاء، وكثير من الأوصاف التي ذكرها كانت تُلمح في رأسهم في تلك الأيام -عبدالله بن أُبي- وكثير من المقالات التي نقلها الله عنهم وأثبتها عنهم، وكانوا ينكرون أنهم قالوها أمام الرسول، كانت من كلام عبدالله بن أُبي في غزوة المُريسيع -غزوة بني المصطلق- وهي الغزوة التي خرج إليها ﷺ في السنة الرابعة، أو الخامسة من الهجرة الشريفة، وذلك أن بني المصطلق جمَّعوا جموعًا؛ يريدون حرب النبي ومقاتلته ﷺ، فلما بلغه ذلك خرج إليهم ولقيهم؛ ونصره الله -تبارك وتعالى-، واستاق أسرى من ذراريهم، ومن نسائهم إلى المدينة المنورة.

 كان في أثناء تلك الغزوة وقد خرج معهم عبدالله بن أُبي:

  • وعبدالله بن أُبي، بما أن المسافة قريبة ويتوقع أن الرسول ﷺ سينتصر وستجيء له غنيمة خرج معهم. 
  • وأما إذا المسافة بعيدة، فإنهم يخافون يتعذرون، لا يخرجون المنافقين.

وبما أن المسافة قريبة وممكن يحصل مكسب، فقلوبهم وراء الأموال من حيث ماهي، يريد يحصِّل مال وخرج في صورة قتال وجهاد، وهو إنما هو يريد المغْنم.

كان حاضر واحد من مواليه، كان عند مكان فيه الماء، فجاء واحد غفاري من المهاجرين، فتنازعوا في الكلام وترافعت أصواتهم ولطم أحدهم الآخر، فنادى هذا: يا آل الخزرج ، ونادى هذا: يا آل قريش؛ وثاروا، فدخل بعض المهاجرين وأصلحوا بينهم وأنهوا القضية.

 بلغ الخبر عبدالله بن أُبي، وكان معه جماعة من قومه وأصحابه يتحدث معهم، وصادف بينهم سيدنا زيد بن أرقم، سيدنا زيد ابن أرقم  صغير السن، كان مازال غلام، خرج المعركة بإيمانه.. فيقول:

  • لا.. أَفعلوها هكذا!! ما مثَلَنا ومثلهم إلَّا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك. هؤلاء! آويتموهم وسكنتموهم عندكم وأكَّلتُموهم واليوم يقاتلوننا! أنتم أضعفتم أنفسكم وقويتُموهم، لو تركتم الإنفاق على هؤلاء لتفرَّقوا وتركوا هذا وحده، يقصد النبي محمد 
  • ولا ما تطاولوا عليكم، (لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ)، يعني لا تنفقوا على من عند محمد، (حَتَّىٰ يَنفَضُّوا..(7)). 
  • ولكن سنعود الآن إلى المدينة، وإذا رجعنَا إِلَى الْمَدِينَةِ (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ..(8))، وهو يريد بالأعز نفسه وليس بعزيز، ويريد بالأذل أعز خلق الله تعالى ومَن معه من المؤمنين. 

فغضب سيدنا زيد بن الأرقم، وما تنبَّه أن هذا الغلام لا يؤبه له، ولا ظن أنه سيحفظ شيئا من كلامه، ولن ينقل شيء، قال: كذبت ما تقول عن رسول الله؛ بل هو العزيز وأنت الذليل، قال: اسكت إنما نلعب نضحك هذا كلام يعني فقط كلام ليس صدق مننا؛ لا يريده أن ينقل الكلام، وما تنبَّه إنه عندهم واحد من أهل الإيمان قوي، كان يتكلم في  جماعة من قومه في أنفسهم شيء.

 ذهب سيدنا زيد إلى عند الحبيب ﷺ وأخبره أنه يقول.. ويقول.. ويقول، يقول: (لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا..(7))، ويقول: (لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ..(8))، سيدنا عمر يسمع كان، قال: يا رسول الله دعني أضرب عنقه هذا، قليل حياء قليل أدب ويتكلم بهذا الكلام ومعك في الغزوة، قال: يا عمر تثأر له أُنوف -أُنوف ستثأر له- و ستقوم له.

  • قال: إذا ما تحب أحد من المهاجرين أن يقتله، مُر أحد من جماعته من الأنصار فلان وفلان وعدَّد له ناس مؤمنين، لو تأمرهم يقتلوه سيقتلوه،.
  • قال: "يا عمر يتحدث الناس أن محمدا يقتُل أصحابه، تريد أن أُنفِّر عن الإسلام وعن الدعوة  إلى الله وأنا أمين على بلاغ هذه الرسالة للخلق، فيقولون يقتُل أصحابه يبعدون مننا، ولا يُقبِلون على دين الله هذا، وعلى منهج الله تعالى"؟!

قال: الله ورسوله أعلم، وسكت، قال: "لكن يا عمر سنشْغل الناس، نرحل بهم. 

واستدعى عبدالله بن أُبي..جاء.

  • قال: أنت صاحب هذا المقال؟ قال: أنا!! والذي أنزل عليك الكتاب، ما قُلتُ هذا ولا تفوهت به، ولا نطقت بشيء؛ يُكذب زيد هذا غلام طفل قاعد يكذب علينا ويؤلف كلام من عنده يقول أنا. 
  • وكان فصيح اللسان، وسمين الجسد، وله منظر، وجماعة من قومه يُقدِّرونه لمكانه الاجتماعي فيهم من قبل ما يأتي ﷺ. 

لما سمعوا كلامه قالوا: يا رسول الله هذا الغلام اشتبه عليه الأمر وما عرف ينقل الكلام، وما نظن يقول هذا، وما يمكن تصديق الغلام؛ عذره ﷺ في الظاهر.  

سيدنا زيد ضاقت عليه الأرض بما رحبت الآن، حتى جاء عمه يؤنبه يقول: ما أردت، كذبك رسول الله والمؤمنون ومقتوك، لماذا تذهب تُؤلف كلام وتأتي بكلام وتعمل كذا؟ّ

قال: أنا سمعته. قال: اسكت ما نصدقك في هذا! كان حريص سيدنا زيد دائمًا إذا يمشي في الغزوة قريب من الرسول ﷺ، صار يمشي بعيد ومستحي، وهو يعلم أنه قال حق، وأنه سمع بإذنه، وإنما غار غيرة الإيمان على الله ورسوله.

 وهكذا أوصاف المنافقين، ومَن شابههم:  

  • كثيري الكلام واللقلقة والغيبة. 
  • والحط على الأخيار. 

فلا تصدق أن واحد يقول لك خيِّر، وأنه سيدلك على الخير، تجلس معه وهو يقول؛ فلان فعل، فلان ترك، فلان نزل، وفلان ندم، وخاصةً: 

  • إذا يقع في الأخيار ويقع في السُعاة في الهدى والصلاح؛ احذر منهم. 
  • هذا إذا هو غير منافق كامل، معه نصيب من النفاق. 

ما شُغل المؤمنين في مجالسهم: 

  • غيبة أو نميمة أو اثارة شحناء أو بغضاء؟! . 
  • لهم تعظيم أمر الله، وتعظيم أمر رسوله. 
  • وحُسن الظن بعباد الله هكذا. 

هناك ناس كثير أرادوا أنفسهم أخيار، ولكن إذا جلسوا ما يسلم منهم أخيار بلادهم، ولا أخيار زمانهم، وربما خِيرة الأخيار في زمانهم ما يسلمون من ألسنتهم: 

  • فلا والله ما هؤلاء بأخيار، ولا هم متحققين بحقائق الإيمان. 
  • ولا تنفع مظاهرهم وصورهم، هذه مجالس المنافقين.

 يقول على سادتنا المهاجرين ومعهم سيد المرسلين: ما مثلنا ومثلهم إلَّا سمِّن كلبك يأكلك، ويتكلم وأنتم السبب، وأنتم عملتم، يأتي بهذا الكلام؟! هذا شأن الزائغين؛ تحامُل وحقد ودعوى الحق.

 قال النبي: سيروا، سار بالجيش، وكان من عادته أنه لا يسير في هذا الوقت، حتى لما استقلّ المسير لحقه صحابي من كبار الأنصار، فقال: يا رسول الله -فسلَّم عليه بتحية النبوة وحيَِاه- وقال: يا رسول الله مشيت بنا في ساعة، ما تعتاد تمشي فيها، قال له: "ما بلغك ما قال صاحبك، عبدالله بن أُبي؟!.

  • قال: ما قال؟ قال: يزعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرُج الأعز منها الأذل!
  • قال: يارسول الله أنت الأعز وهو الأذل، إن شئت أخرجناه،  نحن نخرجه. 

من قومه من جماعته: يارسول الله اعذره، فإنهم كانوا يعقدون له الخرَز لِيتوجوه بالتاج ليملِّكوه عليهم، فأكرمهم الله بالإسلام فآمنوا بك، فيرى أنك استلبت منهُ ملكًا، قال: نعذره".

 جاء سيدنا عبدالله بن عبدالله بن أُبي -ولده- بعد ما بلغه مَقال أبيه وما تكلم قال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبي لِما بلغك عنه، فإن أردت ذلك فمرني أنا آتيك برأسه، قال: أنا الذي سأجلب لك رأسه، فإنه علم القوم أنه ليس أحد أبرَّ منى بالأبوين، وأخشى إن قتلهُ غيري، أن لا تطاوعني نفسي أرى قاتل عبدالله بن أُبي -أَبي يمشي- فاقتله، فأقتل مسلمًا بكافر فيدخلني الله النار، ولكن مُرنا أنا سآتي لك برأسه.

  • قال له : بل نرفُق به، ونُحسن إليه ما صحبنا، وما دام بيننا" ﷺ؛ هذا خُلقه وهذا مسلكه. 
  • قال: سنرفق به ونحسن إليه ما دام بيننا، أو ما صحِبنا. 

فمضوا، سار بالناس بقية النهار والليل، وصدر من النهار الأول، نزل بهم، وكانوا تعبانين كلهم، ناموا، ولا يوجد بلبلة ولا كلام؛ أراد أن يقطع هذه البلبلة واللقلقة ﷺ، وشغلهم بالحركة والسفر حتى وصلوا إلى المدينة المنورة.

 ولما وصلوا إلى المدينة جاء سيدنا عبدالله بن عبدالله بن أُبي وجلس على مدخل المدينة، حتى وصل أبوه يريد أن يدخل، قال: ماذا بك؟! إجلس، قال: ويلك مالَك؟ قال: لا والله، لا تدخلها حتى يأذن رسول الله، ولتعلمنَّ اليوم مَن الأعز من الأذل، من هو العزيز ومن هو الذليل. لن تدخل المدينة، ابقَ مكانك، ما هذا؟! ولدي يمنعني؟! قال: لن تدخل، مكانك، اليوم ستعرف من الأعز ومن الأذل، حتى يأذن رسول الله قال: لن افتح لك الطريق. 

أرسل إلى النبي ﷺ، فلما أرسل.. أرسل رسول الله إلى عبدالله بن عبدالله بن أُبي إن خلِّ عنه، أدخل معه، لا تؤخر والدك  اتركه يدخل. قال: أما وقد أذِن ﷺ فنعم، أُدخل واخفض رأسك وأدخل أنت الأذل ورسول الله الأعز؛ لأنه عرف أن والده قال هذه الكلمة، صدَّق عبدالله بن عبدالله بن أُبي وإن كان جماعتهم ما صدَّقوا من الأنصار وظنوا أن الغلام هذا زيَّد كلام، دخل..

أنزل الله الآيات الكريمة وذكر أقواله في اثنائها، يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.. (8))

دعا النبي زيد بن الأرقم، وقرأ عليه السورة وامسك بأذنه قال له: "إن الله صدََّقك وأوفى بأُذنك"؛ فرح سيدنا زيد فرَّج الله عليه؛ لأنه صادق وصاحب حق ومازال غلام يافع، لكن إيمان ومحبة صادقة رفعه الله بها. 

 

تفسير قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1))

يحكي الحق أحوال هؤلاء المنافقين وأقاويلهم: 

  • (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)، إذا وصلوا إلى عندك يا حبيبنا يا محمد. 
  • (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)، يقولون بألسنتهم: نشهد، وهم بقلوبهم يبغضونك ويكذبونك. 
  • يقول: (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)، أنت الرسول الخاتم للمرسَلين، وللنبِيين، وسيدهم أجمعين. 

(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)):

  • في قولهم: (نَشْهَدُ) يعني يقولون: كلام حق، وقلوبهم مكذِّبة، لا تُقر بذلك الحق، فهم كاذبون في قولهم: (نَشْهَدُ) أما رسول الله، صدق إنه رسول الله. 
  • ولهذا جاء قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)، قبل ما يقول: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، رسالتك حق، وأنت المُرسل من غير شك.
  • لكن الجماعة قالوا: (نَشْهَدُ)، وهم كذبوا؛ لأن الشهادة عبارة عن إقرار بالقلب وإعتراف باللسان، وإذعان وتسليم، وهؤلاء ما في قلوبهم إيمان. 

(قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، [الصف:9]. 

  •  تُرى هكذا ابتلاء الله للنبيين، والمرسلين، وهذا سيد المرسلين وخاتمهم؛ وهذا يتكلم عليه، وهذا يقول له، وحد وسط الغزوة، ووسط المدينة، وفي مكة كذلك آذوه -اللهم صلِ عليه-.
  • هو قال: "ولقد أوذيتُ في اللَّهِ ولم يُؤذَ أحدٌ"، "ولقد أُخِفتُ في اللَّهِ مالم يُؤخف أحدٌ" صلى الله عليه وصحبه وسلم. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ((1))

 

تفسير قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2))

 (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ)، دائمًا يحلفون: والله، والله الذي أنزل عليك الكتاب، والذي بعثك بالحق والله؛ كذب -أعوذ بالله-. 

ومنهم من قال إن قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ..(1))، معناها يمين؛ ولهذا عند الإمام أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل: 

  • "اشهد كذا": يمين؛ لأن معنى أشهد كذا، يعنى احلف. 
  • والحلف لا يكون إلَّا بالله، معناه "أشهد بالله"، قد ينطق بكلمة "بالله" وقد لا ينطق. 

والمؤمنون يقصدون بالله؛ لأنهم لا يحلفون إلَّا بالله،  فإذا قال: "أشهد كذا"؛ صارت يمين. 

  •  (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ)، جمع يمين، حَلِفَهم سواء لفظة "أشهد" أو كثرة ما يحلفون، دائمًا يحلفون هم، والله والذي بعثك بالحق، والله... والله؛ يكذبون دائمًا. 
  • (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)، وقاية تحميهم من أجل أن تسلم أموالهم، تسلم لهم أهليهم، ولا تمتد إليها أيدي المسلمين فيحمون، هذا مقصودهم حتى لا أحد يقتلهم، ولا أحد يأخذ أموالهم غنيمة، فأظهروا الإيمان. 
  • حتى في قراءة: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)، يعني إظهارهم الإيمان باللسان، اتخذوه جُنَّة. 
  • وعامة القُرَّاء: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ)، يعني حلِفَهُم وأقسامهم. 

(جُنَّةً): وقاية تحمي أموالهم ونفوسهم ودماءهم فقط من أجل هذا، هم يعرفون أنهم إذا هم على الكفر، وأظهروا الكفر سيتعرضون للقتال مع المؤمنين، وسيضعفون أمامهم وسياخذون أموالهم؛ فقالوا: نُظهر الإيمان.  

أظهروا الإيمان، (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، أعرضوا عن الحق، أمامهم واضح بيِّن؛ ولكن أهواءهم وشهواتهم دعتهم إلى التكذيب الباطني مع اظهار التصديق باللسان.. 

  • (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، هم أعرضوا، وتسببوا في تنفير غيرهم من الإسلام، وتأخير غيرهم عن الخروج مع النبي 
  • (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، هم أعرضوا وتسببوا في تأخير آخرين، تخذيلهم عن الخروج مع النبي ﷺ، تسببوا في تشكيك آخرين.

هذا وصف المنافقين: 

  • هم يعرضون وهم يشككون غيرهم، يحاولون التشكيك. 
  • كلما حصلوا صالح أو خيِّر أو ولي، يبحثون عن أي شك؛ يمكن فيه بعض الأشياء، وبعد ذلك!. 
  • ومافي أدب قط، ولا حُسن ظن، بل شكوك. 

(فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، قال: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)، [الأنعام:26]، وهم بعيدون ينأون وينهون -مازالوا-  ينهون غيرهم، لا يريدون غيرهم أن يؤمن، ولا يُصدِّق، ولا يتبع الأخيار، -لاحول ولا قوة-. 

قال: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)):

  • إظهار للإسلام وإبطان للكفر. 
  • وصدٌّ عن سبيل الرحمن -جلَّ جلاله-.
  • حالة مزرية: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

 ولذا استحقوا الدرك الأسفل من النار: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، [النساء:145].

 

تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3))

يقول: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا(3))، متى آمنوا؟!  

آمنوا بألسنتهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)

بل كان هذا عبدالله بن أُبي:

  • عندما يخرج ﷺ إلى الجمعة، يُسلِّم على الناس، فيجلس ويؤذن المؤذن، قبلما يقوم النبي يخطب يقول: أيها الناس هذا رسول الله أكرمكم الله به، اسمعوا إليه، وأنصتوا، وأطيعوه، ويجلس؛ فقط كتكرمة له، موقف هكذا، يقِفه في الجمعة أمام الناس، أُبهة وفخر. 
  • وكان جماعته من سادتنا الأنصار يقولون: عسى يكون هذا أن يثبِّته ويُصلِح قلبه، فاستمرَّ هكذا كل جمعة يقوم ويقول: أيها الناس هذا رسول الله أكرمكم الله به، اسمعوا إليه، وأنصتوا، وأطيعوه، ويجلس، فقط، تكرمة له.
  • حتى كان يوم أُحد ورجع بثلاثمائة من الطريق معه وترك النبي، فجاء بعد أُحد، رجع النبي من حمراء الأسد فخرج يخطب الجمعة، جاء ليقوم، فمسكه جماعة من الصحابة، وقالوا: عدو الله تقول ما تقول وأنت قد رجعت بالقوم، من خلفه تكذب، إجلس. 
  • غضب خرج ومشى، فوجد جماعة من الأنصار عند الباب قادمين، قال: مالكم؟ قال: أقوم إليه أشد أزره وأقوِّيه وانصره، وهم يعنفونني ويقولون عليِّ.. 

قام جماعة من أصحابه وأمسكوا بثوبه وقالوا له: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: لا أحب أن يستغفر لي، ونفرَ.

 بعد رجوعهم من المريسيع وحين نزلت الآيات وفضحته، قال له جماعة من أصحابه: يا عبدالله آيات شديدة نزلت فيك، تعال لرسول الله ليستغفر لك وتخلِّص نفسك؛ لوىَّ رأسه وقال: ماذا تريدون منا؟ اردتم الإيمان به آمنا، أردتم الصلاة صلينا، أردتم الزكاة زكينا، عاد باقي تريدوني أسجد لمحمد؟!. قل له: يستغفر لك، يقول: تريدونني أن أسجد له -هذه الخيالات-

  • إكرام واحترام وتعظيم للمصطفى يسميه سجود! مثل أهل البدع هكذا يفهمون الأشياء، هكذا. 
  • يقول: أنا عاد باقي تريدوني أسجد له؛ لا قال لك، ولا يأذن لك تسجد له، ولا أحد من أصحابك يريدك أن تسجد له.
  • يريدونك أن تعلم قدره، وأنه رسول الله، وتأتي إليه يستغفر لك ربك -جلَّ جلاله-. 

والعياذ بالله صدَّ عن ذلك: (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)، بقُلوبهم: 

  • آمنوا أمام النبي والصحابة، الله الله- صدق الله -صدق رسول الله-
  • ويرجعون الى عند جماعتهم: فعله تركه . 
  • عند أصحابهم يكفرون ويظهرون كفرهم، -لاحول ولا قوة إلَّا بالله-.

(آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ)، فطُبع على قلوبهم بطابع النفاق والظُلمة والبُعد والحجاب- (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3))،

آيات أمامهم: 

  • وجهُ محمد ﷺ يكفي، منطقهُ العذب يكفي، خُلقه الكريم يكفي. 
  • فكيف بحججه وآياته وبراهينه ومعجزاته؟ لا يفقهون. 

 

تفسير قوله تعالى: (۞ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4))

كذلك سيقول لك الآن كأنهم خشبة! 

تعرف الخشبة؟ هيا قم تفاهم مع الخشبة، ماذا تسمع منك؟! -لا حول ولا قوة إلَّا بالله-: (وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)، [المنافقون:7]، (فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)).

  • (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ)، عندهم أناقة ومظهر وصورة، وبعد ذلك؟!
  • (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ)، يعني منهم من أهل هذا الوصف مثل: عبد الله بن أبي.

(وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)، كان عنده لسان ذلق فصيح، يتكلم كلام بليغ ويخطب، (تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ):

  • (خُشُبٌ) وفي قراءة: (خُشْبٌ) مسنَّدة؛ مائلة إلى الجدار، ملقاه، يعني ليست أشجار تُثمر؛ مجرَّد خشبة لا يأتي منها ثَمر. 
  • مسنَّدة، لا تقوم بنفسها، مسندة إلى الحائط وإلى العمود خشبة مسنّدة، (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ)، وفي قراءة: (مَسْنَدَةٌ) للتكثير. 

(مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)، وصَفهم بالجُبُن: 

  •  يقولون: السارق ذليل، الذي يُظهر الإيمان ويبطن الكفر؛ هذا يكون باطنه رعب عنده: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، [آل عمران:151]. 
  • خاصة وهم بين المسلمين والمؤمنين يتوقع إنه يفتضح في أي وقت، يتوقع أنه يؤمر بقتله، يتوقع أنه يُؤمر بحبسه وبضربه؛ لأنه يعرف نفسه، هو يُبطن غير ما يُظهر، يُظهر غير ما يبطن؛ ففي قلوبهم رعب.

 قال: (يَحْسِبُونَ) وفي قراءة: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)، (كُلَّ صَيْحَةٍ): 

  • إذا واحد قام ينشد ضالة، إذا سمعوا أذان، إذا انطلقت دواب؛ أي حركة بين الناس، يقولون؛ في شيء؟ يخاف أن هناك شيء حصل، إما فضيحة نزلت فيها آيات، وإلَّا أُمر فيه بشئ، أو أمر النبي أن يحبسوه، أو يقتلوه. 
  • كلما يسمعون صيحة يرتعبون، يحسبون كل صيحة أنهم هم المقصودين بها، وأنه جاء وقت الانتقام منهم (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)، احذرهم. 

قال الله: 

  • هذا الصنف هم العدو الذين يبطنون لك العداوة ويريدون لك الشر؛ فاحذرهم. 
  • لا تأمنهم على شيء من الأسرار. 
  • ولا تتحدث أمامهم بما يضُر بلوغه إلى الكفار في شيء من تراتيب أمورك وشؤونك، فاحذرهم.

 (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ)، لعنهم الله -أحل عليهم اللعنة- (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4))، ما هذا الإفك والافتراء؟! 

والأدلة أمامهم واضحة وشُعاع النبوة مشرق مضيء (أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). 

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5))

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ)،-لاحول ولاقوة إلَّا بالله العلي العظيم- (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ)، يعني: يعرضون (وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ): 

  • لا يرون أنهم في حاجة إلى الاستغفار؛ لكن المؤمنين -سبحان الله-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) [النساء:64]؛ ويحتاجون للاستغفار. 
  •  يقول ﷺ لسيدنا عمر، وسيدنا علي؛ كبار الصحابة، خِيرة الصحابة، قادة الصحابة، أئمة الصحابة: "ياعمر، ياعلي؛ إذا أنتما لقيتما أويس ابن عامر فاسألاه أن يستغفر لكما، يغفر الله لكما"، هؤلاء الأتقياء الصالحين يقول لهم: إذا حصلتم أويس قولوا له: يستغفر لكم، انظر كيف! 

وهؤلاء يقول لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله؛ (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) -لاحول ولاقوة إلَّا بالله العلي العظيم- (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ). 

 

تفسير قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6))

يقول الله لحبيبه: اسمع ياحبيبي؛ هؤلاء الذين يُعادونك ويبطنون البغض لك، أنا ما أقبل منهم شيء، ولا أقبل فيهم استغفار، ولو بنفسك أستغفرت لهم، أنا لن أغفر لهم؛ لأن الله لما قال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) -أولًا- إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [التوبة:80]،

قال: سأزيد على السبعين، قال له الحق تعالى: لا؛ ولكن ضربنا السبعين كمثل، لكن مادام في قلوبهم هذا البغض لك والتكذيب؛ لا مغفرة أبدًا، -لا مغفرة لهم- 

  • ولا أقبل لهم استغفار حتى من أحب أحبابي؛ رسول الله، فكيف بغيره.-الله-

كيف غضب الله عليهم؟ 

يقول: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، الله، (لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، -نعوذ بالله من غضب الله-: 

  • سبقت عليهم الشقاوة وطُبع النفاق على قلوبهم. 
  • فلا يؤمنون أصلًا ويموتون كفار، ولا ينفعهم استغفار. 

(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)):

  • الخارجين عن الطاعة بعناد و كبر وغطرسة. 
  • والآيات أمام أعينهم، والباب مفتوح لهم، والرحمة قريبة منهم. 
  • ويعادون، ويعاندون، ويسبون ويغتابون ويؤذون؛ ما يغفر الله لهم.

-أعوذ بالله- غضب الله عليهم -والعياذ بالله- ذكر: هم الذين يقولون وإلى ما يأتي معنا في التفصيل، فهذه أحوال أهل النفاق، باعدَنا الله من صفاتهم، ومن أحوالهم، ومن شؤونهم، وجعلنا مشابهين للمؤمنين الأتقياء الصالحين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

رزقنا الله محبتهم ومشابهتهم والاقتداء بهم، وجعل صفاتنا من صفاتهم وأخلاقنا من أخلاقهم، ونزهنا عن أوصاف المنافقين وشؤون المنافقين وأحوال المنافقين.  

 في الحديث: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها: مَن إذا حدَّث كذب، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا عاهد غَدَر، وإذا أؤتمن خان"، نعوذ بالله: 

  • إن وُجد أحد فيه واحدة من الصفات، ففيه وصف من النفاق.
  • وإن فيه أربع! نفاق كامل. 

يعني ما يجتمعن إلَّا فيمَن لا إيمان في قلبه: يكذب، ويخلف الوعد، ويفجُر عند الخصومة، ويخون الأمانة؛ جميعها فيه!، هذا ما هو مؤمن أبدًا، ما يتأتى عنده إيمان وفيه الأربع خصال مجتمعة هذه.

 الله لا يجعل فينا خصلة من خصال النفاق، ويُخلِّقنا بأحسن الأخلاق، إنه أكرم الأكرمين، وهذه فوائد رمضان، وفوائد التقرب إلى الرحمن، أن يُصَّفيك عن أدران النفاق وأهله، وعن مشابهتهم، وأن يجعل لك شبه بمن سبقك بالإيمان، ممن رضي عنهم وأرضاهم، وهيأ لهم النُزل الكريم، حتى تلحق بهم في البرزخ، وتلحق بهم يوم القيامة، وتلحق بهم في دار الكرامة، وترى تلك الوجوه الناضرة التي هي إلى ربها ناظرة، حشرنا الله معهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

17 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

09 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام