تفسير سورة المزمل-5- من قوله تعالى: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً(16))

تفسير سورة المزمل، من قوله تعالى: { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً}   الآية: 16
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} من سورة المزمل.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18))

الحمدلله مُكرمنا بآياته وتعليماته وبياناته وهباته وعطيّاته ورحماته، ومغفِراته وتجليّاته وإحساناتِه، له الحمد شكرا وله المنّ فضلا، خصّنا بخاتم الأنبياء وسيّد المُرسلين؛ فنِلنا مزايا في معاني الخُصوصيّة وكنّا خير أمّة أُخرجت للناس من بين البريّة.

فنسأل الرّحمن الذي فضّل محمدًا على من سواه أن يُصلي ويسلّم عليه منه عنّا في الأنفاس واللّحظات وجميع الشؤون في الظّهور والبطون أفضل الصلوات وأزكى التّسليمات، تشمل خيراتها وتجليّاتُه فيها على حبيبه آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن على مِنهاجهم وطريقتهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأنوار، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وتشمُلنا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 وبعد،،،

فإنّنا في تأمّل خطاب وكلام وتوجيه وتنبيه وتعليم ربِّنا إيانا -له الحمد والمنّة- انتهينا إلى تأمّلات في سورة المزمّل وسمعنا الحقّ تبارك وتعالى يقول لحبيبه: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13))

  • لا ينبغي أن يغيب عن أذهان مَن آمن بك واتّبعك شدائدُ أَعددناها، وأنواعًا من العذاب رتّبناهُ وخبّأناهُ للجاحدين والكافرين والمعاندين المغترّين بالنَّعمة وهي المُتع الفانية؛ هؤلاء أعددنا لهم كل ذلك. 
  • فلا ينبغي أن يغيب عن أذهان من آمن بك هذا الإعداد الكبير الشّديد العظيم، ولا أن ينسوه، ولا أن يشتغلوا عنه بشيء، ولا أن يُخدعوا بأمرٍ على ظهر الأرض يُنسيهم العاقبة والمَصير كما "أننا أعددنا لِعبادنا الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ". 

فلا ينبغي أن يَغيب عن ذهن صادق من العباد هذا الإِعداد من قِبل المِلك الجواد؛ هذا بعدما أخبرك أنه أعد هنا:

  • ملكًا كبيرا. 
  • وعطايا وفيرة. 
  • وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وما تشتهي الأنفس وما تلذّ الأعين. 

تنسى هذا! واحد وعدك أن يعطيك راتب شهري أو سيارة أو بيت فتخالف الشريعة؟! وتؤذي المسلمين! نسيت ما المُعد مقابل التقوى؟! ما المُعد مقابل خوف الحق سبحانه وتعالى في السَّر والنّجوى؟! 

  • أو بعد أن يُخبرك أنه أعدّ ما لم يكونوا يحتسبون: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)) عظيمًا مهينًا شديدًا كبيرًا، بعد أن يأخبرك بهذا! تستكبر شيئًا من شدائد الدنيا وأهوالها؟ 
  • أو ترضى أن يكون في مُقابل الوصول لهذا المآل الصعب أنك تتمتّع بشيء من مُتع هذه الحياة وأنت مخالف لربك؟! لا يجوز أن يغيب عن ذهنك هذا الإعداد، أعدّه الملك الجواد، أعدّه رب العباد -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: 
    • (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) [الإنسان:4]
  • وقال في الصّنف الآخر: 
    • (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة:100]، (أَعَدَّ) -سبحانه وتعالى-.
    • (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17]، هذا النبأ بعد أن آمنَّّا بالله ورسوله. 

كيف يجوز أن يغيب عن أذهاننا؟ ليضحك علينا عدوّنا إبليس وجنده بشيء من متعهم وحَضاراتهم وزِينتهم وزُخرفهم؟ إنما يُخدع بمثل هذا:

  •  مَن لم يؤمن، مَن لم يصدق، مَن لم يؤمن بمسألة المصير والجنة والنار.
  •  أما مَن آمن برب الجنّة والنّار فآمن بما أخبره عن الجنة والنار. 

فالأمر يجب أن لا يغيب عن ذهنه فيُخدع، ولا يُقطع في طريقه، ولا يُحال بينه وبين اِستعداده للنّعيم الدائم والعطاء العظيم والمُلك الكبير والنّعيم الذي لا حدَّ له ولا وصفه -جعلنا الله من أَهل جنته-.

وفي هذا يُنبه العقول، فبعض صالحي الأمة ويقول: 

  • "لا خير في خيرٍ بعدَهُ النّار"؛ مهما خيّرت لك نفسك وشياطين الإنس والجن أن هذا خير ولكن مآل صاحبه إلى النّار، والله ما هو خير، لا تصدّق أنه خير؛ مَادام صاحبه سيرجع إلى النّار، ليس بخير.. 
  • "لا خير في خير بعدَهُ النار، كما لا شر في شر بعدَهُ الجنة" مهما قالوا لك: إن هذا صعب وتعب؛ و لكن صاحبه مآله الجنّة؛ لا تصدِّق أن هذا شر، هذا ليس شر، مادام مرجعه إلى الجنة، صبِر أو لم يصْبر، سهل أنه يصبر، وسهل أنه يتحمّل! مادام المصير هذا، "لا شرَّ في شرٍ بعده الجنة". 

ولذا كان يتعجب بعض الكفّار، ثم أسلم وزال العجب منه، وكان يتعجب، يُقاتل بعض سادتنا المسلمين؛ سيدنا عبد الله بن حَرام، فرمَاه بسهم من خلفه حتى أنفذه من بين ثدييه فتلقَّى الدم بيده وملأ كفيه الدمّ، فرمى به يمنة ويسرة وهو يقول: فزتُ وربّ الكعبة! فزت ورب الكعبة! هذا الكافر يقول: بماذا فاز؟! قتلته، عدَّمته حياته وقد انتصرت عليه و يقول فاز، هؤلاء أي من أفكار عندهم؟ هؤلاء مجانين أو عقَّال؟ فلما أسلم بكى على نفسه وقال: والله فاز ذاك اليوم، هذا فاز، وأنا لو متّ على حالتي لكنت الخسران، كنت الخاسر الخسارة المؤبدة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

إذًا تعلم من الفائز مِن الخاسر، كم إيحاءات الآن إلى العقول:

  • إن مَن حصَّل وظائف معينة هو الفائز.
  • إن مَن حصَّل مقدار من المال هو الفائز.
  • إن مَن حصَّل منصب في دولة هو الفائز.

 مَن قال هذا؟ مَن قال هذا؟ مَن قال؟ في ميزان مَن؟ في ميزان مَن؟ والله ما في هذا فوز! والقرآن يكرر هذا المعنى عنده:

  • (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) [ال عمران:185]؛.
  • هذا الفوز انظر..يقول سبحانه وتعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور:52]؛ هذا الفوز.

 لستَ فائز إذا جعلوك رئيسا،  لستَ فائزا إذا جعلوك وزيرا، مَن قال لك؟! أحدهم ضحك على عقلك، وكم من قبلك مكث في الرئاسة؟ وأين ذهبوا؟! تريد عشرة،  تريد عشرين،  تريد مئة،  تريد ألف .. ألفين؛ كانوا في الرئاسة  أين ذهبوا؟! مَن قال لك إن مَن مسك الرئاسة فاز؟! قُد مسك الرئاسة فرعون، وهو أين الآن؟!

يا هذا، ما في هذا فوز! أنت مؤمن، ما في هذا فوز! مَن يقلِّب موازين عقلك وأنت مؤمن بالله يجي أعداءه يلعبوا بعقلك؟! لا والله! لا خلقوك، ولا مرجعك إليهم ولن ينفعوك، والقول قوله: (ققَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ) [الأنعام:73] -جلَّ جلاله-. 

يقول: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ..(11)) أي المُتع الفانية الزائلة، والنِّعْمَة اللذائذ التي تحمد عواقبها: الطعام، الشراب، المنام، اللباس؛

  • من كان أخذه -وقد بلغته الدعوة- على منهاج خالقه، لم يعصه فيه ولم يخالفه؛ فهو نِعمة ومآله خير.
  • وهو نفسها من أخذها معاند وقد بلغته الدعوة، أخذها من الحرام مما لا يبالي به وهو كافر؛ فهي نَعْمة وليست بنِعمة؛
    • النُّعمة هي الفرح والسرور. 
    • والنَّعمة المتعة الزائلة التي لا تحُمد عاقبتها.
    • والنِّعمة اللذّة التي تُحمد عاقبتها. 
  • "إن الله يحب من عبده أن يأكل الأَكلة فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها".
  • "للصائم فرحتان فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربّه":
    • فحين يفطر، أن الله تمم له اليوم وما اعْترضه عارض في الصوم ولا قطع عنه صوم ذاك اليوم، واتم الصوم حتى جاء وقت الفطر فيفطر؛نِعمة من الله.
    • ثم الفرحة الكبرى وإذا لقي ربه فرح بصومه، وإذا لقي ربه فرح بصومه -اللهم اقبَل منا صومنا يارب العالمين- كم نعمة صوم يوم واحد، إذا قبلك الله فيه "إلَّا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، -الله أكبر-!.

(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)) فإنهم في مُهلة يُمهلون ولا يُهملون أبدا، -الله أكبر-! (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا).. 

  • وكان من أُولي النَّعمة المؤذون لرسول الله من زعماء قريش، وعامّتهم مُهلوا إلى يوم بدر، بعضهم قد هلك قبلها والأكثر في يوم بدر، انتهت المُهلة لهم، وقُتِّلوا -في مثل يوم أمس- في يوم السابع عشر من شهر رمضان. 
  • انتهت المُهلة، وأُدخلوا النار وهم في النار من ذاك اليوم إلى اليوم هذا، يا آل القليب في بدر وكل المشركين السبعين الذين قتلوا في بدر، سيدنا خاطبكم وقال: "هل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَكم رَبُّكُمْ حَقًّا؟، فقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا".

ونقول: قد مضى على خطابه إياكم الآن ألف وأربع مئة وسبعة وثلاثين سنة، كملت أمس، ولا زلنا نشاهد ما وعده ربه حقا، وأنتم تشاهدون ما وعد ربّه حقا في ذلك العذاب من ذاك اليوم إلى اليوم والنار مُنتظرتكم في يوم الحساب، فماذا؟ ماذا لقيتم من النَّعمة التي كنتم فيها؟ 

  • أَمـَالٌ أغناكم؟! أم بيوت أم سُمعة أم منزلة بين قريش أغوتكم ما حصَّلتم؟ 
  • ما عليكم لو آمنتم به، لو صدقتموه واتبعتموه  لكنتم في النعيم. 
  • لكن خبتم وخسرتم وأنتم الخاسرون إلى الأبد. 

تبًا لأموَالكم، تبًا لعشَائركم، تبًا لمظَاهركم، تبًا لسمعتكم، تبًا لدياركم، ما نفعكم منها شيء! أنتم هكذا عبرة لنا، اليوم بعد الألف وأربعمائة وسبع وثَلاثين سنة، وقبلكم كانوا ناس بنفس المسار عِبر، وبعدكم كذلك، وفي أيامنا مَن يكونوا كذلك، ويارب ثبتنا على الحق ومتابعة حبيبك الأصدق حتى تحشرنا في زمرته يا أرحم الراحمين.

  • (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا)، (أَنكَالًا) جمع نُكلٍ، مَعنى من معانيه القيد، قيود ثقيلة، شديدة، نقيّدهم بها أغلال وسلاسل يُقيدون بها.
  • (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا ..(12)) والثاني النُّكل هو العذاب بعد العذاب تنوّع العذاب، أنواع العذاب، اسمه أنكال -يارب أجرنا-.

 (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12)) نارًا موقدة: 

  • تشوي الجلود والوجوه واللحوم. 
  • وتحرق العظام. 
  • وتصْدع القلوب. 
  • تطَّلع على الأفئدة. 

(وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ..(13)): 

  • (ذَا غُصَّةٍ) نشب في الحلق، ينشب، يغص بأصحابه. 
  • لا يدخل ولا يخرج، يمسك في الحلق، (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ).

وقد خرج يوم سيدنا الحسن البصري -عليه رحمة الله- إلى عند بعض أصحابه، في ذاك الوقت، كان صائم قال: جاء وقت الفطر وقرَّبنا له العشاء، قال: فعرضت له الآية: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ)، (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ (13)) تذكر المصير، وتذكُّـره تذكُّر مؤمن موقن بعين اليقين وحق اليقين، فما قدر على الطعام! توقف وبكى، وقال: ارفعوه، قال: وصام اليوم الثاني وعرضنا له الطعام في الليلة الثانية فعرضت له الآية فقرأها فبكى، وقال: ارفعوه، ما قدر يتناول منه الطعام! قال: وعرض وصام اليوم الثالث، قال: وجينا نقدم له الطعام فعرضت له الآية فبكى، فقال: ارفعوه، قال: فذهب ولده إلى ثابت البُناني ويحيى البُكائي -ويزيد ثالث واحد- من كبار العارفين في وقتهم، قال: ذهب إليهم وأخبرهم بقصة أبيه، قال: وجاءوا إليه وجلسوا معه وحدّثوه وما تركوه حتى تناول سَويق أكله ثم عادوا.

 انظر ماذا تفعل الآيات بالمؤمن، نحن القرآن من أوله لآخره قرأناه كم مرات؛ لكن ما قط استوقفتنا منه آية دون طعامنا ودون شرابنا!!  لكن الذي ولج إلى قلوبهم كان يؤثر عليهم القرآن، -لا إله إلا الله-.

 (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) -أجرنا من ذلك- (وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)) فوق هذا كله  هناك أنواع من التعذيب -اللهم أجرنا من عذابك- (وَعَذَابًا أَلِيمًا) مؤلمًا أشدّ الإيلام، (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ) هذه الأخبار ونفاذ هذا القضاء: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ..(14))؛ تهتز وتَتزلل:

  • (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) [الزلزلة:1-2].
  • (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) [الحاقّة:14] لا إله إلا الله!.
  •  (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه:105].

يقول: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ..(14)) يارب! والصلابة التي جعلتها في الجبال هذه؛ حتى جعلتها أوتاد للأرض، الكرة الأرضية، الكوكب الذي خلقته لنا هذا -محل خِلافَتنا- إن اتقيناكَ وأطعناكَ، ومحل شِقوتنا إن خَالفناك وعصيناك و الجزاء و بعد، هذه الأرض كلها وطّدتها بجبال راسية، فكيف تتحول؟  أين تذهب صلابة هذه الجبال و قوتها؟ قال: (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا) -رملًا- (مَّهِيلًا) ينهال، يتتابع، إذا حرَّكت أسفله اِنهال أعلاه: (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا(14)) رملًا، سائلًا، متناثرًا، -لا إله إلا الله-!، ثم  انتهى (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:106-107]:

  • فأول ما يبدأ التغيُر في الجبال تصير كالعهن -صوف- ثم تُلَيَّن أكثر فتصير رمل، ثم تنسف نسفًا.
  • وإذا بالكرة الأرضية وقد مُدَّت: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) [الانشقاق:3] اتسعت لكي تسعنا.. 
  • واذا بها (قَاعًا صَفْصَفًا) -مستوية- (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)؛ لا شيء مرتفع ولا شيء هابط، كلها سواء، لا شجرة، ولا جبل، ولا قصر، ولا بيت، ولا قصبة، لا شيء؛ (قَاعًا صَفْصَفًا)، يكون فيها المحشر. 

قال تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا) يُبلّغكم هذه الأخبار كلها، أخبار حق، أخبار حقيقة، أخبار واقع من قِبل قوي قادر فعال لما يريد، بعث لكم خير العبيد، (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ..(15))،

(شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) يعني:  صاحب مكانة ووجاهة لدينا، يُقبل قوله فيكم:

  • فيشهد لمن أطاع وعلى مَن عصى. 
  • يشهد لمن آمن وعلى مَن كفر. 

 (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ..(15)) ﷺ، (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) -اللهم صلِّ عليه- "و لما وصل عند هذه الآية، لقي عبد الله بن مسعود يقرأ أمامه، أشار إليه؛ حسبك، فوقف قال: فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان الدمع ﷺ، عندما وصل عند قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء:41-42]، يمسخون مع الأرض ولا يبقى لهم أثر، -لا إله إلا الله-!.

(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15)) أرسلنا قبلكم رسول إلى طاغية من طغاة الأرض -فرعون-، أرسلنا له رسول من عندنا: 

  • (فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) فماذا حصل؟ هل نفعه ملكه؟ هل نفعه ادِّعاؤه للأُلوهية والربوبية؟ هل نفعه الجواري؟ هل نفعه الجند؟ هل نفعه الجيش؟ هل نفعه الأسلحة؟ ماذا نفعه؟
  • (فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ..(16))، (أَخَذْنَاه) سمعت! -لا إله إلا الله-! أَخَذْنَاه قال الله، ثم إذا أخذ ربك: (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102]. 

وسمعنا الليلة في صلاة الصبح، أخذه للطوائف أيضًا قبل أن يقول سبحانه وتعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) [غافر:82]، وبالقوة والآثار ماذا حصل؟- (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ) -أخذهم- لماذا أخذهم؟ 

قال: (بِذُنُوبِهِمْ)، مشكلة الذنوب؛ مخالفة الرسل، العناد، الطغيان، الاغترار بالمتاع الفاني؛ (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)، أحد يقيهم من عذاب الله؟ مَن؟ كل الذين معهم وكل الذين حولهم، لا أحد وقى أحد- (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) رُسل معهم الآيات، والعلامات على صدقهم،؛ فكفروا بهم، فأخذهم الله، (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ) -إنه قوي- (شَدِيدُ الْعِقَابِ) [غافر:21-22]، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

نعم يقول: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)) شديدًا، صعبًا، قاسيًا، متتابع شره، كان يقول العرب لمن تتابع عليه الشر ومشاكله: "أُوبل عليه" العذاب الوبيل، مستمر، فما هو غرق فقط، بل غرق وندم وحسِر وبكى وصاح، وعرض على النّار، وعذاب في البرزخ -الله!- وإلى يوم القيامة ودخول في النار، هذا أخذ وبيل: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا). 

يقول الحق: 

  • (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ): أي استَمررتم على الكفر؟. 
  • (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا) يعني عذاب وأهوال وشدائد. 
  • (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17))
    • من هوله يُحوّل الولدان إلى شيب الرؤوس. 
    • وهم أبعد الناس عن الشيب، وِلدان يتحولون إلى شعر أبيض.

(يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ..(18)):

  • (مُنفَطِرٌ)، مُمتلي ومُهتار. 
  • أو (مُنفَطِرٌ)، متشقّق، تتشقّق من هول ذاك اليوم، تتشقق السماوات. 

وإذا السماوات في قوتها سبع شداد تنفطر، من هذا الذي سيسلم من الشدة؟! هي الأرض أقوى منّا؟ أو الجبال أقوى منا! أو قد ذهبت كلها حتى السّماء من فوق، إذًا مَن باقي؟ انت!

  • السّماء تشقّقت، انت ماذا معك من قوة؟! (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) [غافر:57].
  • السماء بصلابتها تتشقق، انظر لها ملايين السنين ما طلب الله صيانة من أحد لها، ما طلب الله ترميم لها من أحد! 
  •  انظر إلى كل مَا صلّحوا أمر قوي وصلب قالوا: يحتاج صيانة، يحتاج ترميم، ثم يذهب.

لكن هذا من يوم خلقها مرفوعة فوقنا بغير عماد، ما لها من عُمُد، مَن يصونها؟، لا تحتاج لترميم، كم؟ ملايين السنين، (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) [النبأ:12]، انظر إلى العظمة في خلق الله -تبارك و تعالى-! 

يقول: (السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)) ذكروا عن بعض الناس: بات شديد سواد الشعر، جدًا، مِن أسود ما يكون، أصبح الصبح كله أبيض حتى لحيته صارت مثل الثُّغامة يعني: نبت أبيض شديد البياض، هذا البارح يقول أصحابه: البارح أنت شفناك أسود، خلّص، ما الذي حصل لك؟ ما الذي بيَّضه؟ قال: رأيت القيامة البارحة، ورأيت فيها أهوال، ورأيت الجنة والنار، ورأيت قوم يقادون بالسلاسل إلى النار؛ فشاب مني شعري كله؛ رأسي ولحيتي وكل شعري الذي في بدني صار أبيض، هذا من رؤيا، فكيف إذا عاين معاينة؟! اللهم اكفنا هول يوم القيامة، واجعلنا في أمن وسلامة، يا رب العالمين ويا أكرم الأكرمين.

(فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17)) في ذاك اليوم: 

  • ماذا من وكالات معكم؟! 
  • مَن من محامين معكم؟!
  • مَن من جنود معكم؟!
  • مَن لكم؟! 

يعني يقول الله بالصراحة: رتّبوا لأنفسكم، أنا أنذركم، أحذركم، أبعث إليكم رُسلي، انتبهوا لأنفسكم! مصرِّين .. مصرِّين،  انظروا الجزاء كيف يكون: 

  • (هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [الطور:14].
  • (هَٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ) [الذاريات:14].
  • (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون) [البقرة:57].

وبِمثل هذا التذّكر الجميل، والمواظبة في خواتيم الشهر، لم يبقَ إلَّا خواتم الشهر. أحد يقدر منكم يمسك لنا في رمضان يوم، أو ساعة، أو ساعتين؟ سيمضي..

  • الإنتباه من خواتيم الشهر، وحضور المحاضر فيها وجهة إلى الرب؛ يفتح لكم من قوة الإيمان واليقين ما تُكفون به شرور الشهوات والبلاء والآفات والقواطع في الدنيا كلها.
  • أقبلوا بالصدق والوجهة إليه، وانطرحوا بين يديه، واكثروا التّضرع والابتهال والدعاء.
  • ثمَّ حافظوا على نصيبكم من ذكره ولو يسير مع حضور القلب. 

ثم.. جميع الشباب طريق صلاحهم: مهاجرة الأماكن والأشخاص الذين يسُوقون إلى معصيةِ اللهِ، لا بد من البعد عنهم، فبِترك تلك المواطن وأولئك الأشخاص واستبدالهم بمن يخشون الله ويخافون الله؛ طريق الصلاح ومعونة للشباب أن يستقيموا ويستقروا.

  • فأحسنوا التواصل بينكم مهما كان التواصل بينكم، الآن عندكم فرصة تحسين، وترقية معناه في الشهر الكريم المبارك وخوَاتيمه، وتَجعلونها أخوّة في الله، محبةً في اللهِ. 
  • تواصلوا من أجل الله، وتعاونوا على الله، واحضروا بقية مناسبة الأيام المباركة من ختُوم، ومَجالس علم، وذكر، وخير، وخذوا نصيبكم من الذكر، وتعاونوا. 

إن شاء الله، يخرج رمضان وأنتم على قوة في الإيمان، وعلى صدق مع الرحمن، وإمداد منه بالتوفيق يا أكرم الأكرمين، أكرمنا وإياهم بالتوفيق، وألحقنا بخير فريق، وارزقنا صدق الإقبال عليك دائمًا حتى نلقاك، يابرُّ .. يارحيم .. يا أكرم الأكرمين.

اللهم طهر قلوبهم، واغفر ذنوبهم، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجنِّبهم الآفات والأسواء، اللهم اغفر ذنوبهم، وطهر قلوبهم وكرِّه إليهم الكفر، والفسوق، والعصيان، واجعلنا وإياهم من الراشدين.

ومَن حضر، ومَن يسمع، اجعلنا في المنظورين بعين عنايتك، ياأكرمَ الأكرمين، يارب مع المزمل فاحشرنا، وعلى طريق المزمل ثبّتنا، وفي رفقائه اجعلنا، وأرنا وجههُ في الدنيا والبرزخ والآخرة، وأدخلنا معه إلى الجنان الفاخرة، يارب الدنيا ورب الآخرة، يا وليّنا في الدنيا يا وليّنا في الآخرة، أنت حسبنا في الدنيا، أنت حسبنا في الآخرة، عاملنا بفضلك وما أنت أهلُه.

بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

19 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

03 يونيو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام