تفسير سورة القمر - 1 - من أول السورة.

تفسير سورة القمر، من أول السورة
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة القمر، من قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}، الآية: 1، إلى قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}، الآية: 5. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تأمن نفحات سورة الرحمن إلى جلال سورة القمر.
  • قِصَر ما تبقّى من عمر الدنيا.
  • حقيقة المآل وحُكم المَلِك الحق.
  • معجزة انشقاق القمر وجحود قريش.
  • خطر اتباع الهوى وعمى البصيرة.
  • استقرار المقادير وحفظ الدين وحتمية نصر الحق.
  • شهادة الواقع وسقوط المذاهب الإلحادية.
  • الحكمة البالغة وموقف المعاندين منها.

نص الدرس:

الحمد لله الأول الأزلي الآخر الأبدي، لا ابتداء لأوليته ولا انتهاء لآخريته، خلق الخلق لحكمة، وطوى عليها علمه، وأبرز من أسرارها ما فيه البُلغة الكافية لكل ذي عقلٍ وكل ذي عزمٍ وهمة.

ونشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له مكوُّن الأكوان ومُبدعُها بحكمته وإرادته وقدرته، وهو الله الذي لا إله غيره، ولا يحيط بعلمه ولا بحكمته، ولا بأسرار أفعاله ولا أسمائه وذاته وصفاته غيره وسواه -تعالى في علاه-. نشهد أنه أرسل الرُسل وأنه ختمهم بعبده المصطفى محمد، فجعله خاتم النبيين وسيد المرسلين، الهادي إليه والدال عليه، وبه كنا خير أمة بين العالمين.

اللهم أدم صلواتك على حبيبك المجتبى الأمين سيدنا محمد، مَن هيأتَ قلبه لتنزيل القرآن، ويسرته بلسانه بأعذب البيان، وشرحت به صدور أهل الإيمان، صلِّ معه على آله المطهرين عن الأدران، وعلى أصحابه الغُر الأعيان، وعلى مَن والاهم فيك واتبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الصدق وأهل الحق وأهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا كريم يا منان.

أما بعد،،،

فإننا في نعمة مِنّة  الله علينا في تدبُرِ كلامه وأخباره وأنبائه، وما يقُصُّ علينا فيما نزَّل على قلب نبينا وبيَّنه بلسانه، قد انتهينا من تأمل معانٍ في سورة الرحمن، وما أعظمها من سورة! ويُروى أن الحق في ساحة النظر إلى وجهه الكريم لأهل الجنان يكشف عن قلوبهم الحُجب، فيسمعون سورة الرحمن من الرحمن بعد أن يقرأ نبي الله داود في ذلكم المجمع بسورة مريم، ثم يُؤمر زين الوجود فيقرأ نبينا سورة طه، ثم تُكشف الحُجب فيسمعون من الرحمن سورة الرحمن، فما أعظمه من شأن، جعلنا الله من أهله.

وها نحن أمام سورة القمر التي ذكر الله فيها الآية الكبيرة التي أبداها على يد خير البشر، وما سُمِع بمثلها من آية فيما آتى الله الأنبياء والمرسلين ممن مضى قبله وعَبر: 

  • فكُلهم أوتوا آيات رحمة من الله لتكون حُجة على أقوامهم ليؤمنوا بالله ورُسله، وتعددت لهم الآيات. 
  • ولكن كان نبينا أعظمهم آيات وأكثرهم، ومنها آيات لم يجرِ لها نظير، أن يُشقَّ كوكب من الكواكب وتَراه الأعين! فلم يحصل هذا لأحد من الأنبياء والمرسلين، وحصل لنبينا الأمين.

وكانت بعثته وظهور هذه المعجزات على يديه مُؤْذنة بقرب الساعة، أي أن الله ما جعل من زمن منذُ خلق السماوات والأرض إلى أن ينفخ في الصور وتقوم الساعة قد مضى أكثره، ولم يبقَ إلَّا القليل، فالمسافة من أيام نبينا إلى أن تقوم الساعة ويُنفخ في الصور قليلة جدًا جدًا جدًا بالنسبة للوقت الذي قد مضى قبل ذلك.

 

 تفسير قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1))

وقد خطبهم ﷺ مرة وكادت الشمس أن تغْرُب، فقال: "ما بقيَ من عُمر الدنيا فيما مضى منها إلَّا كما بقيَ من هذا اليوم فيما مضى منه" من الصباح إلى وقت الغروب، كادت أن تغرب فقال: إن الباقي من عُمر الدنيا بالنسبة لما مضى مثل الباقي من هذا اليوم بالنسبة لما مضى، قال: وقد مالت الشمس إلى الغروب، فكذلك هذه المدة وهذه الفترة فلا تعْجَب، بل تعَجَّب فيما يقوم من انطلاقات وحركات وأفكار لأفراد وجماعات وهيئات وقبائل ودول وشعوب، طلعة ونزلة، ما عاد بقي إلَّا القليل.

كل هذا يسير بالنسبة لما قد مضى على ظهر الأرض، نظير هذه الأفكار ونظير هذه الاتجاهات قد حصل، وأكثر منها، وقد انتهى.

في هذا العمر القصير كم من غرور كبير، وكم وكم من دعوى دوام وبقاء وخلود وإلى الأبد! عند كذا.. كذا فكر وعند كذا.. كذا اتجاه، وكلها تُنقص واحدة بعد الثانية، وتسقط واحدة بعد الثانية، ولا يزال الناس في غرورهم، فاعجب! لم يبقَ إلَّا القليل من عُمر هذه الدنيا.

"بُعثتُ -يقول نبينا- أنا والسَّاعةُ كَهاتَينِ" إن كادت ستلْحقها، كم فَرق بين هذا الإصبع وهذا الإصبع؟ وقَرَنَ بينَ السَّبَّابةِ والوُسطى! والمسافة قد عَدَّت هذه كلها، باقي هذا القليل اليسير، فمئات السنين هذه المعدودة؛ الألف ومئات السنين المعدودة بعد رسول الله ﷺ قليل جدًا بالنسبة للآلاف والقرون التي مضت، فإذًا هذه علامات الساعة، ومن أكبر وأقوى علاماتها نزول سيدنا عيسى بن مريم، وقد قال سبحانه وتعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) [الزخرف:61]، وقد قرُب نزوله.

وهكذا يتزود المؤمنون بإدراك حقائق لا يمكن أن يصل إليها مخترعو السلاح، ولا الناظرون في هذه الكواكب بالعين القاصرة، أو بأحد العينين، أو بشِق العين، لا يمكن أن يصلوا إلى إدراك هذه الحقائق، الخالق بيِّنها لنا. 

وأخبرنا عن هذه الحياة المنقضية:

  • وأن الكثرة الكاثرة منها قد انتهت وبقي القليل.
  • وأن الحياة الدائمة الطويلة مقبلة علينا.
  • وأن فرصتنا في أعمارنا القصيرة من هذا الزمن الأخير عُدّة لنا؛ 
    • لِأن نُدرِك سعادة الأبد، وفوز الأبد. 
    • والخلود في قربهِ ورضاهُ ونعيمهِ. 
    • ومرافقة أنبيائه وأصفيائه وأحبابه -جلَّ جلاله-.
  • وإن ضيعناها وأهملنا أمرها ونسينا عظمتها وركنَّا إلى شيء من شهواتنا وأهوائنا واغتررنا بشيء من الفانيات؛ 
    • انقطعنا عن هذا النعيم الأبدي، والفضل السرمدي. 
    • وتهيأنا لعذاب مقيم مهين عظيم أليم لا يطاق، وخزي لا ينتهي -والعياذ بالله-. 
    • (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].

هذه الحقيقة التي يجب أن نُدركها ونعمل عليها، يحدِّثنا الخالق البارئ عنها يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)، صدق الله.

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) أنتم في أواخر عُمر الدنيا! ولو كنتم في أول عُمر الدنيا ماذا كان يُغنيكم، ولكم فيها عُمر محدود؟ والساعة ستأتي على الكل الأول و الأخير.

النهاية حُكُم لعلي كبير قدير سميع بصير قوي، يُحاسب على النقير والقطمير والصغير والكبير..الله..الله، ويستوي مَن تعمّر ألف سنة ومَن تعمّر عشر سنين ومَن تعمّر مئة سنة ومَن تعمّر خمسين سنة، يستون كلهم أمام الحُكَم؛ ماذا عملتم؟ ماذا قلتم؟ مَن أطاع ومَن عصى؟ 

ولا أحد يختلف في هذا..

  • الطائعون للخالق الذي خلقهم الفائزون في ذاك اليوم.
  • والعصاة لو هم كائنين مَن كانوا هم الخاسرون، وهم النادمون، وهم المعذبون في ذاك اليوم، بل في حياة الأبد.

يستوي مَن كان في أول الدنيا وفي وسطها وفي آخرها، حُكم واحد، من ملك واحد…

  • الفائز فيه من آمن وأطاع. 
  • الخائب الخاسر النادم مَن كفر وعصى. 

كائن مَن كان: صغير، كبير، ذكر، أنثى، إنسي، جني، أول، آخر، فقير، غني، صحيح، مريض، شعوب، دُول، صغار، كبار؛ لا فرق!

  • مَن آمن به وأطاعه؛ له السعادة، له الفوز، له القُربى، له الزُلفى، له النعيم، له الجنة.
  • مَن كذَّب به وجحد وعصاه وخالفه؛ له العذاب، له الشقاوة، له الخزي، له الهون. 

والباقي لا ينفع أصحابه؛ مَلك، أو ليس مَلك، صغير أو ليس صغير، كبير أو ليس كبير، غني أو ليس غني، وزير أو ليس وزير، كله سواء!

  • على قدر الإيمان والطاعة الفوز. 
  • على قدر الكفر والمعصية الخسران. 

وانتهت المسألة، هذه الحقيقة الكبرى التي ينتهي إليها الكل؛ مَن اهتدى ومَن ضل، مَن آمن ومَن كفر، مَن صدَّق ومَن كذب، مَن أقبل ومَن أدبر، مَن صلُح ومَن فسد؛ كلهم ينتهون إليها: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [النحل:124].

يقول الله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)، فنسأل الرَّب أن يوفقنا لمرضاته في أعمارنا القصيرة، ويقبل اجتماعاتنا هذه في تأمل آياته؛ ليَقِرَّ في قلوبنا نور معرفة به، وبوحيه وتنزيله، ينبعث منه همة وعزيمة في العمل بطاعته والاستقامة على ما يُحب، استعدادًا للقائه وللفوز عند مُلاقاته، نلقاه وهو راضٍ عنا، فلن يجد الناس في سوق القيامة أغلى من مثل هذه البضاعات، وهذا الثمن للجلوس لله، ومن أجل الله، والاستماع لآيات الله، والتزود في مثل رمضان بمثل هذا الزاد الذُّخر للمعاد، لن يوجد في سوق القيامة أغلى منه، ولا أشرف منه، فإذا اقترن بذلك صدق إنابة، وحُسن استجابة وخضوع وخشوع للملِك الأعلى؛ أثمر ما لا يمكن أن يتحدث عنه متحدث، ولا أن يصفه واصف، فاللهم اقبلنا وثبتنا وانظر إلينا وأسعدنا بأعلى السعادة.

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1))، يقول الله: أُريتكم هذه الآية العظيمة وأنا أخبركم عن اقتراب الساعة، فكما رأيتم هذا القمر، فالساعة واقترابها وما فيها مِن وعِد ووعيد حق، لا مُرية فيه، كما رأته أعينكم؛ هذا الانشقاق، وذلك أن الكفار وجماعة منهم -أبو جهل وكثير من كبار قريش وكفارهم- قالوا: أَرِنا آية يا محمد حتى نؤمن بك، أَرِنا انشقاق القمر، اجعل القمر هذا ينشق، قال: "أإذا فعلتُ أمنتم"؟ تؤمنون؟ قالوا: نعم. قال: "فأنا أدعو الله، وميعادُكم يوم أربعة عشر في الشهر -ليلة النصف-؛ يفلق القمر". قالوا: أوه! تصنع ذلك؟!، قال: اجتمعوا، فاجتمعوا وإنت هات فقط، محمد سيظهر آية.

ورفع يديه يدعو الله، وإذا بالقمر ينشق، فلقة فوق جبل أبي قُبيس، وفلقة فوق جبل قعيقعان، فبُهتوا ونظروا، فرَّكوا أعينهم، مالوا بأبصارهم وجاءوا مرة ثانية ورجعوا، مسحوا أعينهم ينظرون مبْهوتين! أمر عظيم! يقول : "اشهدوا..اشهدوا، اللهم اشهد اللهم اشهد". قالوا: سحرْتنا -ابن أبي كبشة أنت جئت بسحر قديم سحرْتنا. 

قال واحد منهم -كما جاء في مُسند الإمام أحمد- إن سحركم فلن يستطيع أن يسحر أهل الأرض، الناس كلهم، إسألوا السُّفَّار الذي يقدمون من الخارج في الأيام القادمة وفي موسم الحج، إسألوهم، وكلما دخل أحد إلى مكة بعد ذلك يقولون: رأيتم شيء ليلة النصف من شعبان؟ يقولون: نعم انشق القمر، رأيناه! جاؤا من أبعد منهم من أماكن، رأيتم شيء ليلة كذا؟ نعم انشق القمر رأيناه! فقالوا: سحر كبير، هذا مستمر.

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1))، آية عظيمة لخير البشر من الله القادر وحده -جلَّ جلاله-، (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [الرعد:38]، وهذا المحبوب عمل له آيات ما عملها لأحد، ومع ذلك ما آمنوا! ما آمنوا! (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) [يونس:101]، (وَانشَقَّ الْقَمَرُ).

 

 تفسير قوله تعالى: (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2))

(وَإِن يَرَوْا آيَةً)، مثل هذه العظيمة، وكم رأوا على يد غيره: 

  • (يُعْرِضُوا)، يتولَّوْا عن الإيمان لِغلبة الأهواء، لغلبة النفوس، والإنسان إذا لم يهذِّب نفسه، فهواه يُرديه، ونفسه تُسقطه في المهاوي ويضل ويخسر الخير الكبير. 
  • (يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ)، قوي منتشر في العالم ليس سحرعادي! أنتم قلتم إذا إنشق القمر سنؤمن؛ والآن تقولون بهذا الكلام.

هيا هاتوا سُحار الأرض يشقون لنا القمر، جمِّعوا السحرة من الشرق والغرب قولوا نريد نصف ساعة ينشق لنا القمر، ثلث ساعة، ربع ساعة -والله مايقدرون- أي سحر هذا! حتى بعضهم يقولون إن الفلقة فوق الجبل! قال الآخر: رجع الجبل بين الفلقتين؛ لأنه استمر سير القمر: 

  1. ففي البداية كان الفلقة -النصف- فوق جبل أبي قُبيس. 
  2. والثاني فوق جبل قعيقعان فيما يشاهدونه هم. 

ثم مع المسار تحول قال: الجبل بين الفلقتين، فلقة هنا وفلقة من وراء الجبل إلى أن غاب القمر؛ ولذا ذكروا عن بعض تواريخ في الصين أنهم كانوا يؤرخون بحادث شق القمر، بعيد في الأرض هناك ليلة النصف، وطول الليل القمر منشق حتى غاب عنهم وعاد بأمر الله. 

وماذا يصعب في قدرة الله؛ أن يشق أرض أو يشق قمر أو يشق السماء كلها فقط، سوف تنْشق في القيامة، الخالق قادر أن يشق يقطع يقرِّب يُبعِّد، أمر عنده يسير -جلَّ جلاله-؛ ولكن بحكمته رتَّب الأمور وسبب المسببات ليستقر الناس وليستقر العقلاء ولتجري حكمته في الوجود (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2)).

 

 تفسير قوله تعالى: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3))

(وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، ما الذي يمنعهم من الإيمان؟ ما الذي يحوُل بينهم وبين الحقيقة؟ ما الذي يُرميهم في الإصرار على هذا العناد وهذا الكفر، والآيات أمام الأعين واضحة جلية؟ 

  • كان وجهه يكفيهم صلى الله عليه وسلم، وجهه يُضىء، مَن نظر في وجههِ علِم أنه "ليس بوَجْهِ كَذَّابٍ"؛ لِأول وهلة تقع العين عليه يُعرف أن هذا إنسان عظيم.
  • قال سيدنا عبدالله بن سلام لما قدِم النبي الى المدينة؛ ذهبتُ أنظر إليه قال: فلما وقع بصري عليه عرفت أنه ليس بوجه كذاب. 
  • وأخلاقه ونشأته بينهم، من صِغره لم يكذب قط، لم يشرب خمْر قط، لم يسجد لصنم قط.. آيات عظيمة كلها تدل عليه، مَن أصدق منه! 

والآن يكذبون ويعاندون إلى أن حاربوا وقاتلوا! مصيبة، هذا الإنسان إذا لم يتصفَّى من الأدران يصبح أخس من الأنعام، ينكر الحق وهو يشاهده بعينه (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ):

واعلم هُديت وخير العلم أنفعه *** أن اتباع الهوى ضرب من الخبلِ

فكم وكم ضَلَّ بالأهواء وطاعتها *** من عاقل جامع للعلم والعمل!

وذهب لا علِم ولاعمل، ولا عقل نفعه! بسبب الهوى اتبع الهوى وذهب، خالف العلم وخرج عن العمل وخالف العقل؛ بالهوى.

ولذا نجد ربنا في القرآن يُبين لنا خطر أن نترك الهوى يسوقنا إلى شيء من السوء، يُخاطب نبي من أنبيائه -والأنبياء مبرؤون، ومعْصومون- ومع ذلك:

  • (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، نبي ويقول: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]، يعني كل من لم يؤمن بيوم الحساب والمرجع إلى الله فالغالب أن الهوى يتسلط عليه.
  • (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)، فبضعف الإيمان بيوم الحساب وقلة الذكر للإله رب الأرباب يتغلب الهوى على الناس؛ (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28].
  • (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ) [الجاثية:23]، وهذا واقع فيه الآن؛ طوائف وجماعات وهيئات تحت الهوى، إلهُهم الهوى! 

اللهم خلِّص المسلمين وسلِّمهم من هذه الشرور والآفات وكل محذور، واجعل هوانا تَبَعًا لما جاء به من أنزلت عليه الآيات.

(وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، ومع ذلك يذكر لنا سبحانه حقيقة من الحقائق: (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3))، دع المُكذب يُكذب، والناكر يُنكر، والجاحد يجحد، والمُجاهر بالخبائث يُجاهر.

(كُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرّ)

  • الأمر كما قال الله وقال رسله، حق وصدق، ليس شيء فيه يتقدم ولا يتأخر، والوعد والوعيد كما هو.
  • وكل ما يجري في العالم مسطَّر في اللوح المحفوظ، وفي أم الكتاب عند رب الأرباب، فيما سبق في علم الله، لا شيء منه يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر.

(كُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرّ) يقول: أنا ملك المملكة، قد رتبت الأشياء وقدرتها بإرادتي وعلمي، فلا تحسب أن شيئًا يتغير ولا شيئًا يخرج عن دائرة تقديري وترتيبي وتقديمي وتأخيري ورفعي وخفضي، فكل ذلك مستقر، قد رتبته في علمي ولن يكون إلَّا ذلك، وعبثًا مَن يريد غير ما قدرت.

(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173]

يقول: (كُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرّ) طلوع هذا ونزول هذا، وتوفيق هذا وخذلان هذا، وإسعاد هذا وشقاوة هذا، وأدب هذا وإساءة الأدب من هذا؛ قد قُضيت ورُتبت من قبلُ، وكله مستقر، ولا أحد منهم أن يُغيِّر ما سبقت به الإرادة، والنهاية هي النهاية؛ وعد ووعيد؛ وجنة ونار،  فقط! غير هذا (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ).

فلا يدَّعي أحد أنه يغير ما قدَّر الله، وما أراده الله، وما سبق به القضاء والكتابة من الله -سبحانه وتعالى- (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، (وَمَكَرُوا وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) [إبراهيم  46-47].

مكرهم لا يقدم شيء ولا يؤخر شيء، إلَّا ابتلاء يبتلي الله به هؤلاء المكلفين إذا فسدوا وذهبوا عن سواء الطريق يتوهمون أنهم يقدمون، أو يُؤخرون، أو ينفعون أويضرون، فيسخِّرون القوى التي أعطاهم الله إيَّاها في معصيته ومخالفته ليشتد عليهم العذاب، وإلَّا لن يستطيعوا أن يخذلوا الحق، ولا أن يقهروا الهدى، ولا أن يبطلوا ظهور المهدي، ولا نُزول سيدنا عيسى بن مريم، ولا بقاء القرآن العظيم إلى وقته، ومن دون أن يقدروا على تغييره، لا يقدرون على شيء. 

(وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ)! الله..الله..الله..الله

  •  (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام:112]. 
  • يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) [آل عمران:176] (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)! لا إله إلَّا الله!
  • (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76]، فكل أمر مستقر ومرتب.

أُصدق واختر طاعتنا وتأدب معنا وأنت الفائز، انظر لا يوجد إله غيره في الوجود، لا ربَّ سواه، المُلك كله له والأمر كله له:

فليس لمخلوقٍ من الأمر هاهنا *** ولا ثَمَّ شيءٌ فاعتمد قول صادقِ

هو اللهُ لا ربٌّ سواه وكلهم *** عبيدٌ وتحت الحكم من غير فارقِ

ولا ترتجِ في النفع والضُّر غيره *** تبارك من ربٍّ قديرٍ وخالقِ 

-جلَّ جلاله-

(وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ)، فكِر كان سائد من أواخر القرن الذي مضى في العالم، يظن أصحابه فيه أنهم سيغيرون معالم قوية في العالم وسيقضون على الدين في أماكن كثيرة:

  •  منها عندنا هنا جنوب اليمن جاءت الشيوعية ذاك الوقت، حُكام روسيا ومَن معهم في المعسكر الشرقي على الإلحاد، ويرفعون شعارات: "الدين أفيون الشعوب"، و"لا إله، والحياة مادة"، وملكوا وتسلطوا على هذه الأراضي وظنوا أنهم يقضون على مظهر الدين فيها.
  • ويقول بعض الذين كانوا مستخدمين لِمعسكر غربي أيضًا: أنه بسياستنا وتدبيرنا نحن الذين اتفقنا مع الشيوعية لتأتي لهذه البلاد، ليقضوا على هذه المظاهر الدينية.
  • وبعد انتهاء فترة حُكمهم وما طرى من الظروف والأمور التي رتبها الله -سبحانه وتعالى-، تقابلوا مع شعب عُزَّل عن السلاح في أفغانستان وهُزموا هناك وتغيرت أحوال كثيرة. 
  • وجاء هذا المستشرق، أو العامل مع سياسة وفكر المعسكر الغربي، وحضر في عام ألف وأربعمائة واثنا عشر ورأى مظهر زيارة النبي هود في حضرموت، عندما رجع في الطريق يقول لبعض الذين معه: نحن أتينا بالشيوعية لتقضي على هذه المظاهر الى هذه البلاد، ويبدو أننا فشلنا! 

كانوا يظنون بما رتبوا.. سحلوا فينا مَن سحلوا، وحبسوا مَن حبسوا، وخطفوا من خطفوا، وسافر الكثير من أهل العلم لم يستطيعوا الجلوس في البلاد، واتعبوا الناس. ما كانوا يظنون أنه سيبقى هذا الإسلام وهذا الدين وهذا العلم! مَن يفكر منهم أنه ستفد الوفود وستقوم هذه المجالس؟! 

  • عملوا ما عملوا، قتلوا، سرقوا، ذهبوا، (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ).
  • (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ)! قال الله: هذا المنهج أنا أحرُسه، وتَرِكَة نبيٍّ أنا أحافظ عليها.

وقال نبينا: "إن الله أعطاني أن لا يُسلط على أمتي عدوًا من خارجها يستأصِلها ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها". احضروا المعسكر الشرقي والغربي معًا، ويجتمعون على الدين، ما يقدرون أن يستأصلوا أمر الدين وأمر المسلمين أبدًا! سبحان الله!

 المَلِك موجود بقوته بعظمته، هو الذي أهلك فرعون، وهو الذي أهلك عاد الأولى، وهو الذي أهلك النمرود، هو هو قائم، هو هو قيوم، وهو هو موجود، ها هو حي، ها هو قادر، سميع بصير، لا يخرُج عن قبضته أحد، لا إنسي ولا جني ولا صغير ولا كبير.

فما أعجب المعاني في قوله: (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ)! مملكة فوقها قيوم، يعني قائم على كل نفس بما كسبت، قائم على كل ذرة صغيرة وكبيرة، يعلم سرها وعلنها، وحركتها وسكونها، وكل ما يتعلق بها، أعلم بالخلائق من أنفسهم -سبحانه عزَّ وجل-: 

  • ويُدير هذا الشأن، يدبر يقدم ويؤخر؛ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]. 
  • (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].
  • يقول: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)؛ لكن يقول له: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الإنعام:112].
  • سمعتم! يقول: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة:13]. 

فكل الذي يجري من شأنه تحقيق هذا المقدر المقضي، هو بأمره -سبحانه وتعالى-.

(وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ): 

  • (سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].
  • (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:51-52].
  • (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ) - القبور- (إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا). 
  • تُجيب الملائكة عن هذه الحقيقة نفسها، يقولون: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:51-52].

والذين كذبوا الرسل! وادّعوا العلم، وادّعوا التقدم، وادّعوا التطور من الأولين والآخرين، وادّعوا القوة! ماذا كلامهم؟ كذب! الصدق مع المرسلين، فقط (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) صلوات الله وسلامه عليهم ورزقنا اتباعهم، (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ(3)).

 

 تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4))

يقول ربي: (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ)، الأخبار والقصص والبيان، (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)، ما يكفي لازدجار الإنسان من غيِّه وتركه لهواه وإفاقته وإدراكه الحقيقة.

(وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)، قال: أوحينا إليك وأخبرناهم كيف فعلنا بالنمرود؟!، كيف فعلنا بفرعون، كيف فعلنا بقوم هود؟!، كيف فعلنا بقوم صالح، كيف فعلنا بقوم نوح.. ما يكفيهم هذا؟! 

  • (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ)، الأخبار عن واقع البشر والحقائق التي مرت بهم.
  • (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)، مافيه الكفاية للاّدِّكار وللاعتبار يزجر الإنسان عن غيّه وعن هواه.

 

  تفسير قوله تعالى: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5))

(وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)):

  • (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ)، قال: أرسلنا إليك قرآن؛ حكمة بالغة، كاملة البيان، تامة التوضيح، كافية لمن عقل ولِمن أنصت، ولمن استمع.
  • (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، فهؤلاء الذين غلَّبوا أهواءهم وشهواتهم ما تنفعهم المنذرات والمذكرات والآيات.

(فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، مَن سبقت عليه سابقة، كما قال لنبيه: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [آل عمران:176].

يقول سبحانه وتعالى: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41]:

  • ما كتب لهم التطهير مساكين، واغتروا، وعاندوا وكذبوا، وعليهم اللوم وعليهم العقاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
  • وقد آتاهم أسماع، وأبصار، وعقول وقُدَرة يفقهون بها الأمر ويشاهدون، ولكنهم يصرون ويعاندون. 
  • (لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة:41]، اللهم أجرنا من ذلك.

(حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5))، اللهم ارزقنا الادّكار والاعتبار، واجعلنا ممن ينتفع ويرتفع بآياتك وكلماتك وأخبار رسولك، ارزقنا الاستعداد للقائك.

واجعلنا يوم تقوم الساعة من أسعد الناس، يوم تقوم الساعة من خير الناس، ويوم تقوم الساعة في زمرة أنبيائك، زمرة رُسلك، زمرة أصفيائك، زمرة المقربين من عبادك، زمرة الناجين في ذاك اليوم الفائزين بالرحمة والرضوان وسُكنى الجنان، وجميع أهلينا يا رب، وجميع أولادنا وقراباتنا وأصحابنا وطلابنا وأحبابنا يا رب، والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات يا مجيب الدعوات.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

"يُروى أن مَن قرأ سورة القمر في كل ليلتين، أي ليلة بعد ليلة، حُشِر يوم القيامة ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر".

الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم.

تاريخ النشر الهجري

16 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

17 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام