(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ}، الآية: 20، إلى آخر السورة
﷽
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22))
الحمد لله مكرمنا بالنور المبين، والحبل المتين، والهُدى والتبيين، والدِّين القويم، والصّراط المستقيم، والتنزيل الحكيم، له الحمد شكرا وله المن فضلا، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، به آمنا، وعليه توكّلنا ولجأنا إليه، واستعذنا به من أن تميل قلوبُنا إلى ما لا يُحب ولا إلى من لا يُحب، وسألناه أن يثبِّتنا على محبة من يُحب، وولاء من ولاؤهم إليه لنا يُقرِّب، ونشهد أنَّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أكرمِ من يُحب صلَّى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار ومن له صحِب، وعلى من والاهم في الله تبارك وتعالى، فهو إليهم في المحبة والاتِّباع ينتمي وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ساداتِ كلِّ محبوب لله ومقترب، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم والملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
فإنَّنا في نعمة ربنا علينا، بتأمل آياته، ومعاني ما أوحاه إلى قلب خير بريّاته، في ساعاتٍ رمضانيّة زاهية، انتهينا إلى أواخر سورة المجادِلة، ووصلنا إلى قوله -جلَّ جلاله- في خواتيم السورة: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20))، (يُحَادُّونَ): يُضادون يُعاندون يُخالفون يتّخذون لهم حدًّا غير حد الله، يكونون في ناحية، والدّين والحق والهدى في ناحية.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) -محمداً ﷺ- (أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ)، فوَعزّة ربي الذي أنزل الكتاب، كُلُّ مُحادٍّ لله ورسوله، هو الذليل على الحقيقة:
فوالله ما عندهم عزّة، ومن يبتغي عند أحد منهم عزَّة، فقل له: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [يونس:65]:
فإنَّ اتّباعهم هو الذُل، وموالاتُهم هي الذُل، والقرب منهم هو الذُل:
أعزُّ خلق الله، وأكرمهم على الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأعزَّنا بمحبَّته واتباعه ونُصرته.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)) -ليس في الذليلين- بل (فِي الْأَذَلِّينَ)؛ وذلك أنَّ جميع من كفرَ بعد أن بلغته الدّعوة ذليل، ومُهانٌ في الآخرة، ولكن أشُدَّهم ذلًا وهوانًا من حادُّوا، من عاندوا، من أذوا، فليس الكفار بمثابةٍ واحدة:
ولذا قال عن هؤلاء المحادِّين: (أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) أشدّ الكفّار ذلة، الكفار الذين يعاندون و(يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يخالفون، ويعادون شريعته ودينه، وأهل شريعته وأهل دينه، بلِية يبتليهم الله بها:
ليس في الشريعة لهم إلا كلّ نور وهدى، ولكن الله سلَّط على قلوبهم بُغض الحق، وأهلَ الحق ومعاداتهم، وإرادة نشر الباطل؛ فهؤلاء صنفٌ من الكفار -والعياذ بالله- يقومون بالعِداء لله عبر عِداء أنبيائه: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:112]، لا إله إلا الله.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)):
ويقول جلّ جلاله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)):
اللهم اجعل كُلَّ واحدٍ من الحاضرين والسامعين معتصما بك، مَهدِيّا إلى الصراط المستقيم، وثبِّتنا على ذلك حتى نموت عليه.
(أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)) فمن أراد الذُّلَ والهوان في الدنيا والآخرة، فليتخذ له أولياء من دون الله مِمَّن يُحادّ الله ورسوله، فلا سبيل إلى مُوالاتهم، ولا إلى طاعتهم؛ إنَّما في عظمة الشريعة والدِّين:
نعم! هذا في الشريعة! لكن مُوادَّة، موالاة لا يوجد في الشريعة، لا توجد موالاة لكَافر، ولا موادة في الشريعة لكافرٍ، حُسن معاملة، نعم! حسن معاشرة، نعم! حُسن بيان، نعم! حُسن أخلاق، نعم! مُوادة لا! ولا لا! لا موادة قلبية ولا ولاء! ولا نُصرة! لا يمكن أن يجتمع هذا مع الإيمان كما سنقرأ في الآية التي بعد هذه الآية.
يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ) فرض وحكم،؛ في الأزل، وفي أم الكتاب، وفي اللوح المحفوظ، كتب: حكم! وإذا حكم (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد:41].
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) هو الغالب على كل شيء، وكل شيء تحت قهره سبحانه وتعالى، ولكن من أجل الرُّسل وأتباعهم، أنزل هذا الكلام: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) شرّفهم وأضافهم إلى نفسه.
قال: (أَنَا وَرُسُلِي) فيا فوز أتباع الرسل، وهناك العزة والشرف، واطلب العزة من هنا! اتَّبع من أرسلهم واجتباهم واختارهم وانتخبهم هو! الذي له العزة كلها، ولك العزة تعتز، أمّا تنتسب إلى من كفروا به، وإلى من كذَّبوا رسوله، ثم تريد العز! من عند من؟ من عند من تريد العزُّ أنت؟ من الذي خلق العز؟ من الذي يُعزّ ويُذل؟ في أحد غيره؟
لا يذل من واليته، يا رب العرش، يا رب السماء، لا يذلّ! إنّه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، كائن من كان ما لهُ عز، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا رادَ لما قضيت، لا رافع لمن خفضت، وَلَا خَافِض لِمَنْ رَفَعَتْ: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) [فاطر:2]، فَلَا تَغْتَرَّ بِالْأَسْبَابِ! وَاسْتَعْمِلْهَا وَلَا تَدَعْهَا تَسْتَعْمِلْك! وَقُمْ عَلَيْهَا وَلَا تَدَعْهَا تَتَأَلَّه عَلَيْك! الأسباب أسباب مخلوقة بيد المُسبّب، والأمرُ أولًا وآخرًا له، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [الروم:4].
يقول: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) الحمد لله، مع كلِّ ما حصل من الفساد وخِطط أهل الصنف الخبيث من أهل الكفر، المعاندين لرسله على مدى القرون، كم اليوم من قلوب على ظهر الأرض مؤمنة بالمرسلين ومعظِّمة لهم؟
كيف ما أنهوا المؤمنين؟ ما غلبوهم! ما هو السبب؟ مع أنهم قاموا بإبادات، في كثير من الأوقات، وكثير من الجهات، واستعملوا أقوى ما عندهم من الأسلحة، قديما وحديثا، ولكن:
ماهذا الكلام؟
ما هو كل ما أعطاك واحد فكرة من هنا أو من هنا، قمت وراءه! ساعة غربي، ساعة شرقي، ساعة عربي، ساعة أعجمي، من هم هؤلاء؟ لا آلهة ولا يحبهم الإله ولا يعرفون الإله ولا أنعموا عليك بشيء ولا يُنعمون عليك بشيء، من هم هؤلاء؟ فكيف تمجّدهم؟ كيف تتبعهم؟!
انظر إلى الذي خلقك! وأرسل إليك مَن خلقْه من أحبَّهم واصطفاهم لتقتدي بهم (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).
واتِّباعُ المُرسلين:
وكل مُصدِّقٌ لما بين يديه، إلَّا أنَّ الله -تبارك وتعالى- بحِكمته رتَّب شرائع وأحكام، غير الثوابت من الإيمان، والأساسيات، وشُؤونٌ محرمة في شرائع الله من عهد آدم، وفي الشرائع كلِّها، إلى أن بُعث محمد ﷺ:
بقي بعض الأحكام التي تختلف باختلاف الناس والأزمان، جعل الله الشرائع تختلف وتنسخ بعضها البعض، إلى أنْ حكم بشريعته:
فما يتأتَّى لا باختراع ولا بغير، أن يُؤتى نظام أحسن من شريعة الله المُنزلة على محمد بن عبد الله لا أصلح؛ للأجسام، ولا للأرواح، ولا للدنيا، ولا للآخرة، ولا للعُقول، ولا للأموال، ولا للإقْتصاد، ولا للعلائق بين الناس، لا أصلح من نظام شريعة الحيّ القيوم التي أنزلها على السّيِّد المعصوم.
ولا يقدر أحد أن يأتِ بمثلها، فضلاً عن أن يأتِ أفضل منها، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- اعتقادُ أنَّ شيئاً من الأنظمة أفضل من نظام الشريعة؛ كفرٌ وخروجٌ من الملّة -والعياذ بالله تعالى- (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]
يقول: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) فالرُّسل اليوم على ظهر الأرض؛ قلوب الملايين تمجِّدهم لأجل الله وتعظمهم وتؤمن بهم (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)، نحن وراء أمرك، لا أحد يضحك علينا، ولا يلعب على عقولنا، صغير ولا كبير، (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة:285].
فآمنَّا بجميع المرسلين، والحمد لله على ذلك، وذكرُهم يُردد في آيات الله، وفي كلام النبي، وثم في كلام الصحابة والتابعين والصالحين إلى زماننا؛ بالتمجيدِ لهم والتعظيم والمحبة، (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) -عظمتموهم- (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [المائدة:12].
الحمد لله على ذي نعمة، هذا حالُ المرسلين، كل الذين عاندوا المرسلين، أي ذكر باقي لهم؟ و كم من لعنات عليهم؟ ومظاهرُ فشلِهم، وسوء عواقِبهم بارز للخلق كلهم، الذين كذّبوا بالكتاب، وبما أرسل الله به الرسل، كيف كان عواقبُهم في الدنيا!؟
وربُّ العالمين يُحدثنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- عن أولئك، وعمَّا كان لهم، وعمَّا حصل لهم، فيقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-:
طفل بإصبعه يفعل هكذا، ذهب بيت العنكبوت، وكل معتمد على غير الله، فمثال ما يعتمد عليه من قوة، هو كبيت العنكبوت؛ لأن القوة قوة الحق!
وإذا كان أي إنسان خصم، فذِلَّة الخصم بقدر عُلو المقابل، بقدر علو المقابل، رفْعته يذل هذا، وهؤلاء الذين حادوا الله ورسوله، بقدر عظمة الله: هُم أذلّة! أذِلَّة! خصم من؟ خصمُ من؟ لاإله إلا الله، ولا نهاية لعظمته، فما أقبح ذِلَّتهم؛ لأنَّهم عاندوا الذي عَظَمته مُطلقة، لا نهاية لها.
يقولُ تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(21)) القويُّ العزيزُ حكم أن يَغلِب هو ورسله، الحمد لله ارزقنا حسن اتباع الرسل، هذا حال الرسل ونحن في الدنيا، فإذا بُعث النّاس وحشروا، عظَّم الكل المرسلين، وتمنَّوا القرب من المرسلين.
وإذا حُشر جميع الكُفَّار بمختلف طوائفهم، مَن الذين خالفوا الأنبياء والرسل، والذين كذَّبوا بالنبي محمد بعد أن بُعث؛ من يهودٍ، أو نصارى، أو مجوس، أو هندوس، أو بوذيين، أو مُلحدين، أو غيرُهم، من كل من خالف وقد بلغته الدعوة، جميعهم من أوَّلِهم إلى آخرِهم: (فِي الْأَذَلِّينَ (20)).
إذا حُشروا من القبور بعد الصعقة -ما بين النفختين يُصعقون- النفخة الأولى و النفخة الثانية: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68]، فإذا نفخ في الصّور يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ) -من القبور- (إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) [يس:51-52]، من الذي رجَّعنا بعد الصعقة هذه لو نستمر ماعاد نريد أن نرجع ولا نحس ولا نحيا أحسن، (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) فتُناديهم الملائكة:
تقول لهم الملائكة: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)؛ اذهبوا إلى أجهزتكم، انظروا ماذا فيها! اذهبوا إلى جماعاتكم وحياتكم، وانظروا الى كِذبهم، الصادق صِدق عند الرسل، (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]:
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)) جلَّ جلاله؛ ثم بيَّن الحقيقة عند المؤمنين ونفى عن قلوبهم موادّة الملحدين والمعاندين: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..(22)) لا تجد! ربي قال لن تجد؛ مؤمن صادق في قلبه مودة، لمن يحاد الله ورسوله، لا يوجد، غير موجود، ولو كان الذي حاد هذا وعاند؛ هو أباه أو أخاه أو من قبيلته:
(لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) لا مُوادة! إحسان نعم! (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، إذا كان أبوك وأمك مشركين كافرين، ويُجاهدونك أن تشرك، يدعونك إلى الشرك (فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان:15].
قالت أسماء بنت أبي بكر: يا رسول الله، أمي وردتْ راغبة، راغبة عن الإسلام، لا تريد أن تدخل الى الاسلام، وترغب في صِلتي، أفأصلها؟ قال:
سيدنا عبد الله بن رواحة يرسله النبي إلى خيبر لكي يخرص التمر، لكي يخرّج كذا كذا مقدار، كان دقيقٌ في الوزن، وحاول اليهود -لأنهم يحبون مالهم كثير- يغرونه بالمال، لا يوجد فائدة، يهددونه، أرسلوا للنبي إن هذا يجْحف علينا -صاحبك- مافي فائدة.
هل يريد الناس أحسن من هذا النظام! أحسن من هذا الشرع! ماهو أحسن من هذا؟ يلعبون بأَديانهم ويقعون بلا دين، وينسون الخالق، فقط هذا الذي يُراد؟ هذا مُراد من؟ مراد إبليس والذي جندَّهم معه، يضحكون علينا؟!.
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) يقول لهم: دعوا المغالطة، إن أردتم حقوق، وإن أردتم معايشة، وإن أردتم علاقات طيبة، فالشريعة واضحة بين أحسن ما يكون من الأنظمة، تريدون نهب الدين، نهب الأخلاق، لعب بالعقائد والدِّين، اذهبوا، إلعبوا على أنفسكم! لا تلعبوا على الصَّادقين من الأمة، أنتم قد لعبتم على كثير منا، والله سيُخلصهم منكم (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص:83].
أمَّا البِرُّ والقسط: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ) -إحسان- (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) -عدل- (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:8-9]، قال: ولاء ممنوع..
ما وجدوا إلا أحسن معاملة، من زين الوجود ﷺ، لكن بحدودها من دون أن يضحكوا على شريعته، ولا على دينه، ولا على منهج الله الذي أنزله سبحانه وتعالى؛ فكان خيرَ جار، وخير مُعاهِدٍ، وخير مُؤَمِّنٍ إذا أمَّن.
وإذا حارب:
هل رأيت نظام يتعامل هكذا مع الأسرى الحربيين؟! دعك من التقوّلات هذه! عمِلوا سجن غوانتنامو! يلعبون على خلق الله -سبحانه و تعالى-.
هؤلاء الأسرى أحسن الطعام سِيق إليهم، تقع الكسرة في يدِ الصحابي فيَدْفعها إلى الأسير، ويكتفِي بالتمرات معه؛ لأنَّ الخبز كان أعز عِندهم من التمر لِقلَّته، التمر يتوافر، فيَدفَعون الأحسن لهم، قال حتى بعض الأسرى أسلم بعد ذلك.
يقول: كنت في الأسرى لما رجعت من بدر، تجد الكسرة الطيبة من الخبز، قال: فيَدفعونها إليّ، وأنا أستحي أردّها إليهم فيردّونها إليّ، ما يتناولها منهم أحد، لما سمعوا النبي يقول: "أحسنوا إلى الأسرى".
لا يوجد نظام أحسن من هذا النظام! لكن يريدون نظام نلعب بأدْياننا، نلعب بالأنبياء، نلعب بالحق -سبحانه وتعالى- ما هذا؟ ما هذا؟! تدعوننا إلى ماذا؟!
فساد شباب وشابات؛ تنطُّع، خروج عن القيم، ولعب بالأديان، هذا الذي يدْعي إليه أهل الفساد اليوم على ظهر الأرض، وساعة يسمونه تقدم، وساعة تطور، وساعة ديمقراطية، وساعة حقوق إنسان، وساعة وساعة، واشبع من الملشَّعات.
أين الواقع؟ أين الحقيقة؟
وعاش الكفار في ظل هذه الشريعة، وتحت حكم الخلفاء الراشدين، فمن بعدهم مِن القرون إلى يومنا هذا في بلاد المسلمين:
يحكُمون ويرعَون الحقوق ويضعون كل شيء في موضعه، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-، وحكموا بالإسلام وهم أقليّات في كثير من الجهات التي فتحوها، فما وجد المَحكومين أحسن لهم من ذلك الحكم، ولا أنصف، ولا أحفظَ لِحقِّ المظلوم..
جاء فيه: "مَن قَتَلَ نَفْسًا مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ"، ما هذه؟ المصيبة هذه!، معاهداً أو ذِمِّيًّا كافر، لكنه معاهدٌ أو ذِمِّيٌّ.
وعندنا جاء أصنافُ الكفار؛ للكل نتمنى الهداية ونحرص على هدايتهم كما قال الله لموسى وهارون:
فما أعظم هذا النظام! لكن ولاء ومودة لا؛
إذًا، فرقٌ:
فيجب أن نعرف هذه الفوارق، ونمضي على هذا النظام القوي البديع الرائق.
يقول: (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ)، هؤلاء المؤمنون الذين ليس في قلوبهم مودة -مع أدبٍ جَمٍّ، مع خُلُقٍ عظيم، مع حسن معاملة، مع بيان- مع إرادة هداية للكل:
(وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)؛ هذه عاقبتهم، اللهم اجعلنا منهم.
فوق هذا: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) -يا فوزَهم- (وَرَضُوا عَنْهُ) رضوا عنه؛ معرفةً، ثم إكرامًا وإجزالاً منه وإنعامًا:
(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ)، أنصارُ الله، أحبابُ الله، صادقون مع الله، (أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ)؛ (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22))، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم.
بهذا نأتي إلى ختام السورة الكريمة، كما نأتي إلى ختام النصف الأول من الشهر الكريم، ونقضي في سورة الحديد ما بقي من أيام شهرنا التي ليتها لا تنقضي وليتها لا تنتهي. ولكنها سُنة الله وحكمة الله في الوجود، وما لنا إلا ما أعدَّ وحَدَّ وبيَّنَ لنا -سبحانه وتعالى-، فله الحمد شكرًا وله المنُّ فضلاً، "لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنَّتْ أن تكون السَّنَةُ كلُّها رمضان".
بارك الله لكم في نصفنا الأخير، وجعَلنا من أهل التنوير وحسن التدبر والتدبير، تدبيرٌ مِنَ العليِّ الكبيرِ يتولانا به؛ فنسلم من سوء تدبير أنفسنا، ويُجْمِلُ اختياره لنا؛ فنسلم من سوء اختيارنا وقبيح اختيارنا في جميع أطوارنا.
ارزُقنا التفويضَ إليك والإقبالَ عليك وبَذْلَ النفسِ والنفيسِ في نصرتك ونصرة رسولك المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ظاهراً وباطناً.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
تنزَّلَ القرآنُ إلينا، يبيِّنُ لنا ويوضِّحُ سبحانه وتعالى -سبحان الله! فكأنه يُكلمنا- فَضلاً لَنَا مِنْهُ. وإنما نزل الوحيُ على النبي محمدٍ، وبعد ذلك قال؛ للناس، على الناس، وأنزلنا عليكم، هو على حبيبه نزل، ولكن لما يمتدُّ خيرُهُ إلينا، يقول أنَزَلَنا عليكم، فكأنه يكلمنا جلَّ جلاله، بواسطةِ هذا القلبِ المُبَلِّغِ، فكأنه بيننا يبلغ آيات ربنا.
فجزاه الله عنا خيرَ ما جزى نبيًا عن أمته ورسولاً عن قومه. وأدخلَنا في حماه وأسعدنا بالنظر إلى مُحَيَّاه دنيا وبرزخاً وآخرة. وجعَلنا من أسعد الناس بالنظر إلى طلعته الغراء وجبينه الأزهر، حتى يجمعنا معه في أعلى مستقر وهو راضٍ عنا في لطفٍ وعافية.
والحمد لله رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله.
17 رَمضان 1442