(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة القمر، من قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}، الآية: 43، إلى آخر السورة الكريمة.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55))
الحمدُ للهِ على نعمةِ القرآن وتنزيلهِ، وبيانهِ على لسانِ عبدِ الله ورسوله، سيدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه، وعلى آلهِ وأصحابه القائمين بنصرتهِ وتعظيمهِ وتبجيله، وعلى مَن والاهم في الله واتّبع قويم سبيله، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين مركزُ تقديم الله وتكريمهِ وتفضيله، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكةِ المقرّبين وجميعِ عبادِ الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ؛
فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربّنا سبحانه، مررنا على أكثرِ سورةِ القمر؛ حتّى انْتهينا إلى ما قصّ الله علينا في أخبار مَن تقدّم قبلنا على هذه الأرض؛ من طوائف وأمم وشعوب ودول، ومَن كابر منهم الأنبياء والمرسلين، وأنّ حالهم كمن يُكابر اليوم سيّد المرسلين فيما جاء به عن الله وبلَّغهُ عن مولاه، ويخرج عن أمره ويتربّص بالكيد لملّته وشريعته أو أتباعه أو ظهوره؛ والحقّ مُظْهِرٌ لهُ، ورافع لذكره، وإن رغِمت أنوف المشركين والكافرين، وأنّهُ لا يصيرُ مصير، ونهايةُ المكابرين المعاندين في الأمّة؛ إلا كما كان مصيرُ المكابرين والمعاندين في الأمم السابقة للأنبياء الماضين.
تفسير قوله تعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44))
وقال سبحانه وتعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43))، الأَمْن من عندنا والعهد؛ أنّنا لا نمسّكم بسوء -وإن كذّبتم، وإن اتّبعتم أهواءكم، وإن حاربتم نبيّنا،- أننا لن نمسكم بسوء، ولا نُنزل بكم العذاب؟ أعندكم براء من هذا؟ (أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ)؟ (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)).
يا كُلَّ مغترٍّ بجمعهِ، أو قوًتهِ، أو تخطيطهِ، أو تكتيكهِ، إنّ فوقك قويٌ قادر، لا تساوي شيئًا أمام إرادته، كما خلقك من لا شيء، ويتصرّف فيك مثلما شاء، وإنّهُ لناصرٌعبده محمد عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:1-3]؛ اللّهمّ اجْعلنا من أنصارك وأنصار هذا المصطفى حتى تُتوِّجنا بتاج النّصرِ العزيز.
يقولُ سبحانه وتعالى: (أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ): أي الكُتب التي أنزلناها. وفي هذا يقول: يا معشر خلقي على ظهر أرضي، إن كانت هناك مرجعيّةٌ تصحّ الرّجوع إليها، ومُعوَّلٌ تعوّلون عليه في إثباتِ المعلومات؛ فالكتب التي أُنزلت على انبيائي، هل يوجد عندكم فيها براءة لكم؟
هذا نتائجُ أفكاركم؛ بما عندكم، وما يتغلّبكم من أهواء، ومن شهوات، ومن إرادات، ومن أغراض، لكن هذا بعلمي أنزلتُه؛ أنزلهُ بعلمهِ جلَّ جلاله وهو الصالح لعبادي، كيف يُقارنُ هذا بهذا؟
(وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ* قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)؛ الذي وجدتم عليهِ آباءكم؛ في ضلال وفي زيغ وفي فساد وفي ظُلم؛ جِئْتُكُم بهدى، ليس فيه فساد أو زيغ أو ظُلم، كيف تفضّلون هذا على هذا؟، (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ)، يقولُ الله سبحانه وتعالى، (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الزخرف:33-25]؛ وهل ينتظر المكذبون في زماننا عاقبة غير هذا؟
نقولُ لهم:
تفسير قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45))
يقولُ سبحانهُ وتعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)؛ كما قال في الآيات الأخرى:
قال الله أُعطيكم عن واقعهم الذي يعيشونه، فيما ركبوا عليه شأنهم، جهلوا العظمة، وصِرتم أنتم في نفوسهم أعظم من هيبة الذي خلقكم وخلقهم! فقوم بهذه السّفاهة! وهذه التّفاهة! ما الذي تهابونه منهم؟ ما الذي تظنّون أنه سيحصل منهم؟
(لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ). وخُذوا العلامة: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ)، و بعد ذلك: (بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ) [الحشر:14].
إن قالوا لك متّحدة، وإن قالوا لك متحالفة! اصبر قليلا، ستراها كيف! هي متخالفة أو متحالفة؟ متّحدة! أو متخاذلة! أو مُلتحدة!؟ -لا إله إلا الله-.
(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ *فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) [الحشر:14-17]؛ اللّهمّ ثبّتنا على الحقِّ والهدى واجْعل تبعيّتنا لما بَعثت به خاتم الأنبياء.
تفسير قوله تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ (46))
يقولُ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ)، أعظم من ذلك كلّه! وهؤلاء يتحدّثون أنهم يؤذون المسلمين في بيت المقدس! ويعملون ما يعملون!، نحنُ في عالمِ الدّنيا، والله ستأتي أيام وأحدكم يختبئ وراء الحجرة، ووراء الشجرة؛ وستنادي الأشجار، والأحجار يومئذٍ وتقول: تعال يا مسلم هذا يهودي ورائي، تعال فاقْتله. ولكن هذا الذي سيحصل قليل وحقير؛ بالنسبة لمَا سيأتي من بعد:
(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ)، ملأتم الأرض كذبًا، وملأتم الأرض خداعًا، وملأتم الأرض تقليبًا للحقائق، وملأتم الأرض كيدًا؛ (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [ابراهيم:45-46].
(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ) -أفظع وأكبر وأخطر- (وَأَمَرُّ) أشدّ مرارة من القتل الذي يحصل لهم، من الخسف الذي يحصل لهم، من الزلزلة التي تحصل لهم، من أي تسليط سُلِّط عليهم في الدنيا، القيامة أفظع: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46)). لا إله إلا الله!
وهكذا في إرشاده لنا ﷺ يقول: اغْنموا أعماركم، وأوقاتكم؛ كلما قدرتم أن تعملوا من أعمال الخير، فبادروا إليه ولا تتأخروا، فإن العوارض في الحياة كثيرة تقطعكم بعد ذلك عن الخير.
يقول ﷺ: "بادروا بالأعمال -أعمالًا- سبعا":
لذا يقول ﷺ: إذًا فغنيمتكم في الحياة كل ما قدرتم تعملون من خير، بادروا به الآن قم واعمل؛ فهو غنيمتك وكنزك الذي تكنزهُ للدار الآخرة.
"بادِروا بالأعمالِ سبعًا، هل تنتِظرونَ إلَّا مرضًا مُفسدًا، و هَرمًا مُفندًا، أو غنًى مطغيًا، أو فَقرًا مُنسيًا، أو موتًا مُجهِزًا ، أو الدَّجالَ، فشرُّ مُنتظَرٍ، أو السَّاعةُ، و السَّاعةُ أدهَى و أمَرُّ"
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47))
وهكذا يقولُ:
وهكذا فتلتهب عليهم أحوالهم، فتتخبّط عقولهم؛ هذا في الدّنيا، وفي الآخرة؛ (فِي ضَلَالٍ) لا يهتدون إلى طريق الجنة، ولا يمرّون على الصراط، في ضلال، نظير الضلال الذي كان في الدنيا، (وَسُعُرٍ) نار جهنم تُسَعَّر بهم، وتُصْلى بها أجسادهم، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48))
يقول: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47))..
(ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)): سقر: علم للنار. وإن كانت طبقة من طبقات جهنّم اسمها سقر، لكن المراد هنا النار كلها. (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ)؛ هذا الذي كنتم به تكذبون، هذا الذي كنتم به تستهزئون. (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:15]، (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ)؛ اللّهمّ أجرنا من النار.
قال:
هؤلاء لا يسمعون حسيسها، وهؤلاء: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ)، هؤلاء يقال لهم: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)).
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49))
ثم يقولُ الله تبارك وتعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)؛ (كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، مقدّر في علمنا سابقًا قبل خلقه. يقولُ: قد أحاط علمي بما هو كائن، وكيف يكون، وما لا يكون، ولو كان كيف يكون؛ أحطتُ علمًا بكل شيء، وخلقتكم؛ لتفقهوا هذه الحقائق، وتذوقوا ذَوقها العالي الرافع إلى المقام العالي: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
قال لقد علمتَ؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14]، أنا خالقكم، وخالق اخْتياراتكم، ومعطيكم الاختيارات؛ فيما جعلت لكم الاختيار فيه، وعالمٌ بما تختارونه من قبل أن أخلقكم، ومن قبل أن أخلق السماوات والأرض، فأنا الله المُحيط علمًا بكل شيء، (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
فبذلك جاءنا:
قد قدَّر وقضى بعلمه وإرادته في الأزل:
قد سبق علمه فكتب ذلك؛ فلذا كان الإنكار للقدر أقرب للإنكار بعلمِ الله الأزلي، واعتقاد أنّ مع المَلك غيره يدبر في الامر، أو كأن الكفار والعصاة يقهرون الجبار، أستغفر الله العظيم! هم أقلّ وأذلّ مهما كابروا، ومهما كفروا، ومهما كذبوا، لا يضرّون إلا أنفسهم، والحقّ قوي قادر جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وقد عَلِم اختيارهم وأراد ذلك في سابق الأزل، فهم يختارون ما قد علم أنهم سيختارونه، وما قد قدَّره بمقتضى علمهُ، سبحانه وتعالى.
في ذلك كله لا يترتّب عليه سحبُ الاختيار من المختارات لهم، ولا سحبُ أيضًا التّسيير مما هم مسيّرين فيه، لا خيرة لهم.
والكُّلُ خلقهُ والكُّلُ تقديرهُ:
يسأل مرة واحد رجل كان قائم يسأل سيدنا علي يقول له: يا أمير المؤمنين، دليل الجبر والاختيار كيف هذا؟ قال: ارفع رجلك، رفع رجله. قال: ارفع الثانية. قال: ما أقدر يا أمير المؤمنين. قال: إذن هو هذا، انْظر، الله يعطيك شيء تقدر عليه تختاره، وشيء لا تقدر عليه، واحدة رجلك قدرت، الثانية ما قدرت، ترفع الاثنتين معًا.
أبسط الأشياء امامك يُريك، أين التخيير وأين التسيير، ولا داعي للمكابرة والمعاناة ولا الكلام، جاء حتى بعض المشركين -جاء في الحديث- أنهم يجادلون النبي في القضاء والقدر، ونزلت بعض الآيات:
وجاء بعض أيضًا اليهود يُحاجون الرسول ﷺ وقال لهم هكذا: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) أي:
يقول: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)) وضُبِط ورُتِّب، ما تزيد قطرة ولا تنقص قطرة، هكذا سبحانه، هذه الألوهية، هذا المُلك الذي ليس لِغَيره -سبحانه وتعالى الله أكبر- يقول: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) فلا مَجال لإنكار القَدَر.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50))
(وَمَا أَمْرُنَا) في قيام الساعة وبَعث الناس وفي أي شيء نُريده، (إِلَّا وَاحِدَةٌ) يعني بكلمة واحدة: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82].
(وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)، (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل:77] بل هو أقرب، يقول الله: تستغربون ماذا، أنا أريتكم هذه الآيات، والقُدرة أمامكم؟ فأنا صاحب هذه القُدرة، تستغربون ماذا؟
ما هُناك غريب عَليّ ولا بعيد:
سمعت؟ يقول: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ) بكلمة واحدة، نُقَدِّم نُؤخِّر، نرفع نخفض، نحيي نميت، نُمرض نشفي؛ بكلمة واحدة، إرادة كُن فيكون.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (51))
(وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) أَمثالكم ونُظَراءكم في الكُفر والتكذيب والعِناد والفَساد مِثلُكم جاءوا، أهلكناهم (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) أمثالكم ونُظَراءكم مِمَن مَضى (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) مُتَعِظ يَتَعِظ بحال الذين قَد مَضوا فَيَحذَر على نَفسه ويُجَنِبها الهَلاك (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) ماذا معكم؟ مال كثير؟ عندك اقتصاد قوي مثل قارون؟ أين قارون؟! ماذا معك؟ قوة عسكرية؟ هل صرت مثل عاد؟
(وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) [الشعراء:130] يقول لهم النبي هود، (يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) [الحجر:82].
أين نحت البيوت مِن الجبال الآن؟
يصلحون بيوتهم وسط الجبال نفسها، ينحت الجبل يبني له غرفة وغرفة هنا وغرفة هنا وسط الجبال.
ما هي الآلات التي معهم؟
هناك تقدم عندهم، عندهم قوة. الذين إذا حفروا نفق طويل وإلَّا هكذا وجدوا أنفسهم ماشاء الله عليهم!، هؤلاء بيوتهم كلها وسط الجبال، وهلكوا.
هل أحد منهم باقي؟ ماذا معكم؟ معكم سُلطة أو مُلك؟ أصبحتم مثل النمرود أو مازلتم؟ مِثل فرعون أو مازلتم؟وبعد ذلك أين ذهب ذاك؟
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) أمثالكم ونُظرائِكم أمام أعينكم قد هَلَكوا (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) قبل ما يَحِل الهَلاك عليكم، وتُلاقوا المصير الذي لاقوه، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).
تفسير قوله تعالى: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52))
ولتأكيد شأن الكتابة: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) مَكتوبٌ:
ثم بعد فعله أيضًا سَاعة صدوره، وحالة صدوره، وهيئة صدوره، مكتوب بأيدي الحفظة الكرام البررة: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الإنفطار:10-12].
وفي القِيامة: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [يس:49].
وأنتم يَدخل في عقولكم أنه بما يُعطيكم الله وأنتم خَلْقُهُ مِن إمكانية تَقدِرون تَضبِطون بالأجهزة والكاميرات والمُراقبة والمُخابَرات أحسن مما بيضبط هو؟! في عقل عندكم وإلَّا ما في عقل؟!
هو يضبط هو الذي يضبط؛ الله! .. الله! .. الله! بالدقة:
تفسير قوله تعالى: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ (53))
يقول جلَّ جلاله:
ولهذا يقولون ما هو في اللوح فهو فيه مكتوب؛ ولذلك كان يقول بعض كِبار التابعين كان يقول أدركتُ مِن الصحابة كانوا يقولون: كُلُ شَيءٍ بِقضاءٍ وقَدَر، وهكذا، لله!.. الله!.
(وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) مِن الأقوال، مِن الأفعال، حتى قال ابن عباس يُمَثِل الصغيرة والكبيرة بقوله: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف:49]، قال:
كلها موجودة، كُل شَيءٍ بِقَـدَر، حتى العَجز والكَيس (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ).
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54))
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ) -اللهم اجعلنا منهم وألحِقنا بهم- (فِي جَنَّاتٍ) -بساتين- (وَنَهَرٍ) أنهار، هذا اسم جِنس، (وَنَهَرٍ) وَحَّدَهُ مِن أجل رؤوس الآي، والمُراد جنس النهر أي و(أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) [محمد:15].
(فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ): كذلك مَعنى النَهَر: السَّعَة في جناتٍ واسعاتٍ عَظيمات المجال، يَسيرُ الواحد فيما أعد الله له، أقل أهل الجنة ألف عام حتى يَدورَ على الأماكن التي أعدها الله له في الجنة، يطوف ألف عام حتى يأتي عليها كلها -الله أكبر!- (فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54)).
تفسير قوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55))
ثم ذَكَرَ مِن خُصوص هذه الجنة وأنهارها:
فَهُم (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)؛ لهذا قال سيدنا الإمام الحداد عليه رحمة الله تعالى: فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِي قَدْ أَشْرَقَتْ *** أَنْوَارُهُ بِالْعِنْدِية، (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) قال هنا الحَيثيَّة.
ولهذا قالوا: راعى الله المحبة في قلب آسيا بنت مُزاحم لَمّا ذَكَرَ ما وَعَدَها به، بل ذَكَرَ ما طَلَبته مِن ربها، عَبَّرت بلسان المحبة والذوق والمعرفة الخاصة، (قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)، ما قالت بيتاً عندك، لكن أول (عِندَكَ) وبعد ذلك (بَيْتًا) لمَّ؟
وضَرَبها الله في القُرآن مثل للمؤمنين: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) [التحريم:11] طَلَبت العندية والقُرب، ولهذا قال (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ).
فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِي قَدْ أَشْرَقَتْ *** أَنْوَارُهُ بِالْعِنْدِ يَا لَكَ مِنْ سَنَا
يقول سيدنا سعيد بن المُسيب: خَرَجت يوم إلى المسجد في الليل وإذا به منتصف الليل وما أحد في المسجد، دخلت، قال: فَسَمِعتُ حركة خلفي فَفَزِعتُ، قال؛ فقال لي: أيها الممتلئ قلبه فَرَقاً، لا تَفْرَق ولا تَفزَع وقل إذا أردت شيئًا: يا مليك يا مُقتدر افعل كذا وكذا وسَلْ، يقول سيدنا سعيد بن المسيب: فما سألت الله في شيء إلا أجابني.
(فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)) يامليك يا مقتدر -لا إله إلا أنت- املأنا بالإيمان واليقين واجعلنا في الهداة المهتدين واربطنا بسيد المرسلين.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) الكلام مِن عند العَلِّي الأكبر، ووَعد وعد الله الحق البَر: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)، (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)، (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)).
وَالْمُتَّقُونَ رِجَالُهُ وَحُضُورُهُ *** يَا رَبِّ فَأَلْحِقْنَا بِهِمْ يَا رَبَّنَا
فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِي قَدْ أَشْرَقَتْ *** أَنْوَارُهُ بِالْعِنْدِ يَا لَكَ مِنْ سَنَا
وَالْمُتَّقُونَ رِجَالُهُ وَحُضُورُهُ *** يَا رَبِّ فَأَلْحِقْنَا بِهِمْ يَا رَبَّنَا
(فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)!
مقعد صدق (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) أين هذا هو؟
(عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) مليك، مَليك بيده ملكوت كل شيء، مليك حَق، الخواطر بِيده، والأمطار بيده، الأبصار بيده، الأسماع بيده، والإنس بيده، والجن بيده، والسماوات بيده، والأرض بيده، والقيامة بيده، والجنة بيده، والنار بيده، كل شيء تحت قهره وسلطته، -مَليك مَليك مَليك-.
وإذا بيكرِم يكرم كرامة ما يوصف ما توصف ولا تُحَدّ، (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) قوي القدرة على ما يُريد (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:16] سبحانه وتعالى مُقتَدر؛ ولذا (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26].
ولا يُنَعِّم نعيمه أحد، نعيم ما أحد ينعِّمه، من أين يقدر على هذا التنعيم؟
ولهذا كان نبينا إذا وصف الجنة يقف، يصف يصف ويقف، ويقول: "وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اقرأوا إن شئتم قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17]".
يا رب في مقعد الصدق لُفَّنا ومع أهله اجمعنا مِن غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، فإننا ندعوك ونُلحُّ عليك بذلك ونسألك في ليالي رمضان،في أيام رمضان أن تجمعنا بمقعد الصدق مع أخيار الخلق، ولا تُخَلِّف مِنا صغيراً ولا كبيراً ولا أولاً ولا أخيراً ولا ذكراً ولا أنثى.
يَا رَبِّ وَاجْمَعْنَا وَأَحْبَابًا لَنَا *** فِي دَارِكَ الْفِرْدَوْسِ أطيب موضع
و فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِي قَدْ أَشْرَقَتْ *** أَنْوَارُهُ بِالْعِنْدِ يَا لَكَ مِنْ سَنَا
وَالْمُتَّقُونَ رِجَالُهُ وَحُضُورُهُ *** يَا رَبِّ فَأَلْحِقْنَا بِهِمْ يَا رَبَّنَا
فإن كُنت عاشق فاعشق هذا المقعد، فما عشقت القلوب والنفوس مثله ولا أطيب منه ولا أنفس منه ولا أحلى منه ولا ألذ منه وفيه ما لا يُكَيَّف.
فإن كان لك عشق فاعشق هذا، وتأمل قول ربك: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)، (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)، (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)، (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)، (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)، (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ(55))، إجمعنا عندك يا رب، إجمعنا عندك يا رب، في زُمرة خير خَلقِك يا رب، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنه ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
هذا طاووس التابعي سيدنا طاووس اليماني يقول: أدركت ناساً من أصحاب الرسول ﷺ يقولون: كُلُ شيء بِقَدَر حتى العَجز والكَيس، هذا سيدنا طاووس التابعي عليه رضوان الله، قَبِلنا الله وإياكم.
وليالي العشر هي ليالي للإلحاح، بمثل هذا المَطلب المليح العظيم اعشقه واطلبه منه لأنه مُلكه مقعد الصدق، مُلكه وما يدخل فيه إلا من أذن له، وما يشم ريحه إلا من أذن له ومن رضيه سبحانه وتعالى واطلبه من الله كل ليلة من ليالي العشر، وجَّهتك وبلَّغك الله إياها، نعمة كبيرة عليك مَنَّ الله عليك، ألح عليه، واطلبه وتهيئء لها، وتذكر أن سيد أهل مقعد الصدق كان يجتهد فيه مثل الأيام هذه اجتهاد ﷺ، شابِهْهُ أدنى مُشابهة، وأنا وأنت وأهل الأرض كلهم لو صلينا مئة سنة ما تساوي ركعة من ركعاته، مئة سنة ما تساوي ركعة من ركعاته ﷺ، ولكن تشبه به اقتد به فإنه قدوة جعله الله لك، قال لك: ارتبط بحبيبي ذا الكبير اللي أعطيته المواهب الكبيرة مِن أجل شأنك الصغير رُده كبير، ومِن شأن شأنك القليل أرده جليل، ارتبط بحبيبي ذا (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31].
فأَلِحَّ على الله في هذه الليالي، وإذا رأى صدقك وكل ليلة تُلح عليه إيش الذي يمنع يستجيب لك؟ في ساعة من السعادة تكون بها سعدت سعادة الأبد، وما الحياة إلا غنيمة وهذه النفحات التي تأتينا في هذه الليالي.
اللهم أكرمنا بقربك ومُنَّ علينا بوصلك وعاملنا بفضلك وأوسع لنا في طَوْلِك واربطنا بخاتم رسلك واجمعنا (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) عندك، يا مليك يا مقتدر يا أرحم الراحمين.
22 رَمضان 1443