تفسير سورة الطور - 5 - تتمة السورة

تفسير سورة الطور، من قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ }، الآية: 44
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ }، الآية: 44، إلى آخر السورة الكريمة. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • طبيعة المعاندين: عناد المكذبين ومصيرهم المحتوم في الدنيا والبرزخ والآخرة.
  • أدب الدعوة: الاقتداء بأخلاق الأنبياء، وتجنب الجدال العقيم والسباب.
  • المكانة النبوية: العناية الإلهية بالنبي ﷺ ورحمته بأمته وادخار شفاعته لهم.
  • فضل الذكر: أهمية التسبيح في مختلف الأحوال وفي آناء الليل وسنة الفجر.
  • ختام رمضان: استغلال ليلة الجائزة وعقد النوايا الصالحة لما بعد رمضان.

نص الدرس:

الحمدُ للهِ مُكرِمُنا بالقرآنِ والتنزيل، وبيانهِ على لسانِ عبدهِ المجتبى المصطفى، محمدٍ ذي القدرِ الجليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المُصطفى، أكرمِ الخلق في النيةِ والمقصدِ والفعلِ والقيل، وعلى آلهِ وصحبهِ خير جيل، وعلى من وآلاهم فيك واتَّبعهم بإحسان إلى يومِ الهولِ الُمهيل، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين معدِنِ التكريمِ والتفضيلِ والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المُقرَّبين وجميعِ عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

و بعدُ،،،

 تفسير قوله تعالى: (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44))

 فإنَّنا في نِعمةِ ما أوتينا من شهرٍ نتدبَّرُ فيه آيات كلام ربّنا -جلَّ جلاله-، وتعليمهُ وإرشادهُ وخطابهُ وتوجيههُ وتنبيههُ وتذكيرهُ وأنبائهُ، والقصص التي يقُصُّ علينا، انتهينا إلى أواخرِ سورةِ الطور، ومررنا على قولهِ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا) قِطع سحاب؛ الكِسْف والكِسَفَ جمع كِسْفة وهي القطعة، الكِسْفةُ: قطعة، والكِسَف جمع. 

(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)).

يُبيِّن الحقُّ -جلَّ جلاله- عجائب سابق الإرادة في هؤلاء الخلقِ، مع ما أوتوا من عقلٍ وسمعٍ وبصرٍ واختيار، فإنهم بأسماعهم وأبصارهم وما أوتوا من اختيارٍ وإرادة؛ يتصاممون ويتعامون عن كثير من الحقِ الواضِح، والبُرهان الجلي، والدليل القاطِع، إيثارًا لأهواء وأنفس وشهوات، (فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الاحقاف:26].

وأهل هذا العناد المُترسِّخ فيهم الكِبر، القوي في بواطنهم؛ لا تنفعهم كثرةُ الأدلة، ولا وضوحها، ولا جلاؤها، ولا وضوح البراهين الساطِعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فبذلك يحقُ عليهم الوعيد، ويتعرَّضون للخزي والعذاب الشديد.

فهم يتعاملون هكذا حتى في عِنادهم، لو رأوا قطع السحاب فوقهم؛ لتسقط عليهم لقالوا: تراكمت هكذا فقط من أجل أن يجيئنا المطر، كما استشهدنا بقوم نبي الله هود، عاد الكفار منهم: 

  • (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الأحقاف:24]، (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا) [الأعراف:146].
  • (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) [الحجر:14-15]. 

يقولون هذا ليس معاينة ولا مشاهدة؛ هذا سحر، فنحن مسحورون. -باب انفتح و طلعوا فيه ورجعوا-، ويقولون: لا، أنت سحرتنا، لا طلعنا ولا شيء باب ولا شيء، أنت تقول كذا، (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ)! فماذا يُعمل لهم؟ لا يفيد فيهم شيء، وهكذا أهلُ العِناد والزيغ والفساد، لا تُفيدهم كثرة الأدلَّة، ولا يفيدهم وضوحها، ولا كثرة الكلام الممل.

لهذا اشتغل العقلاء: 

  • بإيضاح الحُجَّة، وإقامة المحجَّة. 
  • و بعدوا عن الجدال العقيم. 
  • وكثرة المُخاطبات لكل ذي قلب سقيم. 
  • واشتغلوا بما ينفعهم، وبما هو أعود عليهم وعلى الناس. 

وإلا تحوَّلت الدنيا إلى مُهاترات ومُزعالطات ومُساخطات وسبَّات وذم وشتم وما إلى ذلك، كما يفعل كل من خرج عن الخلُقِ القويم، يعيشُ في السب والشتم والذم والكيد والكذب والتطاول على الغير، ويمر عمره كذلك. 

ولكن الأصفياء والأتقياء ليسوا هكذا، قال أحد هؤلاء العوام الأغبياء لنبينا ﷺ وهو مُتوجه في هجرته إلى المدينة المنورة، رآه مع سيدنا أبي بكر وتعجّب فيه، وقال له: أنت الذي يقولون لك الصابئ؟ يقول للنبي ﷺ هكذا: أنت الذي يقول لك الصابئ؟ يعني المُخالف لدين قومه والراجِع عن دين قومه. قال: "كذلك يَزْعُمُونَ". النبي قال لهُ هكذا يزعمون. يقولون هم هكذا، فلا جادلهُ، ولاقالُ: تقول لي هكذا؟! تخاطبني هكذا؟! ولا شيء من ذلك الكلام، قال له: كذلك يزعمون -هم يقولون هكذا-، ومشى في طريقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

لهذا يقول له الحق: 

  • (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125]. 
  • (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت:46]. 

ثم بيّن هذه الحقيقة ﷺ، أن بني آدم كلَّما طغى الزيغ عليهم أوتوا الجدل: "ما ضَلَّ قَومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلَّا أُوتُوا الجَدْلَ". 

وإنَّما المقصود من جِدال الأنبياء لقومهم: 

  • إلا إقامة الحُجَّة، والدليل. 
  • والحِرص البالغ لهدايتهم. 
  • والرحمة بهم فقط. 

ليس عندهم مُهاترات، ولا مُسابة، ولا مُشاتمة أبداً، لاتأتي منهم، يُسمُّونهم أقوامهم كاهن، ساحر، مجنون، لكن هم لا يقولون لهم يا كاهن، ولا يا ساحر، ولا يا مجانين، لا يقولون لهم كذا، يقولون لهم: يا قوم يا قوم يا قوم، الأمر كذا! الحُجَّة كذا! 

  • قالوا للنبي نوح عليه السلام: 
    • (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، فقال: (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)، قال: ياقوم. لم يقل: ياضُلَّال. 
    • (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف:60-61]. 
  • قالوا للنبي هود: 
    • (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، يقول للنبي كذا! والجواب ليس ياسفهاء، يامجانين ماقال هكذا. 
    • قال: (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً) [الأعراف:66-68]. 

هذا كلام الأنبياء؛ يُبيِّنون، يوضِّحون؛ لا سب ولا شتم.

ولهذا إذا رأيت شخصًا يدَّعي العلم، وإذا تخاطب مع أحد، أو رد على أحد؛ سبه و شتمه: 

  • إعلم أنه ليس لديه حقيقة علم هذا؛ فيه لؤم، عنده لؤم، بعضهم لؤماء و يتسمَّون بعلماء.
  • هذا ليس عنده علم، لو عنده علم سيقتدي بالنبي، سيقتدي بالعلماء العاملين بعلمهم: 
    • "ليس بسبَّاب ولا بصخَّاب في الأسواق". 
    • بل قال عن عمومهم: "ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البذيءِ".

المؤمن لا يكون هكذا؛ فلهذا يقول سبحانه وتعالى: هؤلاء القوم لا ينفع منهم (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)) لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.. 

  • (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [الأنعام:111]، لا حول ولا قوة الا بالله.
  • يقول سبحانه وتعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) [المائدة:49]، لم يسمعوا الكلام وعاندوا وتولوا، قال الله؛ أراد يصيبهم ببعض ذنوبهم -والعياذ بالله تعالى-. 

فذهبوا هم وماعندهم: 

  • قال الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)؛ هذا حال الكفار والفجار. 
  • يقول سبحانه وتعالى: (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر:83-85].

 

  تفسير قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45))

 هذا يقول الله لحبيبه ﷺ، هؤلاء القوم بهذه الصورة: (فَذَرْهُمْ): اتركهم. 

كيف؟ 

  • يعني استقم على ما أمرناك به من إقامة الحجة، ودعوة لله، ولا تستعجل لهم. 
  • فإن لهم يوم يأتي، وحُكم مقبل، فأوجدناهم لحِكمةٍ مِنَّا. 

يؤذون ويسبَّون ويتكلَّمون ويعملون ويُقاتِلون:

  • وكل ذلك لا يغير من الإرادةٍ الأزلية الإلهية السابقة شيئًا. 
  • ولكن يزدادون بهِ إثمًا إلى إثمهم: 
    • (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55-56]. 
    • (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران:178]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فالحمدُللهِ على نعمةِ الإسلام، ويا ربِ ثبِّتنا حتى نلقاك مؤمنين مسلمين؛ 

ربِّ احينا شاكرين *** وتوفَّنا مسلمين

نُبعث من الآمنين *** في زمْرة ِالسابقين

 ورُدَّ عنَّا كيد الكافرين، ولا تُسلِّطهم علينا يا قوي يا متين.

(فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45))

  • يوم الصعقة، فالصعقة بالموت أولاً، ثم بالنفخة الأولى في الصور، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) [الزمر:68]. 
  • وهذه الصعقة تعمُّ أهل الدنيا، وأهل البرزخ، وأهل الأرض، وأهل السماء، كُّلٌ يَصّعق. 

وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: "فأكونُ أول من يفيق، فأقوم فأرى موسى مُعلَّقا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أصُعِق، فكان أفاق قبلي، أو جوزي بالصعقة الأولى فكان ممن استثنى الله".. 

  • (فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ) [الزمر:68]، منهم موسى هذا، لا يصعق. 
  • لأنه قد وقعت له صعقة: (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:143]، هذه هي، فليس له صعقة بعد ذلك. 

وهذه دليل واضِح، والصعقات وغيرها ليست مُؤثرة بنفسها، الله من ورائها، إذا يريد أن يصعق هؤلاء، وهذا لا يصعق، لا يصعق. واحد مثل البشر! من الناس! يصعقون كلهم، من الناس والملائكة معهم وأهل البرزخ! وهذا لا يصعق؟! لا يصعق معهم؟! كل هذا سواء في قُدرة الله، لا شيء يعمل بنفسه. 

هو الذي يتصرَّف جلَّ جلاله: لا يُصعق سيدنا موسى إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، مع أنه حتى سيدنا إسرافيل ينفخ ويرجع يُصعق بنفسه، ويموت بعد ما ينفخ، يموت بعد ذلك، لا آله الا الله. ولا أحد يفيق قبل الحبيب، إلا موسى كان من أصله فايق وما صُعق، فتعلِّق بقائمة من قوائم العرش. فلما بُعث وقام حبيب ربّ العرش يخرج إلى تحت لواء محمد ﷺ، هو ذاك محلَّه: "آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامةِ"، سبحان من خصص محمدا!

يقول: (فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ (45)). وفي قراءة: (يُصْعَقُونَ) .

 

 تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46))

ذاك اليوم: 

  • (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)؛ لا عند الموت، يدفع الموت عنهم شيء من الكيد ولا أحد. 
  • (لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)، وكل ما عملوا من الكيد، وكبارهم في بدر كانوا عاملين الخطط لقتل النبي محمد، ويُريدون بأي طريقة الوصول إلى قتله، وكادوا كيدًا؛ (لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) وقُتِلوا هم. 

وهكذا ينتهي كيد الكائدين؛ عند الموت، وعند الغرغرة، وينتهي ولا يفيد شيئًا مما كانوا يستعملونه من الكيد. في القيامة إذا صعقوا ثم نُفِخ فيه أخرى وقاموا، لا ينفع الكيد شيئًا؛ لا خطط، ولا برامج، ولا تكتكه، ولا محادثات سرِّية، لا شيء ينفع، حكم واحد أحد على الكل: 

  • وكل شيء بارز، (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) [غافر:16]. 
  • ويقول سبحانه وتعالى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18]. 
  • (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) جُمِع وبُرِز مافي الصدر- ( إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) [العاديات:9-11]. 

اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر كل ما تُحِب.

قال: (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46))، لا أحد يدفع العذاب عنهم، لا أحد يقدر يمنع: لا يمنع موتهم، ولا يمنع العذاب عنهم، لا ناصر لهم، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192]، (مَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) [فاطر:37]، لا أحد ينصرهم؛ لأنه لا ينصر إلا الله. 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47))

قال: (وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ)

(دُونَ ذَٰلِكَ): دون يوم الصعقة لهم عذاب، فأمَّا صعقةُ الموت، فلهم في الدنيا أنوع من العذاب: أحيانا قحط، وأحيانا جوع، وأحيانا أمراض، وأحيانا حروب، وأحيانا شدائد، وأحيانا قتل، عذاب في الدنيا قبل الآخرة، وأحزان، وهموم، وغموم، وهموم؛ لا يسلم منها أحد من الكفار في الدنيا قبل الآخرة.

 (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ) -الله الله الله الله!- (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)). وأمَّا عذابًا قبل الصعقة -النفخة الاولى في الصور-، لهم قبل ذلك عذاب القبور. حتى قال جماعة من أهل العلم والتفسير إن عذاب القبور في القرآن، و جاء بالآية: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ) قال دون الصعقة عذاب، هو عذاب القبر، اللهم اجعل قبورنا رياضًا من رياضِ الجنة. 

وهذا الذي يريد يُحكِّم عقله؛ ينكر عذاب القبر؛ لأنه لا يرى شيئا -لا يشاهد-، تمامًا مثل الذي يريد أن ينكر رؤية النائم؛ لأنه لا يشاهد شيئا. إذا قال النائم إني شربت كاس كذا وسقيت كذا أو ضُربت كذا، وصاح -قام يصيح-، قال: ماذا بك، قال: ضُربت. قال: كذاَّب لا أحد ضربك أنا موجود هنا عندك، هذا في الرؤية رآها؛ لكن هو لا يرى. فأراد أن ينكر.

وجعل الله هذا عِبرة لنا في الدنيا؛ لأجل إذا حُدِّثنا عن عذاب القبر ونحوه؛ نُحكِّم العقول الفارغة، مثل النائم عندك يرى أشياء أنت لا تراها، ويحس أشياء أنت لا تحسها، حتى يصيح ويبكي ويقوم من النوم، هل ممكن أن يأتي شخص عاقِل يقول: لماذا تصيح هكذا؟ أنت مجنون؟ 

  • ويقول: أنا رأيتك،هكذا أبداً أنا هنا جالس جنبك ولا رأيت شيء. لا يكون في العالم إلا ما تراه أنت؟! هذا يرى ما لا ترى! لا إله إلا الله.
  • ولذا يسمع عذاب القبور كُّلُ الكائنات غير الإنس والجن، حتى الحيوانات تسمع عذاب القبر، لهذا تجدها تنفِر عند بعض المقابر، لا تستقر، لِمَا تسمع من صياح عذابهم. 

من الغرائب التي ذكروها: 

  • أنهم كانوا في صنعاء قبل مجيء السيارات، كانوا يستعملون الدواب كثيرًا، كان هناك مرض مخصوص معروف يصيب الحمير، إذا مرض الحمار، لا يمشي معهم إلا إذا خُوِّف بتخويف الصعقة؛ يرجع إلى حسه ويمشي طبيعي بعد ذلك. 
  • عندهم مقابرهناك لليهود، إذا أُصيب الحمار بهذا المرض يأخذونه إلى هذهِ المقابر، عندما يأخذونه إلى هناك يحرِّك رأسه ويرجع يذهب مِن -يخاف-؛ لأنه يسمع من أصوات المُعذَّبين في قبورهم، لا إله إلا الله. اللهم أجرنا من عذاب القبور. 

والقبر إما روضة نعيمة نعم، وإلا حفرة جحيمة، "القَبْرُ -إمَّا- رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ". 

والأعجب والأغرب في ذلك كله -ولله القدرة العظيمة- محل القبر واحد، وهو بالنسبة لمدفون فيه فلان وفلان روضة، وبالنسبة لمدفون آخر حفرة من حفر النار! في نفس الوقت، يكون نائم هنا ونائم بجنبه، وذا يرى خير وذا يرى شر، وذا يضحك وذا يبكي، ممكن، أو لا؟ ممكن. لا إله إلا الله القوي. 

  • الإنسان يألف أشياء، ويريد يقيس كل شيء عليها؛ هذا من قِلَّة عقله. 
  • أما إذا فتح عقله، يقول: هذا الذي أنا أدركته بقُدرة قادِر، والقُدرة ستبدي ما لا يدخل في حسباني وما لا يآلفه في الوجود، سبحان الخالق!.

قال: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ)

  • ففي الدنيا أنواع ما يعذبون به من الشدائد، والبلايا، والهلع، والحروب، والكروب، والأخواف، والأمراض، ومجيء أشياء على غير حسبانهم، في الدنيا يُعذَّبون.
  • وفي البرزخ -قبل الصعقة للنفخ في الصور أيضًا- يُعذَّبون في القبور. قال الله في قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]. 

يقول جلَّ جلاله: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)؛ مُشيرًا إلى أنه يمكن بعضهم علموا ولكن كابروا، ولكن الذي علم منهم والذي لم يعلم العذاب هو العذاب، 

  • إذًا العالم إذا لم يقم بحق العلم، ويعمل بمُقتضاه؛ لا فائدة في علمه. 
  • فهؤلاء الذين يُعذَّبون؛ منهم من كان يعلم أنه سيكون هذا العذاب، وأن محمدًا صادِق فيما يقول، ومنهم من لا يعلم، (أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)

ولكن لا نفعهم الذين عِلموا ولا الذين لم يعلموا: 

  • خطر هذا العذاب؛ لأن العلم لا ينفع إلا إذا اقترن بالعمل بمُقتضاه وقام الإنسان بحقِّه. 
  • (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)) خطر هذا العذاب وشِدَّته وضرورة وقوعه بهم.

 

  تفسير قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48))

 خاطب الله حبيبه قال: 

  • (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) قضينا أقضية في الأزل، فنحن نبرزها في الوجود واحدا بعد الثاني؛ بإرادتنا، بتقديرنا، وتوقيتنا، وتدبيرنا.
  • (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)، وأطلعهُ الله تعالى على ما لم يُطْلِع عليه غيره من أسرار حِكمتهِ في الوجود، ولهذا قالوا لم يحصل منه استعجال بالدعاء على المُكذَّبين من أمته وقومه. 

بينما كل نبي له دعوة كبيرة مُستجابة، وقد تعجل كل نبي دعوتهُ ودعا على قومه، قال: و"اختَبَأتُ دَعوتي شَفاعةً لأُمَّتي يَومَ القيامةِ"، 

بدل أن يدعو على أحد مِنَّا، خبأ الدعوة ليوم القيامة يستخدمها شفاعة للأمة، ما أرحمه ﷺ! ولقوة تثبيته، أطلعه على الأسرار، ومكَّنه أن لا يستعجل بدعائه، وخاطبه: (فَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ)، (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) [مريم:84]. وقتهم سيأتي، ووقت أخذهم، ووقت عِقابهم، وحسابهم كله سيأتي. اصبر أنت:  (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)

يقول: وفي كل ما حكمنا، أنت في منزلة عندنا ومكانة لدينا، فقر عينًا، وطمئن قلبك (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) لك من عنايتنا، ورعايتنا الخاصة؛ مكانة ما أنزلنا فيه غيرك، فنحن معك فاطمئن، ولا تعجل عليهم، ولا تقلق لما يقولون ولما يؤذون، فإنك المنصور والمؤيد، أنت في حمايتنا، وفي كنفنا، ولنا عليك رعاية خاصة.

(فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)..

  • قال لسيدنا موسى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي) [طه:39]، وكان صنعتهُ على عين الله بعِناية الله ورعايته، وجاء بها مُفردة. 
  • وقال في سفينة سيدنا نوح: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر:14]، ليست هي بأعيننا ولا من فيها (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا): تسييرها وتدبيرها كان بعناية من الله خاصة. 

لكن جاء عند الحبيب قال: إنك، أنت بكلك، وجاء بالجمع: 

  • (بِأَعْيُنِنَا) كل عين فضلٍ، وهدىٍ، ورحمةٍ، ورأفةٍ، وشرفٍ، وكرمٍ، ومجدٍ ننظر بهِ إلى أحد؛ أنت بأعيننا. 
  • (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) فلن يضيرك أحد، ولن ينقص قدرك أحد، وهؤلاء يأخذون أيامهم المعدودة، وأوقاتهم المحدودة وينتهون. وإلينا الحُكم والمرجِع، والكل سيرجع إليك.. 

  • (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء:42]. 
  • (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان:27]. 

كلٌ سيتمنى أنه أطاعك واتبعك يا محمد. 

ارزقنا طاعته واتِّباعه ومحبَّته حتى نفرح ذاك اليوم ولا نحزن ولا نندم، ولا نقول يا ليتنا، هم يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول. 

وغروركم الكبير أيام كنتم في الدنيا، أين ذهب؟ 

مابقي شيء؛ لا عبقرية، ولا تقدُّم، ولا تكنولوجيا، ولا تطوُّر: 

  • (يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) [الأحزاب:66]. 
  • (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان:27]. 

المُلحِد يقول كذا، والمُكابر المعاند، الفاجر اليهودي والنصراني والمجوسي، يقولون هكذا، (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) -محمد ﷺ- (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) [الفرقان:27-28]، هذه نهاية العلاقات التي بينهم، يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا!

يقول الله لحبيبه: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)، فهذا هو شأن من أحببناه واخترناه أن يكون في المسلك القويم دائمًا مُعلقا بذِكرنا وتسبيحنا وحمدِنا، يقول له: 

  • (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)، هذا شُغلك، وهذهِ مُهمَّتك في الحياة. 
  • (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)، حين تقوم للصلاة، حين تقوم من منامك، حين تقوم من أي من مجلس تجلسه؛ شُغلك تسبيحنا: 
    • لتكون مشغول البال بِنا في المستوى الذي نرفعُك إليه. 
    • فتذكرنا من ذلك المستوى، الذكر الذي لا يصل غيرك إليه، ونحن نذكرك ذكرًا لا نذكر به سواك.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))

سبِّح! الله أكبر! (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، خذ لك ساعات من الليل تشتغل بتسبيحنا لأنك المولَّع بنا، ولك من محبَّتنا ما ليس لغيرك، فنبئ أمَّتك أن هذا هو المسلك، فليربطوا أنفسهم بسرِّ التسبيح،في مسلكك المليح، ليحوزوا عطاءنا الفسيح، ويأتيهم من فضلنا بأسرار التقديس والتسبيح؛ ما لا يستطيع فِكر أن يصل إليه، ولا فيه أن يسيح، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17]. (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152].

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48))

  • فكان يقول إذا قام للصلاة: 
    • "سُبحانَك اللهمَّ وبحَمدِك، تَبارَك اسمُك، وتَعالى جَدُّك، ولا إلَهَ غَيرُك".
    • وإلى غير ذلك من الألفاظ التي جاءته: "اللهُ أكبَرُ كَبيرًا، والحَمدُ للَّهِ كَثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا". 
  • وكان إذا قام من النوم سبح ﷺ. 
  • وكان عندما يقوم من المجلس يُسبِّح ويُعلِّمنا. 

وسمع منه الصحابة: "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". وفي رواية مرة، وفي رواية ثلاث مرات، حتى سأل بعض الصحابة:" يا رسول الله، صرت تقول ذكرا عند قيامك من المجلس ما كنا نسمعه منك؟ 

  • قال: "علمنيه جبريل، وهو كفَّارة المجلس: سُبحانَك اللَّهمَّ وبحمدِك أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ أستغفِرُك وأتوبُ إليكَ". 
  • جاء في الرواية: "إنك إذا قلته عند القيام من المجلس، فإن كان خيرًا ثُبت لك أو ازداد، وإن كنت لغوت في المجلسِ أو خالفت كان ذلك كفَّارة". 

سُبحانَك اللَّهمَّ وبحمدِك أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ أستغفِرُك وأتوبُ إليكَ.

 (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ): فإنه طهَّرك ونقَّاك؛ عن المعايب تنقية ما بلغها أحد ممّن خلق، وخصَّك بمزية، فأنت أكثِر من تسبحه تعالى، وهكذا ليتبَّعك من آمن بك، فيُسبحُنا في آناء الليل؛ لنُقدِّسهم ونفيض عليهم من الطُهر الذي طهَّرناك به نصيبًا، فنخلصهم من سيئاتهم، ومن معايبهم ومن قبيحِ صفاتهم، فننقِّيهم بتسبيحنا. الله أكبر! 

يقولُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)؛ لتراك أمتك من بعدك، فيتَّخِذوا برامج صالحة في الاقتداء بك، ويكون لهم ساعات من الليل يُسبِّحوني فيها. وبذا وجدتَ خيار الأمة على مدى القرون، مُرتِّبين أنفسهم، والأكثر منهم في آخر الليل في المساجد وفي الخلوات؛ تسبيح انفراد وجماعات، وأنواع من الذكر. 

وقيل المراد بالتسبيح عُموم الصلاة والقيام، كما قال في الآية الأخرى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79]. 

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، وهكذا صار المسلمون، ثم جاءت مُزاحمات لهذا البرنامج الإلهي وقالوا: سهرة الليلة! برنامج السهرة لهذه الليلة! ولا تسبيح! ولا بحمد ربنا! ولا بشيء، كلام فارغ ومضت أوقاتهم هكذا، ولا سبَّحوا أول الليل ولا وسطه ولا آخره.. 

  • (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، وهكذا الحق سبحانه وتعالى يؤكِّد على نبيه هذا المسلك الشريف. 
  • قال في الأنبياء: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) [الانبياء:90]. 

يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه: 

  • (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ): اترُكهم وذرهم، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ)، الله! تُدرِكُ من عطائنا ما يرضيك؛ إذا قمت بهذه الوظائف. 
  • (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) في ساعات الليل -على وجه الخُصوص- (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ) [طه:130]. 
  • والذي يرون هم فيه الفخر ولا فخر فيه، ليس لك فيه فاعرض عنه، يقول تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه:131]. 

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))

  • وقت إدبار النجوم؛ وقت ذهابها وغروبها؛ بطلوع الفجر، إذا طلع الفجر تدبر النجوم حتى يظهر الضوء حتى تتغطَّى النجوم كلها. 
  • هذا الوقت قال: سبِّحني -يعني صلِّ ركعتين سنة الفجر-، (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) وقت طلوع الفجر وذهاب النجوم سبِّحني فيه. 

لهذا.. 

  • تُقرأون: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله".
  • صلاة الملائكة وبها يُرزق كل شيء: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله. 

و"رَكعَتا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها" يقول ﷺ:

  • وقالت السيدة عائشة: ما رأيته أكثر تعاهدًا على شيء من النوافل كتعاهدهِ لسنة الصبح. 
  • وجاء أيضًا عنهُ ﷺ يقول: "لا تتركُوها ولو طردتكم الخيل"؛ لو كان الخيل وراءكم تطردكم يقاتِلوكم، لا تتركوا سنة الصبح، اعتناءً بشأنها. "رَكعَتا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها". 

(وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49))، عندما تدبر النجوم بطلوع الفجر سبِّحني، صلِّ ركعتين ثم تأتي الفريضة، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)..

  • يقول جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا). 
  • تلاوتك للقرآن في صلاة الفجر تشهدها كثير من الملائكة. (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:78-79].

فما أحسن من توزيعِ الأوقات على الطاعات، وما أحسنَ اشتغال القلبِ بذكرِ الله.. 

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:41-42]. 
  • أنَّ رجُلًا قال: "يا رَسولَ اللهِ، إنَّ شَرائِعَ الإسلامِ قد كَثُرَت عليَّ، فمُرْني بعمل أتثَبَّتُ به، فقال: لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا من ذِكرِ اللهِ". 
  • "ألَا أُنبِّئُكم بخَيرِ أعمالِكم، وأزكاها عندَ مَليكِكم، وأَرْفعِها في دَرَجاتِكم، وخَيرٍ لكم مِن إنفاقِ الذهَبِ والوَرِقِ، وخَيرٍ لكم مِن أنْ تلقَوْا عدُوَّكم، فتضرِبوا أعناقَهم؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: ذِكْرُ اللهِ تعالى". 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، واجعل من قِرى رمضان عونًا منك لنا وتوفيقًا في باقي أعمارنا لكثرة الذكر، ولحسن الشكرِ، ولحسنِ العبادة، يا الله، برحمتك ياأرحم الراحمين.

آخر يوم في شهر رمضان من هذا العام، فما بقي إلا ساعات معدودة ويرحلُ الشهر الكريم، الليلة الماضية تُسمَّى ليلة العتق، ليلة الثلاثين من رمضان تُسمَّى ليلة العتق؛ لأنه يعتق فيها هوَل، يعتق فيها من خلق الله مثل ما أعتق الله من أول شهر إلى آخره، تسعة وعشرين مليون عتق من النار! الله أكبر. الحمد لله، جعلنا في المُعتقين ورقَّانا في مراقي العِتق. 

  • واحد ارتفعت له درجات في الإيمان والمعرفة ونال مراتب في الولاية، سألوه سبب ذلك، قال: سبب حصولي هذا الخير، يوم من الأيام وفقني الله إلى كسرة كانت معي من الخبز أعطيتها فقيرًا صالح  ُمقرَّب ولي، لما ناولته إياها، قال لي: حررك الله من رق المعصية كما حررتني من رق الجوع. من ذاك اليوم تحوَّل حالي وقلبي بهذه الدعوة! حررك الله من رق المعصية -أعتقك من المعصية، فلا تعصي-. 
  • العتق أنواع: عتق من النار، عتق من العذاب، عتق من النفاق، عتق من سوء الأخلاق، عتق من الغفلة، هناك عتق من الالتفات إلى ما سوى الله عتق. وإذا فيها تسعة وعشرين مليون عتق! فيدخل فيها من يدخل ويصل إلى خيرها من يصل.

والآن الحسنة تُضاعف إلى السبعين، إلى الألف إلى غروب الشمس، فالليلة المُقبلة تسمى ليلة الجائزة. تمضي ليلة العتق وتاتي ليلة الجائزة؛ لأن الله يعطيهم جوائزهم في ليلة العيد، يوم العيد، يقول للملائكة: "ما جزاء الأجير إذا عمل عمله -إذا وفى عمله وأكمل عمله-؟ يقولون: جزاؤه أن يُوفَّى أجره. يقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم". 

ليلة الجائزة مُقبلة علينا وعليكم إن شاء الله خاتمة حسنة لرمضان، اشحنه بالنيات، الذي ستعمله من الصالحات في دخول هذا العام. انوه من الآن حتى تحصل ثواب نية رمضان، النية في رمضان نعم في ايّ وقت ، لكن النية قد صدرت في رمضان، أنواع من فعل الخير في شوال والقعدة والحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع ثاني: 

  • صلة الأرحام، وصيام، وقيام، وإعطاء، وعلم، وتعليم، ودعوة إلى الله تعالى، ودلالة على الله، وصدقة، وإلى غير ذلك.
  • وقول بالحق، ومحافظة على النوافل بعد أداء الفرائض، ومحافظة على النصيب من القرآن وعلى الأذكار. 

واجعل النيات تطلع في رمضان، وتقع خاتمة حسنة لآخر رمضان ويمدَّك الله بالتوفيق. 

ومن فتح على نفسه باب نية حسنة فتح الله له سبعين بابا من أبواب التوفيق. 

يالله بالتوفيق، نظر الله علينا وعليكم، وكرمنا الله وإياكم.

يا ليت الشهر لا ينقضي! يا ليت الشهر يدوم! ولله الأمر من قبل ومن بعد. اجعلنا من الرابحين فيه الفائزين فيه، وأعدنا إلى أمثاله.

اللهم لا تجعلهُ آخر العهد مِنَّا، ولا من هذا الشهر الكريم، وأعدنا إلى أمثاله في صلاح أحوالنا والمسلمين، وفي صلاح يمننا وشامنا وشرقنا وغربِنا، وتعجيل الفرج، ورفع الضيق والحرج، ورفع سلطة أعدائك من إبليس وجنده من أهل الإنس والجن عن قلوبنا وعن قلوب أهل لا إله إلا الله، وأهل الإسلام في المشارق والمغارب، يا قوي يا متين. واجعل هوانا تبعا لِمَا جاء به حبيبك الأمين، في خير ولطف وعافية وتمكين مكين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

08 شوّال 1443

تاريخ النشر الميلادي

09 مايو 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام