(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة القمر، من قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}، الآية: 31، إلى قوله تعالى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}، الآية:46.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46))
الحمد لله مكرمنا بوحيه وكلامه، وإنزاله وتنزيله على لسان عبده وحبيبه محمد ﷺ، وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن والاهُ وقام بحق الإئتمام به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد؛
في نعمة تدبرنا لِكلام ربنا وتأملنا لخطابه وإنبائه، فيما أوحاه على قلب خاتم أنبيائه صلى الله عليه وصحبه وسلم، مررنا في سورة القمر على أنباء وأخبار لسيدنا نوح عليه السلام، وسيدنا هود عليه السلام، وسيدنا صالح عليه السلام، وكلٌ منهم كذبهُ مَن كذبه من قومه وأذوهم، وتحدوهم وهمُّوا بهم بسوء، وأهلك الله كل أممهم المكذبين ونجَّاهم ونجَّى مَن آمن معهم، فكانت سُنة من سنن ربنا في هذا الوجود: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173]..
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32))
يقول سبحانه وتعالى في قوم سيدنا صالح: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)، وقلنا إن المحتظر: الذي يحتظر حظيرة لغنمه ونحوها فيجعلهم فيها، ويبني لهم الحظيرة من الشجر، والقصب فيتساقط منها ويُداس بأقدام الأغنام فهذا هو الهشيم، فصاروا (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)، بعد أن نزلت بهم الصيحة وصاح بهم جبريل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فصاروا مثل هذا المتناثر من الشجر والشوك الذي أُدِيس بالأقدام، فتجدهم هكذا، (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ(31)).
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32))، اللهم اجعلنا من المدَّكرين المعتبرين الذين ينتفعون ويدَّكرون بكل آية من آيات كتابك، وكل كلمة من كلمات كتابك -يا أرحم الراحمين-.
تفسير قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33))
يقول تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33))، وسيدنا النبي لوط وهو أول مَن آمن بسيدنا إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: (۞ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي) [العنكبوت:26]، فكان السابق إلى الإيمان بسيدنا الخليل إبراهيم، بعد أن مرَّت على سيدنا إبراهيم أيام ليس على ظهر الأرض مؤمن إلَّا هو، ولا موحد إلَّا هو وحده.. انظر كيف وقد يحصل على ظهر الأرض إلى هذا الحدود!؛ ولكن انظر الملة الآن.. وكم ملايين الآن على ملة إبراهيم ودين محمد ﷺ، -سبحان الله-، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [الصف:9].
(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ)، وهم أهل هذه القرى -سدوم- الذي في ناحية الأردن، ومحلهم الآن فيما يُقال -البحر الميت- حيث أهلكهم الله تبارك وتعالى، وكانت قُرى يسكنها منهم ألوف، وأرسل الله إليهم النبي لوط، كان تابعًا من أتباع النبي إبراهيم، ثم نُبئ وأُوحي إليه وأُرسل إلى هؤلاء.
وفي أن الأنبياء السابقين كانت رسالاتهم كما قال ﷺ: "يبعث النبي إلى قومه خاصة"..
ويكون هكذا الأنبياء كلٌ مُرسل إلى قومه، لكن:
مَن يقدر يحمل هذا؟
فسبحان الذي أعانه وهيأهُ لذلك، وأعطاه هذه الخصوصية صلوات ربي وسلامه عليه:
فأُرسل سيدنا لوط إلى هؤلاء، وكان من أعظم مصائبهم في معصيتهم لله أن ابتدأوا في البشر وبني آدم بجريمة اللواط، لم يسبقهم بها أحد! وما كان هذا معهودًا، ولا معروفًا، بل كان مما تعتز عنه النفوس وتأنفه، ولا يخطر على البال، حتى ابتلى الله هؤلاء القوم، ولم يسبقهم بها أحد من العالمين، لا أحد جاء من العالمين قبلهم من يوم خلق الله آدم، لا أحد جاء عليه.
ثم وجدنا في زماننا ما لم يُسبق به أحد من هذه الأمة في دعوى التقدم والتطور، جاءت دول تدَّعي التقدم في وقتنا تُقنن هذه الجريمة وتجعل لها قانونًا وزواج! كما يتزوج الذكر بالأنثى! -والعياذ بالله تعالى- فهل ترى إلى أين انحط هؤلاء؟! إلى أين سقط هؤلاء؟! أمور غريبة فظيعة.
وهكذا كان فِعل هذه القبائل التي بُعث إليهم سيدنا النبي لوط -عليه السلام-، وانتشر ذلك بينهم حتى كانوا يجلسون في مجلسهم ومع كل واحد وعاء فيه حصى، إذا مر عابر سبيل يرمونه، والذي يصيبه منهم هو أحق به، يأخذه للفاحشة بالغصب والقوة! فكانوا إلى هذه السقاطة، ولذا جاء الجزاءً لهم؛ رُموا بالحجارة وقُلبوا كما كانوا يعملون، جزاءً وفاقًا، فبعث الله إليهم النبي لوط ليُوحّدوا الله تعالى، ويتركوا هذه الجريمة ويبتعدوا عن هذه الفاحشة.
قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ)، إنذارات النبي لوط، أو كذبوا بلوط، وبتكذيبهم بلوط، كذبوا بالمرسلين كلهم والمنذرين: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33))، فما الذي حصل؟
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34))
قال الله في عاقبة أمرهم: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا):
فعل الله بهم ذلك في الليلة التي نزل عليهم فيها العذاب، فرُموا -الله- كما كانوا يرمون خلق الله؛ لكن الرمي عليهم أشد.
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا)، ريحًا تحصبهم بحجارة، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ)، معْلّمة بعلامة وموجهة إليهم (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود:82-83]، قال: هذا الجزاء ليس ببعيد من الظالمين الذين يفعلون هذه الأفاعيل.
قال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ)، ومن آل لوط هؤلاء؟
كلهم ما معه إلَّا ثلاثة عشر، والبقية أصروا على الفاحشة، وأصروا على التكذيب والكفر -والعياذ بالله تعالى-، وقيل لم يخرج إلَّا هو وابنتاه فقط هم هؤلاء آل لوط.
(إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ)، نجيناهم من العذاب النازل والشدائد الواقعة بقومهم (بِسَحَرٍ) وقت السحر، آخر الليل (نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ)، في قِطْعٍ من الليل في آخر الليل، كان نزول العذاب، فخرجوا بقِطْعٍ من الليل، فلما كان آخر الليل قُبيل الفجر نزل العذاب بالقوم، ونجا سيدنا لوط ومَن معه.
تفسير قوله تعالى: (نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35))
(إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا)، على كل مَن صدق معنا، ومَن أخلص لوجهنا، ومَن عمل بأمرنا؛ فإننا ننعم عليه، وننجيه وقت الشدائد ووقت الأهوال، نعمة من عندنا.
قال الله وهذه سُنة لنا: (كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ):
والرمي بالبُعد والطرد والحجاب الذي يصيب غيرهم هم ينجون منه بالسَّحر، في وقت السحر؛ لأنهم يحرصون على القيام:
فكما نجينا قوم لوط بالسَّحَر كذلك نُنجي مَن شكر في السَّحَر، ونخلصهم من كل الآفات التي تعترضهم؛ لأن لهم حال معنا في السَّحَر خاص.
(نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35))، اللهم اجعلنا من الشاكرين والذاكرين، ونجِّنا من كل سوء أحاط به علمك في الدارين.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36))
يقول الحق تعالى: ما نزل هذا الحاصب عليهم وحلَّ بهم العذاب إلَّا بعد إنذار، وبعد إقامة حُجة، وبعد صبر من النبي لوط..
(وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا)، أخذتنا القوية:
(وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36))، بإنذارات سيدنا لوط -عليه السلام-.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37))
(وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ)، فكانوا يعملون هكذا فيمَن وصل إلى بلدانهم و يأخذونهم لأسوائِهم، فجاء سادتُنا الملائكة، ومروا على سيدنا النبي إبراهيم، والخليل إبراهيم لما كانوا متصورين بصوَر ناس لم يعرفهم، ظنهم أنهم من بني آدم فاسْتقبلهم فهم ضيوفه، وهو أبو الأضياف -سيدنا الخليل- ثم بمجرد ما استقبلهم، ذهب (فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) [الذاريات:26]، ذبح العجل السمين وقرّبه إليهم، حنِيد: يعني مشوي. -عجل حنيذ- فلم يأكلوا! لأن ملائكة لا تأكل!
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)؛ لأن البشر إذا ما أكلوا عندك، يعني هذا أن هناك شيء ما بينك وبينهم -ملح وعيش- معناه امتنعوا عن طعامك! ماذا وراءهم؟ جاءوا لماذا؟! لإغتيال، أو اختطاف أو ماذا معهم؟ جاؤوا (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ) [الذاريات:28]، فنحن رُسل من الملائكة، ما نحن أهل أكل -طعام- (أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ) [هود:70]،
قال: لوط؟! قالوا: سنهلك هذه القرى (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا)، -النبي لوط فيها، كيف؟!- (قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) [العنكبوت:32]، فكررت الايات: (أَهْلَهُ) فكأن لا أحد من قومه آمن.
يقول: (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ) زوجته كذلك ليست من المؤمنين، ولا من الصالحين، خانت العهد وهلكت مع الهالكين -والعياذ بالله-.
وهم لما خرجوا من عند النبي إبراهيم، توجهوا إلى القُرى التي فيها سيدنا لوط في صور شباب حِسان مُرد، لمَّا رآهم سيدنا لوط (سِيءَ بِهِمْ) [هود:77]، وقال: الآن هؤلاء جاؤوا، ماذا سيعملون أصحاب القرى عندنا؟ ماذا سيفعلون بهم؟ -لا حول ولا قوة-! خاف عليهم من هؤلاء، وأخذهم ضيوف عنده، فرح بهم ويريد أن يكرمهم، ولكن وزوجته أرسلت للجماعة وقالت: وصل اليوم ناس حِسان جميلين، موجودين هنا عند لوط، أدخلهم وسط الدار! فأقبل جماعة من هؤلاء من شياطينهم جاؤوا وأقبلوا من هنا ومن هنا.
سيدنا لوط أقفل الباب، وأخذوا يعالجون الباب يريدون أن يقتحموه. قال الملائكة لسيدنا لوط: دعهم! (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) -نحن من عند ربك أتينا- (لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ) [هود:81]، لن يقدروا عليك اتركهم، فلما اقتحموا الباب، أو قفزوا، قال سيدنا جبريل عليه السلام، ومن الوفد هؤلاء جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، أربعة منهم، فأشار بيده فانطمست عيونهم! صارت العين كما باقي الوجه لاتوجد عين أبدًا! يرجعون على وراءهم يتلمسون الجدار، ما هذا؟ سترى يا لوط.. سنفعل بك يا لوط.. ماذا عملت فينا، ماذا فعلت؟ خرجوا عميان من داره جميعهم! لا يرون، لا إله إلَّا الله!.
(وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ)، طلبوا منه أن يسلِّمهم إليهم، يقولون له: هاتهم .. هاتهم إلى عندنا! (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ)، طلبوا تسليمهم إياهم.
وهكذا يُقال لجميع المغترين والمفترين حينما ينزل بهم العذاب إلى النار، يمشي فيها، أبو جهل يُقال له: (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، أنت تقول أنا عزيز كريم! هيا انظر الى العزة والكرامة هذه! يا مُهان يا ساقط: (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان:49]، لاحول ولا قوة إلَّا بالله.
قال: (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37))، هذا في أول الليل، وباقي الصباح كذلك.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38))
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38))..
قال: هذا بداية في العذاب طُمست أعيُنهم، ولكن في الصباح وقت السحر نزلت بهم، أن قلَّع سيدنا جبريل بأمر الله تعالى قُراهم ورفعها -جاء في بعض الروايات حتى سمع أهل السماء صُراخ دِيَكتِهم ونهِيق حميرهم، ثم قلبها رأسًا على عقب، مثل ما هم قلَّبوا الأمور، وقلَّبوا الحقائق، وقلبوا المسلك، تقَلبوا!؛ لأن الجزاء يأتي من جنس العمل. (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) [هود:82]، رُموا بالحجارة، لا إله إلَّا الله!.
قال الله: (عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ)، كيف مستقر؟ استقراره أنه وصلهم إلى عذاب البرزخ، وسيصلَهم إلى عذاب القيامة، ويُدخلهم النار مباشرة، عذاب لا يتوقف؛ لأنه متصل؛ بعذاب البرزخ، وعذاب القيامة، وعذاب النار.. مستقر! يا كافي العذاب، يا دافع البلايا، يا حافظ من الشر.
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً) -في صباح يوم- (عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ)، مستقر؛ لأنه أفضى بهم من هذا التقليب والرمي بالحجارة إلى عذاب القبر، إلى عذاب البرزخ، ومنه إلى عذاب القيامة، ومنه إلى الدخول في النار؛ فهو مستقر. اللهم أجرنا من عذابك.
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38))، قَرَّ بهم إلى عذاب البرزخ، الذي يَقَرُّ بهم إلى عذاب القيامة، الذي يَقَرُّ بهم إلى عذاب النار، كما قال الله في قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46].
تفسير قوله تعالى: (فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39))
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39))، يقول الله -لا إله إلَّا الله-، اللهم أجرنا من عذابك، فإننا لا نطيق عذابك ولا نطيق عقابك، بل لا نطيق عِتابك، فاعفُ وسامح، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا.
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39))، ذوقوا ماوعدتكم من العذاب، وما أنذركم به النبي لوط.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40))
يقول الله: هذه الحقائق في واقع بني آدم: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ)، سهَّلناه لكم..
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، كررها الله بعد كل قصة يقصها علينا يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40))، انظر ربنا كيف اعتنى بنا هذه العناية كلها، وأقام لنا هذا الخير كله، ثم لا ننتبه! ثم لا نتذكر! ثم لا نذّكر!
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41))
قال -جلَّ جلاله-: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ)، (النُّذُرُ): سيدنا موسى وسيدنا هارون، وما أنذروهم به أن أصرُّوا على التكذيب، وعلى الكفر بالله تعالى وعبادة غير الله هذه الإنذارات التي وصلتهم.
تفسير قوله تعالى: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42))
(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)، تسع آيات جاء بها سيدنا موسى، (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [النمل:12].
(كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا):
كذَّبوا بها كلها! كل واحدة آية منذرة مذكِّرة، وكلما جاءت عليهم واحدة من الآيات وشدة، ثم ظهر عليهم الجراد، ولا ترك لهم مقر،(قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)! [الأعراف:134]، وأنتم تقولون ربكم فرعون! وفرعون يقول إنه ربكم الأعلى! و بعدها يقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ) [القصص:38]، اذهبوا إليه، ويرجعون إلى موسى! حتى أهل الباطل وقت الاشتداد يبحثون لأهل الحق، يبحثون عنهم لكي يُخلِّصونهم هكذا في الدنيا!
وفي القيامة كذلك لا يغرونك هؤلاء عندما تشتد عليهم الشدة يلتفتون، أين أهل العلاقة بالله؟ في القيامة كذلك، ملآن المحشر كفار وفُجار وملحدين وشدة عندهم، يذهبون إلى الأنبياء، ولا أحد يذهب عند رئيسه، ولا أحد يذهب عند حزبه ولا واحد، يذهبون مباشرة للأنبياء! انظر، وقت الشدة يعرفون الحق في ذلك الوقت، وهؤلاء جميعهم!
وآية بعد آية وهم ينكرون يكذبون، ويُنكثون! -الله- وبعد ذلك قال الله: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) [الأعراف:136].
(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)، لا العصا، ولا إدخال اليد، ولا الضفادع، ولا الدم.. الدم كلما أراد أن يشرب وجد الدم في الماء، سيأكل وجد الدم في الطعام، سيلبس يجد الدم يتساقط! ما هذا؟ مصيبة- (آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ) كما قال الله: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ)، و (قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) [الإعراف:133-136].
قال تعالى: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ)، لا يُغالب..
(أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ)، -لا إله إلَّا الله- خُذ أعداءك أعداء الدين (أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ)، يا قوي يا متين من الصادين عن سبيلك والمؤذين لأوليائك. يقول الله: (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42)).
تفسير قوله تعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43))
اسمع ربي يقول وقصصنا عليكم خبر:
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ)؟! ثم يقول: أنتم معشر أمة محمد، هل عندكم كفار أكبر من هؤلاء؟ أو أعظم من هؤلاء؟ أو أصعب علينا من هؤلاء؟ في؟
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ)؟! كما أهلكنا هذه الأمم كلها وكانوا ممكّنين وأقوياء على ظهر الأرض، أفيكم من كفاركم يكذبون بالنبي محمد أصعب علينا منهم؟
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ)، لا تغتروا، لا تنخدعوا! القوة مع محمد:
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ)؟! من هم هؤلاء؟ هل هم قريش؟ أو الروم؟ أو فارس؟ أو الذين سيأتون من بعدهم إلى القرن الخامس عشر؟ هل يوجد أحد أصعب علينا من هؤلاء؟
تفسير قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44))
(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ)، نحن متكاتفين، متحالفين، كلمة واحدة (مُّنتَصِرٌ(44)).
(جَمِيعٌ)، مجموعين (مُّنتَصِرٌ)، لا أحد يُغالبنا، يقولون هكذا؟
تفسير قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45))
(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)).
نظر الى الآيات، هذه أنزلها ربي والنبي في مكة، قبل الجهاد والحرب ولا شيء، قالت السيدة عائشة عليها رضوان الله، كما روى البخاري قالت: وأنا صغيرة في مكة ألعب في الشارع وقد أنزل الله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ).
قالت: كنا نقرأها ونحن أطفال في مكة قبل هجرة النبي ﷺ، حتى سيدنا عمر جاء يقول: كنت أقرأها وأقول أي جمع هذا سيهزم؟ مَن هؤلاء؟ قال حتى لما كنت في يوم بدر رأيت النبي ﷺ خرج من العريش يَثِبُ في درعه ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، قال: عَرَفتُ تفسير الآية ومعنى الآية: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، الله الله الله الله!
(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ(44)) يعني عندنا ترتيب، وتكتيك، وشورى، وهيئات نرجع إليها ومجالس جميع -مجُتمعبن-؛ لأن النصرة بالجمع، والتفرق يأتي بالشتات والذل.
(نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ)، لا أحد يُغالبنا قال الله، إذا قلتم كذا فأقول لكم: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، هذا هو النداء الإلهي لمن كان في زمن نبينا محمد، ولمن كان في زمن الصحابة، ولمن كان في زمن التابعين، ولمن كان بعدهم، وفي زماننا أيضًا هذا نقول: يا من يعاند أمر الله وأمر رسوله، ويريد الضر بعباد الله، ونشر الفساد في خلق الله، ويُضاد أمر الله؛ كونوا مَن تكونوا، فإن قلتم: (نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ)؛ فإننا نقول بيقين وثقة: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ).
تفسير قوله تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46))
ويا قوم، ويا جماعة، ويا آل الشرق ويا آل الغرب، ليس هذا فقط، هذا أمر يسير إن وقع لكم أي نوع من أنواع الهلاك، أو تدمرتم بأسلحتكم نفسها، أو قتلتم بعضكم البعض، أو سُلط عليكم من سُلط فإنه يسير عند أمر مُقبل علينا وعليكم، لو تنقذون أنفسكم أحسن:
(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46)).
اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين، المُخلصين الآمنين في الدنيا، ويوم تقوم الساعة، اجعلنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واحشرنا معهم.
ربي أحيِنا شاكرين *** وتوفنا مسلمين
نُبعث من الآمنين *** في زمرة السابقين
بجاه طه الرسول *** جُد ربنا بالقبول
وهَبْ لَنَا كُلَّ سُول *** رَبِّ استَجِب لِي
آمين .. آمين .. آمين
عطاك ربي جزيل *** وكل فعلك جميل
وفيك أملنا طويل *** فجُد على الطامعين
يا رب ضاق الخناق *** من فعل ما لا يُطاق
فامْنُن بفك الغلاق *** لمن بذنبه رهين
واغفر لكل الذنوب *** واستر لكل العيوب
واكشف لكل الكروب *** واكفِ أذى المؤذين
واختم بأحسن ختام *** إذا دنا الانصرام
وحان حين الحِمام *** وزاد رشح الجبين
يا الله بحسن الخاتمة، نظر الله إلينا وإليكم وإلى الأمة نظرة يكشف بها الشدائد والبلايا والرزايا، ويرزقنا حسن الالتجاء إليه، والتعويل عليه، والاعتماد عليه، والتوكل عليه، والثقة به دائمًا أبدًا في جميع شؤوننا وأحوالنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه.
اللهم بسر القرآن ومَن أنزلته عليه لا تكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وتولنا أنت، واجعل اعتمادنا عليك واستنادنا إليك في كل شأن من الشؤون في الظهور والبطون، يا حي يا قيوم يا مَن يقول للشيء كن فيكون، يا ناصرسيدنا محمد يوم بدر، ويا فاتح مكة عليه في شهر رمضان، انظر إلينا بما نظرت به إلى بدر، وافتح علينا وعلى المؤمنين فتحًا تكفينا به الأسواء والأدواء والبلوى، وتثبتنا به على قدم التقوى، وتلحقنا بالمتقين، وأنت راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ الأمين،اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 رَمضان 1443