تفسير سورة المزمل-8- من قوله تعالى: (..وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..(20))
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {..وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} إلى آخر سورة المزمل.
نص الدرس مكتوب:
﷽
(..وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله المتفضل المتطول، وصلى الله على عبده المدثِّر المزمِّل، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن سار على دربه، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم، وجميع الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فإننا في تدبرنا لِكلام ربنا -جلَّ جلاله- وفي ذكرى قيام المزمل في الأيام التي كان يُكثِر القيام فيها؛
فذِي العشر كان النبي الكريم *** إذا دخلت أبدًا لا ينـــام
نوى الاعتكافَ إلى يوم عيد *** وأيقظ نساءه عليه السلام
وزاد اجتهادًا وهو في مزيد *** وشمَّر وأحيا الليالي العظام
كان قوَّامًا في طول عمره، وفي رمضان أكثر، وفي العشر الأواخر أكثر منها، فكان يقوم الليل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ونأتي إلى ختام سورة المزمل، والرحمن يعطي المؤمنين الرخصة فيقول: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ..(20)):
- فلا ينبغي لمؤمنٍ أن يهجر كلام ربه، ولا أن يهجر القيام بالليل، ولو بصلاة بعدية المغرب وبعدِية العشاء والوتر؛ في كل ليلة يواظب على ذلك ولا ينقص شيئًا مِن ذلك.
- ولكن في الاستيقاظ بعد المنام في عموم الليالي أثرٌ آخر وتأثيرٌ كبير في تنوير الضمير، وفي تطهير النفس وتزكيتها، وفي الرابطة بالله -جلَّ جلاله-.
- وبذلك جاء في الآثار: "قم مِن الليل ولو كحلبِ شاة".
- وسمعنا قول لقمان لابنه: "لا يكن الديك أكيس منك يصرخ مِن الليل وأنت تنام"؛ فيكون الديك أحسن حال منك يستيقظ في الوقت المناسب للإستيقاظ.
يقول: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)؛ وقد ألمحنا إلى المعاني التي تدل عليه هذا الكلام، وقد تقدَّم بقوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ..(20))، ثم لمَّا ذكر أنَّه يكون في طوائف المسلمين مَن يناله المرض، ومَن يكون في السفر، والضرب في سبيل الله، ومن يبتغي الفضل وكسب الرزق، ومَن يكون في القتال في سبيل الله -جلَّ جلاله- وأعاد الكلام: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)؛ أي في كل الأحوال هذه لا تنقطعوا عنا، لا تنقطعوا عنا مِن الباب الوسيع، والحبل القوي؛ كتابنا الذي أنزلناه، والقَوْمة مِن أجلنا.
قال عبد الله بن حسن بن صالح البحر؛ مرض أبي ليلةً واشتدت عليه الحمى، فكنا نجد حرارتها مِن فوق ثلاثة أغطية نغطيه بها، ونجد حرارة الحمى قال: فلمَّا جاء وقت قيامه مِن الليل رأيته يضرب على فخذه يقول: قومي يا نفس السوء أتريدين أن تقطعيني عن مناجاة الله، قال؛ ورمى الأغطية مِن فوقه وانتصب قائمًا، قال؛ فصلى ركعاتهِ مِن الليل، وقرأ آلافًا مِن سورة الإخلاص وأجزاء مِن القرآن، ولمَّا أكمل مناجاته ودُعاءهُ جلس، فعادت إليه الحمى، وأعدنا الأغطية فوقه وغطَّيناه بها.
هكذا كان شأن الذين أدركوا سِرَّ الصلة بالرحمن في القيام؛ ولذا قال الإمام الحداد: "ومَن واصله الرحمن بشيء مِن أسرار قيام الليل، صار بحيث لا يصبر عنه"، بحيث لا يصبر عنه؛ لا يقدر أن يصبر عنه، مترقِّب متى سيأتي الليل، يشتاق إلى مجيء الليل مِن أجل الساعات مع الرحمن -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
فالله يجعل مسارنا في الليل والنهار على ما أحب خالق الليل والنهار (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62]:
- فلا يتحكم فينا الغافلون على ظهر الأرض يبرمجون لنا حياتنا ببرمجة عوجاء تحجزنا عن خيرات الدنيا والآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ويصلِّحون لنا كلام لاينفع، ومناظر تضر، وأفكار خارجة عن الحق، ونحن نَتَّبِعهُم.
- بل يجب أن نَعمُر ليالينا، ونَعمُر أيامنا بما أحب خالق الليل والنهار -جلَّ جلاله- والله يختم لنا رمضان بخير ويجعلنا مِن أهل حسن الخاتمة.
يقول: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، وهذه وصايا الحق لعباده المؤمنين، وقد وصَّى بها النبيين والمرسلين؛ (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ..(20))، ما مِن نبيٍ يأتي ويبعثه الله على ظهر الأرض إلاَّ والرحمن يوصيه بالصلاة وإقام الصلاة، وما مِن رسول، وما مِن أتباع الرسل إلَّا كذلك، فما أعظم الصلاة، وما أجل منزلتها عند الله، فأولها الفرائض.
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ):
- قال الإمام الغزالي: إنه لا يقول في الآيات؛ صلُّوا، ولا صلِّ أبدًا، إنَّما يقول: أقم وأقيموا؛ (لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) [إبراهيم:37]، وكذا الإقامة للصلاة غير مجرد الصلاة:
- صلِّ بأي كيفية؛ لكن أقم الصلاة؛ إئتِ بها كاملة، ائتِ بها تامة، قوِّمها ائتِ بها على وجهها.
- ولهذا قالوا: القرآن يعبِّر بهذا مِن أجل أن نعتني بالصلاة ونهتم بالصلاة.
- كان الإمام الحداد يقول: إنَّا نخرج إلى الصلاة بجمعية على الله فمن كان معه لنا سلام مِن أحد، أو خبر، أو رسالة لا يعطينا إياها عند خروجنا إلى الصلاة، فلا يشغل فكرنا وبالنا:
- يترك وجهتنا وجمعيتنا على الله، ثم بعد الصلاة يأتي بما معه مِن خبر، أمَّا عند الخروج إلى الصلاة، فلا.
- ولذا استقام مرة في الصف فقال: الله أكبر، فانشق الجدار مِن أثر تكبيرة قلب حاضر مع الله جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الله أكبر.
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)، وهكذا، وكم مِن صلحاء الأمة أحبَّ لقاء الله في الصلاة، وكم مَن لقي الله منهم وهو ساجد: "أقرب ما يكون العبد مِن ربه".
وأُخرجَ بعض صلحاء الأمة وهو مريض، عندما سمع الأذان قال: هزوني احملوني، قالوا: أنت معذور، ومريض، قال: احملوني -الفلاح- أما تسمعونه يقول حي على الفلاح؟! تقطعوني عن الفلاح، أخذوه يقودونه، واحد مِن اليد هذه وواحد مِن اليد هذه حتى أقاموه في الصف، صلىَّ معهم سجد أول سجدة، ثاني سجدة محله في السجود -ما قام- مات، لقي ربه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
ما أعظم الصلاة وما أعجبها، كان يقول زين الوجود:
- "وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ"، "وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ".
- وكان إذا حزَبه أمرٌ قام إلى الصلاة، فالله يحيي الصلاة بين الأمة وإقامتها على وجهها.
قال بعض الذي يمشي في الباصات، قبل رمضان مرة كان في الباص يمشي وجاء وقت الصلاة، خرجوا سبعة وفي الباص عدد كثير، وقال واحد يقول: وقت الصلاة قوموا صلوا، بعضهم قال: اسكت.
لكن قال: سافر في رمضان وخرجوا كلهم أهل الباص يصلون، نريد هيبة رب رمضان تبقى؛ لأن رب رمضان موجود في رمضان وغير رمضان، يجب يتربى المؤمنون على إقام الصلاة بينهم وبين الله.
- التهاون بالصلاة مِن شأنه أن يفسد أحوال الأمة.
- التهاون بالصلاة مِن أثره أن يُسلَّط الأعداء.
يُسَلَّط أعداء الله على الأمة بسبب التهاون بالصلاة، وكانوا يقولون: بذنب الفاسق تحترق المدينة، بذنبه تحترق مدينة، بذنب الفاسق.
- فالتهاون بالصلاة مصيبة حلَّت بالأمة كبيرة، سببت لهم بلايا كثيرة كبيرة.
- ومهما أرادوا علاج هذه البلايا لا يأتي إلاَّ بإقام الصلاة.
ومِن دون أن يقيموا الصلاة، كلمَّا حاولوا علاج هذه المشاكل تزيد، وشاهد بعينك، شاهد بعينك، كل ساعة جاءوا بحل، فباؤوا بالفشل وزاد الطين بلة، وزاد واتسع الخرق على صاحبه.
وتشاهد أمامك، أين إقام الصلاة؟
- قل لهم: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، مَن هم الذين ينصرونك يارب؟
- (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ)، أَوْلَ شَيْءٍ: (أَقَامُوا الصَّلاةَ)، (إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) [الحج:40-41].
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) يقول لنا الرب -جلَّ جلاله-، وصاحب الرسالة أمر الأسرة أن تنتظم في امتثال الأمر وقال: "مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ لِسبعِ"، المعنى علِّموهم الصلاة قبل سبع سنين وإذا قلت له وقت السبع السنين؛ صلاة، وهو لا يعرف الصلاة! كيف؟! علِّمه الصلاة مِن قبل، حتى إنه ما يبلغ سبع سنين إلا وهو يعرف، كيف يتقن الصلاة؟! "مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ لِسبعِ، واضرِبُوهُم على تَركِهَا لِعَشْرٍ".
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..(20))، أعطوا الزكاة فيما فرض الله تعالى عليكم؛ مِن زكاة الفطر، وبقية زكاة المال، ما كان مفروضًا.
(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا..(20))؛
- إمَّا بعد أداء الفرائض مِن الصلاة والزكاة أقرضوا الله بالنوافل.
- أو المعنى عام (أَقْرِضُوا اللَّهَ):
- الحق هو الغني عنكم وهو واهبكم؛ ولكن تنزُّلًا مع عباده سماه قرض.
- قال: اعملوا مِن أجلي وأنتم خَلقي ومُلكي وما أعطيتكم مني وفي ملكي وسأسميه قرض.
هيا، اقرضونا، أنتم ملكي، وما معكم ملكي وأنتم أقرضونا..
- كيف نقرضك؟
- قال: اخرجوه في الوجوه التي أحببتها منكم واخلصوا لي وسأعِدُّهُ قرض منكم.
لا شيء مِنَّا؛ كله منك، كله مُلكك، ولكن أنا سأعاملكم هكذا، هو يعامل هكذا -جلَّ جلاله-، (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة:245]، أضعافًا كثيرة، أضعافًا كثيرة، ما هذا الكثير الذي قال الرحمن أنها كثيرًا؟ ليس كثيرًا في حساب الإنسان، صار في حساب الرحمن، صار كثير -الله أكبر- ما أجلّ ذلك.
(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، القرض الحسن أوله: أداء الفرائض برغبة ومحبة وإتقان وشوق؛ هذا قرض حسن، أما تؤدي الصلاة بالقوة كصلاة المنافقين قال:
- (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ) [النساء:142].
- (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) [التوبة:54].
هذا ليس قرض حسن هذا، هذا تعامل سيء.
(أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا):
- أدوا الفرائض برغبة ومحبة وشوق وإتقان.
- ثم كل ما عملت مِن النوافل فهو مِن القرض.
- وأول ما ينصرف من اِسم القرض:
- أنواع المال والمتع، تصرفها مِن أجل الله.
- وبعد ذلك ما أنفقت مِن وقت.
- وما أنفقت مِن فكر.
- وما أنفقت مِن أعمال جوارح.
- وما أنفقت مِن عمل قلب لله؛ فهو مِن القرض كله قرض.
(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) تُقرِضون الغني المليء، غير الظلوم، غير العدوم فيضاعف لكم ما تقرضونه، إن بذلت وقتًا وجدت مقابل هذا الوقت اليسير الذي بذلته مِن أجله نعيم كبير في وقت طويل أبدي، كل ساعة، كل لحظة تبذلها مِن أجله ثوابها أبدي، ما هذا؟! ثوابها أبدي، ثوابها أبدي.
رأينا أهل الدنيا كلما أرادوا أن يستخرجوا الأموال مِن الناس ليربحوا هم، وليس الناس؛ لكن يُغرُون الناس بشيء مِن الربح بأي وسيلة فتخرج أموال كثيرة مِن هنا وهنا، ويعملون لهم شيء مِن صور المشاريع، وبعدها لا يدرون إلّا وهي تطلع وتنزل، بعدها أفلست ثم سقطت في الدولة هذه، وراحت في الدولة تلك، والفوائد تحولت لغيرهم؛ لكن لمَّا أغروهم بقليل مِن الربح خرجوا، حتى بعض النساء، أخرجوا ذهبهم حتى كل شيء خرج وظهر، عند الطمع في الربح!.
وهذا الرحمن يقول لك: كل لحظة، كل ذرة مِن الحسنات ثوابها أبدي! تعرف أبدي؟ سرمدي دائم، ما هذا؟! ما هذا؟! لكل حسنة نعيم لا ينفذ! مَن يعطيك هذا الربح؟ أي دولة تعطيك هذا؟ هي نفسها تفنى، هي نفسها ما تبقى، كيف تعطيك شيء يبقى؟!؛ لكن الباقي يعطيك ما يبقى (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل:96]، -الله أكبر-.
(أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أقرضته:
- فِكر، عقل، فكرت في تنفيذ أمره.
- إصلاح عباده؛ إيصال الخير لخلقه.
- كفُّ شر عن الناس.
هذا الذي بذلته مِن الفكر تجد الحق يعطيك معارف بعظمة أسمائه، وصفاته، وذاته تتنَعم بها إلى الأبد، كل ما تفعله له، تعرف معنى له؟ ليس لك غرض ثاني، لا تريد إلاَّ وجهه، الذي تعمله له أنت، رابح فيه؛ لأنه عظيم، كريم، عظيم كريم قدير، رحيم، واسع، كل حسنة ثوابها لا ينتهي -الله أكبر-.
أنت تعرف أن كل طلع، يعني:- كل موزة، كل تفاحة، كل رمانة، كل حبة مِن حبات الرمان في الجنة يذوقها المؤمن في حلاوتها على قدر حسناته، مَن زاد عليك بحسنة يذوقها أحسن منك، أطعم وأذوق، وكل شربة، وهكذا نعيم الجنة تتنعم به على قدر حسناتك، كلمَّا عظمت الحسنات الثواب موجود لكل حسنة؛ في كل لقمة، في كل شربة، في كل دخلة وخرجة، في كل نظرة إلى الأشجار والأنهار -الله أكبر-، نِعمَ المعطي الكريم المنان الرحيم، لا يهلك على الله إلاَّ هالك.
هل هناك شركة في الدنيا تعطيك جزاء؟ لا نريده أبدي، لكن أردنا عشرة أضعاف إلى سبعمائة، عشرة أضعاف إلى سبعمائة؟! إذهب لك العب! لا أحد سيعطيك لا بنك، ولا غيره عشرة أضعاف، أردت أن تسلِّم شيء، أردت أن تأخذ مباشرة عشرة أضعاف مثله؟! اذهب، حتى لو ليس أبديا فقط عشرة أضعاف؛ فاني مثله، ولا فاني يعطونك، إذهب لك أنت مجنون، إلاَّ يعْطونك ربح اثنين ونص في المئة، خمسة في المئة، عشرة في المئة، هذا في السنة قال يرِد عشرة في المئة ممتاز، ويريد كم من السنين؟ عشر سنين لمَّا يرِد رأس ماله، وهذا هو هنا الممتاز عندهم!؛ لكن هذا الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
أيام كان السوق أيضًا في القرية هذه هنا عينات، كان الناس يأمنون فيه القبائل وغيرهم فتتجمع هناك البضائع ويبيع الناس، بعض البضاعة التي احتاجوا إليها الناس، وردتْ عند واحد مِن التجار، جاءوا بقية التجار أصحاب الجملة هؤلاء يقولون له: الآن معك فرصة نريد أن نشتري منك البضائع وسوف تحصِّل فيها ربح، قال لهم: مَن منكم يعطينا فيها عشرة أضعاف، قالوا: أنت مجنون أنت؟! قل ثلاث مرات، أربع مرات نضاعفها لك، تبقى مثل ثمنها، أمَّا عشرة فلا، أنت هذا الكلام لا أحد يأتي به، قال: أنتم تقولون ماهي موجودة؟ قالوا: نعم الآن ليست موجودة إلا هي، لكن لن نعطيك، أنت مجنون أنت؟!! قال: أنا حصلت الذي سيعطينا، من هذا؟! قال؛ وأيضًا يزيد فوق العشرة إلى سبعمائة!
قالوا: مَن؟ قال: ربي.
كل البضاعة التي جاءت صدقة، قال: أنتم ستعطونا إلى أربع أضعاف، هذا يعطينا عشرة أضعاف وإلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ):
- اترك المضاعفة هذه؛ المضاعفة عشرة؟ سبعمائة؟ اتركها، إنها (مِن لَّدُنْهُ) فاقت المضاعفات كلها.
- سقطت المضاعفات كلها إذا قال: (مِن لَّدُنْهُ) مِن عنده هو سيعطيه، انتهت المسألة.
- لا تُرِد سبعمائة ولا أقل ولا أكثر، أعظم: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40].
(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)، [البقرة:261]، -جلَّ جلالة- الله يقبلنا، الله يقبلنا، و"إن الله لا يُربِّي لأحدكم صدقتهُ كما يُرَبِّى أحدُكم فَلُوَّهُ،" "وكما يُربِّي مُهره" في الرواية الأخرى، "حتَّى تَكُونَ التمرَة مِثْلَ جَبَلِ أحد" في الميزان في القيامة مثل جبل أحد تمرة، -لا إله إلاَّ الله-.
قال: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، وأكَّد الأمر؛ ياعبادي المرابحة والمتاجرة في هذا المجال مضمونة بيقين لا ريب فيه.
(وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ..(20)):
- يعني يقبل القليل، والكثير (مِّنْ خَيْرٍ).
- يعني: قلَّ، كثُر، حسنة، أضعف شيء، أقل شيء ذرة، محفوظ محسوب لك.
أمَّا الشركات الكبيرة، التجارات الكبيرة إذا ليس لديك رأس مال كبير اذهب، أمَّا هذا يقول: تعال أنت والذرة، ولن أترك لك ذرة وسأعطيك مقابلها وسأُضاعفها لك..
- (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا) [الزلزلة:7].
- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) [النساء:40].
- ويقول سبحانه وتعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا) [الأنبياء:47]:
- انظر الاعتناء هذا، حتى لم يقل ستأتي بها الملائكة ولا ستكتبها في الصحف؛ قال (أَتَيْنَا)، قال: أنا سآتي بها لك، اعمل لي فقط، وكُن مخلص لي سآتي بها لك، مثقال حبة مِن خردل أنا الذي سأحضِرها.
- قال الله: (أَتَيْنَا بِهَا)، -يا الله- نِعمَ الإله هذا، نِعمَ الرب هذا، نِعم الخالق هذا، نِعمَ الإله الكريم الملك العظيم هذا، له الحمد له المنة، الحمد لله يوم ربنا الله، ولله الحمد، الحمد لله معنا رب يا خير رب.
يقول: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ)، ما قال: ما تقدموا لأنفسكم خيرًا، (مِّنْ خَيْرٍ) هذا في لغة العرب تستغرق القليل والكثير ولا تبقي شيء، (مِّنْ خَيْرٍ) أي خير، فقط تقدمونه لوجهه.
- قال؛ (تَجِدُوهُ)، سنحصِّله، لكن سيقول لك تحصِّله، أين؟
- قال لك: (عِندَ اللَّهِ)، تجدوه أين؟ عجيب! ما الكلام هذا؟! لو واحد صاحب عظمة ومكانة يقول لك: جزاك عندي تعال إلى عندي!! الى عندك؟!
قال: (مَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ)، تجدونه في برازخكم، في يوم القيامة، في الجنة؛ قال: (عِندَ اللَّهِ):
- يعني أنتم ستكونوا قريبين منه في محل عنايته ورعايته، ستحصِّل هذا الخير عنده.
- يعني أنتم تكونون عنده؛ (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:54-55].
- يا سلام وأيضًا العندية!! أنا أصلِّح خير وأحصِّله عندك أنت؟! أنا أجده عندك؟!، يعني أنا آتي عندك؟!.
- أصير أنا عندك، لك الحمد، فكوْني عندك أعظم كرامة تكْرمني بها.
يقول: (تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ..(20)):
- هو خيرًا مما قدمتموه، كم قدمت؟ تجده عند الله قد تضاعف، هو خيرًا لم يعد هو نفسه، بل قد تضاعف.
- (هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) هو خيرًا مِن لو أنفقته على نفسك في الدنيا أو اشتريت به بضاعة وإلاَّ قضيت به غرض، قدمته لله.
- قال: أحسن مِن هذا الغرض والتجارة عندما تحصِّل الذي عندي، انظر الجزاء أحسن مِن هذا كله.
(تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)، مرة سيدنا عمر عمل لنفسه، رتَّب له كم مِن الطعام، لكن رتَّب له قليل حيس تمر ولبن وحاس له حيسة هكذا، عصيدة، عصيدة لذيذة بالتمر واللبن، وهمَّ أن يقدمها، واحد مسكين جاء، وصل عند أمير المؤمنين حملها أعطاه إياها، قال له الذي عنده: يا أمير المؤمنين هذا الرجل مسكين لا يدري ما هو الذي أعطيته؛ يعني لو تعطيه أي شيء، حاجة ثانية، هذا طعام جيد ممتاز فاخر وتشتهيه لو تتركه لك، قال: إنَّ الذي أعطيناه له مِن أجله يعلم، الله يعلم، الذي تصدقنا مِن أجله يعلم أم لا يعلم؟ قال: نحن لم نتصدق مِن أجله هو الفقير، هذا المسكين، قال له: هذا لا يدري ما هو هذا، قال: لكن الله يعلم، الله يدري ما هو.
(وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)
- وقال بعضهم، مِن معنى الآية؛ ما تقدموا مِن نفقة في حياتك لله تعالى خيرًا وأعظم أجرًا مما تجعله في الوصية، يقول عند موتي بعد موتي، خرِّجه !
- قدِّم في حياتك، يقول لبعض الصلحاء كان هنا، وكان عالم وكان تاجر، يقول كيف الوصية؟ قال: لست متكِل على الخادم، ولا الولد، ولدي فلان وخادمي فلان ما أنا مستأمن عليهم، قد قدمت اللي يحبه كله، قد قدمته.
هكذا في الحديث ﷺ يقول: "أيُّكم مالُ وارثِه أحب إليه من ماله؟ قالوا يا رسولَ الله، ما منا أحدٌ إلا مالُه أَحَبَّ إليه من مالِ وارثِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ اعلَموا ما تقولون، قالوا نعلم إلَّا ذلك يا رسول الله، قالَ: فإنَّ مالَهُ ما قَدَّمَ، ومال وارِثِهِ ما خلَّف"؛ مالَهُ ما قَدَّمَ، ومالُ وارِثِهِ ما خلَّف، فأنت أحب إليك مالك أم مال وارثك؟ يعني أكثر الناس مال وارثه أحب إليه من ماله، "قالَ: فإنَّ مالَهُ ما قَدَّمَ، ومالُ وارِثِهِ ما خلَّف"، ولهذا إذا مات ابن آدم، قال بعض الناس ما خلَّف؟ وتقول الملائكة ما قدَّم؟، تقول الملائكة: ماذا قدم؟ وهؤلاء يقولون: ما خلَّف؟ وهناك يقولون: ماذا قدَّم لنفسه.
(وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ) -أي خيرٍ قليل كثير صغير كبير- (تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)، ومع ذلك كله قال؛ زينوا معاملتكم معي بِذِلَّتِكُم لي وطلبكم والاستغفار باستشعاركم أنَّكم مهما عملتم وأنفقتم وتصدقتم فإنكم مقصرون بالنسبة لجلال الألوهية والربوبية.
(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ..(20))، بل أخذوا مِن هذه الآية، أنَّه بعد كل عمل صالح يحتاج الإنسان أن يستغفر الله..
- والحق يقول عن عمل مِن أفضل الأعمال الصالحة إنَّهم: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)، يبيتون قيام في الليل، وبعده: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:17-18]، بعد القيام استغفار -انظر-.
- وصحَّ في الحديث في صحيح مسلم وغيره أنَّ رسول الله يخرج مِن الصلاة -أفضل الأعمال- فإذا سلَّم قال: "استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام واليك يعود السلام".
يستغفر، يستغفر مِن أين جاء هو؟ مِن عمل صالح، من أفضل الأعمال الصالحة؛ مِن صلاة، لماذا الاستغفار؟ يستشعر أنَّه مهما حضر وخشع وقام، فلم يؤدِ حق الألوهية كما ينبغي.
يقول: استغفر الله، استغفر الله، فأعجب لقوم يعاملون الله، يعملون الطاعات والعبادات ويستغفرون، وقوم يعملون الغفلة والمعصية ولا يستغفرون، ما المصيبة التي عليهم هذا؟ أساءوا المعاملة مع الله تبارك وتعالى، وهؤلاء يحسنون ويستغفرون:
- إن المؤمن جمع إحسانًا واستغفارًا.
- وإنَّ المنافق جمع إساءة وعُجبًا.
منافق عنده إساءة وعُجب بنفسه وهو مسيء، والمؤمن عنده إحسان واستغفار، يستغفر يتواضع هذا المؤمن، حققنا الله بحقائق الإيمان.
قال: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ..(20))، أكثروا مِن استغفاره فإنها معاملة يحبها؛ لأن استغفارك أي: طلب المغفرة منه:
- دليل على إيمانك به.
- ودليل على تعظيمك له.
- ودليل على استشعارك بتقصيرك وندمك على ما كان منك.
- ودليل يقينك بالرجوع إليه.
- ودليل ايقانك بقدرته فتستغفره.
فبكل هذا المعنى يرضى عنك، ويقبل منك العمل على ما فيه -جلَّ جلاله-.
(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أي اطلبوا الغفران مِن ربكم -الله الله-، وهكذا ومما جاء بعد هذا الاستغفار (ثلاث مرات)..
- استغفار ثاني بعد الصلاة (ثلاث مرات).
- جاء أيضًا في الحديث الصحيح قل: "استغفر الله العظيم الذي لا إله إلاَّ هو الحي القيوم وأتوب إليه (ثلاث مرات)، وأن مَن قالها بعد الصلاة غفرت له ذنوبه".
- وهذا الاستغفار عند النوم "مَن قال عند منامه استغفر الله الذي لا إله إلاَّ هو الحيّ القيوم وأتوب إليه (ثلاثًا) غفر الله له.
رأيت النعمة أنت؟ وآثار الاستغفار في صلاح أحوال الناس أشار إليها سيدنا نوح، قال فقلت: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) إذا استغفروا ماذا يحصل؟ (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [نوح:10-12]، أحوالكم تصلح بالاستغفار.
قال سيدنا المختار "طوبى لِمن وجدَ في صَحيفتِهِ استغفارًا كثيرًا"؛ ولهذا من زادِنَا للعشر الأواخر مِن رمضان استغفار، على وجه انكسار، واضطرار، وافتقار، وإكبار للملك الغفار، نحتاج إلى أن نزيِّن العشر الأواخر بالاستغفار:
- في الأسحار.
- وقبل غروب الشمس.
- ومِن أعظم أوقات الاستغفار بعد الصلوات.
- وفي الحديث أيضًا عند الطبراني وغيره: "مَن استغفر الله للمؤمنين والمؤمنات في اليوم -سبعًا وعشرين مرة- كان ممن يستجاب لهم، وبهم يُرزق أهل الأرض ويُمطرون".
استغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، استغفر الله للمؤمنين والمؤمنات؛ علامة الصدق في هذا أنَّ المؤمنين والمؤمنات لا يلاقون منك بعد ذلك أذى وغيبة وغش وكذب وبُغض، أنت تستغفر لهم وتعمل كذا معهم! أنت تكذب أم ماذا؟ ما دام تطلب لهم الغفران وبعدها تأتي تعمل لهم تَحامُل مِن هنا! وبغضاء مِن هنا! وغيبة مِن هنا! وأذى مِن هنا؟! استغفر لهم، فإن تستغفر لهم فهم سالمين مِن جنابك، لن يأتِ منك سوءًا لهم؛ لأنك أنت ما زلت إلاَّ تسعى في طلب الغفران لهم، فكيف تعمل لهم مشاكل؟ أو توصل لهم أذى؟ فاصدق في الاستغفار للمؤمنين.
ولأن معاني مغفرة الله تعالى غير متناهية وواسعة، ولأن أعمال الناس والمؤمنين -صغائر الذنوب وغيرها- كثيرة لا يكاد يحاط بها ويقع فيها الكل، قال الله للسيد والرأس مِن فوق: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد:19] قال: أنت بنفسك استغفر لهم أولًا، لماذا؟ لأن استغفارك ليس مثل استغفارهم، ومِن أجل أن ينالهم مِن سر مغفرتي مايليق بقدرك في الاستغفار، ليس ما يليق باستغفارهم هُم، ولأنني أنا أريد أغفر للمؤمنين الذين يتبعونك، فاستغفر لهم أنت بما عرفت مِن عظمتي وجلالي تستغفر.
وهذا لم يعرفوه هُم مهما استغفروا، لا يقدرون أن يستغفروا بمثل الاستغفار الذي أنت تستغفر به، فمن رحمة الله بنا قال لنبينا استغفر لهم، فكان ﷺ كثير الاستغفار لأمته وللمؤمنين والمؤمنات، وأخبرنا أنَّه ثابت على ذلك حتى بعد مفارقة الحياة الدنيا وهو في البرزخ ويستغفر لنا.
هل رأيت أحد رحيم مثل هذا في الخلق؟ فوالله ما أرحم منه إلاَّ الله، ما أرحم منه إلاَّ الله الذي خلقه يقول: "حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي خيرٌ لكم، قالوا: يا رسول الله حياتك خير لنا، فكيف مماتك خير لنا؟! قال: حياتي خير لكم تُحْدِثون فيحدثُ لكم، أسن لكم السنن وأُشرِّع لكم الشرائع، ومماتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما وجدت مِن خير حمدتُ اللهَ، وما وجدت غير ذلك استغفرتُ لكم."
"ما وجدت غير ذلك" انظر كيف لمَّا يكلمنا نحن بملاطفته ورحمته يقول: إن وجدت خيرًا حمدت الله، وفي المقابل يقول: وإن وجدت شرًا؛ لم يقل هكذا، لطَّف العبارة معنا قال: وإن وجدت غير ذلك، ما اللطف هذا؟! وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم، يا رب صلِّ عليه واجزه عنا خير الجزاء.
لهذا ذكر الإمام ابن كثير في التفسير والإمام النووي في الأذكار وغيرهم مِن المفسرين ومِن المحدثين والفقهاء قراءة آية (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) [النساء:64] لكل زائر يزور رسول الله ﷺ.
ذكر قصة العُتبي في تفسيره الإمام بن كثير وغيرهم مِن المفسرين يقول عند قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ) يقول العُتبي: كنت جالسًا في الحجرة الشريفة فدخل أعرابي سلَّم على النبي وأبو بكر وعمر، ثم قال: يا رسول الله إني سمعت الله يقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) [النساء:64]، وقد جئتك تائبًا إلى ربي مستغفرًا لذنبي فاستغفر لي يا رسول الله ومشى، يقول العُتبي: نعستُ فرأيته ﷺ مُقبلًا قال: قم يا عُتبي فالحق الأعرابي، فبشره أنَّ الله قد غفر له.
وهكذا جاءت مثل هذه القصة لواحد آخر يقول: كنت في الحجرة وإذا بأعرابي وصل، سلَّم على النبي وعلى سيدنا أبي بكر وعمر، دعا قال: يا رب أنت الله ربي وهذا عبدك نبيك محمد، وأنا الفقير عبدك والشيطان عدوك، فإن تغفر لي يفرح نبيك وينجو عبدك ويحزن عدوك، وإلاَّ تغفر لي يحزن نبيك، يهلك عبدك ويفرح عدوك، وأنت أكرم أن تُفرِح عدوك وتُحزِن نبيك، وذهب.
يقول رجل صالح كان في الحجرة رأيت النبي مُقبل يقول لي: قُم إلحق الأعرابي وقل له: إنَّ الله غفر له بحسن مسألته، عرف كيف يخاطب ربه ويكلم مولاه -جلَّ جلاله- وهكذا.
والحق إذا تاب العبد إليه وندم رأف به -رأف به-.. لله أفرح بتوبة عبده مِن الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد. وهو الغني:
- لكن يحب أن يرحم عباده ويفرح لهم أن يتوبوا إليه ويسلَموا مِن عذابه -جلَّ جلاله- ..لا إله إلاَّ هو..
- (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222].
وهكذا في بعض المناطق في اليمن هناك عندنا بعض القرى، فيها واحد كان مشهور بينهم بالتقصير في الأعمال، جاءت مطر سقاهم الله إلاَّ جربة الرجل هذا، السيل راح منها كذا ومنها كذا ولا دخل فيها، استلموه أهل القرية، قالوا؛ هل رأيت؟ لأنك مقطوع حبل، لأنك فعلك وتركك، وهذا تأثر مسكين وما يعرف حتى كيف؛ لكنه أراد أن يعترف لربه على طريقته، لا يعرف كيف.
حمل البندقية وطلع لرأس الجبل وقال: يا رب بين خلقك تفضحنا؟ وأنا تبت إليك، والآن هذا السلاح أضعه لك بين يديك، -الحق لا يحتاج هذا-؛ لكن ندم كان في قلبه، الندم في قلبه قال: أنا تبت إليك ولا تفضحنا بين الخلق، اليوم فضحتنا، و في القيامة ستعمل بي ماذا؟ أنا تبت مِن ذنوبي كلها وسأقيم الصلاة وسأعمل، وهذا سلاحي عندك، في نفس الليلة أنشأ الله سحابة فوق جربته وصبَّت، ولم يعد أحد يتكلم مِن القرية، وجد رب كريم، لما اعترف له وانطرح له واستغفره، تجاوز عنه، جلَّ جلاله، لا إله إلا هو.
وهكذا إذا أقبل العبد على ربه بصدق، والموسم أمامنا، كان يذكر الحكاية الحبيب عبد القادر، يذكرها جماعة مِن أهل التاريخ؛ عن رجل كان في العراق، وكان يقطع الطريق واستمر فترة حتى اشتهر بين الناس -أبوبكر ابن الهوارة- إذا أحد أراد الطريق هذه، ليصل إلى الموصل مِن بغداد ينتبه لنفسه، ثم تداركه الله بالتوبة، كيف؟
كان تحت بيت مِن البيوت، ويسمع رجل يقول لزوجته: انتبهي أنا أريد أسافر الى الموصل، أيقظينا مِن الليل حتى لا يدركني أبوبكر بن الهوارة، يمشي في الطريق لا يقطعنا في الطريق، فهذا سَمِع اسمه وسَمِع الرَّجال، فبدأ قلبه يتأثر قال: الويل لي أخفتُ المسلمين في طريقهم، هكذا خايفين مني بظلمي هذا، فبقي متأثر حيران، وإذ هذه توقظ زوجها في الليل قُم قُم قُم، نومهُ ثقيل يتأخر في القيام، لا يدركك أبوبكر ابن الهوارة، قُم.
هذا صاح مِن تحت البيت قال: دعي زوجك يقوم متى ما قام ويذهب، فقد تاب أبوبكر ابن الهوارة، لم يعد أحد يقطع الطريق، الْتفتَ، الى أين يذهب؟ وجد مسجد، صادف في المسجد ذاك ناس مِن الصلحاء العارفين يُصلّون في المسجد، جاء فاغتسل في المسجد مُتَخَلٍّ باكٍ خاشع، جاء وصلى معهم، ومعهم جلسة مِن العلم يقرأون ويتحادثون بينهم، حاضر بينهم ساكت خاشع، ثاني يوم، ثالث يوم.
ثالث يوم بدأ يشاركهم في الحديث، فوجدوا كلمات طيبة قالوا: مَن هذا الأخ؟ لك معنا ثلاث أيام تحضر ولإنْشغالنا بالعلم ما سألناك، مَن أنت؟ قال: أنا أبوبكر بن الهوارة، قالوا: ها مَن؟! قال: أبوبكر بن الهوارة، قالوا: قاطع الطريق؟ قال: نعم هو هو، قالوا: عجب، ما هذا الكلام الطيب؟! قال: أنا هو نفسه قاطع الطريق؛ لكن ندمت وتُبت إليه فقبلني!!
الآن بدأ يعلمنا مِن علمكم هذا، الكلام الطيب الذي تأتون به، أنا الآن أشارككم فيه، فقالوا: سبحان الله، يتوب على مَن يشاء -جلَّ جلاله-، تب علينا توبة نصوحًا.
قال: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)):
- (غَفُورٌ) للذَّنب.
- (رَّحِيمٌ) بعد المغفرة يغفر لك ذنبك، ويرحمك بعده، يُفْضِل عليك ويُنْعم -الله أكبر-.
- (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) يعني واسع المغفرة، كثير المغفرة، يغفر ذنبك، غفور لك بالتوبة.
- (رَّحِيمٌ) بعد التوبة يرحمك، يعطيك، يُفْضل عليك، يُنْعم، يقرِّبك، يزيدك.
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) نِعمَ الغفور الرحيم، نستغفر الله العظيم الغفور الرحيم.
وختمنا سورة المزمل، وتوجهنا إلى الحق المُنَزِّل بالمُزَّمِل الذي أنزل عليه التنزيل أن يُلحقنا بركبه، وأن يُثبِّتنا على دربه، وأن يُحقِّقَنا بحبه، وأنْ يُكرِمنا بقربه، وأنْ يَسقينا مِن شُربِه، اللهم أكرمنا بذلك، وسِرْ بِنا فيه أشرف المسالك، وسُرَّ قلبه بذلك، فإنَّك وعدته أن ترضيه في أمته، فاجعل من إرضائك له في أمته تحقيق ذلك لنا، لمن حضر معنا ومَن يسمعنا يا مجيب، يا خير مستجيب.
في العشر الأواخر، سألناك يا فاطر، بالحبيب الطاهر، تُبَلِّغَنا هذه المآمل، وتُنيلنا هذه المطالع والمطامع والمنازل، وترفعنا في الدرجات العلى، مع خيار الملأ، يا حي يا أعلى
يا مَن لا يتعاظمه سؤال، ولا يتكبده نوال، ياحي يا قيوم ألحقنا بركبه، واسقنا مِن شُربه واجعلنا في حزبه، وأكرمنا بقربه، وأنعم علينا بمرافقته، وأدخلنا في دائرته، واجعل ذلك منك إرضاءً له في أمته، فإنك قلت له إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَنَّ نسُوءك فِيهِمْ وقلت له: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) [الضحى:5]، أَرْضِهِ اللَّهُمَّ بِذلِكَ في أن تعطينا هذه الخيرات ياملك الممالك، وأن توفِّر حظنا مِن القرب منه، ومِن الشرب مِن شُربه، ومِن الدخول في حزبه، ومِن الثبات على دربه، حتى نلقاه يا ربنا في برازخنا وفي الآخرة، وانجز لنا مِن ذلك نصيبًا في هذه الحياة، وبلغنا فوق ما رُمناه، وأعظم مِمَّا أملناه مِمَّا أنت أهله يا الله.
بلغتنا العشر الأواخر مِن رمضان أولها فبلغنا آخرها، واجعلنا مِن خواص أهلها عندك، ولا تحرمنا فيها ليلة القدر ياجزيل الأجر يا عالم السر والجهر، يا مَن يعطي ولا يبالي، ويغفر ولا يبالي، ويمنح ولا يبالي، ويُسعد ولا يبالي، ويُقرب ولا يبالي، ويرضى ولا يبالي، يا مولى الموالي يا الله، طمعنا فيك، وأملناك ورجوناك وما لنا غيرك نقصده أصلًا مِن قريب ولا مِن بعيد، فيا من ليس لنا إلاَّ هو جُد علينا وارحمنا وانظر إلينا، وحققنا وإياهم بالتوبة، وارزقنا كثرة الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، واجعل استغفارنا بانكسار وبافتقار وباضطرار وبأنوار وبصدقٍ معك يا كريم يا غفار، حتى تُصلح منَّا يا مولانا السر والإجهار، ولا تُبقِي في قلوبنا ولا في أعضائنا معصية ولا ذنبًا ولا خطيئة ولا زلة ولا سيئة ياالله، اجعلنا محض طاعة ندخل مع خواص أهل السنة والجماعة مِمَّن ظَفِروا بأغلى بضاعة.
اللهم وارزقنا الربح الكبير والنور الوفير وحسن المسير وحسن المصير، وكنْ لنا بما أنت أهله يا سميع يا بصير، ياعليم يا قدير، يا لطيف يا خبير.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي البشير النذير السراج المنير
اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
والحمد لله أن طلعت علينا شمس مِن أيام العشر الأواخر مِن رمضان ونحن نتطلع إلى إفضاله ونواله اللهم لك الحمد، والحمد لله رب العالمين اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
23 رَمضان 1439