(445)
(628)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} إلى آخر سورة المدثر
﷽
(فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
الحمدلله مُكرِمِنا بالأنوار التي تتلألأ على الدّوام والخيرات العِظام والمِنن والنِّعَم الجِسام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، ذو الجلال والإكرام، ونشهد أن سيّدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خيرُ الأنام، أعظمِ من لِربِّ العرش على ما يُحبُّ استقام، صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله المُطهّرين وأصحابه الكرام، وعلى مَن تَبِعهم بإحسان إلى يومِ القِيام، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادة الأعلام، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصّالحين وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرحمين.
وبعد،،،
فإننا في مَنِّ الله علينا بالتأمُّل في آياته وخِطاباتِه وكلماتِه وتعليماتِه وتوجيهاتِه في الأيّام المُباركات والسّاعات التي هي من غنائم السّاعات لِمَن قُبِلَ فيها عند ربِّ البريّات؛ اللهم اقبلنا على ما فينا يا مُجيب الدّعوات.
انتهينا إلى أواخر سورة المُدَّثِّر حيث يَذكر الحقّ -جلَّ جلاله- أخبار المئآب والمرجِع، وإِتيَان اليقين لكلِّ أحدٍ وهو: الموت، قال -صلى الله عليه وآله وسلّم- لسيّدنا عثمان بن مَظعون عندما مات: "أَمَّا هُوَ فَقََدْ أَتَاهُ اليَقِين"، وكذلك قال أهل النّار لمّا سُئِلوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46))، أي يوم الجزاء والحِساب.
(يَوْمِ الدِّينِ)، يوم يُدان النّاس فيه ويُجَازَون ويُحاسَبون على أعمالهم ووِجهاتهم، (حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47)) حتّى جاءت الغرغرة وشاهدنا الأمر كما أَخبر الحقُّ ورسولُه، وهكذا تقول الملائكة لهم إذا حُشِروا في القيامة وقال قائلهم: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)، فتقول لهم الملائكة، (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52] هذا الذي خبّركُم به الأنبياء، هذا الذي حدَّثكم عنه رُسُل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
يقول الله عن أولئك الذين ماتوا على الكفر: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)) فأثبت الله الشّفاعة للشّافعين، وتلك مَواهب يهَبُها الله -جلّ جلاله- ويجعلها مظهر من عظيم مظاهر رحمته؛ أن يُشفِّع الأنبياء، الملائكة، العلماء، الشّهداء؛ حتى أنّ كلَّ من كان شهيدا نال رُتبة الشّهادة من شهداء الدّنيا والآخرة أو من شهداء الآخرة؛ فيخرج شهداءُ الدّنيا لا نصيبَ لهم من الأجر، ولا من الشّفاعة ولا من المَكانة، كيف؟!
وقد صحّ في الحديث: "ما تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قالوا: يارَسولَ اللهِ، مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فقُتِل فَهو الشَّهِيد، قال؛ إذًا إنَّ شُهَداءَ أُمَّتي لَقَلِيلٌ ، قالوا: فمَن هُمْ يارَسولَ اللهِ؟ قالَ: مَن قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ لتكون كلمةُ الله هي العليا فَهو شَهِيدٌ، والمقتول مبطونا شهيد، والمقتول ظُلما شهيد، والمطعون شهيد، والغريق شهيد، والميّت تحت الهَدم شهيد، والمرأة تموت بِجُمْعٍ -يعني بنِفاسٍ بعد الولادة- شهيد"؛ فهؤلاء كلّهم شُهداء، الشهداء كثير.
حتى قال في الحديث:" إنَّ أكثرَ شهداءِ أُمَّتِي أصحابُ الفُرُشِ" أكثر الشهداء الذين يحضُرون في القيامة برُتبة الشّهادة ماتوا على فُرُشِهم، "ورُبَّ قتيلٍ بين الصفَّيْنِ اللهُ أعلمُ بنِيَّتِهِ"، يقول ﷺ : "ورُبَّ قتيلٍ بين الصفَّيْنِ اللهُ أعلمُ بنِيَّتِهِ"، لَكِنْ أكثرَ شهداءِ أُمَّتِي أصحابُ الفُرُشِ.
(فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)) "الشهيد يُشَفَّع في سبعينَ من أهلِ بيتِه كلّهم قد وجَبَت لهم النار" سبعين استحقّوا دخول النار؛ فيشفع فيهم، لا يدخلون النار، هذا أقلّ شهيد مقبول عند الله -تبارك وتعالى-، وبعد ذلك كلٌّ يشفَع على قدر وَجاهته ومنزِلته عند الربّ:
ولكن هؤلاء الكفار: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)) أي فأين تنالهم الرحمة؟! وغاية ما يُمكن أن يطمع فيه الطّامِع من الرحمة أن يشفع فيه مُقرَّب عند الله، ومحبوبٌ عند الله، قال؛ ولا شيء ولا يُحصِّل؛ (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)، نعوذ بالله من غضب الله ونسألهُ أن يُشفِّع فينا عبده محمد بن عبد الله ويُشفِّع فينا الصالحين.
يقول: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)) يقول الرّحمن؛ وبعد ظُهور الآيات والبَلاغ والإنذارات، ووُضوح الصّدق في وجهك وقولِك وعملِك وما جِئتَهم به: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ، مُعْرِضِينَ (49)) ما قصّتهم؟ ما الخبر؟ ما هذا الاستِتْباَع للشّهوات وللأهواء؟! إلى هذا الحد يَصِلون!
(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49))؛ يعني هذه مُصيبتهم، من هنا أوتوا، هذه بليّتهم: أعرضوا عن التذكرة، أرسلنا إليهم المُذكِّر وأنزلنا إليهم التَّذْكِرَةِ؛ فأعرضوا (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ).
ويُبيّن سبحانه وتعالى نَفرة قلوبِ مَن لم تسبق له السّعادة مِن كلّ مَن سبقت عليه الشّقاوة والعياذ بالله! نفرته من التَّذْكِرَةِ بالحقّ، بالآخرة ينفِر (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50))، (حُمُرٌ) حمير، (مُّسْتَنفِرَةٌ) استُنفِرت، بماذا؟ (فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)) جماعةُ الصيّادين الذين يصيدونها، (قَسْوَرَةٍ) أرباب القِناصة، القنّاصين الذين يصيدون، لمّا تراهم الحُمُر تفِرّ منهم، الحمُر الوحشيّة.
(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)) هكذا يتعاملون مع التّذكير بآيات الله والتّذكير بكلام الله، يفِرّون وينفِرون ولا يُحبّون أحد أن يُذكِّرهم ولا يستجيبون.
قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه:124] تعرِف المعيشة الضّنك؟ أن ينتابه في الحياة الدّنيا هموم وآفات وغُموم وكُرَب وضِيق لا يَعرِف سببه، سواء أن كان واسع المال أو قليل المال، حتى جاء في تفسير عند بعض المفسّرين يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) قال؛ رزق كثير حرام، رزق من حرام يتحوّل عليه نار، ويَتعَبُ به في الدّنيا وتنالُه الهموم والغموم، فلا يَشتفي به ولا يَكتفي به ولا يَتنعّم به ولا يَتلذّذ به؛ الرزق كثير لكنه لا ينتفع به -إنا لله وإنا إليه راجعون!- (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)، وياليت لهم معيشة ضنكا وتنتهي!، قال: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ)؛ هذا لمن أعرض عن ذكر الله.
قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ) -يغفَلُ- (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف:36]؛ فجميع الارتقاء في رُتب الإيمان كلها:
كثرة ذكره تعالى بحضور القلب؛ هو سبب كل رِفعة وشرف وكرامة وارتقاء الدّرجات العُلا وحيازة المكانة عنده جلَّ جلاله وتعالى في علاه؛ وترى مِصداق ذلك، كم تكرر معنا الحديث الصحيح، عندما يُسأل نبيّنا عن مظاهر الأعمال الصالحة؛ فيحكُم أنّ أعظم أهلها أكثرَهم ذِكرا لله تعالى، يقول:
ثُلث الشّهر مضى علينا، عشرأيّام صُمنا فيها؛ أعظمنا ثوابا في الصّيام أكثرنا ذِكرا لِمَن صُمنا لأجله، الذي صُمنا له جلَّ جلاله، من هو أكثرنا ذِكرا في الصوم لهذا الإله هو أعظمُنا أجرا في الصوم.
(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)) الإعراض عن الذكر والتّذكر سبب جميع دركات النّار والوُصول إليها؛ وسبب كل طَرد وكل بُعد وكل حجاب هو الغفلة، الإعراض، التّولِّي -أعوذ بالله من غضب الله- يقول تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ)، أي مُحدَثٌ مَجيئُه وشأنه، (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)، ماهذا اللعب؟! قال: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)، هذا مظهر اللعب: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء:1-3]، لا تتذكّر قلوبهم المعاني، لا تَلتفِت إلى الدّلالات في خِطاب الله ورسوله.
(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51))؛ ومن هنا قال الإمام الحداد في أقوى أسباب قُوّة اليقين هو حُسن الإصغاء والاستماع لآيات الله الدّالة على عظمته وجلاله والتي أبدى فيها عن رُسُله وما فعل بهم من النّصر والتّأييد وما حلّ بمُعانديهم من المَثُلات والعقوبات وسوء المصير.
هذه الآيات تَدَبُّرها وتَأَمُّلها هو من أسباب اليقين أقوى أسباب اليقين، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ)؛ فكان في هذا الكتاب الذي يُتلى من ربّ الأرباب -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه- علينا كفاية وهداية لمن استهدى ولِمن وُفِّق؛ رزقنا الله الادِّكار والاعتبار والتّذكُّر إنّه أكرم الأكرمين؛ قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت:51]؛ الله يربطنا وإيّاكم بتدبُّر آيات الكتاب ويجعل نصيبنا منه وافرا كاملا في رمضان هذا وفي كل وقت إنه الكريم الوهّاب.
يقول تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)) مع ذلك يَتمنّون ويتكلّمون ويتعلّلون ويَتَعذّرون، بماذا؟ يقولون؛ يا محمد إن كنت صادقا أنك رسول من عند الرب، اِجعلْ أن يُصبح عند رأس كُل واحد مِنا كتاب؛ يُصبِح عند رأسه كتاب من رب العالمين، يقول له: آمن بمحمد!! يأتي جماعة من المُشركين يقولون كان في بني إسرائيل تنزِل عليهم كتب عند رؤوسهم، هات لنا كُتب!.
قال الله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52))، ناس مُتمَنِّين متعللين مُتَعَذِرين يريدون ربُّ العزّة وديانتِه ووَحيِه وأنبيائِه على كيفهم!! هل هي لعبة ؟! هل الأمر مَسخَرة؟!
وبعض الناس كثير الحق أمامه، لاندري، كأنه يريد الأموات أن يأتوا ويُكلّموه أو جبريل بنفسه ينزل عليه؟! قد جَعَل الله تعالى بُروزَ الحقّ على أيدي الأنبياء، ثم على أيدي أتباعهم في كل زمان وخصوصًا هذه الأمة المحمديّة:
(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)) لم يحسَبوا حسابَهم للعاقِبة، ما انتبهوا من المصير؛ لهذا جاءوا بالكلام الكثير الفارغ هذا، والاقتراحات هذه والتعلّلات هذه، ولو أُكرِموا بالإيمان بالواقع والحقيقة والآخرة لكان أُسلوبُهم ثاني، وخطابُهم ثاني، وكلامُهم معك ثاني.
(كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)) وهو أهم ما يخافونه وأعظم ما سيُلاقُونه؛ لكن أساءوا الترتيب في اهتماماتهم فاهتمّوا بالحقير والزائل والفاني، أما الكبير الخطير المُقبِل عليهم فقد أعرضوا عنه.
(كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)) والحقُّ يُعلِّمنا في نبيِّه بنفسه:
فكل من لا يخاف الآخرة فليس له حقيقة إيمان ولا يمكن أن يكون عالم ولا يمكن أن يكون وليّ ولا صالح.
لكن من لم يَخَف ذلك اليوم كيف حاله في ذلك اليوم؟! مَن يَقِيه شرّ ذلك اليوم؟! إنما من خاف ذلك اليوم يُوقَى شر ذلك اليوم، قال سبحانه: (كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ)، أي هذا القرآن المُنزَل إليك، (تَذْكِرَةٌ (54)) ونِعمَ التّذكرة، ما أتمّها وما أكملها وما أجملها؛ اللهم افتح أقفال قلوبنا لتَفْقَه عنك أسرار كتابك.
(كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54))، يقول الله: (فَمَن شَاءَ) أراد أن يتنوّر بهذا النّور وأن يتطهّر بهذا التّطهير وأن يرقَى بهذا المعِراج، (فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ) تأمَّل وتدبَّر وأقبَل بِصِدق ويفتَح الحقُّ عليه؛ كما قال في الآية الأخرى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:22]، يقول ابن عباس: هل مِن طالب علمٍ فيُعَان عليه (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟ (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) يسّرناه لتتذكّرُوا بالتدبّر وتتأمّلوا فتتنوَّرُوا وتتطهّروا وتَقرُبوا؛ فارتبِط بالقرآن.
قال تعالى: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاءَ)، (فَمَن شَاءَ) أرادَ وأحبَّ ورَغِب (ذَكَرَهُ)، تَدبّر القرآن وتَصفّى عن الأدران وكُشِف عنه الحجاب والرّان؛ (فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (55)) ولكنّها سَوابِق لمن أراد الله له السّعادة فيشاءُ ويُقبِل، ولِمن سبقت عليه الشّقاوة فيُعرِض ويُدبِر.
(وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ (56)) ذَكِّرنا يا رب، ذَكِّرْنا ما نَسينا وعلِّمنا ما جهِلنا وانفَعنا بما علّمتنا وعلِّمنا ما ينفَعُنا يا أرحم الراحمين، (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) لو لم يُرِدْ أن ينال سَمعك فيجلِب إلى قلبك نصيب من نور التذكّر، ما أتيت إلى هنا، ما أحضرك هنا، (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) الله رآك حَضَرْت، الله رآك سَمِعْت؛ له الحمد، أتمِم علينا النِّعمة يا رب.
(وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)):
هو أَولى أن يُتّقَى من أي شيء، أَولى أن يُتّقى من الدّول ومن المُخابرات ومن الأحزاب ومن الأسلحة؛ الربّ أَولى أن يُتّقى من هذا كله، هذه كلها في قبضَتِه، لكن هُوَ من يُنجِيك منه، هوَ من يحُول بينك وبينه، فهو أَولى أن يُتَّقى.
قال تعالى: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ) وأوّل تَقواكَ له أن تنفي عنه الشريك؛ فلا إله غيره فإذا نفَيتَ أي إلهٍ سواه، صار هو (أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)):
لا إله إلا الله! يا ما أَعظمَه من ربّ! ويا ما أَكرَمه!.
(هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56))، لمّا خاطَبهُ إبليس في أول ما طَردَه وأعلن إبليس عداوتَه لآدم وذريّته ثم قال: "وعزَّتِك وجلالك مازالت أُغوِيهم ما دامت أرواحُهم في أجسادِهم"، أدخُل بالغواية عليهم، ما داموا أحياء، من أي طريق، لن أتركهم، فقال : "وعزَّتي وجلالي مازالت أغفرُ لهم ما استغفَرُوني"، لا إله إلا الله!.
(هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)):
ونبيّنا يقول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكَفِّراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبَت الكبائر".
ووسّع أسباب المغفرة لعِباده عامّة ولِأُمّة محمد خاصّة، وفي رمضان خاصّة؛ ولهذا "ويلٌ لمن مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فلمْ يُغْفَرْ لهُ"؛ أدرَكْت رمضان وربُّك أهل المغفرة؛ فلم تتّقِه ولم تُقبِل عليه حتى خرجتَ عن دائرة مغفرته؛ فويلٌ لمن أدرَك رمضان ولم يُغفَر له؛ إن لم يَغفِر لهُ فيه فمَتى؟!.
اللّهم اغفِر لنا يا خير الغافرين، "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن"؛ اللهم أعصِمنا من الشرك واغفِر لنا ما دون ذلك، اللهم أعصِمنا من الشرك واغفِر لنا ما دون ذلك، اللهم اعصِمنا من الشّرك واغفِر لنا ما دون ذلك، اللهم إنّا نعوذُ بك أن نُشرِك بك شيئا ونحن نَعلَم، ونستغفِرُك لما لا نعلم فاغفِر لنا يا خير الغافرين.
(هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56))، وقد عجِبَ النبي من دعوة، لمّا واحِد من أصحابه سمِعهُ يقول: "اللَّهمَّ مغفرتُك أوسعُ من ذنوبي ورحمتُك أرجَى عندي من عملي"؛ وبشّرهُ أن الله غفر له؛ اللهم مغفرتُك أوسعُ من ذنوبنا ورحمتُك أَرْجَى عندنا من أعمالنا.
يقول بعض الصالحين: وكنتُ في حجرة النبي ﷺ إذ أقبل أعرابي فوقف فسلّم على النبي وصاحبيه ثم قال: اللهم أنت ربي وهذا عبدُك نبيّك محمد وأنا عبدُك المُذنِب والشيطان عدوّك؛ فإن تغفر لي يفرَح نبيُّك وينجو عبدُك ويحزَن عدوّك، وإن لا تغفِر لي، يحزَن نبيُّك ويهلَك عبدُك ويفرَح عَدوّك؛ وأنت أكرم من أن تُحزِن نبيَّك وتُفرِح عدوّك وانصرف،
عَجِب هذا وقال غلبَتني عيني فرأيتُ النبي مُقبِل قال: قُم إلحَق الأعرابي فبشِّره أنّ الله قد غفر لهُ بِحُسن مَسألته؛ فبشِّرهُ أن الله غفر له بِحُسن مسألته، لا إله إلا الله!؛ الله يُكرِمنا بالغُفران، ويُصلِح لنا كُل شَأن؟ إنّه أكرم الأكرمين.
وكان منصور بن عمّار يعقِد بعض المجالس في السّوق للتّذكير؛ فقد كانوا يوصّلون التَّذكرة لأسواق المسلمين وحيثما هُم، وكان جالس في حلقة كبيرة، وكان هناك مَملوك أرسله سيّده -كان من الغافلين هذا مالِكُه- بالدّراهم، أربعة دراهم يأتي لهم بحاجات من السوق، يُصلِح بها مَجلِس مع رفقائهم أهل الشر، فلما دخل السوق وَجَد المجلِس عند منصور بن عمار جَلس يَستمِع وانتهى المجلس، واحد قام كان في آخر المجلس يقول: يا شيخ منصور وقعت في كُربَة ونَكبَة وأحتاج أربعة دراهم، قال: من يُعطِي هذا المَكروب أربعة دراهم وندعوله بأربعة دعوات، ويُؤمِّن الجماعة عسى الله يقبَل، قال الرجل: عندي فرصة الآن، معي أربعة دراهم، قال: أنا، قال: أعطه، فأعطاه. ..
رجِع ذاك الآن وليس معه دراهم وسيّده هناك مُنتَظِرُه؛ ويعرِف طبعَه حار وخاف أن يؤذيه، ولا شيء رجِع به، رآه، قال: مالك أبطأت ولا جِئت بحاجة؟! قال: لا تعجَل وأنا أقول لك القصة، ماذا معك؟ قال: أنا دخلت ومعي الدّراهم وحصّلت الشيخ منصور بن عمار في مجلِس في السوق، ثم جلست معه، ثم واحد ظهَر مُحتاج مكروب، محتاج أربعة دراهم وقال الشيخ: سندعو لِلّذي يُعطيه أربعة دراهم بأربعة دعوات؛ فأنا أعطيته الدراهم، قال له: طيب، ماهي الدعوات؟ قال الدعوات:
ذهب ونام، رأى مَلَك يقول: فلان فعلت الذي عليك وفعل الله الذي عليه؛ الرابعة على ربك وقد فعلها أيضا، يعني هذه الدعوات أجرى إجابتها على يدك وقُضِيَت كلها، والذي على يده لا يُقصِّر فيه -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه- نِعْمَ الغفور الرحيم: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)).
اللهم اغفِر لنا يا خير الغافرين مغفرةً واسعةً شاملةً كاملة؛ لا تُبقي ذَنبا ولا تُغادِر سيّئةً ولا خَطيئةً ولا إِثمًا يارب؛ حتى تَبيضّ صحائِفُنا هنا، وتبيضّ وجُوهنا غدا؛ برحمتك ياأرحم الراحمين، وأُشمل بالمَغفِرة أهلينا ووالِدِينا والحاضرين ومن يسمعُنا ويشاهِدُنا وجميع المؤمنين والمؤمنات والمُسلمين والمُسلمات أحيائهم ومَوتاهم.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
12 رَمضان 1439