تفسير سورة المزمل-2- من قوله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً(6))

تفسير سورة المزمل، من قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} الآية: 6
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} إلى قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} من سورة المزمل

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 الحمد لله مُكرمنا بالتّنزيل، وبمن قام في حقِّه بأحسن التبيين والترتيل، فهدانا به إلى أقوم السبيل، وسقانا به من أحلى سلسبيل، اللهم فصلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدك المُجتبى المصطفى النور المستطيل، سيدنا محمد وعلى أهله وأصحابه أهل المجد والتفضيل، وعلى مَن تبعهم بإحسان في النّية والقصد والفعل والقِيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التمجيد والتكريم والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 أما بعد ،،،

 فإننا في تلقّي فضل ربنا، وفيض ربنا، ونور ربنا، وهداية ربنا -جلَّ جلاله- وإحسان ربنا سبحانه وتعالى، وبيانه فيما أوحاه إلى عبده المصطفى محمد ﷺ، ابتدأنا نتأمل في سورة المزمل خطاب الملكِ الجليل لعبده الصادق المُتبتِّل محمد (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2))، وقلنا إنه إرشادٌ رباني لصاحب الشرف العدناني يُبيّن لنا: مكانة القيام بالليل وتأثيره العظيم لمن قام بالليل على الوجه الذي أَحبه الله وشرعه الله -تبارك وتعالى- لنا: 

  • من حضور بين يديه وخضوعٍ لجلاله. 
  • وانكسار قلبٍ من أجله. 
  • وهمَّة في القرب منه والدُّنُوّ إليه. 
  • وإخلاص قصدٍ له -جلَّ جلاله-. 
  • واقتداءٍ بسيِّد أهل حضرته محمد. 

فمن كان يقوم من الليل على هذا الوصف والحال بصلاة، أو تلاوةٍ، أو ذكر، أو علم وما إلى ذلك، فإنّه يُثمر له ذلك القيام: 

  • من المِنَح العِظام، والعطايا الجِسام، ونيل المواصلة من حضرة ذي الجلال والإكرام. 
  • وذوق حقائق الإيمان وحلاوته وهو في هذه الدار. 
  • وسطوع الأنوار واستقامة القدم على المنهج الأقوم والإمداد بالمعونة. 

حتى يكون نهارُه مشرقًا بنور التوفيق والتأييد والتسديد من قِبل الذي قام له في الليل، وإن إضاعة هذا القيام على هذا الوصف وهذا الحال من أقوى أسباب الاختلال في الأمة ووقوع الغمة: 

  • فإمَّا إهمال وغفلة ومنام.  
  • وإمَّا استعمال للقيام على نقيض ما أحب الله وشرع. 

فدُعي كثير من الناس، لا من قِبل الله، ولا من قِبل رسوله، ولكن من قِبل أهل السُوء والشّر في الأرض؛ أن يكون لهم قيامٌ في الليل على المناظر السيئة، أو الألعاب المحرمة، أو الاستهزاء بالآيات، أو القطيعة، أو الأذى، أو إقامة الخطط للنيل من الآخرين والضُّرِ بالعباد؛ فصاروا يقومون الليل بهذا الحال وهذا الوصف، عكس ما أحب الله؛ فزادهم ظُلمة وبُعدًا وغَيًّا وسوء تصرف، وسوء عاقبة -والعياذ بالله-.

 إن أحدًا من الذين شرَّع تلك البرامج لسهرات الليالي، لم يخلُق الليل! لكن خالق الليل أرسل إلينا الرسول وقال: اعْمُروا اللّيل الذي خلقته بكذا، وقوموا فيه بكذا، فنترك أمر رب الليل لنُمضِّي الليل في مخالفة هذا الرَّب وطاعة مَن لم يخلقنا ولم يخلق ليِلنا، ولم يخلق النهار لنا؟!: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) [القصص:72] مَن..مَن؟ هل تَكتب برقية لأحد؟! لمَن؟! وتَتَّصل بأي دولة؟ وكذلك فالنهار.

خالق الليل والنهار رتب لنا الترتيب الأطيب، كيف نقضي الليل؟ كيف نقضي النهار؟ فلا ينبغي أن نخرج عن منهاجه، مستجيبين لمن لم يخلُقنا ولم يخلق ليلًا ولا نهارًا، وأفسد في الليل وأفسد في النهار وأراد أن نتبعه في الفساد: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:89]. 

إذًا فلابد من مراجعة المسلمين أنفسهم في برامج الليل والنهار، كيف تنقضي؟ وكيف تُرتَّب للأفراد والأُسر ومُجتمعات الإسلام؟ وانظر إلى الأثر الذي حصل حتى في ليالي رمضان المباركة؛ صار كم مِن كَمٍّ هائلٍ من المسلمين يقضي الليالي لا في الصلاة، ولا في القيام، ولا في التّراويح، ولا في الوِتر، ولا في القرآن؛ ولكن في:

  •  أنواع من الألعاب التي لا تخلو عن مفاسد. 
  • وأنواع من متابعة البرامج الهابطة والسَّاقطة. 
  • إلى غير ذلك؛ من أسواقٍ مختلطة وفيها المناظر القبيحة. 
  • ولعِبُ ميْسر إلى غير ذلك في ليالي رمضان. 

في ليالي رمضان! وهذا وصول إلى عمق حال المسلمين وتغيير في صُعْب منهج المؤمنين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- واستجابة للكَفرة والفسقة والفجرة بدل الاستجابة للرحمن ورسوله الذي أُنزل عليه القرآن. قَام الليل، فكيف قام؟ جاء في سنته: 

  • كان يكره النوم قبل العشاء - قبل صلاة العشاء- ويكره الحديث بعده. 
  • لا يحب كثرة الكلام في الليل؛ إلَّا بالمناجاة، وإلَّا لبلاغ الدعوة، وإلَّا لإيناس ضيف، أو أخذٍ بخاطر وافد، أو أداء حقٍّ للأسرة.
  • ولا يكثر الكلام في هذا الوقت؛ فكلامه مع الله، قالت السيدة عائشة: "كان إذا جنَّ الليل وخلا كل حبيب بحبيبه، خلا هو بحبيبه وقام يناجي ربّه" وقام يناجي ربه، -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم-. 

وبذلك جاءت سيرة أصحابه الأكرمين الغُرّ الميامين ومَن تبعهم بإحسان. 

تولّى الخلافة، سيدنا عمر بن عبد العزيز، قال لزوجاته الأربع: جاءني ماشغلني، لا أجد التفرغ لإعطائكن حقوقكن، فمن أرادت أن تبقى معي على أن تُسقط حقوقها، ومَن أرادت طلَّقتها ومتَّعتُها ومشت؛ فذهبنْ كلهن إلَّا واحدة بقيت معه..

  • فإن كان ليأتي في الليل، فيبدأ يضطجع، فإذا به يرتجف، ما بالك؟! 
  • قال: تذكرتُ جوع الجائع وعُريَ العاري وأنّي أُسأل عن ذلك. هل تأذنين لي أن أصلي لربي؟  تقول: قم.
  • قالت: فلا يزال طول الليل يصلي ويبكي.

 خلافة لمدة سنتين ونصف، غيَّرت وضع العالم - غيرت وضع العالم الإسلامي كله؛ لكن بهذا الحال، وبهذا الشأن، ما كان يجري اتصالات مع أمم مُتحدة ولا مُلحدة؛ ولكن كان يجري كل ليلة اتصالات بالرَّب .. بالإله الخلَّاق .. مُتبَتِّل .. مُتَّبع للمُرْسل ﷺ، وبذلك كانت خلافته على هذا الوجه، الذي سِير فيها بالذهب من مدينة إلى مدينة فلم يوجد مَن يقبله..

  • وقيل لهم: قد أغنى عدل عمر بن عبد العزيز الناس، حتى رَجَّعوه. قالوا: ما وجدنا مَن يقبله.
  •  قال: ضعوه في بيت المال -رضي الله عنه-. 

سنتين ونصف .. دول تصلح خطط خمسية وخمسية فوق الخمسية، وخمسية فوق الخمسية؛ ولا جاءت بنتيجة بَهَِّية، لا في الخمسية الأولى ولا في الخمسية الثانية: 

  • سنتين ونصف ليست خمسية. 
  • سنتين ونصف، وغَيّر الحال والوضع؛ نتائج الصدق مع الكبير المتعال. 

لكن هؤلاء بخططهم كيف يقضون الليال؟ كيف يقضون الليال؟! أكما شرع ربّ العالمين؟! أكما سنَّ سيد المرسلين؟! لا! فأنَّ لهم أن يصلحوا الأحوال! وكيف تصلُح على أيديهم الأحوال؟ أَظَنّوا أن ملِك المملكة أهملها وضيعها، ليعمل مَن شاء ما شاء فيها؟!

  • (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم:42]. 
  • (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه:124].

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) -على هذا الوجه- (نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)، من أعظم وظائف الليل وكيفية القيام فيه: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) -رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا- بيّنه: 

  • بإحسان اللفظ به. 
  • وإخراج الحروف من مخارجها أولًا في أدنى معاني البيان.

وقد كان يقول الإمام الشافعي في قراءة القرآن: "فَلَإِنِّي أرى أن أقلَّ ما فيه أن يُبين حروفه ويخرجه كاملًا، فإن زاد على ذلك كان أحب إلي، ما لم يصل إلى التمطيط -قال: رجَّعه إلى تمطيط-؛ لأن المقصود بالترتيل، استكشاف معاني التنزيل وأسرار الخطاب الجليل؛ فإذا انصرف من انكشاف المعاني إلى مراعاة الحروف والألفاظ فقد انقطع عن المقصود من الترتيل كله، إنما مقصود الترتيل: أن يستبين المعاني العالية في الخطابات الإلهية الشّريفة الغالية". 

وقد تقدم معنا: 

  •  ذِكرُ أنه قام ﷺ في بعض الليالي بآية. 
  • وذكرت ذلك السيدة عائشة وذكر ذلك أبو ذر -كنا قلنا أبن مسعود وهو أبو ذر- جاء في عَدَد من كتب السنة عن أبي ذر: "أنه قام ﷺ ليلة بآية يرددها؛ (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:118]" .
  • ويُروى أنه قرأ مرة: "بسم الله الرحمن الرحيم، فردها بسم الله الرحمن الرحيم، فردها بسم الله الرحمن الرحيم، فردها عشرين مرة" .

(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) ثم إنه الذي يستبين من المعاني ما لا يستبين غيره، ثم إنه الذي يُبين بأمر الله تعالى؛ (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44]، فيكون من سِر قَومَته بين يدي الرَّحمن واستِنزاله لِفَائِضَات الامتِنَان؛ قُوّة في حُسن البيان لِيُبَيِّنُ: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) -بَيِّنهُ تَبيِينَا- وقد أحسن بيانه .

(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) يعني أمرناك بهذا القِيام والانتصاب بين يدينا وارتقاءِ ذِروةٍ في أسرار الصلة بيننا وبينك، وتُرتّل كتابنا بهذا المعنى؛ لأننا (سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) لا تستطيع حملهُ إلَّا بهذه الّتعبئات والتّمهيدات والتأييدات والاستعدادات، إنه قولٌ لو نزل على الجبال لدكَّها: (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشر:21]. وإن ينزل على قلب محمد، فكيف يحمل هذا القلب ما لا تحمله الجبال، قال له: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4))؛ لتحمل عنَّا القول الثقيل: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5))

  • ثقيل في وزنه. 
  • ثقيل في معناه، لا يحيط به أحد مهما عرفوا من معانيه فلن يحيطوا بما فيه. 
  • ثقيل القيام به، و بأوامره، وترك زواجره، لا يحصل إلَّا لمن خالف نفسه وهواه وشهواته ودواعي الشياطين من الإنس والجن ودواعي زخرف الدنيا.

وهذا ثقيل! 

خَلِيلَيَّ هَل مِن مُسعدٍ منكُمَا على *** سُلُوكِ  سَبِيلٍ  دَارِسٍ  وَخَفيَةٍ 

تَأَخَّرَ عَنهَا الأَكثَرُونَ  فَأَعرَضُوا *** لَمَّا عَلِمُوا فِي قَطعِهَا مِن مَشَقَّةٍ

ولكن هذه المشقة تجلُب أنواع الراحة واللّذائذ بما لا يُوصف ولا يُعد -هذه المشقة- التي تُخالِف فيها نَفسك وهَواك وتُطيع مولاك؛ تفتح لك أبواب الحَلاوة واللّذائذ والسّرور والأُنس والرَّاحات بما لا يُعدُّ ولا يُحدُّ ولا يَنتهي، على السرمد، فيا ما أعجبها من مشقة تجلب هذا الخير! 

 يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) الله : 

  • قالت السيدة عائشة: "وإن كان لّيُوحَى إليه في اليوم الشّاتِي -شديد البرد- فيُنَازِلُهُ مِنَ الوحي شِدّة، حتى إنّهُ لا يَنفَصِمُ عنه وإنَّ جبينه ليَتَفَصَّد عرقا" في وقت شدة البرد في المدينة وهي في أيام الشتاء ذات برد شديد؛ ولكن يعرق من شدة ما ينزل من الوحي 
  • وكان إذا عرِق صارت حبَّات العرق في وجهه كأنّها اللُّؤلُؤٌ من نور وجهه، حتى جاء في الحديث: "أنّه كان يومًا في البيت ماسكًا الإبرة والجِلد يخصف نعلًا له، وكان وقت الحر، فعرِق والتفتت السيدة عائشة فرأت آثار العرق حدَر كاللؤلؤ يشُع بالنور، من نور وجهه فَهَالَهَا المنظر وبُهتت ولَحَظَهَا، قال: ما لكِ أبُهُتِّي؟! قالت: نعم يا رسول الله ، جَعَلتَ تَعرَق وَجَعَلَ عَرَقُكَ يتولَّد نُورا، فَلَو رَآكَ أَبُو كَبِيرٍ الهُذَلِي لَعَرَفَ أَنَّكَ أحَقَّ بِقَولِهِ، قال: وما يقول أبو كبير الهُذَلِي! قالت: 

وَمُبَرَّأٌ عن كُلِّ غُبَّرِ حَيضَةٍ *** وَفَسادِ مُرضِعَةٍ وَداءٍ مُغيِلِ

وَإِذا نَظَرتَ إِلى أَسِرَّةِ  وَجهِهِ *** بَرَقَت كَبَرقِ العارِضِ المُتَهَلِّلِ

 قالت: فوَضع ما في يده وجاء وقبّلني وقال: ما سُررتِ مِنِّي كَسُرُورِ مِنك" يعني فَرِحتُ لَكِ بِمَا انفَتَحَ لَكِ مِن المَشهَدِ العَالِي؛ وذلك علامة عناية الله بها.

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ..(6))  منشأُه: بدايته (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)):

  • كان يقول سيدنا أنس بن مالك -سيدنا علي زين العابدين ابن الحسين-: ناشئة الليل بين المغرب والعشاء؛ لأنها منشأ الليل وبدايته. 
  • ولكن كما جاء عن زين العابدين أنها من: ناشئة الليل، يعني أول ناشئة الليل. والناشئة كل ما ينشأ في الليل، ومنه أن يقال: نشأ فلان -أي قام-. 
  • وكذلك يُطلق هذا اللفظ على الناشئة من السُحب، وذلك إذا اعتلت وتهيأت لفائض المطر، فكذلك إذا قام المؤمن من فراشه ومَضجعه بين يدي ربه: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة:16]، فهو ناشئة. 

ثم إن هذه الناشئة التي هي ناشئة القيام بين يدي الملِك العلَّام؛ ينشأ عنها منازلات، ورحمات، وتَعرُّفات وإِفاضات، وتَأييدات، وتَنويرات وتَقرِيبات وعَطايا وَافِرَات.

(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ):

  • ناشئة الليل: زمنه الذي ينشأ فيه، 
  • ناشئة الليل: قوْمة القائمين فيه للرب، 
  • ناشئة الليل: فائضات الجود على القائمين من الرحمن كُلُّه ينشأ في الليل. 

 (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا..(6))، وفي قراءة (وِطَاءً) بمعنى: توافق وتواطؤ القلب مع اللسان والبصر والوِجهة، فيقول: القيام في الليل وخطابنا فيه والتَّبتل إلينا فيه؛ أصفى وأوفى وأوفق في جمع القلب علينا من العمل في النهار.

(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا..(6))؛ فاطلب هذه المواطئة بين قلبك وما تسمع! لك ثلاثة عشرة ليلة تقوم تُصلِيَ التراويح، ما انفتح لك باب في هذه الموافقة؟! ومواطأة القلب لِلّسان! ومنتظر أربعة، خمسة عشر وينتهي الشهر عليك!أحضِر قلبك واصدق مع ربّك تجد أن (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6))، أهيأُ وأثبت وأقْوم في استقامة القول وحُسنه وموافقته.

 (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6))، ويشير إشارة إلى وظيفة النهار، وقد أمر بقيام الليل فيقول له: 

  • (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7))، معك مهمات تقضيها في النهار، لك فيها سبْح يعني -انطلاق بسرعة وبسهولة-
  • (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا) فراغًا وفرْصة لقضاء وظيفتك في النهار:
    •  في إرشادك خلْقنا، تعليمك عبادنا.
    •  وتبيينك وحيِنا، ووضعك الأُسس للأمة، والبلاغ عنا فيما أوحينا إليك.
    • وعنايتك بتفقد المحتاجين من أمتك ورعاية مسارهم، 
    • وإعطاء الأهل حقوقهم، والجيران حقوقهم، والأصحاب حقوقهم.
    • وأَخْذ ما يحتاج إليه بدنك  من قيلولة من نوْم في هذا النهار؛ لتكون أفرغ بالليل. -هذا سَبْحُك-.

(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7))، فاجعل ذلك السَبْح عُدَّةً مِنك لتقوم لنا في الليالي نجعل من سِر قيامِك عونًا منّا لك فيما تقوم تَسْبَحُ فيه في النهار؛ فتكون لنا بالليل وبالنهار ونكون لك -أنا ربُّ الليل والنهار- وأنت خير مَن أشرق عليه النهار، ومَن طلع عليه الليل.

فكُن في النهار على هذا الوصف، وفي الليل على هذا الوصف، وسأعود بأسرار وجهتك إليَّ في الليالي على نهارك، وبأسرار قيامك بأمري في نهارك لليلك، وسأتجلى عليك: (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ)، أنت غير مُوَدّع ولا مَقلِيّ، قسمًا بالضحى والليل، لا في ليل ولا في نهار؛ لا تَضيع ولا تُتْرك ولا تُهمل ولا يُعْرَض عنك، (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ)؛ بل (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ) [الضحى:1-4]:

  • كل ليلة خير لك من التي قبلها.
  • وكل يوم خير لك من الذي قبله.
  • والبرزخ خير لك من الدنيا.
  • والقيامة خير لك من البرزخ.
  • والجنة خير لك من القيامة.

(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ) [الضحى:4].

(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7))؛ فأدِّ مُهمَّاتك في النهار واجعل الليل لنا.

وهكذا.. لمّا جاء سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى حِمص وسألهم عن الأمير سعيد ابن عامر، فشكوا إليه أنه: لا يُكلِّم أحدًا بليل، وأنه لا يَخرُج عليهم إلَّا إذا تعالى النهار، وأنه يوم في الشهر يَنقطِع عنهم -لا يظهر لهم- يوم في كل شهر. هاتوا سعيد -سعيد يا ابن عامر، شكى القوم ثلاثَ خصالٍ فيك، قال يا أمير المؤمنين: "أني كنت أُحب أنْ يكون هذا سرٌ بيني وبين ربي، وإذ سَألتَ بشكوى القوم، ووجب عليَّ أن أُبيَّن لك:  

  • فأقول: أمّا أنّي لا أُكلّم أحدًا منهم بليل؛ فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي، قال: أنا أحتاج خلوة مع الله، أنا أحتاج لذّة المناجاة، فكوني أمير عليهم وأعطيهم الليل والنّهار؟! أسبح في النهار لهم بواجب الإمارة، وأقوم في الليل بسِرّ الطّهارة، قال: الحمدلله. 
  • فلِمَ لا تَخرُج إلَّا إذا تعالى النهار؟ قال: ياأمير المؤمنين، ما عندي خادم في البيت، وأحتاج إلى أن أطبخ لي ولأهلي، فأنا أعجن وأخبز-يعني إذا قَضيتُ صلاة الضّحى بعد ارتفاع الشمس أعجن، وقد يطحن- ثم يعجن ثم يخبز، ثم أخرج إليهم، قال: الحمد لله. 
  • فلمَ تسكت -تنقطع عنهم- يوم في الشهر؟ قال ياأمير المؤمنين: ما معي غير هاذين الثوبين، وفي الشهر تحتاج تغسيل، فأنا أغسل ثوبيَّ وأُجففهما، فإذا جفَّ خرجتُ لهم في آخر النهار، قال: الحمدلله. 
  • وذكروا وصف رابع قالوا: تعتريك أحيانا وأنت بينهم غشية ثم تُفيق، قال: نعم يا أمير المؤمنين، حَضَرتُ قبل إسلامي قَتلَ خُبيب، وشهدتهم يقولون له -يقولُ أبوسفيان:- أتُحب أنَّ محمدًا مكانك، وأنك آمن في أهلك وولدك؟ فقال: والله ما أحب أن محمد تصيبه شوكة في مكانه الذي هو فيه، وأني في أهلي وولدي، قتْلي أحبُّ إلي وأهون من أن يُشاك رسول الله بشوكة في رجله.

حتى قال أبوسفيان: ما رأيت أحدًا يُحب أحدًا كما يُحِب أصحاب محمد محمدًا، ثم قال: أمهلوني حتى أصلي ركعتين قال: فصلّى الركعتين، ثمَّ قدموه؛ ليقتلوه، فالتفت يقول: يا ربّي ليس في هذه الوجوه من أُرسل إليه السلام لنبيك، فبلِّغ نبيك عني السلام، قال: وقتلوه. فعندما أتذكر هذا الموقف إلَّا وخِفتُ أن أُسأل عنهُ يوم القيامة؛ فتصيبني تلك الغشية. قال: الحمدلله الذي لم يُخَيّب ظنَّنا فيك. 

شكواهم مردودة عليهم، وأنت نِعْمَ القائم بالأمر؛ يقوم بالليل، ويسْبح في النهار كما شرع القرآن (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)).

 يقول له جلَّ جلاله: 

  • (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ..(8))، اتَّصِل بالمقصود من القيام والعمل والسَّبح في النهار وكل العبادات، كما قال لسيدنا موسى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه:14]. 
  • (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) -الله أكبر- استقم في باطنك على ذكري، وشهودك لي، وعلِّم أُمَّتك أنَّ أوَّل ذلك بذكر اسمي، فإذا تعلَّموا ذِكْرَ أسمائي وقاموا بحقِّها (وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا) [آل عمران:41]، واذكر ربك، واذكر الاسم، واذكر ربك؛ علِّمهم أنه من ذِكر الاسم يمرُّون إلى ذكري.

فأوَّل ما يمتلؤن بذكرِ أسمائي وصفاتي، فإذا امتلؤا وأخَذتْ مجامع عقولهم وقلوبهم؛ خَلَصوا إليّ، فصاروا يَذكرونني بل يرقُبون سِرَّ ذكري إياهم، حتى قالوا في معنى قوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]: 

  • أي لتقيم ذكرك لي أو لذكري لأجل تنال ذكري إياك. 
  • (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي): 
    • فأولها: لتُقيم ذكرك لي.
    • ونهايتها: لسر ذكري إياك وشرف ذكري لك. (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152].

 لهذا قال: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) تَبتَّل إلى ربك..

  • (تَبْتِيلًا) تبتيلًا؛ ابتداءًا أن تُبتّل نفسكَ له لتُصبح مُتَبتّلًا -تَبتّل-. 
  • تبتل إلى ربك، مرورًا بالتَّبتيل أي بصدق إقبالك عليه، وانقطاعك عما سواه حتى: 
    • لا تقصد غيره.
    •  ولا ترى غيره.
    • ولا تشهد سواه.
  •   (تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) اجعل انقطاعك إليه، فانقطع عن كل ما سواه.

(تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)، ومن هنا سميت السيدة مريم بالبتول، والسيدة فاطمة الزهراء، وكان زيد بن أسلم يقول: التَّبتُّل هو الرفض للدنيا وكل ما فيها والرغبة في الله. 

(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8))؛ وذلك لأن الحقيقة أنَّ جميع ما أمامك في قبضته وأسره ومن خلقه وإيجاده فما له أن يَقطَعُك عنه ولا أن يُشغِلك عنه.

(رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ربُّ المشرق والمغرب، وحينئذ من شهود عبوديتِك بربوبيته تأتي إلى كمال التألُه: 

  • (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ..(9))، فإنك مهما شَهِدتَ تربيتَهُ إياكَ فأنت في طريقِكَ التَّبتَُل لم يَكمُل تبتِلك؛ حتى تنقطع عن نفسك وعن تربيتك وتبقى مع المربي وحده بألوهيته. 
  • وأُلوهيتُهُ من شأنها أن يضمحل كل شيء أمامها (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) حينئذٍ تَصدُق في التفويض إليه، والاعتماد عليه؛ (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا).

(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9))، اجعله وكيلًا لك، يعني إذا بلغت هذه الدرجة تَوليَتُك بعظمتي، فكنت النائب عنك في جميع شؤون الدنيا والبرزخ والآخرة. 

وترى إذا واحد له قضية أوعنده غرض ووجد محاميا كبيرا، وله ظهر كبير، وله نفوذ واسع يقول: الحمد لله حصَل المطلوب، هذه القضية لك ومنك وإليك، ما المحامين، وما أهل النفوذ؟! وربُّ العرش يقول له: اتخذني وكيل لك، أنا سأتولّى أمرك، أنا سأقوم بشأنك. (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9))، حينئذ تقوى على كل ما يقول مَن حواليك.

(وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ..(10)) فلا تتأثر بقول أحد فقد فوضتَ أمرك إلى الأحد، فأنَّ تتأثر بقول مخلوق، (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))، ما أعجبها من تعليمات من رب البريات إلى خير البريات.

هذا يُذكِّر ببعض أرباب القيامِ والتبتل إلى الرحمن الحبيب علوي بن عبد الله بن شهاب الدين، أنه في مثل هذا اليوم كان انتقاله -عليهم رحمة الله- والله يجمعنا بأهل القرآن، مع أهل القرآن، في أهل القرآن، مع مَن أُنزل عليه القرآن، إلى أعلى الجِنان وهو راضٍ عنّا أتم الرضوان.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

14 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

29 مايو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام