(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم..}، الآية: 14، إلى قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، الآية: 19
﷽
(۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (16) لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21))
الحمد لله مُكرمنا بإشراق النور الساطع المضيء، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحكم ويقضي، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله أفلح من بنوره يستضيء، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه في كل لمحة ونفس، وعلى آله المطهرين وأصحابه الغرِّ الميامين وكل من والاهم في الله وصدق في ولائهم، فهو سراً وعلناً على نهجهم يمضي، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
وبعد،،،
فإننا في نعمة ساعة تلقينا لفائض فضل الله عند تأملنا لتنزيله ولوحيه وما أوحاه على قلب أصفى أصفيائه وخاتم أنبيائه سيدنا محمد ﷺ، مررنا على أكثر آيات سورة المجادلة، حتى انتهينا إلى قول الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (۞ أَلَمْ تَرَ) -تعلم علماً كالرؤية الواضحة البيّنة- (إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم) أي الجماعات من المنافقين:
ومع ذلك قرروا أن يعادوك، وأن يعاندوك، وأن يحاربوك؛ فهم (قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)، أي أراد أن يُحلَّهم دار البوار والهلاك، وأن يُذيقهم الذل والخزي فى الدنيا والآخرة، فكذبوا بالحق وقد عرفوه، (فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة:89].
فيأتي هؤلاء من الذين يتظاهرون بالإسلام أمامك، فيوالون هؤلاء: (۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا) -أي والوا وصافوا وناصروا- (قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)، أفرأيت إلى المنافقين يوالون اليهود الذين يعادونك، كما قال جلَّ جلاله في السورة بعدها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ)، (وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ)، (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا) [الحشر:11]، الذين أشركوا (يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)، الذين والوهم فسموهم إخوانهم لذلك، مع أنهم:
فهذا الأمر الذي جمعهم، ومع ذلك تخلى بعضهم عن بعض عند الشدائد.
وكذلك حالُ طوائف الكفار، قد يجتمعون على مضادة الحق ومناوأة الهدى والنور، ويجتمع الكل على ذلك ويتعاونون؛ ولكن حالهم كما يصف الله سبحانه وتعالى:
لا أحد يمشي على رأي الثاني منهم، كلهم لهم آراء مختلفة وملل مختلفة. فيأخذون مدة من الزمان يجتمعون على مضادة الحق؛ فتحدث لهم أشياء من مواجهتهم للحق نفسه أو شؤون ومطامع فيما بينهم البين، يتخالفون عليها:
وهذه سنة الله مع كثرة الغرور، وكأن لم تكن هذه السُنة، والسُنة قائمة لم تتخلف، ومع ذلك فكأنه لم تكن سُنة، يجددون تجمعهم على مضادة الحق والهدى وعلى محاربة أمر الله وأمر رسوله؛ ولكن: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) [الأنفال:36].
والغرابة أنهم في كثير من الأحوال في العصور الأخيرة:
فماذا استفادوا؟
يقول جلّ جلاله: (۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا) -وناصروا ووالوا- (قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)؛ هكذا عاب القرآن وبعث التعجيب من حال هؤلاء! يوالون من غضب الله عليه:
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم، وما لهم إلى النار -والعياذ بالله تعالى-. فما نزلت الكتب لعبا ولا بعث الرسل و ختموا بمحمد ﷺ عبثًا ولكن:
وقد أحسن البلاغ خاتمهم ﷺ، وأحسن البيان، وبلَّغ النبأ على خير الوجوه الحسان، وتوسع في ذلك حتى تركنا على المحجة البيضاء بتأييدٍ رباني ما كان يقوم على ظهر الأرض في خلال ثلاثة وعشرين سنة.
هذه المعالم الراسخة القوية الباقية العظيمة التي تكفلُ دفع كل تغريرٍ وخداعٍ وكذبٍ وضلالٍ وكفرٍ وفسوق، وتهدي إلى الهدى والحق. من يقدر من البشر في عشرين ولا ثلاثين ولا أربعين ولا خمسين سنة! وأهل الاتجاهات المختلفة من قبله ومن بعده؛ منهم من قام وقام في دولته الأربعين سنة والثلاثين سنة، والخمسين سنة، والسبعين سنة والمئة سنة؛ ثم انحطوا وتحطموا وتلاشوا، ولم يبقَ ما قالوه ولا ما أسسوه ولا ما نظموه ولا ما قرروه أبدا، ولا ما نظَّروه ولا ما قنَّنوه؛ لم يبقى.
لكن انظر إلى الآيات هذه، انظر إلى محمد ﷺ وسنته العظيمة، من يقدر يفعل هذا في العالم؟
هو معجزة...
مُعْجِزُ القَوْلِ وَالفِعَالِ كَرِيمُ الـ *** ـخَلْقِ وَالخُلْقِ مُقْسِطٌ مِعْطَاءُ
رَحْمَةٌ كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ *** وَوَقَارٌ وَعِصْمَةٌ وَحَيَاءُ
مجلى الكمال الإنساني، وأي مؤثر في العالم في خلال ثلاث وعشرين سنة:
ما أصدقه! وما أوثقه! وما أعظم مكانته! صلوات ربي وسلامه عليه.
(۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ)؛ لأنهم كذبوا من منكم في النسب وفي الصورة وفي المسكن، ولكنكم آمنتم بالله وبرسوله، وهؤلاء كذبوا بالله وبرسوله والدار الآخرة (مَّا هُم مِّنكُمْ) إذًا، وإن كان جلوسهم بينكم ونسبهم إليكم؛ لكن القضية الأساسية في الحياة: الإيمان بالله ورسوله والدار الآخرة؛ هذا الفيصل بيننا ومن لم يؤمن، هذا الفيصل بين الحق والباطل، هذا الفارق بين الضلال والهدى، هذا الفارق بين النور والضلال؛ إيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، زادنا الله إيمانا وقوى إيماننا في كل يوم وفي كل ليلة.
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145]:
ماذا يغركم في الدنيا من مناصرة بعضكم البعض على الباطل؟ بأي حجم كان؟ وإلى أي مدة يمتد؟ سيذهب، سيتلاشى لأن مستقبلكم الكبير هنا.
يقول جلَّ جلاله: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14))، يحلفون أنهم آمنوا وأنهم مؤمنون وأنهم معك وأنهم ناصرون. (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون:1]، إذا لقوا المؤمنين يقولون آمنّا، نحن معكم. إذا جاءوا عندك قالوا: والله والله، (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، إنهم كاذبين ما في قلوبهم إيمان، وهو يكذب ويحلف على الكذب ويعلم أنه كاذب، وهم يعلمون بكذبهم:
يقول: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14)) حالهم وشأنهم، تريد الحقيقة؟ يتكلم عنها رب الخليقة: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) يا الله! هل فوق هذا تهديد؟ من قِبل من؟ القوي القادر العزيز القاهر.
(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15))، يكذبون ويخدعون ويحلفون باسم الرب على كذب:
(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)؛ لسوء عملهم الذي خرجوا فيه عن الكرامة وعن الإنسانية وعن القيم وعن الشيم، فلابد أن يقابل ذلك عذاب شديد -اللهم أجرنا من العذاب- (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25].
(إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً):
(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ)؛ مالوا وانحرفوا وصاروا سبباً لانحرافِ غيرِهم، (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (16))؛ جزاءَ هذا التصرفِ الخبيثِ الساقطِ السيء. (فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، يُخزيهم ويُذِلُّهُم.
(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (16) لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا)، يقول: ما حكاية الأموال والأولاد التي غرّت طوائف بعد طوائف وشعوباً ودول حتى انحرفوا عن حسن المسار، وحتى بعدوا عن المنهج الصالح، وتعرضوا لدخول النار؛ أموال وأولاد:
سمعتها في الصلاة، قول الحق -تبارك وتعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12] هذه عَاقِبَتُهُمْ وَمَصِيرُهُمْ.
(لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا). قَالَ: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)، فَمَاذَا تُغْنِي الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ؟ (وَوَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ:37].
بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ يَتَحَوَّلُ فِكْرُ الْإِنْسَانِ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَى وَسَائِلِ قُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ وَخَيْرٍ يَتَّخِذُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. لَكِنْ مِنْ دُونِ إِيمَانٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ، مَالٌ، مَالٌ، مَالٌ، مَالٌ، ماذا يَنْفَعُكَ؟ ماذا يَنْفَعُكَ؟
مِنْ دُونِ إِيمَانٍ، مَعَ تَضْيِيعِ أَصْلِ الْقَضِيَّةِ، الْمُهِمَّةِ الَّتِي خُلِقْتَ مِنْ أَجْلِهَا، إِذَا ضَاعَتْ؛ المَالٌ، هل يَنْفَعُكَ؟! مَال ماذا تَريد؟! مِثْلُ مال قَارُونَ؟! أين ذهب قَارُونُ؟ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ). تريد أَكْثَرَ مِنْ قَارُونَ؟ خُذْ أَكْثَرَ مِنْ قَارُونَ. وَبَعْدَ ذلك؟ وَبَعْدَ ذلك ما هي الْغَايَةُ؟ ما هي النهاية؟! يَا عَاقِلُ؟ مَالٌ، مَالٌ، ماذا؟
جَاءَ فِي سِيرَةِ نَبِيِّنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَهَابُ أَحَدًا مِنَ الْمُلُوكِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْجِبُهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا يُعْجَبُ بِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا تُقًى، مِيزَانُهُ قَوِيمٌ، طَاهِرٌ عَنِ الْأَهْوَاءِ، طَاهِرٌ عَنِ الْمَيْلِ وَالِانْحِرَافِ إِلَى يَمْنَةٍ أَوْ يُسْرَى عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَرَزَقَنَا اللَّهُ حُسْنَ مُتَابَعَتِهِ. لا تَنْفَعُهُمْ. وَمازلوا يُمِيلون إِلَى الْغَيْرِ: أنها وأنها، اعْبُدُوهَا مِثْلَنَا.
يَقُولُ تَعَالَى: (لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا)؛ فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا، فَأَنْوَاعُ النَّكَبَاتِ وَالْغُصَصِ الْوَاقِعَةِ بِهِمْ، لا أَحَدٌ يَصْرِفُهَا عَنْهُمْ، لَا مَالٌ وَلَا أَوْلَادٌ. وَإِلَّا كَانَوا منعوا كُورُونَا أن تَقْرُبُ مِنْ بِلَادِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، كُورُونَا مَمْنُوعٌ! ليست كُورُونَا وَلَا غَيْرُهَا مِنَ الْأَمْرِاض، فقط هذه التي عملوا لَها ضَجَّةً، قل للكورونا: مَمْنُوعٌ! أَنْتَ مُتَقَدِّمٌ مُتَطَوِّرٌ، عِنْدَكَ إِمْكَانِيَّاتٌ.
عَرَفْنَا إِمْكَانِيَّاتِكَ! وعَرَفْنَا مَكِينٌ قَوِيٌّ فَوْقَكَ، يَلْوِي رَقَبَتَكَ إِذَا شَاءَ، يُذِلُّكَ بِأَيِّ شَيْءٍ، يُذِلُّكَ بِأَيِّ شَيْءٍ -جلّ جلاله وَتَعَالَى في عْلًاه- لَيْسَ الْمُلْكُ لَكَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ لَكَ.
انتهينا مِنْ هَذَا، وَقُلْنَا ليست كُورُونَا فقط، كَمْ لَكُمْ مُتَقَدِّمِينَ فِي الطِّبِّ؟ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَمْسِينَ سَنَةً مُتَقَدِّمِينَ فِي الطِّبِّ؛ ولماذا الْأَمْرَاضِ تَزِيدُ فِي الْعَالَمِ. مُتَقَدِّمٌ عَجِيب! الطِّبُّ يَتَقَدَّمُ، وَالْمَرَض يَزِيدُ! تَقَدُّم مُمْتَاز هَذَا!
رأيت التَّقَدُّمَ؟ وَيَضْحَكُونَ عَلَى عُقُولِ الْخَلْقِ. وَوَجَدُوا نَاسًا مِثل الدَّواب يُصَفِّقُونَ وَرَاءَهُمْ، يُصْلِحُونَ لَهُمْ القليلُ من الإعلامِ، كَذِب!
انظروا الى هَذَا الْكَلَامَ الْحَقَّ: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت:42]؛ هَذَا الْكَلَامُ اعْتَمِدْ عَلَيْهِ، هُو هُو فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ، لا شَيْءٌ غَيْرُهُ.
يَقُولُ تَعَالَى: (لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا)، فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، فِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ، فِي جَنُوبِ أَفْرِيقِيَا وَغَيْرِهَا، عَالَجُوا بَعْضَ الْأَمْرَاضِ الْمُسْتَعْصِيَةِ:
كَانَ -رحمه الله- البْرُوفِيسُورًا مُحَمَّد حُسَيْن، كَانَ هُنَا عِنْدَنَا، وَكَانَ بْرُوفِيسُور وَدُكْتُورًا فِي الطِّبّ النبوي، وَمُتَّفِقٌ حَتَّى مَعَ بَعْضِ الشَّرِكَاتِ الصِّينِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي صِنَاعَةِ الدَّوَاءِ مِنَ الْأَعْشَابِ، وَعِنْدَهُ عِلْمٌ بِالطِّبِّ الصِّينِيِّ، وَلَكِنْ يُقَدِّمُ الطِّبَّ النَّبَوِيَّ. وَكَثِيرٌ مِنَ الَّذِينَ انْتَهَتْ عِنْدَهُمْ مُشْكِلَةُ السُّكَّرِيِّ بِتَنْظِيمِ الْغِذَاءِ:
انْتَهَتِ الْمُشْكِلَةُ، وَالدَّوَاءُ النَاجِعٌ الصَّحِيحُ مِنْ صَيْدَلِيَّةِ مُحَمَّدٍ تُحَصِّلُهُ هُنَاكَ.
وَلَمَّا أَنْهَوْا هَذِهِ الْمُشْكِلَةَ، الْآنَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إنهم اكْتَشَفُوا بَعْضَ الْأَشْيَاءِ مُمْكِنٌ أن تَقْضِي عَلَى هَذَا وَيَنْفَعُهُ، و لَكِنْ يَقَعُونَ مَعَهُ عَلَى حِسَابِ هَذَا، يلهفون الفُلُوسٌ. فَهُمْ يَمْنَعُونَ هَذَا، مَرَضٌ فَوْقَ مَرَضٍ، مَرَضٌ حِسِّيٌّ، مَرَضٌ مَعْنَوِيٌّ؛ هَذَا مَرَضٌ أَخْطَرُ.
إِذَا كَانُوا بِهَذِهِ الْعَقْلِيَّةِ يُفَكِّرُونَ وَيُتَاجِرُونَ فِي صِحَّةِ خَلْقِ اللَّهِ؛ مُتَقَدِّمُونَ، مُتَطَوِّرُونَ، فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ! يُتَاجِرُ فِي صِحَّةِ خَلْقِ اللَّهِ! يقول أنه يقَدر أن يُعَالِجُ، بَعْدَ الْعِلَاجِ هذا يأخذ فُلُوسٌ! ما هذا التَقَدَّمُ هَذَا؟ ماهذه الْحَضَارَةُ؟ حَضَارَةٌ أَوْ حَقَارَةٌ؟ مَا هَذَا؟
(لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا)، وَالْأَمْرُ الْمَقْطُوعُ به فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْأَكْبَرِ: (أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ..(17)) من هم أَصْحَابُ النَّارِ؟
يَقُولُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ظِلِّ بَعْضِ حُجَرِهِ، جَمَعَ الصَّحَابَةَ وَقَالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ، وَصْفَهُ كَأَنَّه عَيْنِ شَيْطَانٌ، لَا تُكَلِّمُوهُ. وَأَقْبَلَ -نَبْتَلُ- وَاحِدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ لَهُ ﷺ: لِمَ تَسُبُّنِي وَتَشْتُمُنِي أَنْتَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ -كَانَ جَالِسًا مَعَهُمْ- تَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَ: لَا، لَا وَاللَّهِ مَا سَبَبْتُكَ. أَنَا سآتِيكَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتَهُمُ الآنَ، فأخذوا يَحْلِفُونَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا قلنا لهم!".
فأنزل الله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، فِي الْقِيَامَةِ بَعْدَئِذٍ يَقُولُونَ: نحن ما كَذَّبْنَاه، صَدَّقْنَا مُحَمَّدًا وَاتَّبَعْنَاهُ وَقُمْنَا مَعَهُ! يَا رَبِّ، وَاللَّهِ، وَاللَّهِ، وَاللَّهِ! ظَنُّوا أَنَّ كَلَامُهُمْ سيمضي: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)؛ وَفِيه إِشَارَةٍ أَنَّهُ لا يَجْتَمِعُ ذِكْرُ اللَّهِ وَذكر الشَيْطَانٌ مَعًا.
وَمَا دُمْتَ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَتَذْكُرُهُ، فَهُوَ حَارِسُكَ، وَعَدُوُّكَ يَصْعُبُ عَلَيْهِ قُرْبُكَ، لَكِنْ لَمَّا تَنْسَى ذِكْرَهُ، (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ..(19))، لَوْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ؛ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، يَخْنِسُ. فَمَا أَعْظَمَ كَنْزَ ذِكْرِ اللَّهِ!
ذِكْرُ اللَّهِ يَعْنِي:
للذِّكْرُ بِهَذَا الْحَالِ حِصْنٌ حَصِينٌ وَوِقَايَةٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ:
الذي يصوم وقلبه مستحضرٌ الهيبة والعظمة، هذا أعظم أجرًا؛ من أجل الله يصوم إيمانًا واحتسابًا، وقلبه مشغول به، مشغول بهذا الإله، تسبيحه وتحميده، "أشهد أن لا إله إلا الله، أستغفر الله، أسألك الجنة وأعوذ بك من النار"؛ ضروريات ومهمات.
يقول: "أكثرهم لله ذكرًا". قالوا: يا رسول الله، فأي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا". سمع الجوابَ سيدنا أبو بكر، يقول سيدنا عمر -وهو جنبه-: ذهب الذاكرون بخيري الدنيا والآخرة. سمعه النبي ﷺ فقال: "أجل، ذهب الذاكرون بخيري الدنيا والآخرة"، كله معهم. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
رمضان قد انتصف، فعليك بالنصف الأخير:
فأكثرْ من ذكر ربك؛ باستحضارٍ، بتعظيمٍ وإجلالٍ وإكبارٍ، بتنزيهه عن كل ما يخطر ببالك، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، هو أعظم وأجلّ. سبحان رب العزة المتعالي عن كل ما يصفون من أقوال: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات:180-182].
قال: (فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)؛ (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ..(19))، جاءنا في مسند الإمام أحمد بن حنبل، وفي رواية أبي داود وغيره، يقول ﷺ: "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ"، فلو ثلاثة نفر في قرية، في بادية، لا يقيمون الصلاة جماعة، يستحوذ عليهم الشيطان، "فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ":
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ): قطعهم عن الذكر؛ ولهذا لما استلم الرسالة سيدنا موسى -عليه السلام- رسالة عظيمة وصعبة، يواجه بها قوة جائرة أرضية شديدة -فرعون- (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51]؟ يقتل الأبناء- اذهب إليه، قل له: أنقذ نفسك وتب إلى ربك: (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ) [النازعات:18-19]. (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه:25-34]؛ لأن المهمة الكبيرة تحتاج الى الذكر الكثير، وتحتاج الى التسبيح الكثير:
فكل الأحزاب في الدنيا التي خرجت عن منهج الله الذي أوحى، وسنة رسوله الذي اصطفى، فهم تحت قيادة واحدة اسمه إبليس، وإن تناحروا فيما بينهم ليلعب عليهم، يضحك عليهم، لكن القائد واحد: (أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ)، لكن مصيبتهم كلهم أنهم خاسرين: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19))، الذين يخسرون الأبد، يخسرون سعادة الأبد، ويشترون بها عذاب الأبد، خسران كبير -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، فاجعلنا معك ومع رسولك. وإذا قمنا بالأمر كان هو معنا جل جلاله، وأنت تسمع في:
أنتم تعظمون الملحدين بي، والكفار بي، أحدهم معه جهاز غرّكم به! أو واحدًا معه طائرة، واحدًا معه سلاح، وأخذتم تعظمونهم ونسيتم أنبيائي ورسلي! لا، (وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [المائدة:12]؛ فنعم معية الحق: (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد:35].
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51]. انصرنا يا رب بما نصرت به المرسلين، واحفظنا بما حفظت به الذكر المبين، برحمتك يا أرحم الراحمين. واجعل لنا في رمضان نورًا من نور القرآن، سرًّا من سر ذكرك، يشرق في قلوبنا وصدورنا.
وإن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح. وهل لذلك من علامة؟
أكرمنا يا ربِّ بذلك، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، واجعلنا والحاضرين والسامعين من جندك الذين ترتضيهم لنصرك، ينصرونك فتنصرهم في: (الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:51-52]. أيّدنا بتأييدك الأكبر، وسُرّنا بنصرك العزيز المؤزّر، وجميع أهل الحق والهدى في جميع الأقطار.
اللهم اجعل لنا في رمضان هذا من سر بدرٍ، وسر فتح مكة، إشراقَ بدورٍ وفتح عظيم مبين، تشرق به صدورنا، تفتح به كثيرًا من القلوب، تفتح به أعينًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا في شرق الأرض وغربها، يا الله؛ فيفيقون ويتقون، وبالعروة الوثقى يستمسكون، ويخرجون من موجبات الهون وعذاب الهون، ويستعدون للقائك يا من يعلم ما يسرون وما يعلنون.
اجعلنا في أهل الصدق معك في جميع الشؤون، في الظهور والبطون، يا حي يا قيوم، يا من يقول لشيءٍ كن فيكون. انظر إلينا يا رب، وبما أنزلت من القرآن في رمضان، وبرمضان وأهل رمضان، أصلح لنا كل شأن، وارفعنا في التقوى إلى أعلى مكان، في الإسلام إلى أعلى مكان، في الإيمان إلى أعلى مكان، في الإحسان إلى أعلى مكان، وفي المعرفة الخاصة إلى أعلى مكان، يا منزل القرآن، يا باعث سيد الأكوان، يا رحيم يا رحمن.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
16 رَمضان 1442