(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..}، الآية:5، إلى قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، الآية: 7
﷽
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُورَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوسَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُومَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8))
الحمد لله مُكرمنا بالقرآن وأحكامه وآياته وتعليمه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مُنزِل الآيات على قلب خير البريات، ومُيسرها بلسانِه لأرباب الإنابة والإخبات. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكَرِّم أفضل الصلوات وأزكى التسليمات في كل لمحة ونفس على عبدك المختار سيدنا محمد خير البريات، وعلى آله وصحبه القادات، وعلى من والاهم فيك واتَّبَعهم بإحسان إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم أجمعين، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمَّا بعدُ،،،
فإننا في تأمل كلام ربِّنا وإنعامِه علينا بتدبُر تنزيله وتَذكُّر ما فيه، وتَفَهُمِنا لمعانيه في مِنَّة الله علينا في الشهر الكريم؛ قد مررنا على أوائل سورة المجادلة، ورأينا بيان الله للحُكم في هذه الألفاظ الصادرة من أَلسُن الأزواج نحو أزواجهم في تعليم ودلالة لنا من الله:
فإنها تترتب عليها أمور كثيرة وكبيرة وخطيرة في الدنيا والبرزخ والآخرة، و "مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ".
ويربط الحق تبارك وتعالى هذه الشئون بحقائق الإيمان والصلة به -جلّ جلاله- والتصديق بما أوحَاه، وقال عن الحدود التي حَدَّها: (ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(4))، أولئك الذين لم يؤمنوا بالله ولم يَقِفوا عند حدوده، واتَّخذوا حَداً غير حَد الحق -جلً جلاله- فحَادُّوا ربهم، خالفوه وعَصوه..
فحُكم الله فيهم: (كُبِتُوا) -أُخْزوا وأُهلِكوا- (كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): كما فعل جبَّار السماوات والأرض بكل الذين عادَوا المرسلين وكذبوهم وخالفوهم وعصوهم وحادوهم، ما فعل بهم؟ فكذلك فعله بمن يحادِّ الله ورسوله من هذه الأمة أن يخزيه كما أخزى المحادين لله ورسله في الأمم السابقة، يخزيهم ويهلكهم.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فصلاحُ مَن على ظهر الأرض من المكلفين مِن إنس وجن:
وكل من ضادَّ ذلك وعانده؛ فهذا حكم الله فيه ولن يتخلف: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
ولا تزال الأعين ترقُب هذه النهايات وهذه المصائر في كل الذين عادوا، وفي كل الذين حادُّوا، وفي كل الذين ضادوا أفراد وجماعات:
فلنا الشرف:
لنا الشرف والعزة والكرامة إن أعطانا الله هذه القلوب؛ فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ويا ويل المحادين.
ويا ويل الناشرين للإلحاد والناشرين للفساد، وإن مرت بهم أيام رأوا فيها الإملاء، ورأوا فيها الإمهال فلا غفلة ولا إهمال؛ ولابد من هذا المآل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5)).
(وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أن يُحَادُّون الله، والحال أنه قد أُنزلت الآيات البينات التي بينت عواقب مَن كان قبلهم:
يقول جلَّ جلاله:
وبيَّنا لهم فيما فعلنا بمن عاند من قبل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) -الحال أننَّا- (قَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فَلِم المحادَّة؟ ولِمَ المعاداة؟ ولِمَ المعاندة؟ ولم المضادات هذه؟! ممتلئة الأرض بأقوام، شُغلهم يُحادُّون الله ورسوله ويحبون ذلك وهم في دائرة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36].
نقول: يا صاحب أي فِكرٍ على ظهر الأرض دين الله هذا وما في كتابه وملة محمد ﷺ ورسالته، ستدخل إلى كل بيت في الأرض؛ نقول ونحن واثقون:
بل ظلت محفوظة لنا بهمزاتها ومُدودها والأوجه التي خرجت من شَفة المُنزَل عليه القرآن، في مَد هذا أحياناً وعدم مدِّه أحيانا؛ لِتقُوم القراءة هكذا والقراءة هكذا، مضبوطٌ حتى في كيفية بلاغِه، فما هذه المعجزة التي أمامك؟! (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ).
هات لي من فِكْرك وفِكر قومك المعاندين لكلام الله ورسوله كتاب حُفِظ بهذا الحفظ! بَقِيَ هذا البقاء، تُتَحدى به طوائف الأرض، هات! هات! هات! هات! والله ما عندهم شيء والله ما عندهم شيء، عندهم يضحكون عليك! يقولون نحن ذهبنا إلى القمر، صنعنا الجهاز، وماذا بعد ذلك؟ هل ستلعبوا بديني؟! هل ستلعبوا بالألوهية والربوبية؟! ماذا أمِلتم؟ في مادة كون الله تعالى جئتم وذهبتم، و بعدما عرفتم أنفسكم؛ من خَلقكم! أو لماذا خلقكم؟! و إلى أين تصيرون؟!.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هم واحد؟ أو إثنين؟ أو ثلاثة؟ أو جيل أو جيلين أو ثلاثة؟
ومِن أيام نبينا كان من يُفَكِّر مثل تفكيركم بل أشد، كان يظن أنه خلال أيام معدودة يستأصل الذات الشريفة ويُنَحِّيها من الوجود: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30]..
وهذا الفكر لا تستطيعه الآن أنت، هو ما استطاعه في حياة نبينا، أنت الآن لا تستطيع مثل هذا، فتُفكر فيمن أمامك وفي عهدك من ورثَتِه أو القائمين في منهجه وعلى شريعته:
هذا ما شهدناه بأعيننا في الحياة وما قرأناه عن الأجيال والأمم قبلنا، فهل تريدون سُنَّة غير هذه السُنَّة الإلهية في وجوده وفي كونه؟! -جل جلاله- ارجعوا عن وهمكم وخيالكم.
قال سبحانه وتعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) -ذهب وفضة- (زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد:17]، (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الحشر:21]، (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [العنكبوت:43].
اللهم علِّمنا واجعلنا من العالمين الذين عنك يعقلون:
علِّمنا يا رب، وكثيراً تنفتح على قلوبهم أبواب من هذا العلم في رمضان.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ(5))، قبلها: (عَذَابٌ أَلِيمٌ (4))، وفي هذه الآية: (عَذَابٌ مُهِينٌ)، ينالون به غاية المَهانة كما قال عنهم في الآخرة: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام:93].
يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) [الأحقاف:20]، وماذا كانت الطيبات؟ لها معنيان:
(تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ):
تستكبرون بهذه الرذائل والقبائح! (تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف:20] تخرجون عن سواء السبيل وعن الملة السواء.
يقول: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) هل فيهم مَن مَلك أن لا يُولد في الدنيا وقد خلقه الله؟
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا)، (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47] لا أحد يستطيع أن يغادر، لا أحد يستطيع أن يتخفَّى، ولا أحد يستطيع أن يتأخر:
من يحدثنا عن المستقبل؟
هذا الحديث عن المستقبل والله هذا الحديث، هذا المستقبل الأهول، هذا المستقبل الأعظم الأفخم الأدوم الأبقى، فالله يجعلنا من أهل جنته ويُسكنَّا فراديسها مع صفوته من بَرِيته.
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ) تنبئة مجازاة، تنبئة تذويقٍ للنتائج والعواقب لا مجرد إخبار، (فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) نسُوه؛ لأنهم كانوا غير مبالين وهم يعملون، وما لا يبالي به الإنسان ينساه، إنما عظَّمه هو الذي يبقى ذاكر له، فكانوا لا يبالون فنسوه، قالوا: إن نسيتم فنحن ما نسيناه. (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) وهذه الصحف فيها سُجِّلت أعمالكم، وهؤلاء الملائكة يشهدون عليكم، وهذه الأرض التي عملتم فيها تشهد، وهذا الوقت والزمن الذي عملتم فيه يشهد، وأعضاؤكم تشهد.
(فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)) فعادَ إلى واجب ضبطنا لشأن الكلام وما يصدر من الألسُن وربطَها بالإيمان:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)؟ وأخذَنا إلى التحادُث بيننا والتكالم والتخاطب والتناجي والتسارُر فيما يسرُّه ذا إلى ذا، وذا إلى ذاك: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُو رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوسَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ) وجاء ذِكر هذا العدد:
(إِلَّا هُومَعَهُمْ) الله! لا أحد في مملكتي يتكلم وأنا ما أسمع لا أحد في مملكتي يتكلم وأنا لا أكتب ولا أحضر ولا أشهد، ما يمكن هذا!، (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُو رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُو سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى):
(إِلَّا هُو سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُو مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) لم يقل؛ إلا في محل مُحصَّن! أو وسط قصر، لا أعلم أين، ولا وسط طائرة ولا في فضاء؟ (أَيْنَ مَا كَانُوا).
وبعد ذلك: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ) بمعنى تعالوا خذوا الحساب على ما قلتم وتناجيتم وتساررتم وأخفيتم عن بعض الناس، وقلتم: هذا كلام سرِّي، وهذا سِر، وهذا لا يطَّلع عليه أحد، وهذا محفوظ في ملفات معينة، ولا أحد يدخل عليه إلا كذا وكذا! (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
تعال أنظر ماذا أخفيته؟! ماذا أسررته؟ هل ظننت أنك ستفلت؟! ستفلت من يد مَن؟! الذي كونك من نطفة وعلقة ومضغة، تفلت إلى أين؟ الأرض ملكه والسماء ملكه، والأرض والدنيا ملكه والآخرة، ستفلت إلى أين؟ إلى أين ستذهب؟
لماذا وراء هذا المعاندة والمضادة الى أن تَصلوا إلى هذا المصير؟ ندعوكم لضمان مستقبلكم، بصلاح مستقبلكم أحسن لكم، منتظركم مستقبل خطير، ليس مستقبل أربعين سنة أو خمسين أو ثلاثين، مستقبل أبد ودوام، انتبه لنفسك!
يقول: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (6))، وكان اليهود والمنافقون في المدينة يتناجون، واذا رأوا مسلم يقبِل يتكلمون بينهم البين؛ ليظُن أنهم يتكلمون بقَتله، أو يفعلوا شيء، أو الاعتداء عليه في شيء؛ فيُحزنوه، وإذا جاءوا يتكلمون بينهم البين؛ فإذا كان هناك سرِيَّة خرجت، كأن عندهم خبر أنه حصل لهم قتل أو حصل لهم كذا؛ والهدف يريدون عمل قلق، ويحاولون يُثيرون الخوف والرعب والحزن في قلوب المؤمنين: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (8)).
بيّن الحق مسارات المناجاة والمخاطبة بين الناس والكلام كيف تكون؟ وما هو الصالح فيها؟ وما هو الطالح؟ وما هو النافع وما هو الضار؟ وكيف يجب أن يكون المؤمن على أي اتجاه في المناجاة وفي الكلمات وفي الألفاظ؟ بيّنها بياناً كاملاً سبحانه وتعالى.
رزقنا الله العمل بوحيه وتنزيله وقرآنه، وما أوحى إلى نبيه، وعَمر بذلك قلوبنا وديارنا ومنازلنا ومجالسنا ومُجالسينا إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
مددنا أيدي فقر إليك يا غني، أيدي ذُل إليك يا عزيز، أيدي حاجة إليك يا مُعطي، وأيدي عبودية لك يا إله؛ أن تنظر إلينا وإلى هذه القلوب مِمَن حضر، و مِمن يسمع نظرة ربانية تجعل اللهم سحائب أمطار معاني آياتك متنزلة على ساحات قلوبنا؛ نعِي ونفقه عنك خطابك و نقتدي بسيد أحبابك ونتأدب بآدابه ونتخلق بأخلاقه ونُحشر معه وفي زمرته، لا نندم ولا نُخزى ولا نُكبَت ولا نتردى مع أهل الفسق ولا أهل الكفر ولا أهل الضلال ولا أهل الِشقاق ولا أهل النفاق.
مع محمد يا رب ومع آله وأصحابه ومع أتباعه وورَثته ومع أنبيائك ورسلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وجميع أهلينا وجميع اولادنا وجميع أصحابنا وجميع طلابنا وجميع أحبابنا وجميع قراباتنا وجميع جيراننا، لا تُخلف منا ومنهم أحدا عن ركب الهدى وحسن الاقتداء بنبيك فيما خَفِي وما بدى برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
و بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي الأمين، اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
14 رَمضان 1442