(445)
(628)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} إلى قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} من سورة المزمل
﷽
(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله مُكرمنا بالتّنزيل، وبمن قام في حقِّه بأحسن التبيين والترتيل، فهدانا به إلى أقوم السبيل، وسقانا به من أحلى سلسبيل، اللهم فصلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدك المُجتبى المصطفى النور المستطيل، سيدنا محمد وعلى أهله وأصحابه أهل المجد والتفضيل، وعلى مَن تبعهم بإحسان في النّية والقصد والفعل والقِيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التمجيد والتكريم والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد ،،،
فإننا في تلقّي فضل ربنا، وفيض ربنا، ونور ربنا، وهداية ربنا -جلَّ جلاله- وإحسان ربنا سبحانه وتعالى، وبيانه فيما أوحاه إلى عبده المصطفى محمد ﷺ، ابتدأنا نتأمل في سورة المزمل خطاب الملكِ الجليل لعبده الصادق المُتبتِّل محمد ﷺ: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2))، وقلنا إنه إرشادٌ رباني لصاحب الشرف العدناني يُبيّن لنا: مكانة القيام بالليل وتأثيره العظيم لمن قام بالليل على الوجه الذي أَحبه الله وشرعه الله -تبارك وتعالى- لنا:
فمن كان يقوم من الليل على هذا الوصف والحال بصلاة، أو تلاوةٍ، أو ذكر، أو علم وما إلى ذلك، فإنّه يُثمر له ذلك القيام:
حتى يكون نهارُه مشرقًا بنور التوفيق والتأييد والتسديد من قِبل الذي قام له في الليل، وإن إضاعة هذا القيام على هذا الوصف وهذا الحال من أقوى أسباب الاختلال في الأمة ووقوع الغمة:
فدُعي كثير من الناس، لا من قِبل الله، ولا من قِبل رسوله، ولكن من قِبل أهل السُوء والشّر في الأرض؛ أن يكون لهم قيامٌ في الليل على المناظر السيئة، أو الألعاب المحرمة، أو الاستهزاء بالآيات، أو القطيعة، أو الأذى، أو إقامة الخطط للنيل من الآخرين والضُّرِ بالعباد؛ فصاروا يقومون الليل بهذا الحال وهذا الوصف، عكس ما أحب الله؛ فزادهم ظُلمة وبُعدًا وغَيًّا وسوء تصرف، وسوء عاقبة -والعياذ بالله-.
إن أحدًا من الذين شرَّع تلك البرامج لسهرات الليالي، لم يخلُق الليل! لكن خالق الليل أرسل إلينا الرسول وقال: اعْمُروا اللّيل الذي خلقته بكذا، وقوموا فيه بكذا، فنترك أمر رب الليل لنُمضِّي الليل في مخالفة هذا الرَّب وطاعة مَن لم يخلقنا ولم يخلق ليِلنا، ولم يخلق النهار لنا؟!: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) [القصص:72] مَن..مَن؟ هل تَكتب برقية لأحد؟! لمَن؟! وتَتَّصل بأي دولة؟ وكذلك فالنهار.
خالق الليل والنهار رتب لنا الترتيب الأطيب، كيف نقضي الليل؟ كيف نقضي النهار؟ فلا ينبغي أن نخرج عن منهاجه، مستجيبين لمن لم يخلُقنا ولم يخلق ليلًا ولا نهارًا، وأفسد في الليل وأفسد في النهار وأراد أن نتبعه في الفساد: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:89].
إذًا فلابد من مراجعة المسلمين أنفسهم في برامج الليل والنهار، كيف تنقضي؟ وكيف تُرتَّب للأفراد والأُسر ومُجتمعات الإسلام؟ وانظر إلى الأثر الذي حصل حتى في ليالي رمضان المباركة؛ صار كم مِن كَمٍّ هائلٍ من المسلمين يقضي الليالي لا في الصلاة، ولا في القيام، ولا في التّراويح، ولا في الوِتر، ولا في القرآن؛ ولكن في:
في ليالي رمضان! وهذا وصول إلى عمق حال المسلمين وتغيير في صُعْب منهج المؤمنين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- واستجابة للكَفرة والفسقة والفجرة بدل الاستجابة للرحمن ورسوله الذي أُنزل عليه القرآن. قَام الليل، فكيف قام؟ جاء في سنته:
وبذلك جاءت سيرة أصحابه الأكرمين الغُرّ الميامين ومَن تبعهم بإحسان.
تولّى الخلافة، سيدنا عمر بن عبد العزيز، قال لزوجاته الأربع: جاءني ماشغلني، لا أجد التفرغ لإعطائكن حقوقكن، فمن أرادت أن تبقى معي على أن تُسقط حقوقها، ومَن أرادت طلَّقتها ومتَّعتُها ومشت؛ فذهبنْ كلهن إلَّا واحدة بقيت معه..
خلافة لمدة سنتين ونصف، غيَّرت وضع العالم - غيرت وضع العالم الإسلامي كله؛ لكن بهذا الحال، وبهذا الشأن، ما كان يجري اتصالات مع أمم مُتحدة ولا مُلحدة؛ ولكن كان يجري كل ليلة اتصالات بالرَّب .. بالإله الخلَّاق .. مُتبَتِّل .. مُتَّبع للمُرْسل ﷺ، وبذلك كانت خلافته على هذا الوجه، الذي سِير فيها بالذهب من مدينة إلى مدينة فلم يوجد مَن يقبله..
سنتين ونصف .. دول تصلح خطط خمسية وخمسية فوق الخمسية، وخمسية فوق الخمسية؛ ولا جاءت بنتيجة بَهَِّية، لا في الخمسية الأولى ولا في الخمسية الثانية:
لكن هؤلاء بخططهم كيف يقضون الليال؟ كيف يقضون الليال؟! أكما شرع ربّ العالمين؟! أكما سنَّ سيد المرسلين؟! لا! فأنَّ لهم أن يصلحوا الأحوال! وكيف تصلُح على أيديهم الأحوال؟ أَظَنّوا أن ملِك المملكة أهملها وضيعها، ليعمل مَن شاء ما شاء فيها؟!
(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) -على هذا الوجه- (نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)، من أعظم وظائف الليل وكيفية القيام فيه: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) -رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا- بيّنه:
وقد كان يقول الإمام الشافعي في قراءة القرآن: "فَلَإِنِّي أرى أن أقلَّ ما فيه أن يُبين حروفه ويخرجه كاملًا، فإن زاد على ذلك كان أحب إلي، ما لم يصل إلى التمطيط -قال: رجَّعه إلى تمطيط-؛ لأن المقصود بالترتيل، استكشاف معاني التنزيل وأسرار الخطاب الجليل؛ فإذا انصرف من انكشاف المعاني إلى مراعاة الحروف والألفاظ فقد انقطع عن المقصود من الترتيل كله، إنما مقصود الترتيل: أن يستبين المعاني العالية في الخطابات الإلهية الشّريفة الغالية".
وقد تقدم معنا:
(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) ثم إنه الذي يستبين من المعاني ما لا يستبين غيره، ثم إنه الذي يُبين بأمر الله تعالى؛ (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44]، فيكون من سِر قَومَته بين يدي الرَّحمن واستِنزاله لِفَائِضَات الامتِنَان؛ قُوّة في حُسن البيان لِيُبَيِّنُ: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) -بَيِّنهُ تَبيِينَا- وقد أحسن بيانه ﷺ.
(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) يعني أمرناك بهذا القِيام والانتصاب بين يدينا وارتقاءِ ذِروةٍ في أسرار الصلة بيننا وبينك، وتُرتّل كتابنا بهذا المعنى؛ لأننا (سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) لا تستطيع حملهُ إلَّا بهذه الّتعبئات والتّمهيدات والتأييدات والاستعدادات، إنه قولٌ لو نزل على الجبال لدكَّها: (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشر:21]. وإن ينزل على قلب محمد، فكيف يحمل هذا القلب ما لا تحمله الجبال، قال له: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4))؛ لتحمل عنَّا القول الثقيل: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)):
وهذا ثقيل!
خَلِيلَيَّ هَل مِن مُسعدٍ منكُمَا على *** سُلُوكِ سَبِيلٍ دَارِسٍ وَخَفيَةٍ
تَأَخَّرَ عَنهَا الأَكثَرُونَ فَأَعرَضُوا *** لَمَّا عَلِمُوا فِي قَطعِهَا مِن مَشَقَّةٍ
ولكن هذه المشقة تجلُب أنواع الراحة واللّذائذ بما لا يُوصف ولا يُعد -هذه المشقة- التي تُخالِف فيها نَفسك وهَواك وتُطيع مولاك؛ تفتح لك أبواب الحَلاوة واللّذائذ والسّرور والأُنس والرَّاحات بما لا يُعدُّ ولا يُحدُّ ولا يَنتهي، على السرمد، فيا ما أعجبها من مشقة تجلب هذا الخير!
يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) الله :
وَمُبَرَّأٌ عن كُلِّ غُبَّرِ حَيضَةٍ *** وَفَسادِ مُرضِعَةٍ وَداءٍ مُغيِلِ
وَإِذا نَظَرتَ إِلى أَسِرَّةِ وَجهِهِ *** بَرَقَت كَبَرقِ العارِضِ المُتَهَلِّلِ
قالت: فوَضع ما في يده وجاء وقبّلني وقال: ما سُررتِ مِنِّي كَسُرُورِ مِنك" يعني فَرِحتُ لَكِ بِمَا انفَتَحَ لَكِ مِن المَشهَدِ العَالِي؛ وذلك علامة عناية الله بها.
(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ..(6)) منشأُه: بدايته (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)):
ثم إن هذه الناشئة التي هي ناشئة القيام بين يدي الملِك العلَّام؛ ينشأ عنها منازلات، ورحمات، وتَعرُّفات وإِفاضات، وتَأييدات، وتَنويرات وتَقرِيبات وعَطايا وَافِرَات.
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ):
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا..(6))، وفي قراءة (وِطَاءً) بمعنى: توافق وتواطؤ القلب مع اللسان والبصر والوِجهة، فيقول: القيام في الليل وخطابنا فيه والتَّبتل إلينا فيه؛ أصفى وأوفى وأوفق في جمع القلب علينا من العمل في النهار.
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا..(6))؛ فاطلب هذه المواطئة بين قلبك وما تسمع! لك ثلاثة عشرة ليلة تقوم تُصلِيَ التراويح، ما انفتح لك باب في هذه الموافقة؟! ومواطأة القلب لِلّسان! ومنتظر أربعة، خمسة عشر وينتهي الشهر عليك!أحضِر قلبك واصدق مع ربّك تجد أن (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6))، أهيأُ وأثبت وأقْوم في استقامة القول وحُسنه وموافقته.
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6))، ويشير إشارة إلى وظيفة النهار، وقد أمر بقيام الليل فيقول له:
(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7))، فاجعل ذلك السَبْح عُدَّةً مِنك لتقوم لنا في الليالي نجعل من سِر قيامِك عونًا منّا لك فيما تقوم تَسْبَحُ فيه في النهار؛ فتكون لنا بالليل وبالنهار ونكون لك -أنا ربُّ الليل والنهار- وأنت خير مَن أشرق عليه النهار، ومَن طلع عليه الليل.
فكُن في النهار على هذا الوصف، وفي الليل على هذا الوصف، وسأعود بأسرار وجهتك إليَّ في الليالي على نهارك، وبأسرار قيامك بأمري في نهارك لليلك، وسأتجلى عليك: (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ)، أنت غير مُوَدّع ولا مَقلِيّ، قسمًا بالضحى والليل، لا في ليل ولا في نهار؛ لا تَضيع ولا تُتْرك ولا تُهمل ولا يُعْرَض عنك، (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ)؛ بل (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ) [الضحى:1-4]:
(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ) [الضحى:4].
(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7))؛ فأدِّ مُهمَّاتك في النهار واجعل الليل لنا.
وهكذا.. لمّا جاء سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى حِمص وسألهم عن الأمير سعيد ابن عامر، فشكوا إليه أنه: لا يُكلِّم أحدًا بليل، وأنه لا يَخرُج عليهم إلَّا إذا تعالى النهار، وأنه يوم في الشهر يَنقطِع عنهم -لا يظهر لهم- يوم في كل شهر. هاتوا سعيد -سعيد يا ابن عامر، شكى القوم ثلاثَ خصالٍ فيك، قال يا أمير المؤمنين: "أني كنت أُحب أنْ يكون هذا سرٌ بيني وبين ربي، وإذ سَألتَ بشكوى القوم، ووجب عليَّ أن أُبيَّن لك:
حتى قال أبوسفيان: ما رأيت أحدًا يُحب أحدًا كما يُحِب أصحاب محمد محمدًا، ثم قال: أمهلوني حتى أصلي ركعتين قال: فصلّى الركعتين، ثمَّ قدموه؛ ليقتلوه، فالتفت يقول: يا ربّي ليس في هذه الوجوه من أُرسل إليه السلام لنبيك، فبلِّغ نبيك عني السلام، قال: وقتلوه. فعندما أتذكر هذا الموقف إلَّا وخِفتُ أن أُسأل عنهُ يوم القيامة؛ فتصيبني تلك الغشية. قال: الحمدلله الذي لم يُخَيّب ظنَّنا فيك.
شكواهم مردودة عليهم، وأنت نِعْمَ القائم بالأمر؛ يقوم بالليل، ويسْبح في النهار كما شرع القرآن (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)).
يقول له جلَّ جلاله:
فأوَّل ما يمتلؤن بذكرِ أسمائي وصفاتي، فإذا امتلؤا وأخَذتْ مجامع عقولهم وقلوبهم؛ خَلَصوا إليّ، فصاروا يَذكرونني بل يرقُبون سِرَّ ذكري إياهم، حتى قالوا في معنى قوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]:
لهذا قال: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) تَبتَّل إلى ربك..
(تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)، ومن هنا سميت السيدة مريم بالبتول، والسيدة فاطمة الزهراء، وكان زيد بن أسلم يقول: التَّبتُّل هو الرفض للدنيا وكل ما فيها والرغبة في الله.
(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8))؛ وذلك لأن الحقيقة أنَّ جميع ما أمامك في قبضته وأسره ومن خلقه وإيجاده فما له أن يَقطَعُك عنه ولا أن يُشغِلك عنه.
(رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ربُّ المشرق والمغرب، وحينئذ من شهود عبوديتِك بربوبيته تأتي إلى كمال التألُه:
(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9))، اجعله وكيلًا لك، يعني إذا بلغت هذه الدرجة تَوليَتُك بعظمتي، فكنت النائب عنك في جميع شؤون الدنيا والبرزخ والآخرة.
وترى إذا واحد له قضية أوعنده غرض ووجد محاميا كبيرا، وله ظهر كبير، وله نفوذ واسع يقول: الحمد لله حصَل المطلوب، هذه القضية لك ومنك وإليك، ما المحامين، وما أهل النفوذ؟! وربُّ العرش يقول له: اتخذني وكيل لك، أنا سأتولّى أمرك، أنا سأقوم بشأنك. (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9))، حينئذ تقوى على كل ما يقول مَن حواليك.
(وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ..(10)) فلا تتأثر بقول أحد فقد فوضتَ أمرك إلى الأحد، فأنَّ تتأثر بقول مخلوق، (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10))، ما أعجبها من تعليمات من رب البريات إلى خير البريات.
هذا يُذكِّر ببعض أرباب القيامِ والتبتل إلى الرحمن الحبيب علوي بن عبد الله بن شهاب الدين، أنه في مثل هذا اليوم كان انتقاله -عليهم رحمة الله- والله يجمعنا بأهل القرآن، مع أهل القرآن، في أهل القرآن، مع مَن أُنزل عليه القرآن، إلى أعلى الجِنان وهو راضٍ عنّا أتم الرضوان.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
14 رَمضان 1439