تفسير سورة المزمل-4- من قوله تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ..(14))

تفسير سورة المزمل، من قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ  ...} الآية: 14
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} إلى قوله تعالى: {... كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} من سورة المزمل.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16))

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

الحمدلله المُنعِم المُتفضِّل المُكْرِم المُتَطوِّل، وهو الذي بيده شؤون الأحوال، فبحكمته وقدرته وإرادته وحُسن تدبيره لها يُحَوِّل، لا إله إلَّا هو، أرسل إلينا عبده المجتبى المصطفى المتبتل؛ محمدًا بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، فكان في مظهر الخلْقِية هو العبد الكامل، والذي لسواهُ بإذن الله ممن آمن به يُكَمِّل.

فأدِم ياربنا منك الصلوات المتتاليات المتواليات المرسلات، الناميات الأبديات السرمديات العليات السنيات اللائقات بكرمك الأعلى، ومجدك الأسنى على عبدك المصطفى وحبيبك المُنتقى وشفيعك المُبتغى سيدِ أهل الأرض وسيد أهل السماء سيدنا مُحَمَّد، وعلى آله المخصوصين بأسنى الطهارات، وأصحابه المُترقّين إلى عليِّ المقامات، وعلى مَن تبعهم بالصدق والإخلاص إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات مَن حمل الأمانات، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين، وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم يامجيب الدعوات.

 وبعد،،،

فإننا في تأمُّل الآيات المباركات وخطاب ربِّ الأرض والسماوات، الذي امتنَّ به علينا على لسان خير البريات؛ لِيُحْيينا من أنواع الموات، قلوبًا وأرواحًا وأسرارًا، بمياه المعارف والعلوم الربَّانيات واللدُنيات -لله الحمد- 

قد تأملنا بعض المعاني الشريفات، فيما أوحى الله إلى الحضرة التي ختم بها النبوَّات والرسالات؛ حضرة حبيبه محمدٍ خير البريات، تأملنا من أسرار خطابه له وهو يقول له: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9))، وكل مَن يعيش معنا على ظهر الأرض، مهما بلغ مقدارُ عقولهم وصفاء فِطَرِهِم، ونصيبٌ من الصواب في فِكْرهم؛ فإنهم يعيشون مأسورين بمظاهر الكائنات لا يعرفون المُكوِّن، وببدائع خلقِيات لا يعرفون المبدع الخالق، فماذا تغني عنهم هذه المدارك وهذه المعارف وقد جهلوا الإله الذي خلق؟! 

 لو امتلأ أحدهم بأنواع المعلومات عن ذرة، أو عن شجرة، أو عن حيوان، أو عن بر، أو عن بحر، أو عن فضاء، ولم يعرف خالقه ولا لماذا خلَقه، ولا لماذا خُلِقَت الذرة والشجرة، وطبقات الأرض، والبحر والبر والهواء والفضاء، لا يعرف لماذا خُلقت هذه الأشياء، ومضى على ما هو عليه؛ فلقي الله غير معذور ببلوغ الدعوة إليه، فما مقدار هذه العلوم؟ وما نفعها؟ وما فائدتها؟ وما نتيجتها؟ وما ثمرتها؟ وما عاقبتها؟ هباءًا منثور.. وإلى أين؟ إلى النار، إلى دار البوار، إلى البكاء والصياح، إلى العويل إلى الحسرة إلى الندامة -الله-.

ولكن أعرابيًا من الأعراب الأقحاح شهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدا رسول الله؛ آئلٌ إلى جنة ورضوان، ورب غير غضبان، وعيشة راضية في نعم متوالية حِسان، ما أعظم شأنه وما أعز مكانه! فما نفعتهم هذه المعلومات والمُدركات، كل مَن لم يتصل منهم بأسرار القرآن: 

  • فهو قاصر. 
  • وهو محصور في القاصر.
  • قاصر محصور في القصير.  

 وإذا بلغته الدعوة ولم يُجِب؛ فعاقبته نار السعير، فالحمد لله على فتح باب هذه المعارف واللطائف والعوارف، جعل الله لقلوبنا نقاءًا ونظافةً تتهيأ لخزن النصيب الوافي منها، يا رب العالمين.

 يقول: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ..(9))، لا في الكواكب إِلَٰهَ، ولا في البحار إِلَٰهَ، ولا في شيء من أجزاء الأرض إِلَٰهَ، ولا في النباتات إِلَٰهَ، ولا في التكنولوجيا إِلَٰهَ، ولا في الأجهزة المُحدثة إِلَٰهَ (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، لا شيء من هذه الأشياء كوَّن ولا أَوجَد ولا خَلَق، ولا في شيء من هذه الأشياء؛ المرجعيةُ إليه قطعًا .. قطعًا، (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ..(9))، وحسبنا الله ونعم الوكيل اتخذنا الله  -اللهم حققنا بذلك-.

  • إنَّما يتخذ الله  مَن عرف من عظمة الله ما ملأ قلبه وعقله، ومَن بقيت بقية لم تمتلئ من عظمة الله في قلبه وعقله؛ فلن يتوكل على الله حق توكله.
  • ومَن عرف أن الإله الحق هو: أهل العظمة والجلال والكبرياء والإفضال المخصوص المميز عن جميع الكائنات (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، القوي القادر القاهر الذي إليه مرجع كل شيء، العليم بكل شيء؛ اضطر أن يتوكل عليه، ضرورة، تلقائيًا بقدر تلك المعرفة؛ 
  • ولذا لم يوجد في السماء والأرض متوكل على الحق -كتوكُل محمد- أحدٌ غيرُه .

وعاش المتوكلون في أسرار توكله، ومن أسرار توكله على الإله؛ نعيش أمثال هذه اللحظات، وهذه الجلسات، وهذه الاتصالات وهذه التأملات وهذه التعلُّمات وهذه التلمحات وهذه التنورات وهذه التبصرات وهذه العلاقات القلبيات والروحيات، نعيش كل هذا في ثمرات من ثمرات توكل خير البريات؛ فإنه حمل الأمانة الكبرى التي لم يهيء الخالق لحملها بهذا الحجم أحدًا غيره، لا ملَك ولا إنسي ولا جني، وكان أفضل الخلائق هم الأنبياء، وكان النبي يبعث الى قومه خاصة.

أما الأمانة هذه لا يقدر عليها أحد لا أولي العزم ولا سواه، خُبِأت وخُبِأ لها فرد من بين الأفراد؛ ماجدٌ من بين الأمجاد؛ هو خير جميع العباد، اختاره مَن رَفَعَ السَّمَاء بِغَيْرِ عُمُدٍ ولا أوتاد؛ "وبُعِثْتُ إلى الخلقِ كَافَّةً"، فكيف يَصنع مبعوث للخلق كافة؟ 

  • لو لم يكن عنده من أسرار التوكُّل على الإله العظيم؛ ما بَلَغت دعوته ولا وصل أداءهُ؟ وهل عاش ألفًا؟ وهل لبث فينا تسعة مائة وخمسين، ألفًا إلَّا خمسين عام؟ لا، رُبع ذلك؟ لا، عُشر ذلك؟ 
  • لا، ومن حين حمل الأمانة إلى أن لقي ربه أنهى أداء الأمانة، كم؟ ثلاث وعشرين سنة، ثلاث وعشرين سنة! -عجبٌ والله- ما عنده؟ عنده أسرار التوكل؛ فتولى الوكيل شأنه.

ونحن في عجائب إفرازات سرِّ وكالة الوكيل الأجل، نحن في عجائب ماتفرزه هذه الوكالة، أيُّ وكالة؟ ربُّ كل شيء كان لمحمد، وقال: "إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولن نَسوءَك فيهم"..

  • فلك الحمد يا ربنا، أنت رتبت هذا الخير على هذا الخير، لو لم تصطفي هذا العبد -محمد- وترتضيه وتمده بهذا المدد الأعلى، من أين كنا نجد هذا الإفضال؟ ومن أين نبلغ هذه الآمال؟ 
  • لك الحمد، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، لك الحمد على نعمة محمدٍ جامعة النعم، أصلُ كل نعمة، وأساس كل مِنَّة، لك الحمد يا منعم حيث جعلكم من أمة محمد.

وأنتم الآن،، وعدو الله، وعدو محمد -إبليس- ومَن دخل في صفوفهم من ملايين الإنس والجن:

  • يريدون طمس هذا، والحق يُظهِر نوره زيادة. 
  • ويريدون انقطاع مثل هذه الموارد وهذه المشاهد، وهذه المعابد. 
  • وهذه المساجد؛ ويُقيمها الواحد، ويظهرها محروسة مُمَجَّدةً مُؤيَّدةً،. 

ما هذا؟ 

  • (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:9]. 
  • هؤلاء الملايين توصلوا من وقت إلى وقت يأتون بموجات وتيارات وتشْكيكات: ساعة إلحاد، ساعة علمانية، ساعة ليبرالية، ساعة تطور، ساعة حقوق المرأة، ساعة حقوق الإنسان؛ شعارات وكلام. 
  • القصد أن يَهدّوا ثوابت الوحي والتنزيل، يعملون كل هذا! وتتجدد مثل هذه المجالس المتصلة بالحبال القوية إلى الأساس، كيف يحصل هذا؟! (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).

يقول: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)) الذي حَويتَ ما لم يحوي سواك -من عندنا- من عند الله أعطاه، شؤون صِلاتك الخاصة بنا أحكمها: 

  • (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) على ما علّمناك وارشدْناك بأجزاء رتبناها لك. 
  • وتَحْمِل منا (قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) لا تَحمِله الجبال ولا ما سواها، هيأنا لهذا القول قلبك الأطهر. 
  • وانتبه من (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) والسَّبْح العجيب في النهار، 
  • وتعلَّق بذكرنا في كل ذلك؛ لأننا نذكرك بما لم نذكر به سواك. 
  • فتبتل إلينا؛ وقد علِمت:
    • رُبوبيتنا لكل مشرق ومغرب، وأنه لا إله إلَّا أنا. 
  • وهذا البساط لكَ مِنّا: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)): 
    • فهيَّأ الخُلفاء الراشدين، وهيَّأ العلماء العارفين، وهيَّأ الصَّالحين المُصلحين. 
    • وهيَّأ استمرارية وبقاء الخير إلى آخر الزمان (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ..(9)).

يقول: إذًا فاسلك وعلِّم مَن يأتي بَعدك مِنَ الذين يتصلون بهذه الأسرار؛ أن لا يَكبُر عليهِم أقاويل الكفار والملحدين والفجَّار، مهما تقوَّلوا ومهما استطالوا، ومهما لوَّنوا ونوَّعوا وخدعوا، وقلبوا  العوائر.

(وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ (10)) فإنه لا عاقب لهم ولا نهاية، ستتبخر أقوالهم وسينكشف ضلالهم، وسيكون إلى السوء مآلهم ومآل من ضَلَّ بِضَلالهم واتَّبعهم وصَدَّقهم.

إذًا فشأن المؤمنين حَصانة، لا يتأثَّرون بشيءٍ من مُجريات ومظاهر هذا الكون وأحداثه، وخصوصًا ما يكيدُ ويَصنع الفُجّار والأشرار؛ إبليس وجُنده من الإنس والجن.

(اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ)، الوكيل القوي يقول لك: امشِ هنا، قُل كذا: اسلك هنا لا تخاف، الوكيل القوي يقول: أمضِ هنا، أنا أتولَّاك، (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))، لا تكن مستثيرًا للنفوس ولا للطبائع والحفائظ، كن حكيمًا، (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))، يعني:

  • تَرفَّع عن الصّراع الهابِط وعن إثارة النُّفوس، وعن بعث الجِدال.
  • فاهْجرهم لا لِحظٍّ لك، ولا لغَرضٍ لنفسِك، ولكن من أجلنا؛ ليكون الهَجر جميل؛ لأن ما كان من أجل الجميل أضاف عليه جمالا -والجمال لله- والجميل على الإطلاق بكل معنى هو: الله، "إنَّ اللهَ جميلٌ".

ثم جعل لجمال الكائنات معانٍ وموازين ومراتب كلٌّ جَمالُه فيما رتَّب من ميزان -سبحانه وتعالى- إلَّا أنه لم يَجْمع من أسرار الجمال الذي أفاضَهُ من حَضرتِه إلى العالم الخَلْقي كما جَعل في محمد الجميل 

  • ففي عالم الأفعال فِعلُه الأجمل. 
  • وفي عالم الأقوال قولُه الأجمل. 
  • وفي عالم الأخلاق خُلقُه الأجمل. 
  • وفي عالم الشَّريعة شريعتُه الأجمل. 
  • وفي عالم البلاغ بلاغُه الأجمل. 
  • وفي عالم الخَلقِ خَلقُه الأجمل؛ 

فكان أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقا -سبحان الله- ولمَّا طالعت أرواح وقلوب أسرار الصحابة الكرام صَفحاتٍ مِما يُقدَرُ على مطالعته ممّا أَذِن الرَّحمن بإظهاره، من سنا ذاك الجمال؛ عشقوه عشقًا، كان أحب إليهم من أنفسِهم وأهليهم وأموالهم ومن الماء البارد على الظمأ، وكانوا مهما حُدِّثوا عن عجائب ولذائذ نعيم الجنة، إذا قارنوها بفقده؛ لم يرتضوها! إنْ لم يكن فيها فلا نرتضيها ﷺ، طالعتْ أرواحهم من هذا الجمال سناهُ، والله يُكرم أرواحنا.

يقول: (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)) لا تسب فيهم، ولا تكافئ السيئة بالسيئة، ولا قَصدك من هذا الهجر إذلالهم ولا إبعادهم ولا إغلاق الأبواب في وجوههم؛ ولكن من أجلنا، تترفّع لكي لا تثير نفوسهم وحفائِظهم، وتستعمل الحكمة معهم، وترجو أن يَؤوبوا، وتسْتمر على دعوتهم وأنت مهاجر لهم! فأيُّ مخلوقٍ أنتَ؟

  • جَسدُك مع الناس. 
  • وفِكرُك لمصالحهم.
  • وقلبك مع الخلاّق فوق، لا غرض لك في أحد.

(قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) [سبأ:47]، لا أريد شيء منكم -الله أكبر-. (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)) فسرى الجمال في وصْله وفي هجره، وفي فِعله وفي تَركِه، وفي أَخذِه وفي رَفضِه، فهو مظهر الجمال والكمال الخلقِ على أعلى المستويات؛ دنيا وآخرة. 

وإذا سقطت الأهواء، والضلالات والخداعات بأصنافها وحضرت القيامة؛ فالهيئات، والأحزاب والحكومات والمُلوك، والمملوكين والأمراء والمأمورين، والجنود، والأتباع، والتجار والصّغار تتطَأطأ رؤوسهم؛ لجمال محمد ﷺ ولِمجده وكماله. 

رؤساء العالم والذين قبلهم والذين سيأتون بعدهم -في القيامة- مُنَكَّسين؛ يَرقُبون شأن صاحب المقام المحمود ﷺ، يَرقُبون حامل اللواء الحمد، أول شافع أول مشفع، أول مَن تنشق عنه الأرض والكل في المواقف:

  • أول مَن يحاسب؛ أمّته.
  • أول مَن توزن الأعمال؛ أمته.
  • أول مَن يمضِ على الصراط؛ أمته.
  • الناجون من أمته قبل الأمم كلها.
  • أول مَن يدخل الجنة من الأمم؛ أمته.

  هل هناك جمال مثل هذا؟! لمن..لمن؟  مُلك شئ مِنَ الدول هذه أو مُلك شيء من الزخارف التي عندهم؟ هل هناك جَمال مثل هذا؟ هل في جمال يَقرُب من هذا؟ -الله أكبر- وإذا بصدّيقين ومقرّبين من الأمم السابقة واقفين مع أنبيائهم حتى يمروا هؤلاء!  ما هذا الجمال؟! وإذا بأرباب الجمال الأعلى من النبيين وكُبَار الصديقين من أممهم تحت لواء الحمد، وراء محمد. هل لك روح تدرك الجمال أو لا؟ غَرُّوك بهذه الصور الخدَّاعة الساقطة الهابطة!. 

الجمال -إن كنت تعرف الجمال- من الله الجميل- في محمد، تعيش معنا وإلى أن ينتصف رمضان، ما تعشقه! ما لك روح في باهي جماله تميح!

في يوم كُلًا بذكرك يا مُحمَّد  يَصيح *** نورُه تَقدَّم على آدم وعيسى المسيح 

سَيّدٌ مُنَسَّب مِن إسماعيل ***  مِن إبراهيم  هو الذَّبيح 

يقول تعالى: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))، وهؤلاء بأصنافِهم: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ (11)):

  • نَعمَة يعني: تَنعُّم التمتع بالمتع التي يستوي فيها البَر والفاجر والمؤمن والكافر.
  • نِعمة -نِعمة- إِنْعام: يختص به مَن يحمد العاقبة.
  • نُعمَة: سرور وفرح، النُّعمة، النُّعمة السرور والفرح.
  • النِّعمة: الإنعام والإفضال؛ لمن له عاقبة محمودة.
  • النَّعمة: التَّنعُم الذي لا عاقبة له، نَعمة.

 قال: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ (11)) يعني: الذين تولّوا قيادة الكفر من زعماء قريش؛ هذا مثال ونموذج وكل مَن سار في هذا السبيل، وعندهم نَعْمة يعني تمتع بكم، كما تكلم في السورة السابقة عن الوليد بن المغيرة: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا) [المدَّثر:11-12]

وهنا عندهم متع كثيرة؛ وفي هذا بيان حكمة أنَّ كثيرا من مُتع الدنيا لسقوطها من عينه -تعالى- وحقارتها عنده يعطيها الفجار والكفار. حتى أن غالب متولي قيادة الكفر والشر يكون عندهم مُتع .. متع .. متع من نَعمة، ليست نِعمة، ماعندهم نِعمة؛ عندهم نَعمة .. نَعمة، مثل ما كان عند قوم فرعون: 

  • (فَأَخْرَجْنَاهُم مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [الشعراء:57]. 
  • (وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ) ليست نِعمة، (وَنَعْمَةٍ) عاقبة الأمور، ليست نِعمة. 
  • هذه نَعمة، أسهل متعة والعاقبة مصيبة وبعد ذلك ما تنفع -الله أكبر- (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ)  [الدخان:25-27]. 

قال الله: كل مَن يسلك في هذا الطريق؛ أفراد جماعات وشعوب ودول: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ (11)) يالطيف!

(ذَرْنِي): أنا القادر عليهم، أنا المحيط بهم، أنا أكفيك إياهم، أنا أُريهم عواقب تكذيبهم وكفرهم واذْلالهم وعنادهم.

يقول تعالى: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11))، اصبر عليهم لا تستعجل، كما قال له في الآية الأخرى: (وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف:35].. 

  • يعني: قد وقَّتْتُ لهلاك كل فرد منهم وجماعة ساعات محددة، وجعلت مصيرهم بعد ذلك شدة، وفي خلال ساعات الدنيا نُنغصهم نغص -من هنا ومن هنا ومن هنا- تأتيهم حتى وهم في قمة تمتُّعهم -الله أكبر-. 
  • يعني لا يحيط بِحكمةِ أحد فلا تستعجل بمستوى ما وصل إليه فَهمك وعقلك وأنت الأفهم عنَّا وأنت الأعقل لِما أوحينا ولأسرارنا، ومع ذلك فلن يحيط بنا لا أنت ولا سواك -اللهم صلِّ عليه-.

(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11))، وفي أيام المَهل من دون إهمال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) [المؤمنون:55-56]، يظنون هم وأوهامُهم الباطلة هذه! حتى يأتي مؤمن غافل فاسق يقول: كفار بلدانهم ممتازة، والمطر دايم فوقهم صبَّاب، وماذا بعد ذلك؟ ومآلهم إلى أين؟ وهم الآن يعرفون ربهم؛ أم ما يعرفوه؟! في أين؟ متصلين بمن؟! منقطعين عن مَن؟! 

  • يا هذا إحمد الله على نعمة لا إله إلَّا الله- لو فوق ما هم فيه مئة مرة مُمكَّن منه، وما عندهم -لا إله إلَّا الله- أنت أحسن منهم! أنت أفضل منهم! أنت أشرف منهم. 
  • يا هذا لا تجحد النعمة لا تٌعظِّم الحقير: 
    • (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ  * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ) [المؤمنون:55-56]. 
    • (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:205-207]. 

ما الشعارات تلك التي كانت تسود؟! ما هذه الضوضاء ؟! ما ذاك التبختر؟! 

طيب يا أخي، مثل هذا قد حصل في التاريخ عشرات .. مئات .. ألوف المرات، ما لك مُغتر بهؤلاء أنت؟! ليست عشرات .. مئات، ليست مئات .. ألوف، أمثال تبخْترهم حصل وذهب، وذهب إلى عبرة وإلى عظة، وخسروا فيها الدنيا والآخرة. 

(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11))، وبعد ذلك؟ بعد هذا المهل القليل من دون إمهال: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا..(12))

  • وذكروا في معاني الأنكال: القيود في الآخرة، 
  • وفي معاني الأنكال: تنوع العذاب وتنوع الشدائد، وهذا لا يختص بالآخرة! 

الله يقول عن أموالهم وأولادهم: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة:55]، هم يتعذبون بها من هنا، ثم  في الآخرة عذاب أشد. 

يقول: 

  • (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا) -اللهم أجرنا، مَن يطيق هذا؟!-. 
  • (وَجَحِيمًا (12)) والجحيم! -اللهم أجرنا من الجحيم-. 
  • (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ..(13)) يعني: 
    • مقابل التمتع هذا الآن، هناك طعام ذا غصة؛ يغص في الحلق، فيه زقوم، فيه شوك يلصق في الحلق ولا عاد يخرج ولا يدخل! إلى أن يتم احتراقهم. 
    • وينشأ ثاني مرة، وطعام ثاني مرة يغص في حلقهم -الله!- طعام ذا غصة ينشب في الحلق، يعْلق ولا عاد يخرج ولا يدخل! -إنَّا لله- فوق هذا كل الأنكال والجحيم. 
  • (وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)) يعني فوق هذا كله،: 
    • هناك شيء يعذبون به لا تحيط به، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25]. 
    • لا أحد يقدر يعذبك مثله -الله-.

(إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)) ومِجرى هذا والحضور فيه، متى؟ (الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) [البروج:2] الذي وعدناك إياه.. 

  • (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ) تتزعزع وتتزلزل الأرض، (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) [الحآقة:14] الله أكبر. 
  • (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ) وكانت الجبال تصير يعني صارت (كَثِيبًا) -رملًا- (مَّهِيلًا (14)) متناثر، إذا حَرّكتَ طرفهُ ينهال من فوقه، يسقط، صاركَثِيبًا مهِيلا، الجبال في صلابتها تتحول إلى هذا.

قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا..(15)) ياعبادي جئتم آخر الأمم، وقبلكم الأرض ملآنة بالعبر والتاريخ، وأرسلت إليكم هذا الصفوة، مالكم وللتَّكذيب؟! ما لكم وللعِناد؟! ما لكم وللكبرياء؟! ما لكم وللطغيان؟! 

(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15))، قالوا: 

  • وفي مناسبة كان قوم سيدنا موسى يحتقِرونه: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) [الشعراء:18]. 
  • والنبي، كان زعماء قريش يقولون عنه: ابن أبي كبشة تربى عندنا ويقولون: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)؟ [الزخرف:31]. 

يقول هكذا، فَذَكر لهم سيدنا موسى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)) شديدًا قاسيًا..

  • (وَبِيلًا) مستمرًا، مثل المطر الوابل القوي الغزير المتتالي؛ غرق، بعد هذا الغرق: 
    • صار منازله ودياره عبرة وأهله وقومه، وعذاب في القبر في البرزخ. 
    • وبدنه مطروح أمام الناس يتفرجون عليه! وانتظار للقيامة يدخل النار. 
  • (أَخْذًا وَبِيلًا)؛ يعني: فانتبهوا إن قابلتم رسولنا هذا بمثل تلك المقابلة فمصيركم هذا المصير -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

الحمدلله على نعمة الإسلام، وعلى نعمة خير الأنام، ثبتنا الله على دربه، أدخلنا في حزبه وسقانا من شُربه، حققنا بحقائق محبته وقربه -آمين-. 

وفي مثل هذا اليوم نُدبنا لكثرة الصلاة والسلام عليه: 

  • "أَكثِروا منَ الصَّلاةِ عليَّ في اليوم الغراء واليوم الأزهر" -يوم الجمعة-. 
  • "إن من  خير أيامكم  الجمعة، فأكثروا  فيه من الصلاة  علي، فإن صلاتكم عليّ"، فإن صلاتكم علي تبلغني حيث كنتم. 

لا تقول في يمن ولا في شام ولا في شرق ولا غرب، لا في حضرموت ولا في ذا، أنت تصلي عليه تبلغه الصلاة -اللهم صل عليه-الله أكبر-. 

  • وإذا ماعندي فرصة ما حصلت فرصة، ماعندي جواز مافي رخصة،  أريد المدينة محلك صل عليه، "فإن صلاتكم علي تبلغني حيث كنتم". 
  • قالوا: "وكيف  تبلُغك صلاتُنا  إذا أَرِمْتَ؟، يقولون إذا بَلِيتَ  في القبر، قال: "إنَّ اللهَ حرَّم على الأرضِ أن تأكل أجسادنا معاشر الأنبياء، البلى ما يجي حولنا لا أرواحنا ولا أجسادنا تبلى 
  • من صلى علي يوم الجمعة -في رواية- بعد عصر الجمعة -بسند حسن- يقول: "مَن صلى عليّ  بعد عصر الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة" الحمد لله على هذه النعمة. 

وهي من أفضل الأعمال اليوم، وتحضُرون الجمعة مصلين عليه مقتدين به، ونستقبل مثل هذه الليلة، مثل الليلة هذه في السنة الثانية من الهجرة، بات فيها قائمًا طول الليل، ما نام! قائم وساجد ينادي: "ياحي قيوم"، وفي الصبيحة مثل بُكرة في اليوم السابع عشر كان يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وظهر نصر الرحمن لسيد الأكوان.

 فأبرِز لنا يا ربنا في ليلتنا وصباحنا من أسرار نصره ما نقرأُ خيره في واقعنا وحالنا وحال أهدينا وطلابنا وأحبابِنا وأصحابنا ومَن يحضر معنا، ومَن يسمعنا والمؤمنين يا رب أجمعين، يا الله نصرًا من عندك وتأييدًا من عندك وفضلًا من عندك؛ تقمع به دابر الفاجرين والكافِرين، والفاتِنين، والمؤذِين للمسلمين يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

17 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

01 يونيو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام