(445)
(628)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} إلى قوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} من سورة القيامة.
﷽
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30))
الحمد لله مُكرمنا بالآيات البيّنات، والخيرات الكثيرات، وختم الرسالات بخير البريّات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المُجتبى المُصطفى سيدنا محمد، سيّد أهل الأرض والسماوات، وعلى آله الطاهرين وصحبه القادات، وعلى من تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رفيع الدرجات، وعلى آلهم وصحبهم، والملائكة المُقرّبين وجميع عبادك الصالِحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإنّنا في تأمُّلنا لكلام ربّنا جلّ وعلا، في هذه الغدوات المُباركة من ليالي الشهر الذي في مِثله أُنزل القرآن، انتهينا في تأمّل معاني سورة القيامة إلى قول الله جلّ جلاله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) ونسأل الله أن يجعل وُجوهنا منها، ووجوه من يسمع، ووجوه أهالينا وأهاليهم وذوي الحُقوق علينا وعليهم، وأهل القرابة والجِوار.
جعلنا الله من أهل تلك الوُجوه.
فحينئذ تُسفرُ وجوههم بالنور وتُشرِق، ويبدو عليها الحُسن والبهاء والنظارة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22)) وهم الذين نظُرت وحسُنت وِجهاتهم في الدنيا إلى الرحمن:
اللهم ارزقنا صِدق الإقبال عليك، وصِدق الوجهة إليك، يارب العالمين.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)):
إلا أنّ النظر إلى وجه الله:
وهي مُرتقًى شريفا، وحالة عُظمى، عبّر عنها ﷺ بالرؤية والنظر في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما:
اللهم ارزقنا لذّة النظر إلى وجهك الكريم.
كما جاءنا في الاحاديث أن أعلى أهل الجنّة منزِلة، من يُمكَّن من هذا النعيم والعطاء الفخيم:
حتى أن الملائكة تُسمّي يوم الجمعة: يوم المزيد؛ وجاء أيضا في الحديث لصحيح المسلم، ذِكْر المزيد عند ذكر النظر إلى وجه الله الكريم قال: وذلك هو المزيد:
زيادة على الجنّة، النظر إلى وجه الله الكريم وهو راضِ عنهم، قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72].
وعلِمنا بهذا لمّا قرّر أهل السُنّة هذا المعنى؛ أيقنوا، وحققوا أنّه كما عبَّر عنه ﷺ، وأنَّ ذلك لا يكون كرؤية الأجسام ولا مُشابهة لها بأي وجه من الوجوه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، وهم لجلاله وعظمته لا يحيطون به ولا تُحيطُ أبصارهم به، ولكن يُدرك الأبصار و(لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام:103] جلّ جلاله.
فلا إدراك إحاطة لأحد قط، ولكنِّها التجلّياتُ الربانية في أعلى مراتب القُرب، والتفضٌُل الإلهي على العبد وهي التي طلبها سيدنا موسى عليه السلام و (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) [الأعراف:143]؛ فلم يُعطِها في الدنيا، ولم يُعطِها في الدنيا إنسي ولا ملك ولا جنّي ولا غيرهم، إلا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
وإنّما يكون إكرام الله للمؤمنين في جنّته، فهذا المعنى الأول في قوله: (إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) وإنّما المُرادُ، عيون تِلك الوُجوه، فالنظر ليس بالوجه ولكن بالعينين في الوجه، كما يُقال: يجري النهر، والنهر الماء الذي فيه هو الذي يجري؛ ليس نفس النهر الذي يجري! وهكذا.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)):
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))؛ وبذلك نعلم أن المذاهب والفِرق من المسلمين الذين أنكروا الرؤية، وأنكروا النظر إلى وجه الله كريم:
ويقول: أنا رأيت هذه المسألة كذا! ورأيت أن القرون الأولى كانوا كذا! ورأى القرون الأولى يعني ماذا؟ يعني قاموا أمامهم كذا!؟ أو في جهة كذا؟! بل هي رؤية معنوية من جهة عقله وعبَّر عنها بلفظ الرؤية، وهم يستعملون ذلك، ولكن ثقُل عليهم أن ينسِبوا الرؤية إلى الربّ لما يُتوهّم فيه من الكيف والانحِصار والجهة؛ وهذا كله منْفيٌ من غير شك عند الجميع!.
ولكن إذا علِمنا أن هناك مجال لأن ينفُذ نور البصيرة إلى البصر؛ حتى تُرى الأشياء المعنوية التي ليست بجسمية، مثل الأعمال التي مرّت على الإنسان، ليس لها جسم؛ (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة:6]، لا جسم وصورة للصلاة والصدق والكذب والأيمان، كيف تُشاهدوه؟! طويل أو قصير؟!
هذه أمور معنوية تظهر أمامك معانيها وتعرِفُها وتراها؛ فكلّ ذلك يدلّ على أنه تستعمل لفظة الرؤية في معاني واسِعة لا تنحصِر في جانِب الجِسمانية، ولا جانب -الجهوية- الجهة، وما إلى ذلك، وكذلك النظر إلى وجه الله الكريم مُنزَّهٌ ومُقدَّسٌ عن جِسمية، وعن جهة، وعن كيف، وعن حصر، و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11]، اللهم ارزقنا لذّة النظر إلى وجهِك الكريم.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)) أخرى، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ): كالِحة، (بَاسِرَةٌ): كاشِرة، (بَاسِرَةٌ): كدِرة، (بَاسِرَةٌ): حزينة.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)):
ولمَّا مرّ سيدنا عمر، إذا براهب من النصارى في صومعتِه في زهادتِه وفي قلة أكْله وشُرْبه، بكى سيدنا عمر، وقال: (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) يعني بإبائه أن يؤمن برسول الله، ما نفعته هذه العبادة وهذا الاعتكاف في صومعته، وهذا الزُهِد في الدنيا، ما نفعه شيء (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) تعمل! لكنّها في نصب وتعب ما لها ثواب، ولا لها أجر عليه، لعدم إيمانها (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ)؛ وكذلك كل من لم يؤمن بالله ومن لم يمُت على الإيمان فأعماله كلّها نصب، لا يفيده منها شيء ولا ينفعه منها شيء.
يقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ) -بمعنى تُوقِن- (أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25))، هذه الوجوه الباسِرة تتيقّن أنَّ أمامها (فَاقِرَةٌ) داهية:
قال: (تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26)) قد النبأ اليقين يأتي من عند بلوغ الروح للترْقوة، العظام التي تكتنِف ثغرة النّحر يُقال لها تراقي؛ (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ) نُزِعت روح الإنسان منه فوصلت إلى الحُلقوم، كما قال في الآية الأخرى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ) تشاهدون ميّتكم أمامكم (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ)، قال الرحمٰن: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ)، غير مُحاسبين، غير مُجازين، غير ما قال لكم نبيّنا، (تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الواقعة:83-87] هيا ارجِّعُوا! ارجِّعُوا الروح! رُدُّوها، امسكوا صاحِبكم لاتدعوه أن يموت، من يقدر؟! (تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)!.
يقول سبحانه وتعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26)):
(كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27))، قرأ أبو عمر بإدغام النون فقرأ: (وقِيلَ مَن راق)، وقرأ عاصِم بالسكْتة: (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ وقيل:
وتقول الملائكة لبعضها البعض: من الذي يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ من الذي يرقى بروحه؟ من الذي يصعد بروحه؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ (وقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ) ما الذي ينفع في هذه الساعة؟!.
وإذا المَنيَّةُ أنشَبَت أظفارها *** ألفَيتَ كلَّ تمِيمةٍ لا تنفعُ
(فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الواقعة:86-87]، (وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ) من الذي يُرقي؟ (وقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ) أيقن أنّه الفراق، فِراق الحياة الدنيا إلى غير رجعة، فِراق الأبد، حتى يُروَى أنّه عند نزع الروح الأعضاء تُكَلِّم بعضها البعض وتودِّع بعضها البعض وتقول :هذا فُراقنا لن نلتقي. (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) فِراق الحياة الدنيا بما فيها:
(وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) أيقنَ أنه المُفارقةُ الكُبرى التي لا رجعة فيها إلى هذه الدنيا، يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) -هل أحد يرجع منهم؟ هل يجيء منهم؟ (وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُون [يس:31-32] يتَجَمَّعُون كلّهم في البرزخ إلى وقت القيامة، ويَجمعُ الله الأولين والآخرين.
يقول: (وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) أيقن أنّه المفارقة، أيقن أنّه ترك الأهل، ترك الأولاد، ترك الديار، ترك الأموال، ترك الوظائف، ترك صور الدنيا بجميع ما فيها؛ فِراق (وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)):
(وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)) المَسار والسَّوق إلى الربّ؛ رجعتَ من حيث جئت:
قال تعالى: (وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)) يُسَاق إلى ربِّه، (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ)، فيُقال لأهل الكُفر والفُسوق:
وهنا يأتي المُنازلة لكل إنسان عند الوفاة؛ (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26))، (وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29))، فالمُنازلات تُشابه كثيراً حال الإنسان في حياته من حيث علاقة قلبه وعلاقته بربِّه -جلّ جلاله-
وقد سَمِعوا بعض الأخيار من التابعين وقد حضره الموت يقول:
حبيب جاء على فاقة *** لا أفلح من نــدِم
وقد سَمِعوا بلال بن أبي رباح -مؤذن المصطفى محمد ﷺ- عند وفاته بالشام تقول زوجته: وا كرْباه وا كرْباه، ففتح عينيه وهو في السكرات قال: لا بل وا طرباه! وا طرباه! غداً ألقى الأحِبّة محمداً وحِزبه -قال: أنا في حالة طرب؛ لأنني سأُلاقي حبيبي، ليس حالة كرب، ما هذه حالة كرب! بل واطرباه! واطرباه! -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
وهكذا تظهر كثيرٌ من الآثار على الناس حين وفاتِهم، قال: وأغلب ما كان غالِباً على قلبه هو المُتسلِّط عليه أو الظاهِر عليه شأنُه عند السكرات، قال: وترى الإنسان لو وَقع في حادِث أو أصابهُ جنوناً ففقد وعيه مشغولاً بما كان قلبه مشغولاً به قبل ذلك، فكذلك عند السكْرة؛ فتجد الذي فقد وعيهُ وجُنَّ فجأةً:
فكذلك يُشبه الحال عند السكرة، عندما تأتيك سكْرة الموت يذهب قلبك حيث كان مشغولا، ومن هُنا قال بعض الذين حملوا العِبرة لعِباد الله:
كذلك الأحوال عند السكرات، نسأل الله كمال الثبات يامُقلِّب القُلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك، قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم:27]:
يقولُ: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30))، ثم ذكر شأن المُجبرين والمُعرضين، وماذا يكون حالهم في ذلك الحين: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ * وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) [القيامة:31-32] نعوذُ بالله من الإعراض عن إلـٰهنا الذي خلقنا والاشتغالُ بغيرِهِ عنه، ونسأله أن يكون هو شُغلنا وهمَّنا، وأن يَنوب عنا في كل هَمْ سِواهُ في الدنيا والآخرة، كُنْ يا ربنا همَّنا أنت، ونُبْ عَنَّا في كلّ هَمْ في الدنيا وفي الآخرة يا حي يا قيوم.
وقد قالَ بعضُ أهلِ الصلاح: كانت عندي هُمُوم كثيرة فجعلتُ الهَم هَمَّاً واحدا فكفاني كلّ هَم، جعلتُ همِّي كله واحد -الله- ! فكفاني كل هم. وقال قائلهم:
كانَت لِقَلبي أَهواءٌ مُفَرَّقَــةٌ *** فَاِستَجمَعَت مُذ رَأَتكَ العَينُ أَهوائي
لا إله إلا الله! ،حتى صَارَ يقولُ من مَكَّنَهُ الله في الحُضور معهُ:
ولو خطرت لي في سِوَاك إرادةٌ ***على خاطري سهواً قضيتُ بردتي
ويقولُ قائلهم في ذكر علاقتِه بربِّه:
وَقْفاً عَلَيْهِ مَحَبّتي، ولِمِحنَتي *** بأقَلّ مِنْ تَلَفي بِهِ لا أشْتَفِي
وإن اكتفى غَيْري بِطيفِ خَيالِهِ *** فأنا الَّذي بوصالهِ لا أكتفي
لا إله إلا الله! رَزقنا الله محبّتَهُ ومحبّة مُصطفاه إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ونسألُه كمال حسن الخاتم عند الموت فإنها آخر فرصة لإبليس الرجيم، يخاف أن يَفُوت عليهِ نفس مؤمنة إلى جنّة الله تعالى فيجمع جميع ما استطاع ليغوِيه في تلك الساعة، والحق تعالى يَعصِم من كيده من كان صادقاً معه مُخلِصاً لوجهه الكريم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42].
ومن هنا أُكِّد أن لا يكونَ عند المُحتضر شيء يمنع وُرُودَ أرواح الملائكة من: صورٍ مُجسّمة أو امرأة مكشوفة الرأس، أو روائح كريهة من السجارة ونحوها، فإنه بها تذهب ملائكة الرحمة، وعند غياب ملائكة الرحمة يتوفّر الأرواح الخبيثة من الشياطين ويتكاثرون وهم مُهتمين بشأن هذا الميت؛ يخافون أن يموت على الإيمان وعلى حسن الخاتمة، فيُغوونه بما استطاعوا.
حتى إن من الأموات من يتمثل له الشيطان أمامه بصورة أحد مِن مَن مات من آبائه، أو يحمل له كأسا من الماء -يُخيِّل له ذلك- وهو عند نزع الروح يكون في عطش فيُشير إليه بروحه، عند بلوغ الروح إلى الحلقوم ينقطع نظره على الدنيا ويشاهد الغَيْبِيَّات، فيُشيرُ إليه أعطني الشراب، يقول له: اسجد لي وأعطيك، فإذا أشار بروحه أنه سجد له رمى بالكاس وفاضت روحه هذه وهو ساجد لغير الله -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
فيا ربي ثبتنا على الحق والهدى *** ويا ربي اقبضنا على خير ملة
ومن هنا كان نظر الصالحين إلى الخاتمة وخوف الخاتمة حالَ بينهم وبين الركون إلى أي شيء وبقوا على الخشية؛ داعين الحق ومؤمّلين وراجين ومُلِحِّين عليه أن يختم لهم بحسن الخاتمة عند الموت، ويجعل آخر كلامهم من الدنيا: لا إله إلا الله؛ متُحققين بحقائقها، فالله يختم لنا ولكم بأكمل حُسنى ويجعل آخر كلامنا من حياتنا هذه: لا إله إلا الله مع التحقق بحقائقها وهو راضٍ عنّا.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي محمد
اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
06 رَمضان 1439