(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ..}، الآية: 11، إلى قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، الآية: 13
﷽
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13))
الحمد لله، الحمد لله مُكرِمنا بأنوار القرآن وتَلَألُئِها ودلالاتها ومعانيها الواسعات، ومُبَينِها لنا على لسان خاتم الرسالات، خير البريات، سيد أهل الأرض والسماوات، سيدنا محمد ابن عبدالله ابن عبد المطلب رفيع الدرجات، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه في كل حين وآن، ولمحة ولحظة ونَفَسٍ بأزكى الصلوات وأعلى التسليمات، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار القادات، وعلى من والاهم في الله واتّبعهم بإخلاص القَصد وصفاء الطويّات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين، مَركَزِ رعايات الله والعِنايات، وعلى آلهم وصحبهم وأهل المُتابَعات، وعلى جميع ملائكة الله المُقَرَبين وجميع عبادهِ الصالحين والصالحات، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه مجيب الدعوات وقاضي الحاجات، ودافع البَليات، ومُنيل الرغائب والمِنن الوافرات.
وبعد؛
فإنَّنا في نِعمة تدبّرنا لكلام ربنا وتأمُلِنا لمعانيه وتَذَكُرِنا لِمَا جاء فيه، مَررنا على الآيات من سورة المجادِلة، حتى انتهينا إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في علاه:
(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
وقد حَدَّثَنا تعالى:
وبذلك تَدورُ المُناجاة بينهم -بينهم البَين- في مختلف لقاءاتهم واجتماعاتهم وبمختلف الوسائل، ولا يزال هذا الصنف على هذا الحال الذي وصف الله، وعلى هذا المسلك الذي ذَكَرَ الله تعالى.
وأنَّ المؤمنين:
ولم يَزَل أولئك الأخيار -إلى عصرنا- على هذا الحال في مناجاتهم ومخاطباتهم وكلماتهم، وما يصدر منهم من أقوال؛ (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج:24] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وأحسنوا الامتثال لقول ربهم سبحانه:
وقلنا:
ولقد ضرب النبي لنا مَثَلًا منهم: الذي يُنَفِقُ سلعته باليمين الكاذبة، يُنَفِق السلع ويَبيعها ويَحلِف عليها أيمان -والله إنها تساوي كذا، والله إنهم وصلوني فيها كذا، والله لا تُحصِّل أحسن منها، والله لا يوجد في البلاد أو تحصِّل مثلها؛ واتخذ الله تعالى عِرضَه أو لعبة في لسانه من أجل شيء من المَتاع يُدرِكُهُ -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، كالمَنان بالصَدَقَة ونُظَرائهم ممن توعَّد ﷺ أن (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:77].
عَلَّمَنا تقويم النجوى على مسلك التقوى؛ فأكرَمَنا الله، ونَسأله أن يُكرِمنا بِضَبط أَلسِنَتِنا حتى لا تَنطق إلا بما يحب، حتى نلقاه ونحن نُحب لقاءه وهو للقائنا يُحِب.
ثم وجّه الخَطابة لنا في المجالس فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ)، أو (في الْمَجَلِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)، (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) وذلك أنَّهم كانوا:
فكانوا إذا أقبل المُقبل ضنُّوا بمجلسهم وقُربِهم من رسول ﷺ، فأمرهم الحق أن يُنَظِّموا مجالسهم، وأن يفسحوا فيها -يوسعوا فيها لمن أَقبَل- و يَقرَبوا إلى الصدر؛ حتى تَظَهر السِّعة والمكان لمن وراءهم، ويجد له فجوة يدخل إليها، فإن وجد المَكان مُزدحمًا جلس وراء الحلقة وابتدأ صفًا من ورائهم.
يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ)، أو (الْمَجَلِسِ)؛ وفيه إشارة إلى شرف المُجالسة والحرص عليها وهكذا، فإذا كانت مع خير جليس من الخلق أجمعين، عَظُمَ شأن أصحابها فإن المَرء من جليسه، "المرء من جليسه" و "المرء على دين خليله".
وبهذا ضرب ﷺ المَثل للجليس الصالح والجليس السوء؛ وضرب المثل ببائع المسك وبنافخ الكير، فأيهما جلستَ عنده فلابدَّ أن يحصل عندك أثر؛ شئت أم أبيت، باختيار أو بغير اختيار منك، فأمَّا الشراء فباختيارك، إذا أردت أن تشتري منه العطر -صاحب المسك- وإما أن يَحذوكَ فباختياره هو أن يُعطيك، وأمَّا وجود الرائحة فَمُلزَمون بها لا تقدر أنت تمنعها ولا يقدر هو يمنعها عنك، فتجد منه الرائحة الطيبة يزكو بها عقلك، فهذا أقل ما تستفيده من مجالسة الصالح.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ) وهكذا شؤون هذه المُجالسة:
والعكس بالعكس، المَرءُ مِن جليسه.
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن *** قَرينَهُ فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي
وبذلك جاءتنا النصوص في الحث على مجالس الخير ومجالس العلم ومجالس الذِّكر، وأنَّ ملائكةً مُخَصَصين من قِبَل جبار السماوات والأرض ومُكَوْن هذه الأفلاك خَصَصَهُم في الأرض بمجالس الذِّكر، فإذا اجتمع من أمة محمد مُجتَمِعون على الذِّكر، تَنادوا؛ هَلُموا إلى طَلَبَتِكُم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيكونوا جُلساء لأخيار جُلساء لِملائكة، والحق يَذكُرُهُم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وهو القائل في الحديث القدسي: "أنا جليس من ذَكَرَني".
وهكذا قالوا: إن الشر كله في أن لا يُجالس أهل الخير، أن لا يُجالس من يُستحي منه، فإذا فَقَدَ مُجالَسَتهم فقد حُرِمَ الخير..
واياكمُ من صُحبة الضد إنني *** رأيت فساد المرء صحبة أضداد
ففي صحبة الأضداد كل رذيلةٍ *** تؤدي إلى ضر وبغي وإفساد
وفي صحبة الأخيار كل غنيمةٍ *** و ربح وفوز ليس يحصيه تعدادي
هم العلماء العارفون الذين في *** مجالسهم للمرء أعظم إسعادِ
بذلك يقول سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: مَن جالس الأخيار حُظي بالخير والأسرار، ومن جالس الأشرار استحق العار والنار.
قال الحبيب علي الحبشي:
أُفيدك أنني جالست قومًا *** حدوني بالمقـال وبالفعالِ
رجالًا ما رأيت لهم مثيلًا *** يزعزع حدْوهم صُمُّ الجبال
الله أكبر، قال:
فحرَّك حدوهم قلبي فأبدى *** غرامًا مِنه في حُبِ الجَمال
وهكذا توالت عليه الإفضال من الحق بالمجالسة لأولئك، وقال الإمام الحداد:
هداة الورى طوبى لعبد رآهم *** وجالسهم لو مرة مِنهُ في العمر
وفي الخبر: أن مجلس الذِّكر يُكَفِرُ سبعين مجلسًا من مجالس اللهو.
يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)، فلا تَتَكَوَمون فَيَضيق المَكان، ولا تَضيق صُدورَكُم أن يَدخُل بينكم أحد، وعِندكم سِعَةَ، وسِّعوا لهم، ولكم الجزاء؛ (يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ):
يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا)؛ جاء وقت صلاة، جاء وقت جهاد، جاء وقت إعانة لمُحتاج، جاء وقت إرسال نبأ لقوم، جاء وقت خروج في دعوة إلى الله، (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا).
(وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا) أي قوموا لأمر من الخيرات فَهُبُّوا لذلك وانطلقوا فيه، وكذلك: (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا)، قوموا لأجل فَسح المَجال لمن هو أحق وأولى فقوموا، مع أنَّه لا يجوز للإنسان أن يُقيم أحدًا من مَجلِسِهِ ثم يَجلِس فيه، ولكن مَن تَنَحى عن مَجلِسِهِ إيثارًا لِمَن هو أَحَقُّ به فَلَهُ ثوابه وله مَكانه، ولكن ليس لذلك، لذا كان يَحذَر ابن عباس: إذا جاء وقام أحد من مجلسه، فلا يجلس في مجلسه أبدًا.
ولكن من جُملة ماجاء في الآية: أن سادتنا أهل بدر كانوا مخصوصين من بين الصحابة، وجاء منهم جماعة -منهم عدد- والنبي ﷺ في مجلس، فسلموا على النبي ﷺ ورد عليهم السلام وسلموا على القوم وردوا عليهم السلام، وأراد أحد أن يوسع لهم من أجل أن يدخلوا فما انتبه أحد إليهم وبقوا قائمين على أرجلهم فَشَقَ عليه ﷺ، ثم قال لبعض المُهاجرين والأنصار: قم يا فلان، قم يافلان مِمَّن لم يحضر بدر، فوقع في نفوسهم شيء، لِم يقومون؟! فأنزل الله: (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا) إذا هو أحد أحق منكم هناك في المجلس قوموا له (فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ) -أي درجة- (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ):
فَعَلِمتَ أن الفَضلَ مُنصَبٌ على هذه الذات، وما فَضَّلَ الله أحدًا إلا بِقُربِهِ من هذه الذات المُشَرَفَة بمحمدٍ، حتى أهل السماء نالوا شرفًا وفضلًا بحضورهم معه في غزوة بدر فمن هو هو؟! هو حبيب الرحمن صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه، وقَرَبَنا الله إليه، وحشرنا في زمرته.
فكان ابن مسعود يقرأ الآية يقول تأملوا الآية وارغبوا في العلم، فما شيء أعظم مما فيها ترغيبًا لكم للعلم (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ):
هذا العلم، هذا العلم، العلم بهذه الصورة هو الذي يرفع الله أصحابه الدرجات العَلية، وأمَّا مجرد خَزن المعلومات في الأذهان والقيام بِذِكرها وتَعليمها بين الناس، مع رغبة القلب في الدنيا والتكالب عليها والتودد إلى أهلها فما هو إلا حُجَةٌ على صاحبه وليس من العِلم في شيء، ولا يُرفَع صاحبه ولو ظهرت صورة الانتفاع به، "فإنَّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر و بأقوام لا خَلاقَ لهم" -والعياذُ بالله تبارك وتعالى-.
لازِم الإخلاص والصدق، والعِلم المَقرون بالخَشية والمقرون بالإخلاص والمقرون بالصدق معه جلَّ جلاله والعمل بمقتضاه، هذا هو العلم النافع، قال فيه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28]، فكل من عَلِمَ عِلمًا ازداد به خَشية من الحي القيوم فهو العِلم الذي أثنى الله عليه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) فمن المعاني في الآية أنه:
كما قال في القاعدين والمجاهدين: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) [النساء:95-96]، وهكذا قال في أهل العلم: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
وقيل أنَّ معنى الآية؛ رفْع الدرجات للاثنين:
وعلى هذا فَضلُ العِلم يَغرِف ويعرف من الآيات الأُخَر ومن الأحاديث الأُخَر ومقامه، ولكن كما فسر ابن عباس أنَّ المعنى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) درجات أكثر، وللعلماء فوق المؤمنين سبعمائة درجة..
فما أحسن العلم إذا أُخلِص فيه لوجه الله، وأُخِذَ على وَجهِه، وما أحوج الأمة إليه.
كَثَّرَ الله فينا أهل علم الخشية، والعِلم النافع الذي يرفع الله أصحابه درجات، واجعله في أهالينا واجعله في أولادنا واجعله في طلابنا واجعله في أصحابنا واجعله في قراباتنا يا رب العالمين؛
واجعل العلم فينا والذكاء والنجابة
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(11)):
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) وقد حدثناكم عن النجوى وعن المجالس.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) -خاطبتم وكلمتم نبينا ورسولنا- (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)، قبل أن تُكَلِمُهُ تَصَدَّق أولًا، تَتَطَهر وتَعرِف قَدر من تريد، تريد أن تُكَلِمُهُ وتخاطبه وتدخل بعد ذلك تُكَلِمُهُ.
(إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً..(12)) قيل إنها بقيتْ عشر ليال ولكن هذا بعيد، قال الكلبي: ساعة من نهار، ثم نُسِخَت وجوب الصدقة، وبقي المكان للاعتبار للحبيب ﷺ، وقالوا في وجوب ذلك، مع أنَّ الأصل فيه معرفة قدر محمد ﷺ ومكانة خطابه.
والثاني أنَّهم أكثروا كلامهم معه، تكلموا كثيرًا، كما قيل في (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا..(11)) أنَّ من بعض الأغنياء وبعض الناس جاءوا يقربون من رسول الله ﷺ ويُطيلون الحديث معه والمناجاة، وهناك كثير من الفقراء وغيرهم يحتاجون إلى كلامه ﷺ فيأخذون الوقت حتى يُقال لهم قوموا.
(وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا) وجاءت لهم الآية تقول لهم أنتم تَنَبهوا من نفسكم، ومن قبل أن يقول لكم أحد، قوموا خذوا المهمة والحاجة واذهبوا، فنبيُّنا ليس واقف على واحد منكم، المحتاجون إليه كثير وله مهام كبيرة وشأن معنا، فلا يأتي أحد منكم يُبَلبِل، ولا عاد يتحرك من مكانه (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا).
وكذلك في المناجاة له ﷺ، وعلى هذا القول جاء الحديث عند الحاكم في المستدرك عن سيدنا علي، وجاء عند رواية غيره: "ما عمل بهذه الآية غيري"، قال: "آية في كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا عمل بها أحد بعدي؛ آية المناجاة"، قال: نَزَلت وأردتُ أن أكلم النبي ﷺ وأسأله ومعي دينار فتصدقت به، في رواية: أنَّي صرفتُ عشرة دراهم، وكلما كلمت النبي تصدقت بدرهم.
والرواية المشهورة: أنَّه أخذ الدينار فتصدق به، ثم ناجى النبي ﷺ وسأله عشرة أسئلة، وأجابه ﷺ، ثم قال له ﷺ: ما تقول في هذه الصدقة؟ قال له ﷺ: ما ترى في الصدقة التي فرضها الله عند المناجاة؟ أترى دينارًا؟ قال سيدنا علي: لن يطيقوا ذلك يا رسول الله، كل واحد يكلمك يتصدق بدينار، قال: فنصف دينار؟، قال: لا يُطيقونَ ذلك، قال: فكم؟!، قال: يا رسول الله حَبَةَ شَعير من ذهب، يقصد من الذهب أقل شي، قال: إنك لزهيد؛ يقول رسول الله ﷺ، يعني: إنَّك فقير ما عندك شي وتقيس على نفسك، هذا حالك وتريد ترحم الناس؛ فأنزل الله التخفيف بعده، كما روى الترمذي وحسَّنه غيره.
قال: وإنَّ الله خفف بي، أنا عَمِلت بهذه الآية وخفف على الناس بي، راجعني النبي وكلمني، يشاورني كم مقدار الصدقة؟ قلت كذا، وقال كذا، فأنزل الله الآية، وأكملها بالعفو عن الناس، فما عاد بقي واجب عليهم أن يتصدقوا قبل مُخاطَبَته ولا يَحرُم عليهم مُخاطَبَته قبل الصدقة، ولكن يعرفوا قَدرَ من يُخاطِبونه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
قال: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا)، هناك فقراء منكم ما عندهم شيء، إذا أراد أن يتكلم مع النبي وما عنده شيء لا دينار ولا درهم؛ (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12)) مسامحة للفقراء.
ثم نَسَخ الحكم بالآية الثانية:
ففيه بيان مَكانة المُخاطبة للنبي الذي شَرَع الله لنا خطابه في كل صلاة.
وما من مُسلم يُسَلِّم عليه مِن أُمَتِه سلامًا مَقبولًا في الصلاة أو خارجها إلا ردَّ عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم السلام: "ما من مسلم يسلِّمُ عليَّ إلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حتَّى أردَّ عليْهِ السَّلامَ":
وكثير من الأمة، وفي كثير من الأحوال، وَكَّل الله ملائكة بتبليغه السلام: "إِنَّ لله ملائكة سياحين فَي أرْضِي يُبَلِّغُونَنَي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامِ"، فلان قال، وفلان، وفلان، فلان قال، وفلان، وفلان وفلان وفلان قالوا، فلان قال، وفلان قال يبلغونه السلام صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وفي هذه المملكة الواسعة قَرَّبَ الله للعقول القاصرة، ما أحدثه لنا في الحِس من هذه الكمبيوترات والمسائل التي تجمع الكلام من هنا وهنا وفي الوقت الواحد وترسل وتعمل، وفي حضرة الأرواح الطاهرة وبلوغ حضرة المصطفى ﷺ سلام المُسَلِمين وردّهُ عليهم إلى غير ذلك مما هو مشتغل به في قبره، "الأنبياء أحياء في قبورهم يُصَلون" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فما أعظم شأن الروح الطاهرة، المُشَرَّفة خير الأرواح وأصفاها وأزكاها، وإذا تحدثنا عن شأن الروح فإنَّه حَدَثَنا عن روح واحد من الأنبياء؛ سيدنا موسى عليه السلام في ليلة الإسراء والمعراج، ماذا؟ "مَرَرتُ على موسى لَيلةَ أُسريَ بي، وهو قائِمٌ يُصَلِّي في قبره"؛ إذًا لروحه حضور عند القبر، ثم صلَّوا معي في بيت المقدس، ثم طرقت السماء السادسة فإذا موسى، موسى في السماء السادسة أم في القبر، أين هو؟ في السماء موجود، في القبر موجود، فالروح؛ هذا وهذا عندها سواء.
فمثال في عالم الأرواح العالم كله يَصغُر، وفي عالم الأجسام إذا قال هذا الإنسان حاضر مع من على يمينه أم مع من على شماله؟ هو حاضر معهم كلهم، حاضر معهم كلهم، فكذلك السماء والقبر بالنسبة للروح عن يمينك وعن شمالك كأنَّه واحد -لا إله إلا الله- في ساعة مدرك الروح، وقِصَر هذا العالم؛ بل الروح وهذا القلب يدرك من أسرار المعارف بالله ما لا تسعه السماوات ولا الأرض، يقول هكذا.
فهكذا ذكرنا أهل بدرٍ، وفي مثل هذا اليوم كانوا في طريقهم إلى بدر، كان قد خرج ﷺ من اليوم العاشر من مدينة المنورة، ومرت به أيام وهو في طريقه والآن في أثناء مسيره يشرف على موطن بدر-صلوات ربي وسلامه عليه-، في نَفس السنة التي فُرِضَ فيها الصوم، وأيام حر وخرج هو صائم صلوات ربي وسلامه عليه، ولا يوجد معهم من الجِمال حتى ما يكفيهم للركوب، ليس ليذبحوها! بل ليركبوا عليها فقط، كل ثلاثة على جمل، يتناوبون يركب واحد واثنين يمشون وهكذا، كل ثلاثة على جمل، وثلاثة على جمل يتسع الجمال منها سبعين، يتسع منهم مئتين وعشرة بعد، باقي ثلاثمئة أين هم؟! كل ثلاثة يعقبونهم ثلاثة آخرين، ثلاثة يتناوبون على الجمل ثم يعطوه ثلاثة آخرين حتى يستوعبهم كلهم؛ لأنَّ كل ثلاثة على جمل، لا يسع الثلاثمئة، يسع مئتين وعشرة، كلهم سبعين جمل، كل جمل له ثلاثة فالمجموع مائتين وعشرة، وهو معه اثنين ﷺ ينزل من الجمل يقول اطلعوا، يقولوا: يا رسول الله اركب نحن نكفيك ونحن سنمشي أنت اركب، يقول: "لستما بأقوى علَى المشيِ مني ولست بأَغنى عنِ الأجرِ منكُما"، وأجورهم كلهم هذه كلها في صحيفته
ما عرفوا ربهم إلا به، ولا جاهدوا إلا به، وهو سبب ذلك كله، ومع ذلك قال: "لست بأَغنى عنِ الأجرِ منكُما"، "لستما بأقوى علَى المشيِ مني ولست بأَغنى عنِ الأجرِ منكُما"، فكان ينزل إذا انتهت نوبته ويُرَكِب الثاني، ثم يُرَكِب الثالث، ثم يَرجع يَركَب صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وكم خطوات مشيها بِقَدَمِه الشريف في سبيل ربه سبحانه وتعالى، حتى ننعم نحن بهذا الخير، ويصل إلينا هذا النور وهذا الصلاح وهذا الفلاح وهذا الهدى وهذه الهداية وهذه الرعاية وهذا التجلي الرباني، وَصل إلينا بجهده ﷺ وبصبره ومقاساته ومعاناته، وكم مشت رجله الكريمة في تلك الخبوت وفي تلك الطرق وفي تلك الجبال، من أجل أن يبلِّغنا امر الله وليصل إلينا هذا الخير بهذه الصورة وهذا النور وهذه السكينة وهذه الطمأنينة، كلها حصلنا عليها من وراء الرِّجل الشريفة هذه، ومن وراء الاجتهاد لهذه الذات الكريمة.
فالله يجزيه عنَّا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته ورسولًا عن قومه و يحشرنا في زمرته ولا يُفَرِّق بيننا وبينه حتى يجمعنا به في أعلى الجنة وهو راضٍ عنا.
نسألك الدرجات العُلى من الجنة، في مرافقة سيدنا محمد ﷺ، فأكرِمنا بالشرف الأفخر والرتبة العليا في مرافقته فضلًا منك وجودًا وكرمًا برحمتك يا أرحم الراحمين، اشمل بذلك أهالينا وأولادنا وذرياتنا وطلابنا وأحبابنا وأصحابنا ومن والانا فيك يا خير مجيب وأكرم من استُجيب ياذا العطاء الرحيب يا قريب يا مجيب يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
16 رَمضان 1442