تفسير سورة المدثر -4- من قوله تعالى: (كَلَّا وَالْقَمَرِ(32))

تفسير سورة المدثر، من قوله تعالى: { كَلَّا وَالْقَمَرِ} الآية 32
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: { كَلَّا وَالْقَمَرِ} إلى قوله تعالى: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} من سورة المدثر

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ (36) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47))

الحمدلله مُكرِمنا بالأنوار المضيئة المُتلألئة الدائمة، والمِنن المُتوالية المُنسَجِمة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وحبيبه وصفوَتُه وخَليلُه، أحسَنَ البلاغَ عن إلهه ولا يستطيعُ أحد أن يُحيط بعِظَم مَنزِلته عند ربه وعظيم جاهِه.

اللهم أدِم صلواتك على النور المُبين الهادي إليك -سيدنا محمد- وعلى آله أهل الطهارة، وأصحابه الصادقين المُخلِصين أهل النَّضارة، وعلى من تَبِعهم بإحسان وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفعتَ لهم القدر والشأن، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقربين وعبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.

وبعد،،

فإننا في تأمُّلنا لكلام ربنا -جلَّ جلاله- مررنا على آيات من سورة المُدَّثِر يقول الحق -تبارك وتعالى- فيها: (كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35))، تقدّمَ الكلامُ عن ذِكر النار -أجارنا الله منها- وقد ذَكَرَ الله تعالى درَكة من دَرَكاتها وهي السقر، وقال عن ذلك الذي تجرَّأ على الله ورسوله، ونسب القرآن إلى قول البشر: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)) تأتي على كُل من أُمِرت به، وتأخذ من كل واحدٍ منهم جميعَ ما يُعذَّب به في جميعِ جسده، ولا تُبقي حياً حياة هانئة ولا تُبقي ميتًا يموتُ فيها فيسلَمَ من الإحساس بالعذاب؛ بل مَن فيها لا يَبقون أحياء حياةً كريمةً ولا يموتون فلا يَحسُّون بالعذاب؛ (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ) [الأعلى:13].

 (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ(29)) بمعنى مُحرِقة للجلود، (لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ) تحرِق الجلود واللُّحوم والعِظام وتَصدَع الفُؤاد، (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)) من خَزَنتها الذين وكَّلهم الله بها، (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً) -واختبارًا- (لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) -الكتُب المُنزلة مِن قبل- (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ)، (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) مرضُ التّكذيب ومرضُ الشكِّ والرّيب مِن أولئك الكُفّار، والآية نزلت بمكة المكرمة قبل أن يَحدُثَ صِنف المُنافقين، (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) -من الشك والريب والكافرون- (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا) -لماذا يُهدِّدُنا بهؤلاء الملائكة ويذكر عددهم؟- (كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ..(31)) اللهم اهدنا فيمن هديت.

 رَبِّ إِنَّ الهُدى هُداك وَآيا *** تُكَ نورٌ تَهْدِي بها من تشاءُ 

فهي (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة:3]، (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى) [فصلت:44]. 

قال: (كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) لا يُحيط بِعَدَدِهم ولا يعلم كثرَتَهم إلا هو -سبحانه-، (وَمَا هِيَ) -سقر التي ذكرها والنار المُعَدّة- (إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ(31)) أعَدّها الله وذكَّرَ بها عباده؛ ليتذكَّروا ويتبَصَّروا وليتَّقوا النار ويتَّقوا الدخول فيها، (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ) قال -سبحانه وتعالى- في نار الدنيا: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:71-73] أي مُذكِّرة بنار الآخرة، وذِكرُنا انار الآخرة (ذِكْرَىٰ)

  • لكل عاقلٍ لبيبٍ من البشر. 
  • لكل ذي لُبٍّ من بني آدم. 

إذا ذَكَرَ النار، استعاذ بالجبَّار، وأماطَ عن نفسه الكدَر والغُبار، وأحسن النظر فيما يَقدُم به على إلهه القهار.

 وجعل الله ذكر الجنة والنار من أقوى أسباب : 

  • الاستنارة والاستبصار.
  • وزيادة الإيمان واليقين.
  • وتنقية القلب عن الشوائب.
  • وبَعْث الرغبَة في الخير.
  • والحذر من الشرور والمعاصي والسيئات. 

وقد قال جُلَساء نبينا محمد: 

  • "نَكُونُ عِنْدَكَ، فتُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حتَّى كَأنَّا نراها رَأْي عَيْنٍ"؛ يُشيرون إلى ما يكتنِف بواطِنهم من قوّة الإيمان واليقين، حتى كأنَّهم يُشاهدون عالَم الغيب المُقبِل عليهم، "حتَّى كَأنَّا نراها رَأْي عَيْنٍ". 
  • وشَكَوا إليه ما يطرأ على النفوس البشرية؛ فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ؛ ذهب عنا ذلك، قال: "لَوْ تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ سَاعَةً وَسَاعَةً" أي تكون لكم هذه الساعة عُدَّة وزاد لِبقيّة ساعاتكم التي تنطلِقون فيها بما اقتضَت حِكمة الله تعالى في أمر المعَاش الذي يُتزَوّد منه للمعاد.

 يقول جلَّ جلاله: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ (31)) جعَلنا الله وإياكم ممن يتذّكر ويتنوّر ويتبصّر، وينفعه ذكرُ الآخرة وينفعه ذكرُ الجنة، وينفعه ذكرُ النار، نفْعَ من امتلأ تعظيما لخالقهما ومُوجِدهما -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-. وقد جاء في الخبر أن الله تعالى: 

  • لما خَلَق الجنة -بما فيها من عجائب النعيم والزينة- أرسل جبريل ينظر إليها فنظَر فقال: كيف وجدتَها؟ قال: وعِزّتك لا يسمع بها أحد إلا دَخَلها، فحفّها بالمكاره، على طريق الوصول إليها ما تكرهه النفوس، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وقد حُفَّت بالمكاره، فعاد فقال: وعزتك خشيتُ ألا يدخلها أحد. 
  • قال: فانظر إلى الدار الأخرى التي اعددناها أيضا للعُصاةِ والكفّار من بني آدم، اذهب إلى النار -لمّا خلقها بأنواع العذاب الذي فيها والشّدائد- جاء جبريل فنظر إليها، فرجِع قال له الربّ: كيف رأيتها؟ قال: بعزّتك وجلالك لا يسمع بها أحد فيدخُلَها، أي واحد يسمع بما فيها من هذه الشِدّة لايدخل فيها أبدا، مهما كلّفه البُعد عنها ما كلّفه فسيبتعد عنها، من يُطيق هذا العذاب؟ فحفَّها بالشّهوات، ما تشتهيه النفوس من أنواع المُحرّمات، قال: ارجع فانظر إليها، نظَر إليها وقد حفَّها بالشهوات، فعاد قال: كيف رأيتها؟ قال: يارب وعِزّتك لقد خَشيتُ أن لا ينجو منها أحد. 

اللهم أجرنا من النار وأدخلنا جنتك مع السابقين من غير سابقة عذاب ولا عِتاب ولا فِتنةٍ ولا حساب، اللهم أسكِنّا أعلى الجنة، نسألك الدرجات العُلى من الجنة.

قال تعالى: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا) يقول -جلَّ جلاله-: ليس الأمر كما يقول هؤلاء، ويَدَّعون أنهم ينْجون أو أنهم يقاوِمون الملائكة؛ (كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)) يُقسِم -سبحانه وتعالى- بالقمر، (وَاللَّيْلِ إِذْا دبَر (33))، وفي قراءة: (إِذْا أَدْبَرَ)، وفي قراءة: (إِذْ أَدْبَرَ)، إذا أدْبَر.. إذ أدْبَر.. إذا دَبَر؛ والمعنى واحد أي: مضى وظهَر ظلامه، (وَاللَّيْلِ إِذْا أَدْبَرَ) ظهرت فيه الظلمة واسودّ، (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)) ظهر فيه الضياء والنور وأشرَق.

يُقسِم الله بهذه المظاهر من مظاهر قُدرته (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا (35)) -سَقَر هذه والنار هذه- (لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)) الأمور العِظام المَهيلة، كُبَر: جمع كُبرى، كُبرى كُبَر، قال واحدة من (الْكُبَرِ) أي واحدة من عظائم الأمور، من الأمور الهائلات الشِّداد الكبار، فإن كان سامعٌ يسمع من المؤمنين هذا الخبر فيجعل اهتمامه بمثل هذه الأشياء المُهِمّة الكبيرة، وينصرف فِكره إلى كيفية النجاة من النار؛ فهي إحدى الكُبَر.

ويأتي لنا وَحي الشياطين يقولون: الكُبَر أموالكم وكسبُكم في الدنيا، والكُبَر طُلُوع حِزبكم الذي تتعصّبون له فلا تهتمُّوا إلا بذلك؛ فيُصدِّقهم الغافلون والغاوون والجاهلون، فيَعُدّون هذه الكُبر في حياتهم؛ ليست هذه من الكُبَر، هذه مما يتَلاشى ولا يبقى له أثر، الكُبَر أمور: هائلة عظيمة، دائمة باقية، حُلول في جَنّة أو حُلول في نار؛ هذه الكُبَر،  هذه الأمور الهائلة، هذه الأمور العظيمة، هذه الشؤون المهمة. 

  • فليسرَح الفِكر في الاستعداد لها.
  • والقيام بواجب حقها. 
  • والحذَر من نار الله المُوقدة. 
  • والتهيّؤ لدخول الجَنّات.

 (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ (36))، فيها النّذارة لكل العُقلاء يُنذَرون بها، (ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)، يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر:16] يُخَوِّفهم -سبحانه وتعالى- بالنار المُوقدة (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:7]؛ فهي النذير(نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) يُنذَر بها الخلائق (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ)، (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ)، وجاء في معنى (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) أن الله تعالى يقول: 

  • أُنذِركُم عن هذه النّذارة. 
  • أُخبِركم هذه الأخبار نذيرا؛ انذارا لكم معشر البشر. 

فيُنذِرنا الحق -سبحانه وتعالى- يُنذِرنا بأخطار كُبرى لا تُطاق؛ تجنُّبها بأمر يسير: 

  • إيمان وعمل صالح، 
  • استسلام لأمر الخلّاق، 
  • وتحلٍّ بحسن الأخلاق، 
  • ومجاهدة لهذه النفس.

 (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:37-41] اللهم اجعلنا من أهل الجنة.

 (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ (36)) وجاء أيضا في المعنى: أرسلتُ إليكم محمدا بهذه الأخبار، نذيرا للبشر، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ) [المدثر:1-2]، (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) أنت بما تتلو عليهم من آياتنا مُنذرٌ لهم، يقول:(نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ)، فصار في النار نَذارة نُنذَر بها، ومحمد ﷺ نذير: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [الأحزاب:45]؛ يخوّف عباد الله من عذاب الله وناره الموقدة، والحقُّ أرسل محمدا وخلق النار فهو النذير -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

  •  (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ (36) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)): كل من شاء أن يتقدم في الخير أو يتأخر عنه، أو أن يتقدم في الشر أو يتأخر عنه. 
  • (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ): في أي مجال من المجالات؛ في مُوجِب دخول الجنة أو مُوجِب دخول النار. 
  • (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ): فكل إنسان عَلِم المسؤوليّة عن سعيهِ، وعن حركته في الحياة؛ فهو ينتفع بهذا الإنذار والتبشير؛ (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ).

ثم يقول جلَّ جلاله: إنّ واقِعَكم وحالَكم أنّ كلُّ نفس منكم مُكلَّفة؛ رهينة؛ 

  • (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38))، مَرهونةٌ بكَسبها،
  • (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) تُؤاخَذُ بكسبها وتُحاسَبُ عليه (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) [النجم:40-41]، (الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر:17]، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8].

(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)) قال سيدنا علي بن أبي طالب؛ أصحاب اليمين أطفال المسلمين، من ماتوا أطفالاً من المسلمين، فهؤلاء لا يُرهنون بشيء؛ إذ صحائفهم بيضاء لم يُكتَب عليهم ذنب ولا سيئة، فإن الله بفضله يُؤخِّر كتابة الذنوب على العبد حتى يَبْلُغ؛ 

  • (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ)، فهؤلاء الأطفال الذين ماتوا -من أطفال المسلمين- لا حِساب عليهم ولا يُرتَهنُون بشيءٍ من المَكاسب.
  • وجاء في تفسير معنى (أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)): أنهم الذين جُعِلوا عن يمين آدم وهم أهل الجنة، فهؤلاء يُغفَر لهم، مكاسِبَهم ومساعِيهم ويُتجاوَز عنهم. 

يقول جلَّ جلاله: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ)  [الأحقاف:16]؛ فلا يُرهَنون بها، يُتقَبّل عنهم أحسن ما عملوا ويُتَجاوَزُ عن سيئاتهم فضلا من الله ونعمة.

 (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)) فأولئك أصحاب اليمين (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42))؛ (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ) يَحُلُّون ويسكُنون في الجنّات التي أعدّها الله؛ (يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ)، أربابُ الإجرام من أنواع أهل الإجرام من المُكلَّفين، (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ما الذي أدخلَكم سقر؟! وقال من قال: أن أصحاب اليمين هم الملائكة؛ فالقول بأنهم:

  • الأطفال أوالملائكة، الجميع لم يرتكبوا شيئا من الذنوب؛ فلذلك يتساءلون ما سبب دخول هؤلاء إلى النار!  
  • قالوا؛ أما أرباب الذنوب والمعاصي فهم يعلمون ما هو سبب دخولهم النار ويعلمون ما الذي يُوصِل الناس إلى هناك.
  • ولكن من لم يقرَب شيئا من الذنوب فسأل (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) 

على هذين القولين (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43))، وفيه أن الله يُجري مُحادثات بين أهل الجنة وأهل النار نَظير ما تَحادثوا في الدنيا، ودعا أهل الجنة أهل النار إلى الإيمان والتقوى وأبَوا؛ فكذلك تحصلُ مُحادثات في الآخرة ومُكالمات مع بُعد المسافة بين هؤلاء وهؤلاء، ويرى هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء.

وجعل الله لأهلِ هذه الأرض لعَقليّاتهم مُكالمات ومُخاطبات وصوت وصورة كما يقولون من أماكن بعيدة يتكالمون ويتراءون؛ كذلك والله هو الأقدر والأعظم يكشِف ما شاء من الحُجب عمّن شاء من أهل الجنة إلى النار، ويُرِي أهل النار بعض ما عند أهل الجنة؛ ليزدادوا حسرة، فإذا انكشف لهم صاحوا: (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50].

 وقد ذَكَر الله لنا مما يحصل في الجنة أن يلتقيَ بعض الأصحاب الذين كانوا في الدنيا (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ)، هناك واحد كان معنا في الدنيا ندعوه إلى الخير ويستهزئ بنا، نأمُره بالتقوى يضحك علينا ويقول: اذهبوا أنتم والخراريف هذه والكلام الفارغ، قال: ( إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ)؟ أنت مازلت وراء هذا الدين، وراء كلام  السابقين، (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ)

يقول لهم المَلَك، هل تريدون أن تشاهدوا هذا الرجل؟ قرينكم هذا، صاحبَكم الذي كان عندكم في الدنيا حال معكم، كان يضحك عليكم، هل تريدون رؤيته؟ يقول -يُرفع له المشهد- (قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَفَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ)؛ مُعذَّب وسط النار يتقلّب فيها.

(فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) قال: يا فلان، نعم -هو في شدة العذاب يُعطى إحساس بأن هؤلاء الذين ضحكت عليهم، الآن هم في النعيم- انظر الى هذا الذي كانت تغويك نفسك من أجل بعض الشهوات الخسيسة الخبيثة، وتضحك عليهم وأبَيت أن تمشي معهم، انظرهم أين هم الآن، (قَالَ تَاللَّهِ) يا فلان مرحبا، فلان أنت فلان؟ نعم أنا فلان صاحبك، كنت تضحك عليّ (تَاللَّهِ) والله (إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ) [الصافات:50-56]، لو أصغيتُ إليك وسمعتُ كلامك كان أنا الآن أين؟! 

(إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)) أمر خطير، (قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ *  وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي) بتثبيته لقلبي على الإيمان، وقدمي على اتّباع النبي (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) في العذاب عندك، كان أنا الآن في هذا الذي أنت تتقلّب فيه مما لا يُطاق!! (لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ) كنت تقول: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)

قال الله -عن حال هؤلاء الذين يتقابلون في الجنة ويدور بينهم هذا الحوار-: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) إن كان أحد عنده إدراك وحِس وعقل من بني البشر (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) اجعلوا عملكم لهذا.

 ينصُبون لكم أخبار وأفكار ومشاريع، وتكونون عبيد لهم؟! وراءك حياة مُقبِلة كبيرة، أمامك رب خلقك وأَرْجَعك إليه،لا يغرّونك، (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) [الصافات:56-62] اللهم اجعلنا من أهل جنتك.

 (يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42))، وهذا مشهد من مشاهد المُخاطبة بين جماعة في النار وجماعة في الجنة: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)؟ قالوا: فلان وفلان وفلان؟! نعم صحيح، أصحابكم الذين كانوا معنا في الدنيا، (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43))، وعلى القول الآخر الذين يسألونهم هم الأطفال المسلمين أو الملائكة، ما سلككم؟ ما الذي أوصلكم إلى هذا المكان؟ (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين) فذكروا أول الأسباب:

  •  قَطع الصلاة مع أنهم كفار أيضا، لكن رأوا في قطع الصلاة بليّة كبيرة، يقولون لو كنا نُصلي مع المصلين وآمنّا وصلّينا ما كنا هنا، (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين)؛ انظر منزلة الصلاة وخطر ترك الصلاة، من أقوى أسباب دخول النار؛ ترك الصلاة وإهمال الصلاة (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين) ضيّعنا الفرائض التي فرضها الله علينا (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين). 
  • ولا نزكي أيضا ولا نُحب نتصدق ولا نُعطي أحد؛ (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)) كنا ندّخر الأموال ونحسب الرصيد من هنا وهناك ولانخرج إلا بمُقابل: ماذا ستُعطي ماذا تُخرِج؟ إلا في الشوارع فقط؟!  
  • (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)): 
    • ننطلِق فيما لا يعنينا ونُصدِّق المُتقَوِّلين. 
    • (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين) كل من غوى غَوَينا معه، كل من اغوانا تبِعناه.
    • (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) كُلَّما جاءت فكرة كنا وراءها، فتعجب الإنسان أن يرى الإنسان بسمعه ببصره بعقله يوم كذا ويوم كذا!! يا آدمي؛ يوم يقول كذا، ويوم يقول كذا وبعد بكره يقول كذا! من أين جئت؟ ما عندك مبدأ؟ ما عندك أُسس؟ ما عندك ثوابِت؟ ما عندك مَعرفة؟ من خلَقَك؟ ولماذا خُلِقت؟. 
    • (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) أصفر أصفر.. أحمر أحمر.. أسود أسوَد  وراءها كلها -أعوذ بالله- أين المبدأ؟ أين الدين؟

(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)) لو عندنا تصديق بيوم الدين، لن نمشِ مع هؤلاء ولا نظلّ نتقلّب و(نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)، ولا نمنع الزكاة ولا نترك الصلاة لكن! (كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47)) نزل بنا الموت وعاينّاه مُعاينة أمامنا واضحةً بينة، لا سبيل لإنكارها؛ يقيــن!! (حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47)).

 قال الله: فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48))، قال الشافعين: المقبولين عندنا من الأنبياء والملائكة والعلماء والشهداء، لا تنالهم شفاعتهم، لا تنفعهم، فضلا عن غُرورِهم وزُورِهم، وإلا أصحابهم جماعتهم وإلا أصنامهم وآلهتهم التي ما لها قدر، أصحاب القدر عندنا لا تصل شفاعتهم إليهم ما تنفعهم. أين الأمل؟ خلاص أين الطمع؟ فما تنفعهم.

 (انقطع الصوت) 

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

11 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

26 مايو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام