تفسير سورة القمر، من قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}، الآية: 5

تفسير سورة القمر، من قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}، الآية: 5
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة القمر، من قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}، الآية: 5، إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}، الآية: 15. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) ۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • فضل القرآن وتأمل سورة القمر.
  • التوجيه الإلهي بالإعراض والتغافل (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).
  • أهوال يوم القيامة ودعوة الدّاعي إلى أمرٍ نُكُر.
  • حال الكافرين وذُلّهم يوم الحشر (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ).
  • تسلية النبي ﷺ بذكر قوم نوح عليه السلام.
  • استجابة الله لنبيه نوح بالانتصار والطوفان.
  • سفينة النجاة والرعاية الإلهية الخاصة.

نص الدرس:

الحمد لله على نِعمة القرآن وبَيانه، وإجرائه على يد سيدنا محمد ولِسانه، اللهم أدم صلواتك على عبدك الحَبيب المَحبوب سيدنا محمد، وعلى آله المُطَهَّرين وصحبه المُكرَمين، وعلى مَن والاهم فيك واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسَلين سادات أهل اليقين والتمكين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى مَلائِكتك المُقَرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.

أمَّا بعد،،،

 فإنَّنا في نِعمة اتصالِنا بربِّنا، وتَلقِّينا لتنزيله الذي أوحاه إلى قلب نبيناﷺ، واستِبيانِنا وادِّكارِنا لمَدلولات خِطابه ومَعاني كَلامه -جلَّ جلاله- بدأنا في تأمُّل بعض معاني سورة القمر، قال جلَّ جلاله: 

بسم الله الرحمن الرحيم

 (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)

 

تفسير قوله تعالى: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)) 

وكانت الحِكمَة التي هي العِلم النافِع مجموعة في القرآن، بل هو مَصدَرها وأساسها، وكانت حِكمَةً بالغةً كاملةً تامةً كافيةً لِمَن تَأَمَّل وتَدبَّر. 

وبعد البيان الواضِح مِن الرحمن، وتبليغ الرسل والأنبياء، وظهور الآيات، يُصِرُّ مَن يُصِر على الاستكبار والكفر (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) فما تنفعهم نُذُر المُنذِرين وتَبليغُ المُبَلِّغين وظهور الآيات والبَراهين، لِما غَلبَ على نفوسهم مِن الهوى واتِّباع الشهوات والانقياد للشياطين: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) [مريم:83-84].

 

 تفسير قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ (6))

يقول سبحانه وتعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)، فقد أَيقَنتَ أَنَّ مَن سَبَقَت عليه الشقاوة وتَمَسَّك بالهوى، لا تُفيدُ فيه الإنذارات، ولكن هذا التولِّي عنهم أمرٌ بعدم المُبالاة بِتَكذيبهم وسَبِّهم وشَتمِهم وأذاهم ومَكرِهم ومُحارَبَتِهم بما استطاعوا، أي لا تُلقِ لها بالاً، فلن يُغَيِّروا شيء (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) [القمر:3]، وإنما يظهر عليهم ما سبق عليهم من الشقاء عنادًا وتكذيبًا وإيذاءً وإضرارًا: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ) [آل عمران:111].

يقول الله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)، أعرض عنهم، والمقصود من هذا التولِّي أن لا تشتغل بالرد عليهم، ولا بمكافأتهم على السب ولا على الشتم، ولا على الدعايات التي ينشرونها والافتراءات التي يفترونها. 

(تَوَلَّ عَنْهُمْ):

  •  كما قال: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا) [النجم:29]. 
  • وكما قال: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199]. 
  • وكما قال عن المنافقين: 
    • (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ)، أعرضوا عن مُسابَتِهِم ومُحاجَجَتِهم والتقصِّي في أمرهم، فأعرض عنهم (إِنَّهُمْ رِجْسٌ).
    • لكن (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:95ـ96]. 
    • هذا ليس لكم حق فيه؛ أن ترضوا بالكفر أو بشيء من المعاصي والذنوب، ولكن أن تعرضوا عنهم.

(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أما قِيامهُ بالدعوة فلم يَقطَعهُ عن أحد ﷺ، ولم يَزَل يَدعو كل المُنكرين والمُعرضين والمُستكبرين، والذين نسبوه إلى السِّحر والجنون، لم يَنقَطِع عن دعوتهم -عليه الصلاة والسلام- بما استطاع؛ حرصاً منه، وأداءً للأمانة، ولِحَق تبليغ هذه الرسالة، وهو خَيرُ مُبَلِّغ عليه الصلاة والسلام. 

يقول الله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)، وكما قال في الآية الأخرى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ)، ما آذوا وما سَبوا وما افتروا؛ لا تُكايِدهم عليه، ولا تَسُبّهم، ولا تأتِ لهم بمثل ما جاؤوا به، فلهم شأنهم ولك شأنك: 

  • شأنهم الافتراء، وشأنهم اختراع ما ليس بواقع مِن نِسبة الأوصاف الكاذبة للناس، شأنُهم العِناد والتكبُّر
  • وأنت شأنك الطُهر والنقاء والبِرُ والتُقى، وشأنك الرحمة والرأفة، وشأنك حُسن التبليغ والبيان، فلذا قال: (وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب:48].

إذاً فالإنسان في حياته يَحسُنُ به أن يُعرِض عن أشياء وأن يتغافل؛

وتــغــافــل عــن أمــــور إنه *** لـم يـفُـز بالحمد إلا مـن غَفَل

  فكثيرٌ من الأمور.. 

  • لا يُفيد الخوض فيها، ولا التركيز عليها، ولا الالتفات لها؛ بل يَضُر. 
  • ولا يَضُرُّك الإعراض عنها، بل يزيدك بِراً وفراغاً لما هو نافع. 

أعرضْ عنها، وتولَّى عنها وتناساها ولا تَلتَفِت إليها، فذلك أَبرَك لوقتِك، وأحفظ لِعُمرك، وأحسن لسعيك، وإلا أَكسبتك مشقَّة وعَنتًا وكدراً وهمًا وإضاعة عُمرٍ وفِكر وقوى، لو صرفتها فيما هو نافع لك لكان خيراً لك.

فالإنسان في حياته يحتاج إلى أن يَعرِف بالميزان الذي أنزله الله، ما يَحسُن الإعراض عنه، والتغافل عنه وعدم الالتفات إليه، فيُعرض عنه، ويغنم عُمره، ويغنم فِكره، ويغنم ماله، ويغنم وقته، فلا يَصرِف منها الشيء إلا فيما هو عائد عليه بالفائدة والنفع والخير، وهكذا.

رأوا بعض الأخيار ويُعَدُّ مِن العوام؛ استقبله ذو لسان بسابٍ وتكلَّم عليه، وقف، نظر إليه، التفت عن يمينه ويساره وضحك ومشى، قالوا: لِمَ لم تجبْ عليه؟ قال: التفتُّ إلى يميني ويساري وجدت أنه لم يلصق شيء فيَّ مِن كلامه، فتركته، ما حملتُ شيئاً مِن الكلام الذي قاله، لا شيء لَصِق بيَّ، ما لصق فيَّ شيء من كلامه، وَفِّر على نفسه عناءً ووقت وفِكر. 

تقول عليّ كذا؟ أنت فَعلك يا كذَّاب، ما أنا كذا ويُصَلِّح لك، وربما يتضاربون، قال كذا وقال كذا… ولكنه مشى وتركه، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]، قالوا: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55].

(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ (6))، يعني انتظر لهم، (يَوْمَ يَدْعُ) فيه (الدَّاعِ) وهو المَلَك إسرافيل -عليه السلام- (إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ)، مُستَنكَر فظيع لهوله، فظيعة أهواله، غريبة أحواله، فمُستَنكَر. 

(شَيْءٍ نُّكُرٍ): 

  • بالنَفخ في الصور أولاً وثانياً.
  • ثم إنه يَقفُ على صخرة بيت المَقدِس: 
    • ويدعو ومعه الملائكة يَدعون الخلائق. 
    • تصل أصواتهم إلى أنحاء الأرض. 
    • لأن الناس يخرجون مِن القبور لا يدرون أين يتوجَّهون. 

قليل من أهل النور الذين يضيئ لهم النور، وتأتي لهم الملائكة بالنجائب تَحمِلهم عليها إلى ظل العرش، ولكن عامة الذين يُحشَرون لا يدري أين يَذهَب، فيدعوهم إلى هنا، إلى أرض المَحشَر -يستمعون الداعي- الداعي هو وجه الله: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ) [طه:108].

 قال: 

  • (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ (6))، إلى أمرٍ فظيع هائل مُستَنكَر، لأنهم لا يعرفونه، ولِاعَظمته، ولعَظَمَة ما فيه. 
  • (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ) لِفظاعتِه وهَوله؛ مُستَنكَر.

 

تفسير قوله تعالى: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7))

 (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) وقرأ بعضهم: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ)، أي ظاهرة الذِّلة والخوف على أبصارهم؛ لأن القَلقَ والخوف والذِّلة إذا حلَّت في القلب برزت على العين، لهذا قال الله: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ)، أو (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ)، يعني (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) [القلم:43]، كما قال في الآية الأخرى وقال: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) [النازعات:8-9]، هؤلاء ظاهِر عليهم؛ منهم الذي كان وراءه جيوش، والذي كان رئيس دولة، والذي كان مَذهول، على عينيه أثر الذِلَّة والخوف والقلق؛ (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ).

  • (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ) جَمعُ جَدث وهي القبور، الجَدَث: القبر. 
  • (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ) مَن كان قُبِر منهم. 

(كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) ترى الجَراد إذا أَقبَل بِكَثرَته يملأ الجو أمامك والأُفق، والناس يخرجون هكذا، ألوف وملايين من القبور (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) و(كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) [القارعة:4]. 

(يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ)، (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) كما قال، (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7)) مُبتَث، مُتَفَرِّق، (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) يعني يَعُم الأماكن، وكذلك هُم في كثرتهم، وتَحصل الزحمة.

 

تفسير قوله تعالى: (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8))

(مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)، يعني مُصغين مُنصِتين، مُنطَلِقين نحوه، مسرعين إليه: إلى هنا يمشي، وفيهم مَن تمشي وراءهم نار تسوقهم إلى أرض المَحشر، "تَقيل معهم حيث يَقيلون، وتظل حيث يظلون، وتَبيت معهم حيث يَبيتون، تَسوقهم إلى أرض المحشر". 

ويَجعَل الله على كوكب الأرض هذا بعد أن يَمُدَّه، وبعد أن تتفجَّر بحاره، وتمتدُ الأرض (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) [الإنشقاق:3]، وسُجِّرَت البحار وانفجرت، وتساوت الأرضُ بعد ذلك، بعد أن تُقَلَّع منها الجبال وتُدَك دَكًا بها، فتصير (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:106-107]: فَمِن مَوضِعِ بيت المَقدِس وما حواليه مِن فلسطين يبقى ارتكازُ المَحشر، فإلى هناك يُدعَون، وسيدنا إسرافيل على الصخرة ومعه المَلائكة الذين يأمرهم الله بدعوة الناس عند حشرهم ليَتَجمعوا.

فهم يخرجون (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) هؤلاء الذين يُسَمُّونك ساحر، والذين يكذِّبونك سيصيرون هكذا في ذاك اليوم، (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)، مُصغين بأسماعهم إليه، مُنقادين نحوه ومُنطَلقين نحوه -مُسرعين إليه- (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)، (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ) لا يتحرك كذا ولا كذا، يمشي وراء الصوت (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) [طه:108].

(مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ) -بأصناف أهل الكُفر- (هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) صعب شديد، (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) [الفرقان:26] -الله أكبر!- غير يسير -والعياذ بالله تعالى- على كُل مَن كَفَر.

(يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8))، ومعناه: أن المؤمنين في حالٍ غير هذا الحال، وشعور غير هذا الشعور.. 

  • وتُأمِّنهُم الملائكة وتُبشِّرهم وتُطمئنهم: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30]. 
  • وتتلقَّاهم الملائكة: (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا)  -أي عن النار- (مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:103-101].

لكن الكافرين يقولون: 

  • (هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) هذا يوم الجَزاء، هذا يوم الحِساب، هذا يوم المُؤاخذة، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التحريم:7]. 
  • هذا يوم المُناقشة، هذا يوم تَلقِّي النتيجة للأعمال الماضية في عالم الدنيا. 

(يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) صعب شديد. اللهم اجعلنا مِن الآمنين في ذاك اليوم، آمِنّا مِن عذابك يوم تبعث عبادك.

(يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)) فمُختلف الكافرين يَعسُر عليهم ذاك اليوم ويَصعُب لشدَّة ما يُلاقون: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) [المطففين:15-17].

(يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) فالمُؤمن بيقينه وعَقله، يَرثى حال هؤلاء الكافرين، سواءً المَتعوبين منهم وكلَّهم متعوب، لكن المَتعوبين بمظاهر القِلَّة في المال أو الأمراض وغير ذلك، أو المُتآمرين وصنَّاع القرار على قولهم، إذا مصيرهم هذا فَيُرثى لهم، فهو أبعد عن أن يغتر بشيء مِن أحوالهم وشؤونهم، وهو يوقِن أن مصيرهم أن يقولوا: (هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ)، فيتمنَّى أن يَفقَهوا ويُنقِذوا أنفسهم مِن الهول الشديد والعذاب الذي هم مُقبلون عليه، ولكن الأمر لله: 

  • (لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) [الرعد:31]. 
  • (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [يونس:99]. 
  • فهذا مصير الكُفار: (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ).

إذًا..

  • (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ) [آل عمران:196] لا يُفيدُهُم ما وَجدوا مِن أجهزة، لا يُفيدُهُم ما وَجَدوا مِن أسلحة، لا يُفيدهم ما حصلوا مِن المَتاع، ماذا يفيدهم؟ 
  • (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:205-207]؟ 

فَشأنهم خطير، والحمد لله على نعمة الإسلام، فإن المسلم إن عاش غنيًا أو فقيرًا، إن عاش مريضًا أو صحيحًا، فإن مصيره إلى النعيم المؤبَّد، وإلى النجاة مِن حر نار السعير، الحمد لله على نعمة الإسلام، اللهم ثبِّتنا عليها.

 

تفسير قوله تعالى: (۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9))

يقول الله، وهذه حِكمَتنا في تَسيير هؤلاء المُكَلَّفين، وأكثرهم لا يؤمنون: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف:103]، (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف:105-106] ما هذا؟ لأنه هَيّأ للنار مِلئَها مِن المُعاندين والمُكذِّبين ومُّتَبِعي الشهوات، لهذا كانوا كثير -والعياذ بالله تعالى- 

قال الله لنبيه محمد: (۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)، وهؤلاء الجماعة الذين عندك ليسوا أول مَن كَذَّب و كَفَر بالأنبياء، جاء الأنبياء مِن قبلك وكُذِّبوا: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا  ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ  ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:37].

(۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) ولم يزل في ذاك العهد والوقت، أعمار الناس طويلة، ويُعَمِّرون مئات السنين، وتصل إلى الألف وتزيد على الألف، الواحد منهم يُعمَّر، ولكن ذهبوا وما أغنت عنهم أعمارهم الطويلة شيء، فخاب الكفار منهم والفجار -وإن تَعَمَّر-

 قال الله في هؤلاء مِن المشركين واليهود في أمة النبي محمد: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ)، قال الله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) ولو عُمِّر، من الذي ينجيه من النار؟ من الذي يُنَجيه مِن المصير الهائل القبيح هذا الذي ينتظره؟ ماذا يُفيده أن يُعَمَّر (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ والله بصير بما يَعْمَلُونَ) [البقرة:96] هو يود أن يُعَمَّر ألف سنة، وماذا يفيده هذا؟! بارك يا رب في أعمارنا، واجعلها عُدَّة لنا للنجاة يوم القيامة، والفوز بالدرجات العلى.

(۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) وفي هذا ثناء كبير من الله على النبي نوح: 

  • (عَبْدَنَا) العبد الذي اصطفيناه لنا و حررناه من العبودية للنفس والهوى و للشهوات والكائنات كلها. 
  • (عَبْدَنَا) فإضافة إلى ذاته الشريفة بنون العَظمة (عَبْدَنَا). 

 (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)  يعني نوح عليه السلام، فهنيئاً للنبي نوح الذي هو من أولي العزم من الرسل 

  • (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) وما اكتفوا بالتكذيب. 
  • (وَقَالُوا مَجْنُونٌ)، وما اكتفوا بالسب. 
  • (وَازْدُجِرَ) أوذي وهُدِد: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) [الشعراء116]. 

فهددوه فوق ما آذوه، وفوق سَبّوه: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ)، أي جنون في نوح لمّا يَدعوهم لعبادة الله؟! وفي هذا ظُلم النفس البشرية، إذا أحد خاطبهم ولو بحق صِرف، لكن أنفسهم لا تحبه؛ يقولون: مجنون، والجنون دائر على ما تَكرَهُه نفوسكم أنتم؟! الذي تكرهه أنفسكم هو يُرجع جنون أو كيف؟! ما ميزان العقل والجنون عندكم؟ يُسمَّونه مجنون!

أعقَلهم وأحلَمهم وأحكَمهم وأحسنهم خُلق، قالوا: مجنون! كيف هذا؟ 

  • (سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) [الصافات:79]. 
  • (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9))
  • هُدِّد وأوذي: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) [الشعراء:116] سنرجمك، سنقتلك.

(وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) يتغطّون منه، هكذا، (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) [نوح:7-10]. ولكنهم لم يُجيبوا، حتى أوحي إليه: (أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ) [هود:36]؛ فدعا عليهم: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26] فأَهلكهم.

 لكن صبر مدة كم؟ يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؟ شهر أو شهرين؟ سنة أو سنتين؟ 

تسع مئة وخمسين سنة، وهو يدعو صابرا، فقل لمن أراد أن يدعو إلى الله -وكلَّم واحد كم دقائق ولا استجاب له، قال:لا فائدة منهم هؤلاء!- كم سنين لك تَبذل الوسِع في الدعوة؟ هذا (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) [العنكبوت:14] ترى صبر، كيف؟ وما دعا عليهم إلا بعد ما أوحى الله إليه أنهم لن يؤمنوا: (وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ) [هود:36]، هؤلاء نحو الثمانين نفر، هؤلاء حظك مِن الأمة هذه كلها، وباقي الألوف لا أحد منهم سيؤمن، فقال لربه: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح:27].

 

تفسير قوله تعالى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10))

(فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ) هذا مَلجأه، وهذه عُدَّته، معه الربّ (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ) مُؤذَّى مِن قِبل هؤلاء، مقهور مِن سوء مُقابلتهم وعدم استجابتهم وتهديدهم وعنادهم، (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ)، فانتصر لدينك ولتوحيدك وللإيمان بك ولشريعتك، انتصر يارب، أما هؤلاء مُهَدِّدينا بالقتل، وأعدادهم كبيرة، وليس معي مِن المؤمنين مَن يُقابِلهم مِن حيث العدد والعدّة، (فَانتَصِرْ).

(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10))، قال الله في النتائج لهذا الصبر والتضحية، ولهذا الذي كُفِرَ -أي جُحِد به- وهو نعمة مِن الله ساقها إليهم يُسعِدهم ويُنَجِّيهم مِن النار، ويُهيِّئهم للجنة، قالوا: 

  • (مَجْنُونٌ..(9)) و ازدجروه وهددوه وآذوه. 
  • وفوق تكذيبهم به (كُفِرَ..(14)) مسكين، (كُفِرَ) جُحِد. 

كما قال الله عن نبينا، في المشركين حواليه: (۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) [ابراهيم:28]، وهذا سيدنا نوح هكذا (كُفِرَ..(14)) وصَبَر.

 

تفسير قوله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)) 

 قال أنظر للنتائج: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11)) غزير صبَّاب يَسكُب بقوَّة، (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) ينزل من السماء؛ تمطر، وتفجرت الأرض عيون؛ ماء من الأرض ينبع، وماء من السماء ينزل (فَالْتَقَى الْمَاءُ) ماء الأرض وماء السماء (عَلَىٰ أَمْرٍ) في الكمِّية والكيفيَّة (قَدْ قُدِرَ)، قد سَطَّرناه بإرادتنا مضبوطًا مُحددًا في عِلمنا الأزلي، وفي أُم الكتاب واللوح المحفوظ، فإنه لا يحصل شيء في العالم إلا على حسب ما اقتضت الإرادة وسَبَق في علم الله فهذا الذي يكون.

وهذا ماء منهمر وعيون نابعة من الأرض، قال لك: هذا أمر قده مقدَّر: كم الكمية، وكيف الكيفية، وإلى أين يصل، قد كله مُرَتَب مُقَدَّر، يمشي على نظام وخِطة بديعة من قِبل المُكوّن -جلَّ جلاله-  (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(12))، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر49] سبحان المُقَدِّر.

 

تفسير قوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13))

(وَحَمَلْنَاهُ) سيدنا نوح ومَن معه مِن المؤمنين، وكان الله قد أَمَره أن يصنع السفينة، وكان يَطلب الأخشاب، وساعده بعضهم على نقلها من مكان بعيد، حتى جَمع الخشب، فكانوا يستهزئون به، يقولون: أنظروا إلى هذا الذي يدَّعي أنه رسول مِن عند الله، صار نجار! ذهب عند الخشب يَنجُره، (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) [هود:38-39]، فكانوا يضحكون عليه، ورَتَّب هذه السفينة.

قال تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ) أي على سفينة (ذَاتِ) صاحبة (أَلْوَاحٍ) الألواح الخشب المُنبسط، (وَدُسُرٍ) ما يُشدُّ به الخشب من المسامير ويُربَط به الخشب بعضه إلى بعض، (وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) أما المَاء الهَائل هذا الذي يتحدث الله عنه، فلا الألواح ولا الدسر ستنجِّي منه، أي ألواح وأي مسامير هذه؟! 

 

تفسير قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14))

(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا (12)) لكن أنظروا، قَدَّمه بمقدِّمة، وختمهُ بخاتمة؛

  • المُقدِّمة قال: (وَحَمَلْنَاهُ)، رأيت مَن الحامِل؟ الآن ليست السفينة، الألواح هي إقامة سبب، فقط صورة، لكن هو الله الذي حمله، قال: (وَحَمَلْنَاهُ)، ينتفي عندك التعجب. 
  • وختمه بخاتمة، قال: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) فالسفينة هذه تجري وتمشي بعنايتنا ورِعايتنا ورِضانا ومحبَّتنا وتسييرنا الخاص لها، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) الله أكبر!. 

لهذا لا تقول كيف نجا؟ هو الذي حَمَلَه، وتَجْرِي السفينة بعين ربّه، الله! لا بهواء، ولا بِشراع، ولا بمكينة، وماذا ينفع؟ الهواء والمكائن كلها التي في عصرنا والتي قبل، أمام هذا الماء؟ كلما جاء فيضان في شيء مِن الدول الكبرى المُتقدِّمة تَعِبوا، ويَخرج رئيسهم ينظر على محل مهدَّم -ومكائنك لم تعمل شيء والتكنولوجيا ما دافعت!- فكيف بماء منهمر، أبواب السماء والأرض تتفجَّر عيوناً؟ لا مكائن ولا شيء سيقوم أمام هذا ولا أجهزة، لكن قال: (وَحَمَلْنَاهُ) و (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) انتهت المسألة. 

(وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14))..

قال: 

  • هذا الذي جُحد به، وأوذي فينا ومِن أجلنا، وصَبَر وتحمل؛ جازيناه.
  • و لم نُبقِ على ظهر الأرض مِن بني آدم إلا هو ومَن معه في السفينة، وأهلكنا جميع الذين كَذَّبوه.
  • ورفعنا قدره، وجعلناه الأب الثاني للبشر، فكل المَوجودون مِن بني آدم مِن ذرية مَن كان في السفينة مع نوح. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15))

(تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً) هذه الفَعلة وهذه الواقعة وتلك السفينة تركناها آية، عَلامة لِعَظمتنا وجلالنا، وأن الخَلق خَلقنا، والمُلك مُلكنا، والأمر أمرنا، وأن العباد مقهورون تحت حُكمنا، ولا يفيدهم إلا أن يؤمنوا بنا، ويخضعوا لجلالنا (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً)، علامة واضحة على عظمة الإله، وعلى ضَعف الخَلق ومرجِعهم إليه، (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) هل مِن مُعتبِر؟ هل مِن مُتَبَصِر؟ هل مِن مُتنوِّر؟ هل مِن طالب لفهم الحقيقة ووعيها؟ يُنقِذ نفسه من الشرِّ وموجبات الهلاك؟ (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15)).

اللهم اجعلنا مِن المُدَّكِرين، اجعلنا مِن المُعتَبِرين، صلِّ على نبيك محمد والنبي نوح، واجمعنا بهم في دار الكرامة يا أكرم الأكرمين، يا قدوس يا سبوح، أعذنا من التكذيب والعِناد، والمعصية والفساد، وارزقنا التقوى والطاعة والبِر والهدى والرشاد والسداد، وأسعدنا في الدنيا وفي المَعاد، ووفَّر حظنا من خيراتك الواسعة في كل خافٍ وكل بادٍ، يا أجود الأجواد، يا رب العباد، يا حي ياقيوم يا أكرم الأكرمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

20 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

21 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام