(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..}، الآية: 7، إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، الآية: 10
﷽
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9))
الحمدلله مُكرِمِنا بالآيات والوحي الشريف، باسط بُسط التكريم والتشريف، لكل ذي تكليفٍ قام بحق التكليف، ونشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له نِعمَ القوي المتين الخبير اللطيف، ونشهد أنَّ سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، بعثه إلينا بالهدى والحق واليُسر والتخفيف، اللهم أدِم صلواتك على عبدك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه المُتبوئين ذُرى التشريف، وعلى مَن والاهم فيك واتبَّعهم بإحسان بقلب نظيف، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين أهل المنزل الأعلى والمقام الشريف، وعلى آلهم وأصحابهم وأتباعهم وملائكتك المقربين، وعبادك الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا بَر يا رحيم يا رؤوف.
وبعدُ؛
فإنَّنا في نعمة تأملنا لخطاب الإله الحق، وتبَيُنِنا لِمَا أنزله على قلب رسوله الأصدق -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مررنا على آيات مِن سورة المجادِلة وعلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..(7)) علم إحاطة -جملةً وتفصيلًا- مِن قَبل أن يكون سماءٌ ولا أرض، فلا يحصل إلاَّ ما سبق في علم الله مِن ذرات الوجود وجزئياته كلها.
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وهذا مِن مظاهر ألوهيته وربوبيته، وهو أمر منفي عن كل ما سواه، فليس هناك شيء ولا أحد؛ لا مِن الملائكة، ولا مِن الإنس، ولا مِن الجن، ولا مِن الشعوب، ولا مِن الدول يعلم ما في السماوات وما في الأرض، (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل:65].
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ويفتخرون أنهم في كل يوم أو زمان يكتشفون شيئًا، واكتشافهم للشيء دليل على سابق جهلهم؛ فهم يكتشفون جهلهم في كل يوم؛ كلَّما اكتشفوا جديدًا اكتشفوا أنَّهم كانوا جاهلون بذلك فيما مضى مِن أعمارهم، فإنَّما يكتشفون جَهالاتهم؛ لكن العالِم هو الله، صاحب العلم هو الله، عَلِم كل شيء مِن دون سبق خفاء ولا جهل، ولا يكون إلاَّ ما عَلِم -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
ثم ذكر شأن النجوى قال: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) وقلنا أنَّه كان كثير ِمن المنافقين يجلسون ثلاثة مع بعضهم، وخمسة مع بعضهم ويتناجون لينغزوا المؤمنين، ولِيُوقعوا في صدورهم القلق والخوف مما يقول هؤلاء: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ).
فنصَّ على هذه الحادثة وتناول جميع الأعداد بقوله: (وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)، لا إله إلاَّ هو، وقلنا:
(وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) معهم وعَلِم وهو ينبئهم وسيجازيهم على ما قالوا، (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (7)) وأدخل التناجي في العمل فإن قول الإنسان مِن عمله، يُحاسب عليه:
فكم مِن حسرات على اللغو الذي خرج، فكيف بالحسرة على الذنوب وعلى المعاصي التي نطق بها اللسان.
قال: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وكان مِن حكمته:
(إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)) وعِلمُ الخلائق محصور ومحدود وحادث، قابل للزيادة، ليس محيطًا فيما علموه:
ولذا لمَّا سُئل لقمان الحكيم؛ عن مَن يحيط بالعلم أو بكل العلم؟ قال: كل الناس، يعني ما أُوتي الناس مِن العلم ما يحيط به بعضهم، مجموعهم يحيطون بالعلم الذي أوتوه وهو القليل: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، لا إله إلاَّ الله.
إلاَّ أنَّه تختلف مراتب العلوم وشرفها ومنزلتها:
يقول سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7))، ويذكر قضية النجوى هذه ومخاطبات الناس بينهم البين سرًا وجهرًا: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ..(8)) وهي الأنواع التي في النجوى والتي نُهيَ عنها:
النجوى بهذه الأشياء مصدر الضر والشر، حتى نطق لسان الحكمة بقولهم: البلاء موكل بالمنطق، البلايا والآفات كلها مصدرها مِن المنطق، مِن اللسان.
احذر لسانك أيها الإنسانُ *** لا يلدغنك إنَّه ثعبان
فلمَّا كان عادة المنافقين واليهود استعمال النجوى في هذه الشرور وفي إيهام الضُّر، حتى أنَّ بعض الصحابة كان يمرُ في الطريق على بعض اليهود أو بعض المنافقين، فإذا رأوه مُقبل تكلموا بصورة مُريبة ومزعجة؛ حتى يتوهم أنَّهم يتحدثون بقتله، فيترك هذا الطريق ويمشي بطريق آخر.
قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ) فأنزل الله الآيات تنهى عن أن يتناجوا بهذه الصورة، فما انتهَوا!
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ) ما هي النجوى التي نُهُوا عنها؟
وهكذا جعل الله حال البشر على ظهر الأرض في شؤون مناجاتهم وأحاديثهم التي هي ترجمةٌ صحيحة مطابقة لأفكارهم ومداركهم ونياتهم.
كل هذا يُترجم بالكلام والأقوال.
هكذا، فجعل الله في مختلف الأزمان ومع بعثة كل نبي، ثم بعد مُضي النبي ومجيء مَن يخلفه مِن أصحابه وآله مِن بعده تبقى ثُلل مِن الناس يشغِّلون مناجاتهم والحديث بينهم:
فاحذر أن تكون منهم، فإنهم في كل زمان موجودون (يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ..(8)).
وينتخب الحق -تبارك وتعالى- أقوامًا تكون مناجاتهم وأحاديثهم، ما بينهم البين سواء أن كانوا أصحابًا، وما بينهم وبين أُسرهم، وما بين مختلف جُلسائهم:
كلامهم هكذا! فكُن منهم وكن معهم، فهذا صنف مِن عباد الله -تبارك وتعالى- ينتخبهم الله لذلك:
فإذا قالوا القول الطيب، وعملوا الأعمال الصالحة؛ صعد الكلِم الطيب إلى الحق وارتفع بأعمالهم الصالحة إلى ذُرى القرب مِن الحق ورضوانه -سبحانه وتعالى-.
يقول: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ..(8)) دخلوا عليك، والدخول عليك شرف لِمَن عَرَف قدرك، ولِمَن علِم منزلتك، ولِمَن قصدك مِن أجلنا، ولمكانتك عندنا؛ ولكنَّ هؤلاء؛ أتحنا لهم هذه المنَّة والشرف فبدلوا نعمة الله كفرًا، يجيئون إليك ويدخلون عندك ويلوكون بألسنتهم، يظهرون أنهم يحيُّون بالسلام وهم يلوون لسانهم يقولون: سَام، يوهمون أنهم قالوا السلام، وهم قالوا: السام يعنون الموت، السام عليك -السام عليك- يقولون السام عليك، وهكذا يخاطبون النبي يا أبا القاسم ويلوكون الكلمة.
(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) الله حياك بالسلام، وبالإكرام، وبالنعمة، وأعطاك الحياة الشريفة الطيبة، ووعدك بعدها ما هو أطيب، وهؤلاء يُحيونك بكلام ثاني ويقولون لك: سام.
(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ):
وهكذا يلوكون بألسنتهم ويحرفون لفظ السلام إلى السَّام:
تبتلى بعض القلوب بمصائب وأمراض؛ يحقدون ويحسدون، ويتمنون السوء والموت والهلاك لخلق الله حتى وإن كان الذي يقابلهم، يرحمهم وينصحهم ويريد إنقاذهم؛ ولكنهم يقابلونه هكذا؛ فهذه أمراض وعلل خطيرة أشد مِن مئة كورونا -لا إله إلاَّ الله-؛ ولكن هذا هو التطعيم منها، هذا هو، هذا هو الوحي المنزل، هو الذي يقِيك الأمراض الخطيرة:
خطرها خطير كم ستجلس في الدنيا؛ لكن موقف القيامة وحده خمسين ألف سنة -يا الله- هذا يريد انتباه، ذاك الموقف فيه كُرب شديدة. اللهم نجنا مِن كُرب يوم القيامة، وشدائد أهوال يوم الطامة، وبيِّض وجوهنا إذا اسودَّت وجوه العصاة في موقف الحسرة والندامة.
يقول: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ) مع ذلك تُمنِّيهم أنفسهم ويضحك عليهم عدوهم الشيطان يقولُ: انظروا إلى أنفسكم أنتم تقولون كذا ويمشي الكلام، لو كان هذا النبي صدق كان نَزل العذاب علينا.
وكثير مِن العقليات الناقصة والمنحرفة لا تتصور مِن العذاب إلاَّ صاعقة تنزل، أو زلزلة أو شلل في جسده يظنون هذا، ولم يعلموا أنَّ العذاب الأخطر الأكبر على المعاصي وعلى أي معصية إذا لم يعفُ عنك الله فيها، ولم تتب منها؛ نار موقدة وآلام وإهانة وخزي وعظيم تعب لا يساويه شلل، ولا يساويه خسف، ولا نزول صاعقة أمرها هين؛ ولكن لا يعقلون، يظنون العذاب إلاَّ هذا.
يقولون: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)؛ أجاب الحق عليهم: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)) يريدون أو لا، يظنون لن نعذبهم، ظنوا ما وراءهم شيء! (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران:178].
ماذا (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) ما الكلام هذا؟!
يقول: (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ)، يكفيهم مِن العذاب الشديد الذي أعددنا لهم: (جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا) يشوون فيها، تشوى فيها جلودهم ولحومهم، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء:56]، (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)) الذي يصيرون إليه.
ما معنى (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)؟ أنتُم ظننتم لمَّا أخَّرتُ العذاب عنكم، هذه الأيام وأنتم تزدادون فيها إثم، أنني لم أعد أستطع أن أعذبكم، أو أرفع عذابي عنكم! مِن أين الهبالة هذه والخبالة في العقلية هذه؟! مِن أين؟! عاديتم رسولي وأترككم؟!، "مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ".
ماذا (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)؟! هذا نوع مِن الوساوس الشيطانية التي ترِد على عقول كثير مِن الناس، يقول: لو كان هناك عذاب كان قد حصل مِن أول، أنا قلت أول مرة وثاني مرة ولا شيء حصل، زد ثالث مرة ورابع مرة وسترى ماذا سيحصل؛ هل أنت مجنون؟! مِن مرة واحدة أنت على خطر، كيف تكررها؟! هذه مصادر ومنابع السوء والشر والضر.
ولكن هكذا مثال الذي يتناول السُم، يقول: شربت السم لا شيء حصل لي، ماذا يوجد؟ شوية شوية بيسري الآن، أمامك ساعة أو ساعتين ولا يبقى شيء، ستموت، أنت مجنون! لا يظهر بسرعة أثره، وهذا كله دنيوي وحسي وفاني؛ لكن كيد الجبار ومكر القهار وعذاب مَن بيده الأمر كله وكيف شانه؟!
(وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ(8))، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60]؛ فبئس المصير مصيرهم؛ يعني خسروا المستقبل حقيقةً.
وجَّه الخطاب إلى المؤمنين رب الأرباب -جلَّ جلاله- قال:
لهذا قال أنَّ بعض الصحابة جاءوا في الليل وتكاثروا في نوباتهم؛ مِن أجل أن إذا طرق النبي أمر، أو أمر بأمر، أو أراد شيء يكونون قريبين منه. فجلسوا جماعة منهم وتناجوا فخرج عليه الصلاة والسلام: ما هذه النجوى؟! ألم تنهوا عن النجوى؟! قالوا: يا رسول الله، تبنا إلى الله، إنَّما كنَّا نذكر الدجال. قال: "ألَا أُخبِرُكم بما هو أشد عليكم منه؟ الشرك الأصغر"؛ يعني المراءاة، قال هذا الذي سيصيبكم، الدجال لن يأتي في وقتكم أنتم ولن يضركم؛ لكن المصيبة الرياء الذي يدخل القلوب، هذا هو أخطر عليكم.
كما قال في عموم أو في عدد مِن أجيال الأمة "أنا مِن غير الدجال أخوف عليكم مِن الدجال، مِن الأئمة المضلين"، يقول ﷺ: أئمة يتولون الحكم، أو يتظاهرون بالعلم وهم على ضلال، قال: هؤلاء يضرون خلق الله كثير، يفسدون أمتي يحجزونهم عن الخير، ويوقعونهم في الشرور، إمَّا حكام أو مدعين للعلم وهم على ضلال، "أنا مِن غير الدجال أخوف عليكم مِن الدجال مِن الأئمة المضلين" كما رواه الإمام أحمد في مسنده.
(فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ)؛ أنواع المعروف، أنواع الخير، البر: خصلة جامعة لجميع الخير، قال تعالى: (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة:177]؛ كل هؤلاء هم أهل هذا البر، كل الخيرات هذه هي البر:
لذا نص على التقوى بعد الأمر بالبر قال: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ).
(وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9))، تُجمعون عند إعادة الأرواح إلى الأجساد، إعادة الأجساد، ثم إعادة الأرواح إلى الأجساد، ثم جمعهم وحشرهم يوم التناد.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ):
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، فيُجمع أولكم وآخركم ولا يتخلف منكم أحد مِن صغير ولا كبير؛ مكلف أو غير مكلف حتى أطفالنا وصبياننا وحتى السِقط منا كلهم يجتمعون:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَىٰ):
(مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا..(10))؛ ليدخل الحزن عليهم، وما تتوهمه النفوس مِن مناجاة أولئك القوم، كانوا يتعمدون إذا راحت سرية مِن المسلمين، فإنهم يتناجون ويظهرون كلمة أنه قتلوا، يجعلونه يسمع الكلمة، فيقولون الآن هم تكلموا على أصحابنا، هؤلاء شىء جرى عليهم، حصل شيء هناك! فقط مِن أجل الإرجاف.
والحق -تبارك وتعالى- الذي أحاط بأعمالهم، صبَّر نبيه على شانهم هذا لما انطوى فيه مِن الحكمة، ومع ذلك قال: لهم نهاية، ولهم مصير:
(إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ..(10))، فعلى هذه التوجيهات الربانية، تحصل اليوم النجوى بوسائل حديثة، فعامة ما يجري فيها مِن أي نوع، والذين يتهاترون ويتسابون والذين يتكلمون على الآل، أو الصحابة، أو العلماء، أو الصالحين مِن أي نوع بينهم النجوى هذه؟!
هذه النجوى مثل نجوى المنافقين، ونجوى اليهود تضر؛ منهي عنها، نُُهينا عنها؛ لا في هاتف، ولا في ثابت، ولا في جوال متنقل، ولا في انترنت، ولا في زووم، ولا في حوم، ولا شيء مِن هذه المستحدثات التي تتم فيها النجوى، اضبط نجواك، انظر أمر مولاك وإلاَّ وقع عليك الهلاك، فكم ضرت، وكم أوقعت في مصائب.
(فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ..(9))، فهذا الأمر النافع، هناك كثير انتفعوا بشيء مما بُث في هذه الوسائل وهذه الألات واقتدوا، ولكنهم نسبتهم قليلة:
(إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا)، ثم يجتهد الشيطان، إذا لا أحد أمامك من منافقين ولا يهود يوغرون صدرك، أو يحزنونك، يحاول ويصلَّح لك بلبلة لكي يحزنك، لكي يحزنك، لا تلتفت إليه.
(إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا) يأتي ويقول لك: أنت ما فيك خير، ما الفائدة مِن عملك هذا كله؟ ما الفائدة مِن مجلسك هذا؟ والقراءة التي تقرأها، لا فائدة من هذا!! والخيرات التي أنت فيها والثواب، قال لك: لا توجد فائدة منها!! وتريدني ماذا أفعل؟
هذا النوع مِن نجواه الخبيثة: (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، وهؤلاء لا يستطيعون أن يقتلوا أحد، ولا يصيب الذين ذهبوا في السرية للجهاد شيء مِن القتل، ولا غيره إلاَّ بإذن مِن فوق، وبإرادة مِن الله ليختار مَن يختار للشهادة وما إلى ذلك. ونجواهم هذه لا تقدم ولا تؤخر؛ ولكن أمور قد رتبها الحي القيوم في اللوح المحفوظ سابقة لا شىء منها يزيد ولا ينقص، "رُفعت الأقلام وجفت الصحف"، ما في اللوح فيه.
(وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، قال الله: أمام هذه الأشياء ونظائرها مما يحدث لكم في الحياة ويوجب قلق أو فزع، (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)) معكم مستند قوي تستندون إليه، لماذا تضيعون على أنفسكم؟! اعتمدوا علي وأنا أكفيكم؛ أي شدة، وأي بلوة، وأي أذية وأي تعب وأي كدر وأي مرض، وأي هم، ألجأوا إلي وتوكلوا على وثقوا بي وانظروا ما أفعل لكم، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3].
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10))؛ كذلك منهج الرسل، يقول سبحانه وتعالى عن هؤلاء القوم الذين يقابلون الأنبياء بإرادة التشويش والأذى والريبة، في أول سورة ابراهيم يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، وهم سادة أهل الإيمان:
وهكذا المدن التي وصل إليها الإسلام، والأقطار التي وصل إليها الإسلام، على أيدي الصحابة ثم على أيدي التابعين وتابعي التابعين، إقرأ تاريخها، كلما جاء من يناوئ الدين ويؤذي الصالحين، اعطي له مهلة، زمن محدد، وانظر ما الذي حصل؟ والذي استقر من؟
(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137] رأيتها، إنها السُّنة الثابتة على مدى هكذا -لا إله إلاَّ الله-.
ويقول: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)؛ آمنا بك، توكلنا عليك فاهدنا سواء السبيل، يا بر يا رحيم يا أكرم الأكرمين وياأرحم الراحمين بوجاهة النبي الأمين، وأعنا على ما تحبه منا وترضى به عنا، وفي هذه الآيات:
فله الحمد لمَّا أشرق النور إلى أحوالنا هذه وشؤوننا، له المنة وله الفضل، أتمم نعمتك علينا واجعل مجالسنا مِن مجالس أهل النبوة وأرباب الفتوة، وأهل الصدق معك الذين يريدون وجهك ويدعونك بالغداة والعشي لا يقصدون إلا أنت يا بر يا حي يا قوي، ادفع عنا شر كل ضال وغوي، وثبتنا على قدم الاستقامة على المنهج المصطفوي، واجعلنا اللهم في طريقه، شاربين من رحيقه، داخلين في فريقه، ظافرين وفائزين برفيقه، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي محمد، اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
15 رَمضان 1442