(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة القمر، من قوله تعالى: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}، الآية: 15، إلى قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}، الآية: 31.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31))
الحمد لله مُكرِمُنا بالقرآن وتنزيله وبيانه على لسان عبده وحبيبه ورسوله سيدنا محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل الاقتداء به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعهم والملائكة المُقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمَّا بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15))
فإنَّنا في نِعمة اتِّصالنا بتنزيل ربّنا وكلامه ووحيه وخطابه إيَّانا، على لسان عبده محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، انتهينا في تأمُّل مُعظم معاني سورة القمر إلى ما قال الحق -تبارك وتعالى- عن قوم نوح وإهلاكه لهم: (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، والآيات مُتروكات كثيرة على ظهر هذه الأرض، لكل مُتأمِّل مُنصِف، لكل عاقِل واعٍ مُتخلٍّ عن الهوى؛ فإن الآيات مبثوثة التي تدل على عظمة الصانع -جلَّ جلاله- وعظيم قُدرته وحِكمته، والتي جرت في نظرائنا وأمثالِنا، وأشيائِنا من البشر من عهد آدم عليه السلام إلى أيامنا هذه، ملآنة آيات.
وترك الله لنا هذه الآية سفينة نوح والواقعة -الحادثة التي حدثت-؛ وكلنا من أبناء تلك السفينة، فما مِنَّا من أحد إلَّا وقد كان في صُلب أحد من أهل السفينة، فلم يبقَ لسواهم ذرية على ظهر الأرض، وما جئنا إلَّا من هؤلاء: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)، قال الله: (فِي الْجَارِيَةِ)، فمحمولون في السفينة:
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة:11-12] الله يجعل لنا آذان صاغية، وقلوب واعية.
قال سبحانه وتعالى: (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، وقال في فرعون: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) [يونس:92]، وكم جاء بعده، وقليل منهم المُعتبِر به، وكثير منهم سالِكٌ مسلكه، حتى لو تأتَّى له أن يقول: أنا ربكم الأعلى لقال! وهكذا.
وهذه الآيات التي وقفنا عندها:
(وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15))، يعتبِر ويُحسن النظر ويتأمَّل ويُدرِك الحقيقة؛ خليقة فوقهم مَلِك، يتكرَّم عليهم بإنزال الكتب والرسل، وكثير منهم يجحدون، وكثير يُكابرون، وكثير يُعانِدون، ثم يصبحون عِبرة للمُعتبرين، ويأتي مَن بعدهم، ولا يعتبِر بهم إلَّا القليل!
تفسير قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16))
يقول تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)..
هذا كله أدنى؛ لأنه لو نُسب إلى ما يُلاقيه الكفار والفساق في البرزخ، ثم في القيامة، ثم في النار، لكان هينًا ولا يساوي شيء -مع فظاعته،- حتى لا ترى لهم باقية، لكنه عذاب أدنى: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة:21].
يقول تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، كيف كانت النتيجة لهؤلاء؟
فيهم المُغترُّون بعقولهم، فيهم المُغترُّون بصناعتهم، فيهم المُغترُّون بقواهم المادية، أو العسكرية، كما كان يقول قوم عاد: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]، وفيهم،..وفيهم،.. وفيهم؛ لا يوجد اليوم على ظهر الأرض، أي معنى من انحراف في الفكر والتصوّر والدعاوي والنفسيات إلَّا ومثيله قد مضى بأعداد كثيرة في قرون كثيرة: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ)، أمثالكم ونُظراءكم، (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (51)).
يقول جلَّ جلاله: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، معنى إنذاري، ما كانت نتيجة إنذاري؟
هل كان إنذاري هو الحق، وجاءهم ما كانوا يُوعدون؟! أو أنذرتهم من شيء لا وقوع له، ولا حقيقة له، كيف كان إنذاري؟! وهل عذَّبتهم قبل أن أنذرهم؟! وقبل أن أرسل إليهم؟! وقبل أن أُبيِّن لهم؟!
لا إله إلَّا الله! (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16))، ألا تعقِلون؟ ألا تتقون؟ ألا توقِنون؟!
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17))
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر)؛ (يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر):
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر):
وكل صادق يعزِم بالصدق على العمل به؛ يُيسّر له العمل به.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر):
ولحفظه أيضًا؛ ذكر، (يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر)؛ ليبقى مذكورًا لكم محفوظًا في صُدوركم.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر)..
ويسّرنا القرآن ليرتقي المُرتقي منكم لذِكرنا الذي يملؤه ويأخذه عمَّا سِوانا، فيفنى فينا، ونذكُره فنُبْقيه بنا.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)):
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟
(هَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟
يحب حفظ كتابي، أو يكثر من تلاوته.
(هَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟
يريد العمل بما أوحيت.
(هَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟
يؤثر الباقي على الفاني، والإله على المألوه، والخالق على الخلق، والقوي على الضعيف، والقادر على العاجز، (هَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟.
تفسير قوله تعالى: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18))
(كَذَّبَتْ عَادٌ)، طائفة أخرى؛ هؤلاء كذبوا نوح، وهؤلاء كذبوا هود، كذبت عاد نبينا هودًا، كذبت عاد بعدما كذبت نوح.
قال نبينا هود لقومِه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وأصروا واستكبروا: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم) [الأعراف:69-71].
شيء اخترعتموه من عندكم، وتقابلون به عظمة الألوهية والربوبية؟! وحقيقة خلقكم وإيجادكم بشيء صنّفتموه تصنيف من عندكم! كما يفعل هؤلاء الكفار الآن على ظهر الأرض، من عند أهوائهم وأنفسهم تصنيفات، ويريدون أن يقابلوا بها وحي الله، ورسول الله وحقيقة خلْقنا وإيجادنا! وما لهم ذلك؛ (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ) [الأعراف:71-72].
هل هي آية، أو ليست بآية؟ ما أعظمها من آيات! (كَذَّبَتْ عَادٌ) قوم هود -النبي هود- (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18))، ما الذي حصل لقوم عاد؟ ماذا كانت نهايتهم؟ أين مصير قوتهم؟ أين صارت غطرستهم؟ أين مُلكهم؟ كما قال في الآية الأخرى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا)، الريح (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة:7-8]، قوم عاد وحدهم؟ قوم عاد والذين من قبلهم والذين من بعدهم؛ أُلوف، أُلوف دول، أُلوف طوائف، أُلوف قبائل، أُلوف أقوام، أُلوف؛ كلهم بادوا.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19))
يقول تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، إنذاري لهم على لسان هود عليه السلام.
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا):
(فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ)، قوي الشؤم هذا، مستمر يستأصلهم من أولهم إلى آخرهم، لا يبقى منهم أحد، ويوصل عذابهم الأدنى بالعذاب الأكبر، مستمر الشؤم عليهم -والعياذ بالله-.
يقول تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا)، ولا يزال شأن هذا الريح آية من آيات الجبار يقف أمامها كل عاقل، لا يُمكن ردَّها بتكنولوجيا، لا يمكن ردَُها بأسلحة، لا يمكن ردَُها بشيء، مما توصَّل إليه الناس واغترّوا به.
ريح تهب، من أين محل هبوبها؟ وما الدافع الذي يدفعها؟ قريبًا جاءتكم في بريطانيا وعطلت حركة الناس، وقلعت بعض الأشجار، في الأسابيع الماضية مرَّت، وما قدرت لا دولة، ولا غير دولة، فقط يحذرون اقعدوا في بيوتكم، من أين جاءت؟ هيا يمنعوها! امسكوها! لم يقدروا على شيء!.. هم كمن قبلهم، ومَن بعدهم، مَن الذي يُرسل الريح؟
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19))، شؤم عليهم، لم يترك فيهم صغير ولا كبير، ولا ذكر ولا أنثى إلَّا أهلكهم أجمعين، وأوصل عذابه الأدنى بالعذاب الأكبر بعذاب البرزخ إلى القيامة، شؤم مستمر هذا (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ) نعوذ بالله من غضب الله.
تفسير قوله تعالى: (تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20))
يقول: (تَنزِعُ النَّاسَ)، تقلعهم وترفع أحدهم حتى يغيب عن الأبصار فتقلبه على رأسه فيسقط، وتُقطع رقبته وينْدك على ظهر الأرض.. الجسد بجانب، والرأس بجانب آخر -نزع- (تَنزِعُ النَّاسَ)، حتى تراهم (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ)، رؤوس النخل المنقعر ابلمقطوع الرؤوس، النخل مقطوع رؤوسه، هم مثلها هكذا على ظهر الأرض (تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20)).
تفسير قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22))
يكرر الحق لنفْقه ونفْهم عنه (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، أجرْنا من عذابك يارب، وآمنا بنذرك، وآمنا بتباشيرك، بما أرسلت به رسُولك البشير النذير، فلا تعاقبنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، والطف بنا في الدنيا والآخرة.
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ)، هذا المُنزل على نبينا تيسيرًا بعد تيسير؛ (لِلذِّكْرِ) بأنواعه ومعانيه كلها، (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، يأخذ قسْمه ونصِيبه من فيض فضلنا بالوحي الشريف (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22))؟
تفسير قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23))
يقول جلَّ جلاله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ)، بعد هود وعاد جاءت ثمود، وأرسل الله إليهم النبي صالح، وهؤلاء ما بين المدينة وتبوك في الحِجر (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ)، وسيدنا صالح ذكَّرهم بالذين من قبلهم -قوم عاد- يقول سيدنا صالح لقومه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) [الأعراف:74].
يقول جلَّ جلاله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ):
لكن المُكذِّب بصالح، مكذِّب بجميع المنذرين من الرسل، وهكذا المكذِّب فكأنهم كذبوا بالرسل كلهم (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ)؛ جمع نذير، أو جمع إنذار:
تفسير قوله تعالى: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24))
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ)، يقول الله: إقتضت حكمتي أن أختار من البشر رسلًا أرسلهم، ومن قرن إلى قرن، وزمن بعد زمن، وأُمة بعد أُمة وهم يكررون: بشر.. بشر.. بشر! يقول: يا بشر أنا أُرسل إليكم بشر! (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا) [الإسراء:94]، لِم؟ لأن من مصائب طبع البشر أن لا يستسلموا للخُصوصية، خصوصًا إذا كان صاحب الخصوصية يدعوهم لترك شيء من الملاذ الحسية وما تشتهي نفوسهم، وما يريدون أن يستسلموا له، ولو رأوا فيه كل الخصائص؛ لأنكروا، وناكروا، وتنكروا.. و قالوا بشر مثلنا؟ هذا ليس معقول! من أين جاء؟
هكذا حال البشر:
يقولون: لماذا نتبعه هذا؟ ومن يكون هذا؟ أنا مثله!
(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [إبراهيم:10-11].
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [المؤمنون:47-49]؛ ولكن كذبوا، قالوا: البشران هؤلاء؛ موسى وهارون، تريدونا أن نتَّبعهم.
(أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)؟! اليوم يريدوننا أن نخرج نتابعهم! ما معنى (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)؟ يعني: نفسياتنا موطأة على احتقارهم، نحن المتأمرون، نحن المتجبرون -نفوس-! وهكذا تصُد عن الحق، تصُد عن الهدى.
يقول: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ)، آدمي مثلنا نتبعه؟ وإن كان الله أرسله إليكم، كيف ما تتابعونه؟ والآية أمامكم والعلامات، ويتعامون، وآية بعد آية إلى أن خرجت لهم الناقة كما ذكر الله، ولا آمنوا، وتحدَّوا مثل كفار قريش قالوا: شُق لنا القمر، وانشق القمر قالوا: سحر.
إن كنت صادق ياصالح، أخرج لنا ناقة من هذه الصخرة!، صخرة تأتي بنوق؟! وعشراء -حامل-، تؤمنون؟ قالوا: نؤمن. دعا ربه تحركت الصخرة وخرجت ناقة كبيرة وحامل، ولا آمنوا -مصائب-!
قال: (أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ)، وهذا أيضًا النظر أحيانًا إلى الكثرة بغير ميزان صحيح لا يؤدي إلى حق..
قالوا: هذا واحد.. نحن قوم، -جماعة- نحن نتبع الواحد هذا؟! وإن كان الواحد واحد، عظيم ماجد، يستحق التبعية. (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ) نكون ضلينا السبيل،
تفسير قوله تعالى: (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25))
(وَسُعُرٍ) ماذا سُعُر؟ يعني احتراق، وهوان، وذُل، (إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ) جمع سعير. (أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا)، عائش بيننا، -واحد مننا-، مثلنا يأكل ويشرب، قال: وحي جاءني من السماء! ولماذا جاء إليه فقط؟
أنتم تتحكمون في أمر الله؟ الله اختاره، (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا)، نحن أحق منه! يا جماعة، الخالق هو الذي يختار الرُسل! ليس أنتم..
اجعلوا هذا نبي، اجعلوا هذا نبي! هذا كلام متناقض مع الأُلوهية، مع حقيقة النبوة، لأنه أمر ليس باختيار بشر، ولا باختراعهم، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]، كذلك يصطفي الأولياء، كذلك يصطفي الصادقين ويصطفي المخلصين، يصطفي الدعاة إليه، الله يصطفي -جلَّ جلاله-.
وهكذا المؤمنون من بني إسرائيل: (قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، كيف لا نقاتل؟! سوف نقاتل، قال: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)، قالوا: ها طالوت! .. طالوت! أنتم تقولون؛ ابعث لنا ملكًا، لما بعث طالوت (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) -لاحول ولاقوة إلَّا بالله- (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)، لايملك من القروش الكثيرعنده، (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ)، -نفوس تنازع! وقالوا؛ (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ) [البقرة:246-247]، وعيّن مَلك.. طالوت؟! (أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا)؟ -لا حول ولا قوة الا بالله- وهكذا منازعة النفوس للحق (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41] -لا إله إلَّا الله-.
انظر سيد أهل القدسية الذي أتى بالحق؛ تمْسك بيده الجارية في الطريق، تمشي به إلى هنا، إلى هنا، وتقول له: قل لفلان.. كلِّم فلان، وهو يمشي معها إلى حد أن المنافقين قالوا؛ هذا أُذُن، يسمع منهم! (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) [التوبة:61]، ماعرفتم مكانه وقدره هذا الذي بينكم؛ برحمتي هذه ورأفتي، ﷺ، -لا إله إلَّا الله-.
يقول: (أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا..(24))، (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا)، ولماذا لم يأتِ الى عندي؟
هو يعلم إن رسول الله صادق، وما عنده شك إن هذا لم يكذب طول عُمره، فلماذا يكذب بعد سن الأربعين؟! عاش طول شبابه فينا، ما يوم كذب، لماذا يكذب ﷺ؟
قال هرقل لأبي سفيان: ما كان لِيدع الكذب على الناس، ثم إذا كبُر يكذب على الله! قال: لا يُعقل هذا! واحد طول العمر ما كذب عليكم، يوم صار فوق الأربعين يكذب على الرَّب؟ ما رضى يكذب على الخلق، فكيف يكذب على الإله ﷺ؟
(أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25)) -أعوذ بالله-! يقولون: النبي صالح، هل مرة رأيتموه يكذب حتى تقولوا كذاب أشر؟ رأيتم أخلاقه وتواضعه بينكم، اليوم صار أشر؟! يعني بطران، مختال، متكبر. أشر.. أشر الخيلاء والبطر، الكِبر الأَشر.
تفسير قوله تعالى: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26))
قال الله: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26)) هم أو صالح نبينا؟
(سَيَعْلَمُونَ غَدًا)، متى غدًا؟
سيرون مَن هو (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ)، ومَن هو الصادق المتواضع الصالح؟ ما هو إلَّا النبي صالح، صادق متواضع، سيعرفون من (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ)، كذبوا هم، وتكبروا هم، فلهم النار.
النبي صالح صادق متواضع، ما عنده شيء مَن هذا الذي قالوه، (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ)، فإذًا ينسبون للناس ما ليس فيهم، وهم يتيقنون أن هذا الوصف ليس فيهم؛ من أجل غرض، من أجل نفس.. كم لعبت النفوس بخلق الله، وإلى اليوم المعاناة منها هذه!
(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ)، مَن الذي يكذب، ومَن الذي يتكبر ويتغطرس، يعلمون يوم ينزل بهم العذاب في الدنيا، ثم يوم يبعثون في القيامة، ويوقنون الأمر واضح جلي (سَيَعْلَمُونَ غَدًا) علمًا متصلًا بالجزاء، وهم حتى من الآن فيهم مَن يعرف أنه صادق؛ ولكن نفوسهم لا تطاوعهم -بعد ذلك- بالإقرار والاعتراف والجزاء في ذاك اليوم، علم مقرون بالخضوع والجزاء (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26)).
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27))
(إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً)، هذه الآية التي طلبوها منك سنرسلها، نُخرج لهم ناقة من صخرة، أما في قدرة الله لا يوجد فرق، كله سواء، تخرج ناقة من صخرة، أو من تراب، أو من هواء، أو من ناقة أخرى، أو من غير شيء، كله عند الله سواء، وهو على كل شيء قدير، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82].
لكن الخلق، الله جعل لهم أسبابا ومسببات، مالهم أن يتجاوزوها، يمضون على سُنة الله، وهؤلاء تحدُّوا وقالوا: أخرج لنا ناقة من الصخرة هذه! هيا اجعل لنا ناقة تخرج من هنا! قال: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ)، ونختبرهم، نرى مدى صدقهم، ومدى إنصافهم، أو هم مراوغون كذابين سنراهم، نختبرهم (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27))، يرتقبهم، ترقَّب ما يقولون وما يفعلون وما يجيبونك.
(وَاصْطَبِرْ)، اصطبر على طول الوقت في ارتقابِهم، وعلى ما يؤذونك وقت الارتقاب، اصطبر، (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) [الأنعام:34]، اصطبر، (فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ).
تفسير قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28))
(وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ)، يوم للناقة ويوم لهم، تأتي تشرب الماء كله، ثاني يوم معهم أبقار وأغنام ونوق، ثاني يوم لهم. -يوم للناقة ويوم لهم-، (أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ)، يحضر قومه، ويوم شرب الناقة، تحضر الناقة، وهم يحضرون اللبن، يحلبون منها لبن تكفيهم، ويوم شربهم يحضرون الماء يأخذون الماء، (مُّحْتَضَرٌ).
(كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ) يوم شرب الناقة ويوم شربهم هم؛ يحضرون يوم شربهم هُم للماء لسقي الماء، ويحضرون يوم شرب الناقة للبن، (قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28)).
تفسير قوله تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29))
(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ)، واحد متفرعن فيهم، متغطرس، متجبر، نادوه اسمه قُدار بن سالف، من أُحيمر، فخذ منهم -أحيمر- اسمه قُدار بن سالف، (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ)، تعاطى الجريمة والجرآءة على الناقة، ويحذرهم النبي صالح يقول: (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) [الشمس:13]، لاتمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب، (فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ).
(تَعَاطَىٰ)؛ لأنهم يدافعونه ويهابونه، جاء الأشقى هذا، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا) [الشمس:11-12]، أشقى واحد فيهم، وكان سبب هلاكهم كلهم..
هكذا إذا أردت أن تلتجئ، فالتجئ للرَّب جلَّ جلاله، وإن أردت أن تتوسط في أعمالك بآل الخير وبالعقلاء وبما يوافق الشرع، وأما تقوم تلجأ لواحد ربك غضبان عليه وبعيد ويعمل معك مخالفة أمر الجبار، فهؤلاء التجأوا إليه!
ولهذا يقول العوام عندنا: "عاقر الناقة واحد، ودمدم على الكل"! قال: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا)، كلهم هلكوا، ليس الذي عقر فقط، يعني هم رضوا، ولجأوا إليه وارتضوا فعله.
(إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا)، هذا أشقى الأولين، وأشقى الآخرين، أشقى هذه الأمة؛ قال النبي مرة لسيدنا علي: أتدْري من أشقى الأولين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أشقى الأولين -الأمم السابقة- قُدار؛ عاقر ناقة نبي الله صالح، فإن الله يقول: (إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا) [الشمس:14].
قال: وأشقى الآخرين؟ الذي يضربك على هذا -ووضع ﷺ إصبعه فوق محل الضربة- فيخضِب منك هذا، فيخضب لحيتك بالدم، وجاء عبد الرحمن بن مُلجم هذا، في يوم قتلهِ لسيدنا علي في نفس البقعة التي حددها ﷺ، ضرب وتخضبت لحيته بالدم، لا إله إلَّا الله، اللهم أعذنا من الشقاء ومن الأشقياء.
تفسير قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31))
يقول: (فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً)، في اليوم الرابع من يوم عقر الناقة؛ لأنه لما عقروا الناقة قال لهم سيدنا صالح: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [هود:65]، ليس معكم إلَّا ثلاثة أيام، والعقاب نازل! قالوا: ها!
يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31))، الذي يحتظر هو مكان يضع فيه الأنعام، يسد عليهم بشجر وشوك من أجل أن يمنع شيء يأخذهم، حظير هذا محتظر، هذا المحتظر عمل له حظيرة، ثم يتساقط من هذا الشجر، أوالشوك شيء تأكله هذه الأغنام، والأنعام، هذا هو الهشيم، (هَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ).
لما جاءت الصيحة سقطوا، صاروا مثل هذا المتساقط من الشجر، والشوك المأكول، مفرَّق هكذا، كما قال الله في قوم الفيل: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل:5]، شجر، هكذا أكلته الأنعام وفرَّقته، وهؤلاء أصبحوا هكذا من صيحة جبريل عليه السلام، صاح فيهم صيحة فأهلكتهم؛ (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)، الذي عمل له حظيرة ويُدخل فيها هذه الأغنام، ثم يتساقط هذا ويصبح هشيم، هم مثله صاروا -لا اله إلَّا الله-.
سبحان القوي، سبحان القادر، اللهم ارزقنا الأدب معك، ولا تهلكنا ولا تعذبنا في الدنيا ولا في الآخرة يا رحمن، آمنا بالقرآن وما جاء فيه، فارزقنا كمال الإيمان، و اربطنا به، فقد يسّرته لنا فيسّرنا للقيام بحقه، ووفقنا للأدب معه وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على النحو الذي يرضيك عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
اللهم تشرق عليهم الشمس في رمضان وهم في تدبر لآياتك؛ فاعتقنا وإياهم، واعتق رقابنا من نارك ومن غضبك ومن سخطك ومن عذابك ومن الذنوب والسيئات يا خير من يُعتق.
يا ربنا يا حي يا قيوم يا من خلق، صلِّ على عبدك المصطفى، والنبي صالح، والنبي هود، والنبي نوح، والأنبياء والمرسلين، وبهم ارزقنا كمال الإيمان وكمال التصديق، وارفعنا إلى أعلى مكان، واعتقنا من نيرانك، ووفّر حظنا من شهرنا الميمون المبارك ومن الليلة المقبلة علينا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
20 رَمضان 1443