(445)
(628)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} إلى قوله تعالى: {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً} من سورة المزمل.
﷽
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
الحمدلله جامعنا على موائد تنزيله وعلى الوحي الذي أمر عبده المُصطفى بترتيله ، اللهم لك الحمد شكرًا ولك المن فضلا ، فصل و سلم و بارك و كرِّم على عبدك الذي أَذِنت بتفضيله و تمجيده و تكميله فهو عبدك الأكمل في مَقصده ونِيَّته وفعله وقِيله، وصلِ معه على آله وصحبه وجِيله، ومَن سار في سبيله، وحُضي بالشُّرب من سلسبيله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين والذين بَشَّروا بإرساله وَأنبؤُوا عن تفضيله وتبجيله، وعلى آلهم وصحبِهم وملائكتك المُقربين وعبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين، صلاةً تجمعنا بها عليك وتدخلنا بها إلى حضرة قربك من أوسع الأبواب التي أَدخلت منها المُكرَمين عليك.
ولقد تواصل تعرُّضنا لرحمات الرحمن و للإِذن بالقرب منه والدُّنوِ منه من أبواب الوحي وأبواب الفرقان والقرآن المُنزَّل، ونحن في غُدوات الشّهر الذّي أُنزل فيه القرآن، واصلنا نصيبنا من التَّدبر والتَّأَمُّل؛ نستفتح به أبواب الإحسان والمن والتفضُل فمررنا على آيات في سورة المزمل.
ولو كان مَن يحتوي على شيء أفضل وأجل فيَتَزَمَّل ويَستتر على أمر أعظم مما استتر عليه رسول الله فتزمل به لَكَان أَولَى بأن يُخاطبه الرحمن بالمزمل؛ لكنه أطلق هذا الخطاب على محمد وحده وقال: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1))، ويأتي في معاني:
خُوطِب المزمل بهذه الخطابات: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) وإن تشبّه مَن تشبَّه به من أُمّته في شهر رمضان، فلقد مضى علينا نصفه كاملًا ولم يبق إلَّا الأخير منه -بارك الله لنا فيه بركة نَنقطر فيها في قافلة سرِّ القيام من أَجل الله، فيما بقي من الأعمار حتى يكون الحشر مع المزمل، للهم آمين، وطائفة الأخيار وقد وأُشار إليهم في سورة المزمل: (وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) [المزمل:20].
يقول سبحانه لهذا المصطفى، وقد أشرنا إلى المهمات والنظام والأُسس والبرنامج في الليل، وأنه ما شرعه الله وما أحبه، وهكذا يجب أن يُرتِّب المؤمن لَيله والنهار كذلك، وأشرنا أنَّ الحق قال لحبيبه: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)) سَيرًا سَريعًا وَاسعًا في مِهمَّاتك النّهارية، وما تحتاج في ذلك النهار ممّا تُؤدي به أنواع مُهمَّاتك وتتهيّأ به لخلوص قيامك في الليل إلى حدِّ أنَّ:
(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)) ورأينا تَدخُّل أيادي أهل الغفلة في برامج الليل والنهار بالنسبة للمسلمين وإخراجهم عن سواء السبيل فيها، وشُغلها بما لا يحب بَارِؤهم ومن جملة ذلك ما سَيَّبوا به البُكُور على الكثير من الأُمّة فصاروا:
فتفوتهم بُكرة النهار بما فيها من بَركة؛ "بورك لأمتي في بُكورها" -الله!-.
وما كانت بيوتُ عامة المسلمين تشهدُ نَائمًا في بُكرة النهار، فيما بعد صلاة الصبح إلى بعد الإشراق إلى ما بعد ارتفاع الشمس، ما كانت تشهد؛ لا رجالًا ولا نساءً إلَّا وهم في هذه الأوقات في أنواع من الانتهاض للأعمال الدينيّة والدنيوية بحسب المقاصد المُتصلة بالتّربية، وبالإيمان، وبِتعاليم المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
انظر لعل هذه المظاهر غابت وتغيب في كثير من الأماكن والبيوت! انظر بتغيير البرامج! يمكن الآن أن يأتِ في بعض الأوقات أيام اهتمام الناس بشيء من الأخبار المُذاعة أو من بعض الألعاب -وخصوصًا في أيام مباريات كأس العالم وغيره- فسَيعُد أربعين وأربعمائة بيت، سيعُدَُها، قراءة يس لن يجدها!؛ لكن سيجد هذا؛ انقلبت البرمجة، انقلب التّرتيب انعكس الأمر، وانصاع الناس لبرمجة عدوِّهم فوقعوا في قبضته، ولما انصاعوا لبرمجة ملِك الملوك أعزّهم بعزّته وقال سيدنا عمر في ذكر هذا المعنى: "إنَّا قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غَيره أذلّنا الله".
ومن أين جاءت الذّلّة للشّعوب، أو للدول، أو للأفراد، أو للجماعات والهيئات إلَّا من حيث اعتزازهم بغير الإسلام، إذا طلبوا العزّة من غير حقيقة الإسلام لله فهو الذُّل، أذلهم الله (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8].
يقول الله لحبيبه: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ..) هذه مُهمّتك وهذا عِمادُك في قيامك بالأمر، في أدَائك للعبودية، في طلبك لرِضواننا، في أدائك وظيفة الإرشاد والبلاغ؛ العماد ذكرُنا، ذِكرُ اسم ربك، أي كن على أقوى معاني الصِّلة بنا في أحوالك المختلفة:
وهذا خطاب من الرحمن لسيد الذاكرين والمذكورين محمد ﷺ، فإن الله لم يذكر أحدًا من خلقه بأعلى، ولا بأسنى مما ذكر به محمدا؛ ولذا لم يحمل أحدٌ من الإنس والجن والملائكة من أسرار الذِّكر للرحمن كما حمل محمدٌ في ذكر ربه ﷺ.
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ...) وَأَشرنا فيما تقدم إلى أن ذكر الاسم يجمع على المُسمَّى، فإذا غلب على بال المؤمن معاني أسماء الله وصفاته، تولَّع بذات الحق التي لا مثيل، ولا نظير، ولا مشابهة لها بأي وجه من الوجوه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].
قال الإمام الغزالي: وإنَّ رسول الله في كل ليلة بعد قيامه يقول عند انتهائه من الوتر:
يقول: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) يقول: بتِّل نفسك، تَبتّل؛ كُن مُتبتلًا ؛-مُتبتِّلًا- مُعرِضًا عن كل ما سواه مُنقَطِعًا إليه، لا تَرُوم غيره ولا ترجو غيره، يعني عبد محض خالص وَاحِدٍ لِوَاحِد. (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)؛ وقلنا: أن التّبتِيل لابد منه، ولكن ليس هو المقصود لذاته؛ لأن التبتيل وهو تعليق القلب بأسماء الله وصفاته، أو بكسب المعرفة به، أو لِنَيل الدرجة لديه؛ كُلُها مُهمَّات لإقامة العبوديّة ليست هي الغاية ولا المقصود؛ لكن المقصود والغاية والمنتهى: (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ)، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) [النجم:42]:
لكن أحسن من الإثنين مَن عرف المقصود، مَن هو؟ وأصبح لا يقطعه عن الله لا الدنيا ولا الآخرة، لا أرض، ولا سماء، لا حياة أولى ولا حياة أخرى ولا جنة ولا نار؛ الله المقصود،
(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) حينئذ لا تتصور أن يمنحك، أو يعطيك، أويَحبوك هذا الإله، إذا أخلصت له وصدقت معه هكذا، الله أكبر!
ولِعظمة النعيم في كل جنة بالنسبة للَّثمان هذه، أما في كل واحدة من الثّمان جنان .. جنان .. جنان .. جنان بلا عدد، بلا قياس في كل واحدة من الثمان.
لكن الثَّمان -هؤلاء الجنان- من عظمة ما فيها من النّعيم، لا تقوى روح إنسان على الجمع بين الإثنتين هذه، فضلًا عن أكثر؛ إلَّا واحد فإن خَيمته تُضرب من وسط جنة الفردوس إلى جَوانب جنة المزيد إلى علِّيين، فَمنزلهُ في هذه الجنان كلها قُصور، لكن من معه من أمهات المؤمنين أو من المقربين من آله، كل منهم في واحدة من هذه الأماكن، وله فوق هذا؛ الوسيلة، "آتِ محمد الوسيلة والفضيلة" -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- سبحان مَن قوّاه، وآتاه ما آتاه-.
في كل واحدة من هذه الجنان مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، متى؟ دائمًا! كيف دائم؟ أدخلها، تجد مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، الآن رأيت! بعد قليل! بعد قليل! ما لم ترى عينك قبل، ولا سمعت أذنك قبل، ولا خطر على بالك قبل، بعد قليل! في كل يوم هكذا، لا تقول: أنا قد رأيت! رأيت! سمعت! باقي ما لم ترَ ولم تسمع، في كل يوم يتجدد، كل يوم مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر -الله!- إِنَّ هَٰذَا عطاؤنا مَا لَهُ مِن نفَادٍ؛ ما ينفد، يزيد .. يزيد؛ لهذا تتوالى الأفراح عليهم، حتى لا يأتي النوم لأحد منهم، لا أحد ينام!.
ونحن في عالم الدنيا بالشكل المرَّكب الذي نحتاج فيه إلى النوم، إذا قُوي علينا فرح في موقف من المَواقف طار النّوم من عيوننا، أنت تعبان، لكن سهران؛ نم، قال: لا .. لا مبسوط، فرح بحاجة فرح كبير؛ ذهب النوم منه.
لكن فرح الدنيا، في اليوم الثاني يتلاشى، يصير ينعس وهو يمشي يريد أن ينام وهكذا؛ لكن الجنّة فيها فرح متجدّد ودائمًا مستمر، ولهذا لا يحتاجون إلى نوم، والتركيبة قد اختلفت للبُنية الجسديّة -سبحان الله!-.
يقول: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) المشرق والمغرب؛ يعني العالم كله، الوجود بأسره؛ ما يظهر منه وما يغيب، ما يُقبل وما يُدبر، ما يأتي وما يذهب.
(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) هذا الوكيل قوي، قادر، بيده ملكوت كل شيء، كيف ما تطمئن؟!
إِذا كُنتَ في حاجَةٍ مُرسِلاً *** فَأَرسِل لبيبًا وَلا توصِهِ
وهذا جبار السّماوات والأرض قال: أنا سأتوكّل لك! فاعتمد علي، ففوِّض أمرك إلي، أنا سأحفظك، أنا سأنصرك، أنا سأكون في عونك -الله أكبر-!.
(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) اتخذنا الله وكيلا، وحسبنا الله ونعم الوكيل إلَّا…
اللهم اجعلنا منهم وألحقنا بهم برحمتك ياأرحم الراحمين و جودك يا أجود الأجودين.
يقول -جلَّ جلاله-: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)) -نعم الوكيل- (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران:173]، يقول -جلَّ جلاله في الإشارة إلى المهمة في الحياة: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال:39]،
لما ابتدأت بعض الفتن، جاء بعض الناس يقول لبعض الصحابة قال: كيف تتركون الناس هكذا؟! أما قال الله قَاتِلُوهُمْ؟ قال: نعم قَاتلناهم حتى لا تكون فِتنة وقَاتلنا مع رسول الله، وأنتم تُقاتلون اليَوم لِتكون فِتنة، فنحن قاتلنا لكي لا تكون فتنة، وانتم تقاتلون من أجل تكون الفتنة، فَقاتلنا؛ تريدنا نمشي معك، أنا مشيت خلف نبي، وقاتلنا من أجل (لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) -فإن انتهوا فأعلموا أن الله بكم بصير- (وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال:39-40]، الله أكبر! (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب:3] حافظًا وناصرًا وحارسًا وكفيلًا!.
يقول: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ (10))؛ ساحر، مجنون، كاذب، أي شيء يقولون، أي واحد يريد صدق في السير إلى الله أو القيام بحق الدعوة إلى الله؛ (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ..) هو يبغى يسير إلى الله، يبغى يدعو إلى الله، ولا يبغى أحد يتكلم عليه، نقول له، اذهب ابحث لك عن عمل آخر، اذهب اِلعب، ليس الموضوع هكذا، (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات:52]..
(مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) حتى يقول الله: (أَتَوَاصَوْا بِهِ) -كل الأمة يقول هكذا- (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ)، قال لما نزلت الآية خاف رسول الله على أمته، وأنه دنا عذابها فأتبع الله بقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات:52-55].
(وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ..) -كيف أترجم عن الصبر؟ قال؛ اهْجُرْهُمْ، أعرض عن الجاهلين، تولى عنهم، اهْجرهم لكن (هَجْرًا جَمِيلًا (10)) هَجر جميل:
-الله!- هذا هجر جميل، الغالب أن الواحد لما يهجر واحد، يهجره من أجل أن يؤذيه، من أجل أن يعانده ويتمنى له الشرّ؛ وهذا هجر جميل، أنت كلك جميل، فعلك جميل، وولاءك جميل واقبالك جميل وهَجرك جميل:
ولَا جَمَال انبَسَط إلَّا لِهَذَا الجَمِيل *** مَا فَضَل فٍي الكُون إِلَّا وَمَن ذَا الفَضِيل
مَا عِين إِلَّا وَمِن ذَا البَحر مَاءهَا يَسِيل
ربُّ الجمالِ تعالى اللهُ خالقـهُ *** فمثلـهُ فـي جمــيعِ الخـلقِ لـم أجِـدِ
ﷺ، (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)) هذا الهجر الجميلَ..
فما أعجبه من هجرٍ، ويسبونه ولا يسب، يشتمونه ولا يشتُم، يؤذونه ولا يؤذي ﷺ.
(وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))، يقول الله؛ إذا قمت بهذه الأداب وتعلمت منا هذا المنهاج، نحنُ الذين نتولى أمورك من كل جانب؛ ولنا حكمة في وجود الطغاة والمارقين والمكذبين بالأنبياء، لنا حكمة؛ نريد نملأ بهم جهنم، نريد أن نعذبهم.
هكذا سبقت، هذا حكم الألوهية، أما أنت بكونك عبد تحمل الرحمة، أمضِ كذلك، وهؤلاء ما عليك شغلهم، أنا على وعدي: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا (11)) وأعددنا لهم أشياء لا يطيقونها؛ حكمة من حِكمِنا انتهى، إلزم عبوديتك فقط، والأمور إلىِّ، (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)) من هذا الذي سيهرب؟ إذا ما أحد عاداك، إذا ما أحد خالفك، من سنعذبهم بهذا العذاب؟
(إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12)) هذا للذين يُكذبونك، والذين يُؤذونك، دعهم، هم أصحاب هذا المكان الله!؛ حكمة من حِكم الله -سبحانه وتعالى-.
وإذا نازلته رحمته بعبوديته، ويخاف من دخولهم النار ومن العذاب عليهم، يقول له: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران:128]، لم تقصّر أدّيت الواجب، أنت لم تتسبب في بُعدهم، ولا تسببت في تكذيبهم، أنت بذلت وسعك في إرادة هدايتهم وإرشادهم إلينا، فدع الألوهية مع العباد تفعل ما تشاء -لا إله إلَّا الله-.
آمنا بالله، وصلى الله على المزمل، حبيبه المُكمَّل والذي بإذن الله يُكمِّل مَن أراد الله تكميله من البرية، والله يسير بنا في سبيله، ويسقينا في الدنيا قبل الآخرة من سلسبيله.
اللهم اسقنا من شرابه، وخلِقنا بأخلاقه، وأدبنا بآدابه، واجعلنا ومن حضر ومَن يسمع من المرتبطين بجنابه ربطًا لا انحلال له، لا انفكاك له، لا انقطاع له في الدنيا والبرزخ والآخرة، يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
16 رَمضان 1439