(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ }، الآية: 44، إلى آخر السورة الكريمة.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))
الحمدُ للهِ مُكرِمُنا بالقرآنِ والتنزيل، وبيانهِ على لسانِ عبدهِ المجتبى المصطفى، محمدٍ ذي القدرِ الجليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المُصطفى، أكرمِ الخلق في النيةِ والمقصدِ والفعلِ والقيل، وعلى آلهِ وصحبهِ خير جيل، وعلى من وآلاهم فيك واتَّبعهم بإحسان إلى يومِ الهولِ الُمهيل، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين معدِنِ التكريمِ والتفضيلِ والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المُقرَّبين وجميعِ عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
و بعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44))
فإنَّنا في نِعمةِ ما أوتينا من شهرٍ نتدبَّرُ فيه آيات كلام ربّنا -جلَّ جلاله-، وتعليمهُ وإرشادهُ وخطابهُ وتوجيههُ وتنبيههُ وتذكيرهُ وأنبائهُ، والقصص التي يقُصُّ علينا، انتهينا إلى أواخرِ سورةِ الطور، ومررنا على قولهِ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا) قِطع سحاب؛ الكِسْف والكِسَفَ جمع كِسْفة وهي القطعة، الكِسْفةُ: قطعة، والكِسَف جمع.
(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)).
يُبيِّن الحقُّ -جلَّ جلاله- عجائب سابق الإرادة في هؤلاء الخلقِ، مع ما أوتوا من عقلٍ وسمعٍ وبصرٍ واختيار، فإنهم بأسماعهم وأبصارهم وما أوتوا من اختيارٍ وإرادة؛ يتصاممون ويتعامون عن كثير من الحقِ الواضِح، والبُرهان الجلي، والدليل القاطِع، إيثارًا لأهواء وأنفس وشهوات، (فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الاحقاف:26].
وأهل هذا العناد المُترسِّخ فيهم الكِبر، القوي في بواطنهم؛ لا تنفعهم كثرةُ الأدلة، ولا وضوحها، ولا جلاؤها، ولا وضوح البراهين الساطِعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فبذلك يحقُ عليهم الوعيد، ويتعرَّضون للخزي والعذاب الشديد.
فهم يتعاملون هكذا حتى في عِنادهم، لو رأوا قطع السحاب فوقهم؛ لتسقط عليهم لقالوا: تراكمت هكذا فقط من أجل أن يجيئنا المطر، كما استشهدنا بقوم نبي الله هود، عاد الكفار منهم:
يقولون هذا ليس معاينة ولا مشاهدة؛ هذا سحر، فنحن مسحورون. -باب انفتح و طلعوا فيه ورجعوا-، ويقولون: لا، أنت سحرتنا، لا طلعنا ولا شيء باب ولا شيء، أنت تقول كذا، (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ)! فماذا يُعمل لهم؟ لا يفيد فيهم شيء، وهكذا أهلُ العِناد والزيغ والفساد، لا تُفيدهم كثرة الأدلَّة، ولا يفيدهم وضوحها، ولا كثرة الكلام الممل.
لهذا اشتغل العقلاء:
وإلا تحوَّلت الدنيا إلى مُهاترات ومُزعالطات ومُساخطات وسبَّات وذم وشتم وما إلى ذلك، كما يفعل كل من خرج عن الخلُقِ القويم، يعيشُ في السب والشتم والذم والكيد والكذب والتطاول على الغير، ويمر عمره كذلك.
ولكن الأصفياء والأتقياء ليسوا هكذا، قال أحد هؤلاء العوام الأغبياء لنبينا ﷺ وهو مُتوجه في هجرته إلى المدينة المنورة، رآه مع سيدنا أبي بكر وتعجّب فيه، وقال له: أنت الذي يقولون لك الصابئ؟ يقول للنبي ﷺ هكذا: أنت الذي يقول لك الصابئ؟ يعني المُخالف لدين قومه والراجِع عن دين قومه. قال: "كذلك يَزْعُمُونَ". النبي قال لهُ هكذا يزعمون. يقولون هم هكذا، فلا جادلهُ، ولاقالُ: تقول لي هكذا؟! تخاطبني هكذا؟! ولا شيء من ذلك الكلام، قال له: كذلك يزعمون -هم يقولون هكذا-، ومشى في طريقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
لهذا يقول له الحق:
ثم بيّن هذه الحقيقة ﷺ، أن بني آدم كلَّما طغى الزيغ عليهم أوتوا الجدل: "ما ضَلَّ قَومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلَّا أُوتُوا الجَدْلَ".
وإنَّما المقصود من جِدال الأنبياء لقومهم:
ليس عندهم مُهاترات، ولا مُسابة، ولا مُشاتمة أبداً، لاتأتي منهم، يُسمُّونهم أقوامهم كاهن، ساحر، مجنون، لكن هم لا يقولون لهم يا كاهن، ولا يا ساحر، ولا يا مجانين، لا يقولون لهم كذا، يقولون لهم: يا قوم يا قوم يا قوم، الأمر كذا! الحُجَّة كذا!
هذا كلام الأنبياء؛ يُبيِّنون، يوضِّحون؛ لا سب ولا شتم.
ولهذا إذا رأيت شخصًا يدَّعي العلم، وإذا تخاطب مع أحد، أو رد على أحد؛ سبه و شتمه:
المؤمن لا يكون هكذا؛ فلهذا يقول سبحانه وتعالى: هؤلاء القوم لا ينفع منهم (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)) لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم..
فذهبوا هم وماعندهم:
تفسير قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45))
هذا يقول الله لحبيبه ﷺ، هؤلاء القوم بهذه الصورة: (فَذَرْهُمْ): اتركهم.
كيف؟
يؤذون ويسبَّون ويتكلَّمون ويعملون ويُقاتِلون:
فالحمدُللهِ على نعمةِ الإسلام، ويا ربِ ثبِّتنا حتى نلقاك مؤمنين مسلمين؛
ربِّ احينا شاكرين *** وتوفَّنا مسلمين
نُبعث من الآمنين *** في زمْرة ِالسابقين
ورُدَّ عنَّا كيد الكافرين، ولا تُسلِّطهم علينا يا قوي يا متين.
(فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)):
وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: "فأكونُ أول من يفيق، فأقوم فأرى موسى مُعلَّقا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أصُعِق، فكان أفاق قبلي، أو جوزي بالصعقة الأولى فكان ممن استثنى الله"..
وهذه دليل واضِح، والصعقات وغيرها ليست مُؤثرة بنفسها، الله من ورائها، إذا يريد أن يصعق هؤلاء، وهذا لا يصعق، لا يصعق. واحد مثل البشر! من الناس! يصعقون كلهم، من الناس والملائكة معهم وأهل البرزخ! وهذا لا يصعق؟! لا يصعق معهم؟! كل هذا سواء في قُدرة الله، لا شيء يعمل بنفسه.
هو الذي يتصرَّف جلَّ جلاله: لا يُصعق سيدنا موسى إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، مع أنه حتى سيدنا إسرافيل ينفخ ويرجع يُصعق بنفسه، ويموت بعد ما ينفخ، يموت بعد ذلك، لا آله الا الله. ولا أحد يفيق قبل الحبيب، إلا موسى كان من أصله فايق وما صُعق، فتعلِّق بقائمة من قوائم العرش. فلما بُعث وقام حبيب ربّ العرش يخرج إلى تحت لواء محمد ﷺ، هو ذاك محلَّه: "آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامةِ"، سبحان من خصص محمدا!
يقول: (فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ (45)). وفي قراءة: (يُصْعَقُونَ) .
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46))
ذاك اليوم:
وهكذا ينتهي كيد الكائدين؛ عند الموت، وعند الغرغرة، وينتهي ولا يفيد شيئًا مما كانوا يستعملونه من الكيد. في القيامة إذا صعقوا ثم نُفِخ فيه أخرى وقاموا، لا ينفع الكيد شيئًا؛ لا خطط، ولا برامج، ولا تكتكه، ولا محادثات سرِّية، لا شيء ينفع، حكم واحد أحد على الكل:
اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر كل ما تُحِب.
قال: (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46))، لا أحد يدفع العذاب عنهم، لا أحد يقدر يمنع: لا يمنع موتهم، ولا يمنع العذاب عنهم، لا ناصر لهم، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192]، (مَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) [فاطر:37]، لا أحد ينصرهم؛ لأنه لا ينصر إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47))
قال: (وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ).
(دُونَ ذَٰلِكَ): دون يوم الصعقة لهم عذاب، فأمَّا صعقةُ الموت، فلهم في الدنيا أنوع من العذاب: أحيانا قحط، وأحيانا جوع، وأحيانا أمراض، وأحيانا حروب، وأحيانا شدائد، وأحيانا قتل، عذاب في الدنيا قبل الآخرة، وأحزان، وهموم، وغموم، وهموم؛ لا يسلم منها أحد من الكفار في الدنيا قبل الآخرة.
(وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ) -الله الله الله الله!- (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)). وأمَّا عذابًا قبل الصعقة -النفخة الاولى في الصور-، لهم قبل ذلك عذاب القبور. حتى قال جماعة من أهل العلم والتفسير إن عذاب القبور في القرآن، و جاء بالآية: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ) قال دون الصعقة عذاب، هو عذاب القبر، اللهم اجعل قبورنا رياضًا من رياضِ الجنة.
وهذا الذي يريد يُحكِّم عقله؛ ينكر عذاب القبر؛ لأنه لا يرى شيئا -لا يشاهد-، تمامًا مثل الذي يريد أن ينكر رؤية النائم؛ لأنه لا يشاهد شيئا. إذا قال النائم إني شربت كاس كذا وسقيت كذا أو ضُربت كذا، وصاح -قام يصيح-، قال: ماذا بك، قال: ضُربت. قال: كذاَّب لا أحد ضربك أنا موجود هنا عندك، هذا في الرؤية رآها؛ لكن هو لا يرى. فأراد أن ينكر.
وجعل الله هذا عِبرة لنا في الدنيا؛ لأجل إذا حُدِّثنا عن عذاب القبر ونحوه؛ نُحكِّم العقول الفارغة، مثل النائم عندك يرى أشياء أنت لا تراها، ويحس أشياء أنت لا تحسها، حتى يصيح ويبكي ويقوم من النوم، هل ممكن أن يأتي شخص عاقِل يقول: لماذا تصيح هكذا؟ أنت مجنون؟
من الغرائب التي ذكروها:
والقبر إما روضة نعيمة نعم، وإلا حفرة جحيمة، "القَبْرُ -إمَّا- رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ".
والأعجب والأغرب في ذلك كله -ولله القدرة العظيمة- محل القبر واحد، وهو بالنسبة لمدفون فيه فلان وفلان روضة، وبالنسبة لمدفون آخر حفرة من حفر النار! في نفس الوقت، يكون نائم هنا ونائم بجنبه، وذا يرى خير وذا يرى شر، وذا يضحك وذا يبكي، ممكن، أو لا؟ ممكن. لا إله إلا الله القوي.
قال: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ):
يقول جلَّ جلاله: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)؛ مُشيرًا إلى أنه يمكن بعضهم علموا ولكن كابروا، ولكن الذي علم منهم والذي لم يعلم العذاب هو العذاب،
ولكن لا نفعهم الذين عِلموا ولا الذين لم يعلموا:
تفسير قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48))
خاطب الله حبيبه قال:
بينما كل نبي له دعوة كبيرة مُستجابة، وقد تعجل كل نبي دعوتهُ ودعا على قومه، قال: و"اختَبَأتُ دَعوتي شَفاعةً لأُمَّتي يَومَ القيامةِ"،
بدل أن يدعو على أحد مِنَّا، خبأ الدعوة ليوم القيامة يستخدمها شفاعة للأمة، ما أرحمه ﷺ! ولقوة تثبيته، أطلعه على الأسرار، ومكَّنه أن لا يستعجل بدعائه، وخاطبه: (فَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ)، (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) [مريم:84]. وقتهم سيأتي، ووقت أخذهم، ووقت عِقابهم، وحسابهم كله سيأتي. اصبر أنت: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ).
يقول: وفي كل ما حكمنا، أنت في منزلة عندنا ومكانة لدينا، فقر عينًا، وطمئن قلبك (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) لك من عنايتنا، ورعايتنا الخاصة؛ مكانة ما أنزلنا فيه غيرك، فنحن معك فاطمئن، ولا تعجل عليهم، ولا تقلق لما يقولون ولما يؤذون، فإنك المنصور والمؤيد، أنت في حمايتنا، وفي كنفنا، ولنا عليك رعاية خاصة.
(فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)..
لكن جاء عند الحبيب قال: إنك، أنت بكلك، وجاء بالجمع:
(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) فلن يضيرك أحد، ولن ينقص قدرك أحد، وهؤلاء يأخذون أيامهم المعدودة، وأوقاتهم المحدودة وينتهون. وإلينا الحُكم والمرجِع، والكل سيرجع إليك..
كلٌ سيتمنى أنه أطاعك واتبعك يا محمد.
ارزقنا طاعته واتِّباعه ومحبَّته حتى نفرح ذاك اليوم ولا نحزن ولا نندم، ولا نقول يا ليتنا، هم يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول.
وغروركم الكبير أيام كنتم في الدنيا، أين ذهب؟
مابقي شيء؛ لا عبقرية، ولا تقدُّم، ولا تكنولوجيا، ولا تطوُّر:
المُلحِد يقول كذا، والمُكابر المعاند، الفاجر اليهودي والنصراني والمجوسي، يقولون هكذا، (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) -محمد ﷺ- (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) [الفرقان:27-28]، هذه نهاية العلاقات التي بينهم، يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا!
يقول الله لحبيبه: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)، فهذا هو شأن من أحببناه واخترناه أن يكون في المسلك القويم دائمًا مُعلقا بذِكرنا وتسبيحنا وحمدِنا، يقول له:
تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))
سبِّح! الله أكبر! (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، خذ لك ساعات من الليل تشتغل بتسبيحنا لأنك المولَّع بنا، ولك من محبَّتنا ما ليس لغيرك، فنبئ أمَّتك أن هذا هو المسلك، فليربطوا أنفسهم بسرِّ التسبيح،في مسلكك المليح، ليحوزوا عطاءنا الفسيح، ويأتيهم من فضلنا بأسرار التقديس والتسبيح؛ ما لا يستطيع فِكر أن يصل إليه، ولا فيه أن يسيح، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17]. (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152].
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)):
وسمع منه الصحابة: "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". وفي رواية مرة، وفي رواية ثلاث مرات، حتى سأل بعض الصحابة:" يا رسول الله، صرت تقول ذكرا عند قيامك من المجلس ما كنا نسمعه منك؟
سُبحانَك اللَّهمَّ وبحمدِك أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ أستغفِرُك وأتوبُ إليكَ.
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ): فإنه طهَّرك ونقَّاك؛ عن المعايب تنقية ما بلغها أحد ممّن خلق، وخصَّك بمزية، فأنت أكثِر من تسبحه تعالى، وهكذا ليتبَّعك من آمن بك، فيُسبحُنا في آناء الليل؛ لنُقدِّسهم ونفيض عليهم من الطُهر الذي طهَّرناك به نصيبًا، فنخلصهم من سيئاتهم، ومن معايبهم ومن قبيحِ صفاتهم، فننقِّيهم بتسبيحنا. الله أكبر!
يقولُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)؛ لتراك أمتك من بعدك، فيتَّخِذوا برامج صالحة في الاقتداء بك، ويكون لهم ساعات من الليل يُسبِّحوني فيها. وبذا وجدتَ خيار الأمة على مدى القرون، مُرتِّبين أنفسهم، والأكثر منهم في آخر الليل في المساجد وفي الخلوات؛ تسبيح انفراد وجماعات، وأنواع من الذكر.
وقيل المراد بالتسبيح عُموم الصلاة والقيام، كما قال في الآية الأخرى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79].
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، وهكذا صار المسلمون، ثم جاءت مُزاحمات لهذا البرنامج الإلهي وقالوا: سهرة الليلة! برنامج السهرة لهذه الليلة! ولا تسبيح! ولا بحمد ربنا! ولا بشيء، كلام فارغ ومضت أوقاتهم هكذا، ولا سبَّحوا أول الليل ولا وسطه ولا آخره..
يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه:
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)):
لهذا..
و"رَكعَتا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها" يقول ﷺ:
(وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))، عندما تدبر النجوم بطلوع الفجر سبِّحني، صلِّ ركعتين ثم تأتي الفريضة، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)..
فما أحسن من توزيعِ الأوقات على الطاعات، وما أحسنَ اشتغال القلبِ بذكرِ الله..
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، واجعل من قِرى رمضان عونًا منك لنا وتوفيقًا في باقي أعمارنا لكثرة الذكر، ولحسن الشكرِ، ولحسنِ العبادة، يا الله، برحمتك ياأرحم الراحمين.
آخر يوم في شهر رمضان من هذا العام، فما بقي إلا ساعات معدودة ويرحلُ الشهر الكريم، الليلة الماضية تُسمَّى ليلة العتق، ليلة الثلاثين من رمضان تُسمَّى ليلة العتق؛ لأنه يعتق فيها هوَل، يعتق فيها من خلق الله مثل ما أعتق الله من أول شهر إلى آخره، تسعة وعشرين مليون عتق من النار! الله أكبر. الحمد لله، جعلنا في المُعتقين ورقَّانا في مراقي العِتق.
والآن الحسنة تُضاعف إلى السبعين، إلى الألف إلى غروب الشمس، فالليلة المُقبلة تسمى ليلة الجائزة. تمضي ليلة العتق وتاتي ليلة الجائزة؛ لأن الله يعطيهم جوائزهم في ليلة العيد، يوم العيد، يقول للملائكة: "ما جزاء الأجير إذا عمل عمله -إذا وفى عمله وأكمل عمله-؟ يقولون: جزاؤه أن يُوفَّى أجره. يقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم".
ليلة الجائزة مُقبلة علينا وعليكم إن شاء الله خاتمة حسنة لرمضان، اشحنه بالنيات، الذي ستعمله من الصالحات في دخول هذا العام. انوه من الآن حتى تحصل ثواب نية رمضان، النية في رمضان نعم في ايّ وقت ، لكن النية قد صدرت في رمضان، أنواع من فعل الخير في شوال والقعدة والحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع ثاني:
واجعل النيات تطلع في رمضان، وتقع خاتمة حسنة لآخر رمضان ويمدَّك الله بالتوفيق.
ومن فتح على نفسه باب نية حسنة فتح الله له سبعين بابا من أبواب التوفيق.
يالله بالتوفيق، نظر الله علينا وعليكم، وكرمنا الله وإياكم.
يا ليت الشهر لا ينقضي! يا ليت الشهر يدوم! ولله الأمر من قبل ومن بعد. اجعلنا من الرابحين فيه الفائزين فيه، وأعدنا إلى أمثاله.
اللهم لا تجعلهُ آخر العهد مِنَّا، ولا من هذا الشهر الكريم، وأعدنا إلى أمثاله في صلاح أحوالنا والمسلمين، وفي صلاح يمننا وشامنا وشرقنا وغربِنا، وتعجيل الفرج، ورفع الضيق والحرج، ورفع سلطة أعدائك من إبليس وجنده من أهل الإنس والجن عن قلوبنا وعن قلوب أهل لا إله إلا الله، وأهل الإسلام في المشارق والمغارب، يا قوي يا متين. واجعل هوانا تبعا لِمَا جاء به حبيبك الأمين، في خير ولطف وعافية وتمكين مكين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 شوّال 1443