(445)
(628)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {وما أدراك ما سقر} إلى قوله تعالى: {.. وما هي إلا ذكرى للبشر} من سورة المدثر.
﷽
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ (31))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله الذي بَيّن لنا البيان، بأحسن التبيان، على لسان عبده سيد الأكوان، محمد بن عبد الله الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وأدم اللهم صلواتك وتسليماتك عليه في كل لمحة ونفس، وعلى آله وصحبه ومَن سار في دربه الأطهر الأقدس، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين أهل الرتب العُلى مِن كل ذي قدر أنفس، وعلى آلهم وصحبهم أجمعين، والملائكة المُقَربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،،
ففي هذه الغدوة المباركة الطيبة مِن يوم الجمعة في الشهر الكريم المبارك نواصل اتصالنا بخطاب إلهنا ومولانا وربنا، وتأملنا لمعاني ما أوحى إلى نبينا وهادينا ومعلمنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وتقدم معنا:
ومَن عاش يطلب المنزلة عند الخلائق فما أبعده عن الخالق، وقد قال رجال مسلك التقوى والإيمان مِن خيار الأمة: ما صدق اللهَ عبدٌ أحبَّ أن يُعرَف، وقالوا: ما صدق اللهَ عبدٌ يحب الشهرة بين الناس.
وقد قال بعض خيار الأمة؛ كيف يَصِل إلى الله قلب صور الأكوان منطبعة فيه؛ فغايته يعيش مع الأكوان، متى يصل إلى المُكَوِّن حتى تخرج هذه الصور مِن قلبه وباله ويتعلق بربه في كل حاله؟!.
هذا الذي قد نطق بكلمات يمجد فيها القرآن رجع عن كل ذلك وصار يذم الوحي المُنْزل على حبيب الرحمن لئلا يُعرِض عنه قومه، قد تعامل مع هذه النفس البشرية واحدٌ مِن شياطينهم وهو أبوجهل الذي لما سمع كلام القوم أن الوليد يكاد يَصبأ، وإذا صبأ الوليد صبأت قريش كلها، ويتبعه الناس بعد ذلك ويفلت الأمر علينا ويتبعون محمدًا.
فقال: أنا أكفيكموه وأنا له، فجاء إليه يتعامل مع هذه النفس ويخبره وهو يُظهر الحزن أن القوم يجمعون له الصدقات، لماذا؟ قال: لأنك تذهب إلى بيت أبو بكر لكي تطعم مِن عنده، وتأتي إلى عند محمد وتسمع كلامه لكي تصيب مِن ماله وقال: ها وقد قالوها قومي؟ قال: أبدًا قد عَلِمَت قريش أني مِن أكثرهم مالًا، وماذا عند محمد، أو عند أبي بكر حتى يُطعِم الناس؟! وجاء في لفظ إن ما عند محمد وأصحابه ما يشبعهم حتى يطعموا الناس، أنا وأنا، قال: إذاً أرضِ قومك، قال: إن قلت قولًا عما يتكلم به محمد، قال: وماذا أقول فيه؟ فقال: والله ما هو بشعر؟ قال: والله ما هو بكهانة؟ قال: قل قول يُرضي قومك، فلما راجعه قال: لا يرضى قومك حتى تقول فيه قولًا تُعلمهم أنك كاره لِما يقوله محمد ولِما يتلوه، فقال: أفكر.
وكانت تلك نتيجة التفكير المِعوَج، التفكير القائم على أساس طلب الغرض والمكانة والشهوة، لا طلب الحق، فكَّر لا ليستبين الحق؛ ولكن ليوطِّىء مكانتهُ عند الخلق، فكر ماذا يقول؟ ليحافظ على سمعته بين قومه، وجاهه عند أصحابه؛ هذا هو الاعوجاج في التفكير، فما كان لدافع استبيان الحق، واستيضاح الحقيقة أبداً، فلما كان التفكير بهذا استحق أن يقول الجبار عليه: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20))، أي لُعِن، ولُعِن على تقديره هذا المعكوس، المنكوس الذي تبع فيه إعوجاج فكره، وسوء مقصده.
يقول تبارك وتعالى: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21)):
فقال بتقديره الباطل: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24))، هذا سحر عند الأولين جاء به، لا أدري من أين محمد تلقَّاه؟ (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)، عمَّن سبق، ومُتَلَقِفَهُ محمد وهو الآن يتكلم، وهو يعرف أنه ليس هكذا، ولكن الرجل تقوده شهواته وأغراضه.
وما أكثر الأفكار التي تُعرَض اليوم على ساحة الناس، والتي يقود هذه الأفكار هي الأغراض والأهواء والشهوات كثير كثير كثير جدًا هنا وهناك، ثم يُدَعى لأصحابها العلمانية، ويُدعى لأصحابها العقلانية، ويُدعى لأصحابها التقدمية، ويُدَّعى لأصحابها إرادة إنقاذ الناس، وإرادة صلاح الناس، وما إلى ذلك؛ وهم يندفعون للأغراض، والأهواء لا صفاء في الفكر، ولا صحة في القصد، فماذا تنتج هذه الأفكار؟! (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20))، وهكذا وهم اليوم يُرَدِدون الكلام هذا، ويلحدون بالله وبآياته وبرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وهو الحق الصِّرف.
قال تعالى: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26))، أُصليه سقر، أجعله يصْلى يشوى في نار سقر -والعياذ بالله تعالى- تصليه تشويه تشوي جلده، ولحمه، وعظمه، وتصدع فؤاده، يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:5-7]، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ).
ففي الوقت الواحد تحرق الجلد، ومركز الإحساس في الإنسان وتحرق معه اللحم، وتصدع الفؤاد فيعود، وتعود (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء:56]، اللهم أجرنا مِن عذابك فلا طاقة لنا به يا رحمن يا رحيم يا أكرم الأكرمين.
يقول: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26))، -الله- بعد أن قال سابقًا (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17))، افتح له بابًا مِن العذاب فيه مشقة بعد مشقة لا تُطاق (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)، ومِن جملة ما يُذكَر في معنى الصعود ما يُكلَّف به أهل النار مِن الصعود على حجارة ملساء، وأشباه الجبال، كلما وضع يده عليها ذابت، فإذا رفعها عادت وكلما وضع يده عليها ذابت، فإذا رفعها عادت، ولا يزالون هكذا يذوبون بالنار وتعود، هم يُكَلَفون الصعود، والرجوع (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)، بإرهاقه ما يُمَكَّن فيه أن يتنفس فهو يصعد، ثم يسقط، ثم يصعد، ثم يسقط، أجارنا الله مِن ذلك ومِن كل عذاب.
قال تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27))، ما أعلمك شان سقر هذه المتعبة الشديدة العذاب العظيمة الأتعاب؟ (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28)):
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)، وهي إسم واحدة مِن دَرَكات وطبقات النار؛ فدركة أولى، طبقة أولى مخصصة بعصاة المُوَحِدين الذين ماتوا وفي قلبهم إيمان وتوحيد، ولكن عليهم ذنوب، ومعاصي، ومخالفات، وترك فرائض وفعل محرمات ما تابوا منها، أو لم تقبل توبتهم منها، ولم يغفر لهم فيعذبون في هذه الدركة على الآجال المحدودة لهم حتى يُشفع فيهم، أو تنتهي آجالهم، ثم ينقلون إلى الجنة وتبقى الست الدركات موصدة على أصحابها لا يطمعون في الخروج منها.
فهذه الأولى، ما بين ما يُقال لها:
فهذه دركات -والعياذ بالله تبارك وتعالى- في النار منها سقر.
قال تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)، ما أَعلَمَك بشأن هذه النار الخطيرة وهذه الطبقة مِن طبقات النار المسماه؛ سقر، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28))، لا حياة فيها ولا موت، ولا تبقي شيئًا قط مِن أنواع الآلام والتعذيب إلاَّ استوعبته، في جميع مواضع جسد هذا المُعَذَّب فيها (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ)، أجارنا الله منها.
(لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ)، ثم أشار الحق إلى الخَزَنة -الملائكة الذين وَكَلَهم بجهنم- ومع كل منهم آلاف وملايين مِن جند الله مِن الملائكة الموكلين بجهنم.
ولكن الله جعلهم أعدادًا كثيرة وجعل رؤساءهم هؤلاء التسعة عشر، وقد أنبأ الله بهذا النبأ في الكتب السابقة التي أنزلها على الأنبياء مِن قَبل، وأن خزنة النار تسعة عشر.
قال تعالى: (عَلَيْهَا)، أي يَقوم على شؤونها وأحوالها -بأمر الله وتوكيل الله- (تِسْعَةَ عَشَرَ (30))، هم رؤساء العامِلين مِن الملائكة في هذه النار، وتعذيب مَن فيها مِن الكُفار.
قال: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) ولما سَمِعوا بهذا الخبر الذي يتلوه ﷺ أخذ جماعة مِن الكفار يستهزئون، ويقول أبو جهل: أسمعُ محمد يقول أن الخَزنة للنار وأن الجنود الذين معه هناك يمسكونكم في النار تسعة عشر، وأنتم الدُّهْم يعني الشجعان، أنتم الدُّهم يمسك كل واحد منهم عشرة، كل واحد منهم يمسكوه تسعة عشر، كلهم مئة وتسعين واحد منكم يكفون تسعة عشر ويبعدونهم، وتمشون وتكفونهم، وماعاد يقدرون يدخلونكم الى النار.
هكذا طريقة تفكيره الأعوج الأهوج، أمامك آدمي مثلك بقوته الآدمية؟! تقابل آدمي مثلك! كيف تقابل ملائكة بأوادم؟! أنت مصدق أن أمامك من الملائكة تسعة عشر! من أين عرفتهم؟! عرفتهم من عند محمد! وبعد ذلك تجيء بالتفكير هذا، إذا كان هذا كلام محمد، كلام محمد هو الصادق، إنت من أين جئت بالخبر هذا؟!إنت مصدق!
لماذا أنت متناقض مع نفسك؟ متناقض مع نفسك! إذا أنت ستتهيأ للتسعة عشر، معناه أن محمد صادق! قال: تسعة عشر، وإلاَّ مِن أين جئت بالخبر هذا؟
وإذا محمد صادق، الأمر أكبر مِن هذا، لا أنت ولا مليون معك سيقدرون في واحد منهم يا أبله، ما البلاهة هذه؟! وما طريقة التفكير؟! هو قال لك آدمي واحد مِن قريش يأتي أمامك يمسكك يا أبله؟! هو يكلمك عن ملائكة مِن جند الله العظام الكبار، وكيف تصدق، وتكذب في نفس الوقت؟!
(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30))، يأتي واحد منهم، لما يقول لأبي جهل هكذا، يقول: أنا قوي؛ إسمع، بظهري أدفع عشرة وببطني تسعة، وامشوا وأنا سأجعلكم تمشون وتدخلون، اذهبوا وادخلوا الجنة، وهكذا خذ لك مِن الضحكات وطريقة التفكير المنحط ما له أساس مِن المنطق، مِن العقل؛ ولهذا أَتبَعَ الحق تبارك وتعالى:
هل ستقابل آدمي بملَك أنت؟ كيف تتكلم هكذا؟! (إِلاَّ مَلائِكَةً)، وما هي الطاقة التي يُعطيها الله المَلَك؟ وما القدرة التي يُمكّن منها المَلَك؟ عشرة، عشرين، مائة مائتين ألف ألفين؟
(وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ)، الخزنة الذين أقمناهم:
(فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (31))، يسأل الذين عندهم بقايا الكتب المنزلة مِن السماء: التوراة، والإنجيل، وما بقي منها؛ إن حدث على ظهر الأرض عندهم هذا الخبر:
قال: أنا أنزلت لك ذكر العدد فتنة لهؤلاء؛ (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، ويعلموا أنك مرسل مِن عندنا بالحق، تقول ما قاله الأنبياء مِن قبلك مصدِّق لهم:
إنك الأصدق، إنك الأحق، إنك الأطهر، إنك الأعف، إنك الأنظف (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم: 3-4].
(وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا)، لماذا يقول كذا؟ ولماذا يحدد هذا العدد؟
(وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا)، من الذي زاد إيمانه بهذا الكلام؟ قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) [التوبة: 124-126].
يقول جلَّ جلاله: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً)؛ اختبارًا للذين كفروا، (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (31))، لمطابقة ما تُخبر أنت، بما أخبرهم الأنبياء مِن قبل عنا؛ لأن المصدر واحد مِن الله، لا نبي يأتي بشيء مِن رأسه، ولا مِن عنده والأنبياء عبيد الرحمن يقولون ما أوحى إليهم ربهم جلَّ جلاله.
يقول: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، اللهم زدنا إيمانا بكل كلمة مِن كلامك، بكل آية مِن كتابك، بكل حرف مِن وحيك الذي أوحيته للنبي محمد يارب، واجعل لنا في رمضان هذا زيادة في الإيمان بكل حرف مِن حروف القرآن، بكل ما نسمعه، وبكل ما نتلوه، وبكل ما ننظره في المصاحف زدنا إيمانًا ياربنا.
(وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، وما أعجب زيادة الإيمان، مِنَح مِن الرحمن يمنح بها مَن يشاء (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [يونس:100]؛ فالإيمان عطية الله، هدية الله لمن يشاء مِن عباده، ثبتنا الله على الإيمان وزادنا إيمان في كل آن.
قال: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء)، فيزيغ عن سواء السبيل، (وَيَهْدِي مَن يَشَاء)، فيثبت، ويزداد إيمانًا، ويقينًا، وتقوى.
(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ۚ وَمَا هِيَ) -سقر هذه والعدد الذين عليها مِن ملائكة- (إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31))، جعل لنا ذكرى لمن يتعظ ويتذكر، جعل لنا ولهم في الدنيا نارًا مصغرة تذكر بتلك النار، ويقال: أن الله لما أراد خلق هذه النار في الدنيا أخذ شرارة مِن نار جهنم وأمر جبريل أن يطفئها، أو يخفف حرارتها بماء البحار سبعًا، ثم جعلها شجرة النار الموجودة في الأرض:
كل الناس يتذكرون، لما تأتيهم عاصفة قليلة تمُر على قطرة ماء وتأتي في بلد، فتقع في مشاكل كثيرة، وقالوا: كانت تتوجه كذا، وبعد ذلك ترجع كذا، صاحب القدرة قادر، قدرته فوق أفكار جميع الخلائق، مَن يُطيق؟! مَن يقدر؟!
فأنتم تصومون لهذا القوي، وتُصلون لهذا القوي، وتجلسون لطلب رضوان هذا القوي القادر القاهر، ما أعجب ما أنتم فيه إذا قَبِلَهُ هذا العظيم القوي، القهار، القادر، الجبار الذي بيده ملكوت كل شيء لا إله إلاَّ هو.
اقبلنا يا ربنا على ما فينا، اقبلنا يا ربنا على ما فينا، اقبلنا يا ربنا على ما فينا، وأصلح ظاهرنا وخافينا برحمتك يا أرحم الراحمين.
وارحم موتانا وموتى المسلمين في المشارق والمغارب، اللهم واجعل قبورهم رياضًا مِن رياض الجنة، واجعل لهم مِن عذابك وقاية وجُنَّة، اللهم وتحمل عنا جميع التبعات وانفعنا بالقرآن والآيات، وبلاغ خير البريات، أعظم الانتفاعات، وارفعنا عليَّ الدرجات، وتولنا في الدنيا والبرزخ ويوم الميقات، وفي أعلى الجنات، وِلايةً تجعلنا بها مِن خاصة خاصتك مِن محبوبيك مِن البريات.
يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات كن لنا في هذه الأيام والليالي معينًا ومؤيدًا ومقربًا ومصفيًا ومنظفًا وعفوًا وغفورًا ومتكرمًا ومُنعِمًا ومُتَطولًا بما لا تصل إليه آمالنا، ولا يبلغه سؤالنا، وما لا يخطر على بال أحد مِن خلقك بمحضِ فضلك وتوفيقك، يا ولي كل خير، يا متفضلًا بكل خير، يا دافعًا لكل شر وضير، إنه موسم العطاء والفتح والجود والمنح، فامنحنا فيه أعظم العطايا، وأجزل الهبات والهدايا يارب البرايا.
فقراء التجأوا إليك يا غني، ضعفاء التجأوا إليك يا قوي، عاجزون التجأوا إليك ولاذوا بك يا قادر يا مقتدر يا مَن بيده أمر الباطن والظاهر، وأنت تحب المُلِّحين في الدعاء، وتقبل العاصين إذا تابوا والمذنبين إذا أنابوا، وقلت لنا في كتابك: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ) [الزمر:53-54]، فارزقنا صدق الإنابة، وأكرمنا بالاستجابة، ووفقنا لحسن الإصابة، وتولَّنا بما توليت به خير عصابة، رأسهم محمد سيد أهل النجابة، سِرْ بنا في دربه، وثبِّتنا على طريقه في حزبه، واسقنا يا ربِّ مِن شُربه، وَتَوَلَّنَا به في الدنيا والآخرة، واجعلنا مِن أهل الوجوه الناضرة التي هي إليك ناظرة.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
11 رَمضان 1439