تفسير سورة المزمل-7- من قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ..(20))

تفسير سورة المزمل، من قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ..} الآية: 20
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى قوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} من سورة المزمل.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ..(20))

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

 الحمدلله مُكرمنا بتدبر آيي الكتاب، وتفهُمِ معاني الخطاب، وهي هبةٌ يهبهُا الوهاب، لمن شاء من عباده سبحانه وتعالى بمحض المِنةِ من حضرته العلية؛ فله الحمد شكرا ولهُ المنُ فضلا. 

وصلى الله وسلم على عبده المصطفى مَن كان في الفَهم عن الإله الحق أصفى وأجلى، ومَن كان في القدر والمنزلة لديه على جميع الخلائق أرفع وأعلى، مَن أجزل الله له طَولا، وأعظم له نَولا، وأسال عليه من فائض الإفضال سيلا؛ فجعله الأرفع رتبةً والأعلى محلَّا.

اللهم أدم صلواتك تترا في كل آن على مَن أنزلت عليه القرآن، وجعلته مستودع أسرارك الإلهية في السرِ والإعلان، وعلى آله المُطهرين عن الأدران، وأصحابه الغُرِ الأعيان، المتصلين بأسرار القرآن، وعلى مَن تبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مَن عظَّمتَ لهم الشأن، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 وبعدُ،،، 

فإننا في تأمُلنا لِما خاطبنا إلهنا سبحانه وأنزل على نبينا ووجَّه إلينا وعلَّمنا، انتهينا إلى تدبرِ آيات المزمل إلى قوله جلَّ جلاله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفِهُ وَثُلُثِهِ)، وفي قراءة: (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ..(20)): 

  • (إِنَّ رَبَّكَ)، أي إن الله الذي تولى تربيتك، وراعى أطوارك وخصَّصك من سرِّ تربيته بما لم يهبهُ غيرك.
  • (إِنَّ رَبَّكَ) اللطيف الخبير الذي فضلك ومجَّدك وعظَّمك وميزك على جميع مَن سِواك وتولى أمرك في ظاهره وباطنه،
  • (إِنَّ رَبَّكَ)، (إِنَّ رَبَّكَ) فكم ضمّت الآيات من ملاطفاتٍ من رب البريات لعبده محمد ﷺ سيد الكائنات ابتدأها: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1))، ثم أخذ يكرر في مواطن ربك .. ربك.
  • (إِنَّ رَبَّكَ) هو ربَُ كل شيء؛ لكن ربُّ محمد على وجه مخصوص، فما ربَّى أحدًا من برياته كما ربَّى خاتم رسالاته.

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ) علم محَبةٍ ورضًا وملاطفة وتكريم، (يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ..(20)) وأنت سيد القائمين، تقوم ممتثلًا لأمره شاكرًا له، تقول لمن سألك، وقد ورِمت قدماك: "لِم تفعل هذا يا رسول الله و تتكلفه وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ تقول له: أفلا أكون عبدًا شكورا"، يعني إن ربي الذي تولاني ورباني، قابلني بعجائب من واسع إفضاله، أفلا أكون شاكرًا للرحمنِ؟! باذلًا ما في وسعي في مقابلة نواله، أفلا أكون عبدًا شكورا؟.

 (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفِهُ وَثُلُثِهِ)، وفي قراءة: (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ..(20))، جماعةٌ من الذين أُكرموا بمعِيتك إيمانًا ومحبة ًواقتداءًا، فاحرص أن تكون من الذين أُكرموا بالمعيةِ له.

فَاتَنا معيَّة جِسمانيته الشريفة أيام كان في عالم الدنيا وخُص بها الصحابة، لا يشاركهم فيها غيرهم؛ لكن معاني ومجالات معيّته واسعات ممدوداتٌ مبذولاتٌ لكل صادق، لكل مخلص: 

  • فأول درجات المعية مع كمال الإيمان به، هذا أول درجات المعية. 
  • وإذا كمُل إيمانك به صارت محبته في قلبك؛ فصِرت بمعيةٍ  مخصوصةٍ منصوصٍ عليها. 

"المرءُ مع مَن أحب"، أنت مع مَن أحببت، فعلى قدر حبك له أنت معه، متى.. متى؟ هنا وهناك، متى؟ 

  • في كل وقت، في كل زمن، أنت معه على قدر محبتك: في الحياة، عند الوفاة، في البرزخ، يوم القيامة معه على قدر محبتك. 
  • ومعيِّتك في رتبتها ومنزلتها على قدر المحبة؛ فإذا تمَّ ذلك وتمَّ الانطواء فيه: 
    • "حتَّى يكونَ هواه تبعًا لما جئتُ به".
    • (حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65].

 انتقلتَ إلى رُتب عالية في أسرار هذه المحبة من الانطواء والفناء فيه، يزجُ بك إلى الفناء به في الله -تبارك وتعالى-، الله يُكرمنا؛ فتكون معه في رتبةٍ من المعية، وهي رتبةُ الفناء في الله، وهو سيد مَن فنِي في الله وبقي بالله، ومعيةٌ معه من هذا المرتبة؛ معيةٌ عاليةٌ رفيعة، معية قوية وسيعة. 

أن تكون معه في عموم الفناء في الله وإن كنت، وملءُ الأرض مثلك من الذين وصلوا رتبة الفناء في الله، ما تساوون حقيقة مقدار معشار فنائه في الرب -نعم-.. 

  • ولكن المعية في عموم الفناء في الله، معية شريفة ورتبة رفيعة؛ غير معية عموم المؤمنين، غير معية عموم المحبين. 
  • لكن الذين انتهى بهم الحب إلى هذا الفناء والانطواء التام؛ فصاروا فانين بالمصطفى في الله تعالى؛ فكانوا معه من هذه الرتبة، ومن هذه المزية والخصوصية والدرجة، فهي درجة في المعية ما أرفعها!.
    • وهكذا كان يُعبرُ عن معنىً متصل بهذه الرتبة في المعية ويقول أبو العباس المُرسي عليه رحمة الله: "لو احتجب عني رسول الله طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين، لو انقطعتُ عنه فكرًا ومحبةً وفناءًا وانطواءًا واتباعًا لحظة من اللحظات ما أعدُ نفسي ممن تحقق بحقائق الإسلام" عليه الرضوان، وهكذا تشعر أرواح الصادقين من كُمَّل المخلصين العارفين. 

(وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ..(20)) ويشملهم هذا: 

  • وهم الذين نالوا المعية الخاصة أيام كان بجسمانيته النبوية في عالم الدنيا. 
  • الذين معه بالمعاني الأخرى الرفيعة الوسيعة؛ كلهم كانوا يقومون من الليل.
  • بل والذين ارتبطوا به ارتباط محبة وإيمان من قبل بروزه من الأمم السابقة كانوا كذلك.

حتى يقول لقمان لابنه: "يا بني لا يكون الديك أكيس منك" يصرخ في ظلمة الليل، وفي جوف الليل، وآخر الليل وأنت تنام، هل يكون الديك أكيس منك؟!، فكلهم لهم نصيب من سر هذا القيام. 

جعل الله لنا منه حظًا وافرًا، وحقق سمو حظنا في العشر الأواخر من رمضان. العجيب يذكر عن بعض أهل العلم أنه أوجب قيام رمضان وذلك خروجًا عن الإجماع الذي قد تم أنه لا يجب، ولكنه مستحب مندوبٌ مؤكد على كل مسلم، ولو انفتح لك باب سر القيام في العشر الأواخر؛ عشقت القيام طول العمر، بل عرفت، لِم قال من خُصُوا بأسرار القيام: 

  • "لولا القيام في الليل لما أحببنا البقاء في الدنيا".
  • وقالوا: "لو يعلم الملوك ما نحن فيه بالليل لجالدونا عليه بالسيوف". 
  • وقالوا: "لي أربعون سنة ما غمني في الحياة شيء إلَّا طلوع الفجر".. 
    • أكون في لذة المناجاة وحال المواصلة من حضرة الله فيطلع الفجر على يقطع عني هذا. 
    • ولمَّا سمع ديكًا يصرخ لقُرب الفجر، مرَّ الإمام أبوبكر العدني وقال: 

ديك؛ أسكت ليتك اخرس *** لا  تفرق  بين  إلفين

صبح  سالك لا تنفس *** اجعل الليل كليلين

فكان يغُمُهم طلوع الفجر، -الله، لا إله إلَّا الله-، لما يشعرون من لذة المناجاة.

 (وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَك..(20))، ثم إن الله نشر في الكتاب شروطُ العضوية في المعية، شروط العضوية، من سيدخل عضوًا في المعية لمُحمد، بسم الله قال: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ) -خُذ لك واحد اثنين- (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) [الفتح:29]، ما معنى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ؟ يسبونهم أو يشتمونهم؟!  ليس كذا؛ لا يسمحون لهم بإيذاء مسلم ولا بالاعتداء على حق الغير ولا بنشر الفساد بين الأمة (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ):

  1. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) لا يقبلون جميع عرُوضاتهم وفيها ذرةً من مخالفة شرع الله، لا يرضون أبدًا. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) ومع ذلك يدعونهم ويتمنون هدايتهم..
    • لكن لا يجدون فيهم ثغرة ولا فجوة يلعبون بها على الإسلام، لا.
    • لا يستطيع الكافر أن يستخدمهم ضد إخوانهم. 
    • لا يستطيع الكافر أن يستخدمهم لقضاء غرض له في بلادهم، لا يقدر.
  2. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ثاني شرط.
  3.  ثالث شرط: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) يغلُب عليهم الركوع والسجود.
  4. ورابع شرط إخلاص في القصد: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا).

وهذه الشروط الأربع تجعل لهم سِمة وعلامة: شعار، عندهم شعار، شعار العضوية في معية خير البرية، أي شعار هذا! ستأتي لي بأي شعار؟ 

(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) سمِعت؟ تريد المعية؟ أربعة شروط خذلك بطاقة قرآنية وعضو في المعية؛ (وَالَّذِينَ مَعَهُ)، (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) فقط. ادخل وخذ الشعار: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) [الفتح:29] عبد سجَّاد، مُنيب، خاشع لله -تبارك وتعالى-.

(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)، (وَالَّذِينَ مَعَهُ) [الفتح:29] وهنا يقول: (وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ..(20))، وقد تَسابق الصحابة إلى معاني هذه المعية: 

  • في الأمور الخاصة والعامة.
  • الجُزئية والكلية.
  • والقريبة والطويلة البعيدة. 

فكانوا حريصين أن يكونوا معه: 

  • في جُمعِهم وجماعاتهم وصلواتهم. 
  • بل وفي خصوص الصلاة يحبون أن يكون هو الإمام لهم. 
  • وأن يصلوا معه دون غيره. 

حتى لما مرَّ سيدنا بلال على أبيات النبي ولم يجده وقد حضر وقت صلاة الظهر، في الوقت الذي اعتاد أن يخرج إلى الناس فيه، مضى لم يحضر، دار عليه في البيوت، سأل عليه حوالي المسجد ما وجد خبر.    فدخل إلى المسجد سيدنا أبو بكر وجماعة من الصحابة قال: يا أبا بكر إن رسول الله غير موجود هنا ولعله ذهب لأمر طرأ عليه، فهل لك أن نقيم الصلاة فتصلي بالناس؟ قال: إن شئت، فأقام الصلاة، وصلى بهم أبوبكر.

  وكان ﷺ خرج خارج المدينة يُصلح بين قبيلتين من الأنصار وصلح بينهم وعاد وجدهم يصلون؛ فشق الصفوف وجاء إلى الصفِ الأول يَحرِم؛ فصفق الناس على أبوبكر -يريدونه أن يلفت- كان لا يدري، لما كثُر التصفيق التفت؛ فشاهد النبي فأشار إليه اثبُت مكانك؛ فوقف لحظة امتثال للأمر وعاد -رجع- وتقدم النبي، وصلوا بصلاة النبي مع النبي، أقرَّ الله لهم هذا المعنى في طلب المعية.

وقال: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)، حاضرًا بينهم في غزواتك وهم معك جُندٌ في سبيلنا؛ (فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) وعدوُّكم متربصٌّ بكم يترقب أن تُصلُّوا؛ فيهجم عليكم؛ (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم)؛ -صنف- جزء من الجيش (مَّعَكَ)، (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)، (مَّعَكَ)..(مَّعَكَ)، طائفة (مَّعَكَ)، (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا) أكملوا الركعة؛ فيكملوا ركعتهم الثانية وحدهم في وقت القصر، ويسلِّمون ويذهبون، (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) [النساء:102] (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)، الحق يُقِرُّ لهم هذا الذوق وهذا المعنى، ويقول: انقسموا فرقتين؛ فرقة تصلي أولا، ثم فرقة ثانية تصلي، قالوا: أرادوا معك، اِجعلهم معك، تقدَّم  اِجعل هؤلاء معك، وهؤلاء معك: 

  1. الفرقة الأولى تُدرك (مَعَكَ) التحريم. 
  2. والفرقة الثانية تدرك (مَعَكَ) التسليم. 

فكلَمَهم وبيّن لهم، فقامت فرقة في وجه العدو تحرُس، كان العدو قد أعدّ عُدته وقالوا: ستأتي الآن صلاة العصر، اهجموا عليهم وهم سجود، إذا جاء وقت الصلاة، قتّلِوا فيهم. وأذَن بلال واستعدوا للصلاة.

فهؤلاء الكفار استعدوا مثل صلاة الظهر؛ وإلَّا تفاجَئوا إن الجماعة قيام أمامهم لم يذهبوا، جماعة ذهبوا يصلون مع النبي وهؤلاء أمامهم، يقولون؛ ما للجماعة لم يعملوا مثل الظهر؟! كلهم  ذهبوا وقت الظهر، ونزل الخبر بعد ذلك  لما تشاور المشركون بينهم قالوا: العصر الآن ستأتيهم ونضربهم، وانزل الله: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)؛ فإذا سجدوا وأكملوا الركعتين؛ (فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً) [النساء:102]

ويتعجبون يقولون: هل عند محمد هذا مخابرات قوية أو ماذا معه؟! 

  • كلام دائر بيننا البين داخل، لو عنده مئة مخابرة لن يصل؛ ولكن كيف وصل الخبر؟
  • ونزل جبريل، وهكذا كل مَن ينصر الله؛ يكون الله معه وينصره ويلهمه.

 ودام الصحابة على ذلك، ثم إنهم يشقُ عليهم كثيرًا أن يتخلفوا عن الغزو معه إذا غزا، فكانوا يحبون أن يكونوا معه: 

  • حتى بيّن ذلك عندنا في صحيح البخاري يقول: "لولا أنه يشقُّ على أقوام من المؤمنين أن يتخلفوا عني ما تخلفتُ عن سرية قط، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه ويشق عليهم أن يتخلفوا عني". 
  • فلذا كان يتأخر يرسل سرية ولا يذهب؛ مراعاة ٍ لهذه القلوب، وقد مدحهم الله بقوله: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) [التوبة:92]، فهم حريصون على المعية.

 حتى قال سيدنا عبدالله والد سيدنا جابر الانصاري -رضي الله عنه- قال: "يا جابر، حضَرَ الغزوُ الآن، ورسول الله سيخرج، وقد فاتتني غزوة بدر، ولا أتخلف عن رسول الله بعد ذلك، وعندنا بنات كثير في البيت ما عندهم ذكر غيرك، وما أنا مؤثرك بالخروج مع رسول الله - لا أُؤثرك تخرج- أنا الذي سأخرج؛ اِجلس مع البنات هؤلاء وأنا سأخرج مع رسول الله "، خرج في غزوة أُحد واستشهد، كان أحد السبعين الذين استشهدوا في غزوة أُحد وبقي جابر ولده ومعه أخوات وأمه في البيت.

 رجع النبي من الغزوة وعزم في اليوم الثاني أن يلحق المشركين الذين فكروا في الرجوع وقال: "لا يتبعنا إلَّا مَن كان معنا بالأمس"، فجاء سيدنا جابر قال: يا رسول الله خلَفني أبي وأمرني أن أبقى، قال: ما أنا مؤثرك، وخلَّفني على البنات، أنا أريد أن أخرج معك، قال: "أنت أخرج، غيرك لا يخرج ممن لم يحضر معنا بالأمس، فما كان إلَّا جابر بن عبد الله لصدقه وصدق أبيه". 

وقال: يا جابر، "إن الله كلَّم شهداء أُحد من وراء حجاب وكلَّم أباك كِفاحًا وقال له: "تمنى عليَّ ما شئت، وقال: يا ربي لو رددتني إلى الدنيا فأُقتل مرة أخرى مع نبيك"، -ما قال لو رددتني إلى الدنيا لأذهب عند بناتي أو سأبني بيت أو سأعمل مزرعة، قال: تردني إلى الدنيا، وأُقتل ثاني مرة مع النبي!،  

رأى حلاوة القتل مع النبي قال: ثاني مرة، قتله أخرى مع حبيبك . قال: "سبق القضاء مني أنهم إليها لا يعودون"، قال: بلِّغ عني -عنه- مَن وراي وفيه وفي أمثاله من شهداء؛ نزلت: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) [آل عمران:169]، فهم حريصون على المعية. وامتدت أنظارهم إلى المعية الكبرى الدائمة في الجنة، وثار من نفوسهم ما ثار لصدق المحبة، وهكذا الصادقون في زمانه، وبعد زمانه الصادقون، يقول شيخنا الحبيب جعفر العيدروس عليه رحمة الله يقول:

 قال الفتى العيدروسي حُب خير الأنام *** مزَّق فؤادي وقلبي والحشا والعظــــام

كلّفني  أتعب  وأسهر  والخلايق  نيـــام  ***  لكل مَن عشِق للنبي إذا رقدوا الخلق قام 

مَن حب صفوة مضر يحرُم عليه المنام *** مَن قال إن الهوى سهل كذب في الكلام

المحبة! ليست بالكلام، عندك محبة؟ -الله- الصحابة ثار في نفوسهم فِكر، كيف بمعيته في الآخرة؟، إن كان أهلُ الجنة درجات، وأعلاهم الأنبياء وهو أعلى الأنبياء، أين سنحصله؟ وإذا لم نكن معه فما تفيد الحور، وما تفيد القصور، وما تفيد الأنهار، وما تفيد الأشجار، وما يفيد الذهب، وما تفيد الفضة، وما تفيد الفواكه، وما تفيد الحياة ، يريدون المعية.

وهذا الفكر سرى في جماعة من الصحابة واتعبهم، حتى اشتد على سيدنا ثوبان اشتد عليه، لما اشتد عليه لم يقدر يأكل ولا يشرب وهكذا المحبة، ما قدر يأكل ولا يشرب ولا ينام، أول يوم، ثاني يوم، لا أكل لا شرب ولا نوم، ثالث يوم، إِصفرَّ من السهر ولاحظه النبي، قال: "ثوبان مالي أراك مصفرَّ اللون نحيل الجسم؟ التفت إليه، قال: محبتك يا رسول الله! -محبتك- ما شأن محبتي؟ قال: يا رسول الله، إني لأذكرك وأنا في بيتي بين أهلي وولدي فلا يقرُّ لي قرار، ولا أصبر حتى أخرج وآتي وأنظر إلى وجهك، وقلت: إن الحياة الدنيا تنقضي وإن الحياة الباقية في الآخرة، فقلت: إن أنا لم أدخل الجنة لم أرك، وإن أنا دخلتُ الجنة كنت في منزلة دون منزلتك فلا أراك يا رسول الله؛ فهذا الذي كدَّر عليَّ عيشي وحال بيني وبين طعامي وشرابي ومنامي يا رسول الله". 

رأى النبي نبرة الصدق وكلام الصدق وقف سكت؛ وإذا بالسماء تتحرك وجبريل ينزل وأعطاهم بشرى المعية الأبدية (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]، قال؛ هناك مرافقة ومعية محفوظة لكم وأنتم في الجنة، انطفأت النار التي في صدورهم، فرح، ذهب يأكل، ذهب يشرب، مطمئن -الله أكبر-.

 وأنت ما عمِلت بك المحبة لله ورسوله؟ صرنا في العشرين من رمضان نستقبل العشر الأواخر الآن، ماعمِلت بك المحبة؟ ما فعلت فيك؟ ما أحدثت فيك؟ ما أحسست؟ ما ذقت؟ ما تركت من أجلها؟ ما فعلت؟ أي وجد؟ أي ذوق؟ وإذا لم يكن عندك شيء من هذا، ترضى؟ ترضى تعيش هكذا؟ ترضى يمر حياتك تدّعي الإيمان بهذه الصورة من ضعف المحبة؟ الإيمان محبة، الإيمان تعلُق وتولُع، الإيمان شوق، اللهم أكرمنا بصدق المحبة وألحقنا بهؤلاء الأحبة.

 قال لي بعض علماء سوريا عليه رحمة الله، في الأحداث القديمة وكم أُبتلي المسلمون بأحداثٍ إلى اليوم، أحداثهم القديمة، قبل ثلاثين سنة، قبل أكثر من ثلاثين سنة كانت أحداث عندهم في سوريا، وشدائد وضرب وهكذا، قال هذا العالم: قال جاءتني مرْأة  تبكي .. تبكي .. تبكي، تنْتحب، قال: قلت قتلوا زوجها أو أخوها أو ولدها! هدأت هذه المرأة حتى هدأت سكتت قلت لها: ما بك؟  لماذا هذا البكاء؟ قال فقالت لي: لي ثلاث ليالي ما رأيت رسول الله، وأنت تبكين من هذا؟، قالت: ثلاث ليالي انقطع عني، قال لها: أنت ترينه كل ليلة؟ قالت: نعم كل ليلة كنت أراه وثلاث ليالي ما أدري ما حل بي؟ ما نزل بي؟ ماذا فعلت؟ عقوبة؟ على أي ذنب هذا؟ على أي مصيبة عندي؟ أنا جئت إليك الآن لتُنقذني، تبكي، قال: أبكتني معها، قلت لها: كم وردك من الصلاة عليه؟ قالت: خمسة عشر ألف كل يوم، كل يوم تصلي عليه خمسة عشر ألف!، دعونا الله لها، أنك سترينه وترجع علاقتك به كما كنتِ وزيادة.

 رأيت؟! .. رأيت كيف تكون المحبة؟، ثم الرغبة في تلك المعية الأبدية السرمدية: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ…) [النساء:69]، فقبل ما تخرج مع الذين أنعم الله عليهم، ما قرَّ قرار قلوب هؤلاء الصحب الكرام، لما نزلت البشرى بالمعية اطمأنت نفوسهم: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) -مَعَهُ- (نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا) [التحريم:8].

 وكم سمعت قصة أسماء بنت عُميس وهي تُحدثك أيام خلافة أبي بكر الصديق، دخل عليها أبو بكر في الليل قالت: توضأ وقام يصلي، صلى ثم وضع رأسه بين رجليه وأخذ ينتحب ويبكي ويقول: واشوقاه إلى رسول الله، واشوقاه إلى رسول الله ويبكي.

قالت: حتى رقَّيتُ له ورثيته؛ فقمت إليه أُخفف عليه وقلت له: يا خليفة رسول الله، صحِبتَهُ من قبل الإسلام ومن قبل الوحي، ثم كنت معه في الغار، وقبل الهجرة وبعد الهجرة وفي المشاهد كلها ومات وهو راض عنك و ستلقاه.. وستلْقاه بعد اليوم يا أبا بكر، وهو يعتلج في قلبه المحبة والشوق ويقول: واشوقاه إلى رسول الله، وهو كم سنين جلس بعده؟ ما كَمَل ثلاث، سنتين وستة أشهر؛ وهذا الشوق كله وهذا الحركة، وأنا أُهدي عليه وهو قاعد باكي واضعٌ رأسه بين رجليه يصيح: واشوقاه إلى رسول الله .. واشوقاه إلى رسول الله.

ما عندك شوق؟! وتعيش على الشوق على ماذا أنت؟ أكل  أو طعام أو لباس، تشتاق إلى ماذا؟ يا آدمي .. يا مؤمن ..يا إنسان .. يا مسلم، أين الشوق إلى فوق؟ أين الشوق إلى الأمور العظيمة؟ ترضى تجعل اشواق قلبك كلها سفلية .. سفلية .. سفلية؟! ما عندك شوق إلى العلو، إلى الرفعة والكرامة والمزية والمرافقة والمعية؟!.

 قال تعالى: (وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، بالدقة بالضبط بالدقيقة بالثانية وهو الذي يسيِّر الشمس والقمر والأرض والكوكب: (يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ..(20)) ماتستطيعون أن تحفظوه بالضبط، المقادير؛ ولهذا كان بعضهم يحتاط، يخاف أنه ما وصل الى الثلث، يخاف أنه ما وصل الى النصف، يزيد يزيد يقوم الليل كله؛ خوفًا.

(عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ):

  • (أَن لَّن تُحْصُوهُ) التقدير بالضبط واحد.
  • (أَن لَّن تُحْصُوهُ)، يعني يشق عليكم في عمومكم، يعني: 
    • أنتم ومَن بعدكم من الأمة فيهم كثير متكاسلين ومتغافلين ومقصرين. 
    • ولو فرضنا عليهم هذا القيام؛ لتعبوا أو لم يعملوا أصلًا.

(عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ) لمَّا علِم هذا كله؛ (فَتَابَ عَلَيْكُمْ..(20)) تاب عليكم، يعني: 

  • أسقط ما فرض عليكم سابقًا،
  • وأسقط عنكم المطالبة والمخاطبة؛ فلا واجب عليكم في القيام في الليل.

(فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ..(20)) بغير حرج ولا مشقة، لا ثلث ولا نصف ولا ثلثين؛ ما تيسر، (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) -فله الحمد والمِنة- خفف على عباده: 

  • ثم الحنفية يجعلون الآية هذه، دليلهم على أن الواجب في الصلاة قراءة أي شيء يتيسر، وأضافوا إلى الآية حديث المُسيء صلاته قال: ثم اقرأ ما معك من القرآن. 
  • وبقية جمهور العلماء قالوا: إن لزوم الفاتحة في كل ركعة في الصلاة، بالأحاديث التي وردت في الصحيحين وغيرها؛ "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بفَاتِحَةَ الْكِتَابِ". 
  • وفي صحيح مسلم: "كلُّ صلاةٍ لَمْ يُقرَأ فيها بأمِّ القرآنِ فَهيَ خِداجٌ"، خِداجٌ.. خِداجٌ غير تمام. 

وهكذا جاء في روايات أُخر في غير الصحيحين، بها استدل الجمهور على وجوب قراءة الفاتحة؛ فيحمل هذا المذهب: 

  • مَن أسلم قريبًا.
  • ومَن كان لا يتقن قراءة الفاتحة ويتقن بعضها، أو سورًا أُخر إلى أن يتعلم؛ فيقرأ الفاتحة في كل ركعة.

(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) -قال الله: أعطيناكم هذا التخفيف- (عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..(20))، وقت نزول الآية كان المرضى قليل، وقليل من الصحابة مَن يسافر من أجل التجارة في ذاك الوقت -مازالوا في مكة- ومافي شيء قتال، لم يشرع القتال بعد، لكن (عَلِمَ أَن سَيَكُونُ)؛ قال يعني: 

  •  ستأتي عليكم أوقات فيكم كثير مرضى وكثير سيسافرون في الأرض؛ (يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) رزق الله ونفقتهم وأولادهم وأهلهم ومساعي في الخير.
  • (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) -غزاة- عاد ما أُذن في القتال،  وسيأتي. 

(وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ..(20))، خذوا ما تيسر من القرآن؛ فلا ينبغي للمؤمن هجرُ القرآن، ولا ترك نصيبه من تأمل القرآن والقيام بالقرآن ولو في ركعات وإن كان الفرض منها، ما يقرأه في المغرب والعشاء في الليل؛ هذا من قيام الليل هذا الفرض، لكن ما ينبغي أن يقتصر على هذا، ويأخذ له نصيبًا من قراءة القرآن. 

  • ولو أن تقرأ سورة تبارك كل ليلة في مثل سُنة العشاء البعدية: 
    • تؤنسك من وحشة القبر. 
    • وتمنعك من عذاب القبر.
    • وتكون لك خير صاحب.

 قال : "سورة في القرآن شفعت لرجل في قبره ثلاثون آية، أودُ أنها في قلب كل مؤمن"، النبي قال: ثلاثين آية -هذه سورة تبارك- شفعت لرجل في قبره، " وددت أنها في قلب كل مؤمن"، قال: أحب أن كل مَن آمن بي يحفظ هذه السورة ويواظب عليها، شيء يحبه نبيك لك، كيف لا تحبه أنت؟! كيف لا تحبه لنفسك؟ نبيك يحبُه لك: تحفظ سورة تبارك وتواظب عليها تقرأها كل ليلة.

 (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..(20))، -لا إله إلَّا الله-، قالوا: ذكر المرضى ثم ذكر الاثنين: 

  • الذين يضربون في الأرض في التجارة. 
  • والذين يقاتلون في سبيل الله. 

فعجيب ذكر أهل التجارة مع أهل الجهاد في سبيل الله! وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إن التاجر المسلم الذي يجلب البضاعة إلى المُدن المسلمِ صابًرا محتسبًا، فيبيعها بسعر يومها من الشهداء"؛ هذا يكون من الشهداء، يعني: عنده نية صالحة في جلب البضائع، يقربها للمسلمين مما يحتاجه المسلمون، وأول ما يحتاجونه مكانًا من الغذاء ثم ما يحتاجونه عمومًا.

فإذا كان يجلب هذه الحاجات التي يحتاجها المسلمين ويجئ بها من الأماكن البعيدة إلى مدن المسلمين يقربها إليهم؛ فيبيعها بسعر اليوم يعني: ما غرضه الأكبر تحصيل الربح، ولكن مساعدة المسلمين وتيسير السبيل لهم، بسعر اليوم يبيعها به يكون من الشهداء. 

"يجلب البضاعة للمسلمين ويبيعها بسعر يومها"؛ قصده يساعد المسلمين، بدل كل واحد يحتاج حاجة  يذهب ويأتي بها من اليابان أو من الصين أو من هنا وهنا، يأتي بها لهم لعندهم، يضعها في الدكان بجانب البيت، قريب في بلاده، في قريته، يأتي بها لهم؛ إذا صحت نيته؛ وعلامته أنه لا يبحث عن الأرباح الكثيرة، يقمِّط على البضاعة يقفلها عنده، سعر اليوم الذي يريده بسم الله، يبيعها كلما وجد لها زبون بسعر يومها؛ لا هو بغبن ولا بليد أبله، ولا متشطح يريد كثير مال، سعر اليوم يساعد الناس؛ يدخل مع الشهداء عند الله تعالى.

 لهذا ذكر: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ..(20))، يعني من رزق الله و جُوده، (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) -وضع هؤلاء مع هؤلاء- (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، والتُجار والمقاتلين، فلا تنقطعوا عن القرآن، خذوا لكم نصيب (مَا تَيَسَّرَ) بلا مشقة ولا حرج، وهكذا.. 

  • قال بعض التابعين: صلى بنا ابن عباس، قال: قرأ الفاتحة، قرأ آية من البقرة وركع، صلى بنا وقام للركعة الثانية وقرأ آية وركع، بعدها سلَم، ثم قال: إن الله يقول: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) .. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، هذا أمر.
  •  الأمرُ الثاني لمن كان حفِظ شيء من القرآن، أو حفظ القرآن فيحتاج إلى مراجعته؛ فلابد أن يقرأ.

في هذا يفسرون: (مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) بأقل شيء مائة آية في اليوم يقرأها؛ هذا الذي حفظ القرآن، (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، ويروى في حديث مئة آية؛ هذا (مَا تَيَسَّرَ).

(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ ..(20))؛ هذا نهاية السورة يأتي معنا إن شاء الله. 

جعلنا الله من المرتبطين بالمزمل، والمقتديين بالمزمل، والذين هم عند الله مع المزمل، في الدنيا والبرزخ والآخرة، اللهم اجعلنا معه .. اللهم اجعلنا معه .. اللهم اجعلنا معه واحبابنا هؤلاء الحاضرين والسامعين معه، يا ربنا معه بجاهه عليك في الدنيا والبرزخ والآخرة، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

بسر الفاتحة 

الى حضرة النبي محمد

 اللَّهم صلِّ  وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

21 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

05 يونيو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام