(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ}، الآية: 30، إلى قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}، الآية:45.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (40) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)) فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)))
الحمد لله مكرمنا بالقرآن وتنزيله، وبيانه على لسان عبده وحبيبه ورسوله، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه والمتابعين له محبةً وولاءًا وإيمانًا فى نيته وفعله وقيله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مركز تمجيد الله وتخصيصه وتفضيله، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإننا في نعمة التأمل لكلام الله جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وما أوحاه إلى مصطفاه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
انتهينا إلى آيات من سورة الطور، يذكِّرنا الحق فيها بحقائق يجب أن يعيها العقلاء، ويدركها أولو الألباب، ويتنبه لها كل ذي قلب سليم:
والله ناصر رسوله:
فالذين في عصره ومن بعده على ممر القرون -لا الموجودين في وقتنا- من الذين يتطاولون على القرآن وعلى الجناب النبوي وعلى دين الحق، لا يعملون شيئًا جديدًا، إنما يكررون نفس عمليات العبث واللعب والهزوء، ويُهزَمون وينتشر دين الله ودين محمد بن عبد الله ﷺ، وتعلو رايته بقوة الله العزيز، وهذه سنته في الحياة، (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) [الانعام:112].
(فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29))، ثم ذكر كيف يكون حالهم على هذا، وأين تذهب عقولهم: (أمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)).
وقلنا إن الذي يغلب من سُنة الله في الكون، أن أحدًا يتربص بأحدٍ موته ليأخذ مكانه، أو نفوذه من غير حق، فإن الغالب أن الذي يموت أولًا هذا المتربص، هو يموت قبل ذاك، ولذلك نجد في الآيات يقول سبحانه وتعالى: (أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41))، من قال لهم أنه سيموت قبلهم؟ وكل الذين تربصوا به وقرروا ذلك وقالوا احبسوه حتى تنتظروا فيه ريب المنون فيمضي، كالشعراء من قبله؛ كفلان وفلان، فإنه مثلهم، كلهم قُتلوا في حياته ﷺ، وأكمل الله الدين من بعدهم وأتَّمه ونشره في الآفاق.
فهكذا لا تغيِّر من سنة الله وإرادته نصر رسوله شيئًا؛ افتراءات المفترين، كذب الكاذبين، سب السابين، كلُّ ما يحصل منهم في هذه الجوانب يذهب هباءًا منثورًا، والرب ينصر بدر البدور، ويشرِّف من شاء بنصرته ممن يختارهم، والله يختارنا وإياكم، اللهم بحق الشهر المبارك، اجعلنا في أنصار النبي المبارك، ظاهرًاوباطنًا كل ما آتيتنا وما أنعمت به علينا.
وقال أين عقولهم؟ (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33))، إستكبارًا، ولا يمكن تَقَوُّلَ ذلك، والحجة ملزمة لهم: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34))، كما قال لهم في الآيات الأخرى:
تفسير قوله تعالى: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37))
يقول سبحانه وتعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ)؟ هل يمكن هذا؟ ارجعوا إلى ما آتيناكم من عقل ومنطق، هل يمكن وجود شيء من غير موجد؟ هل يمكن صنع شيء من غير صانع؟ هل يمكن خلق شيء من دون خالق؟ إذا أنكرت الخالق لابد أن تنكر الخلق، لأن معنى الخلق، هو مخلوق ضروري، معنى مخلوق له خالق، إذا أنكرت الخالق لابد أن تنكر الخلق، لا يوجد خالق، هل يمكن هذا؟ إذا الخلق موجودون كيف لا يوجد خالق؟ كيف يوجد خلق إذا لم يكن خالق؟ لا إله إلا الله.
أو هم خلقوا أنفسهم؟ هذا أغرب! كيف عدم يخلُق؟! إذا هم خلقوا أنفسهم يعني هم خَلَقوا، بعد ذلك خُلِقوا! هل ممكن هذا؟ لا يتأتى! (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، هل هم الذين استقلّوا بخلق هذه المكونات من حواليهم؟ من مَهَّدَها لهم؟ من رَتَّبَها سبحانه؟
هل في أحد شاركنا في خلقها؟ يقول تعالى: (أمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، هم يعرفون ويعترفون أنهم ما خلقوا السماوات والأرض، من قبل ما يُخلقون هم، هي قد خُلقت، من خلقها؟ سبحان الله!
(بَل لَّا يُوقِنُونَ (36))، ينصرفون عن اليقين الواضح الصرف البين، استكبارًا وعتوًا وعنادًا، (بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ) يقولون لماذا لم يُبعث فلان؟ لماذا لم يُبعث فلان؟
(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف:31]، وخزائن النبوة عندكم يعني تحت أمركم؟ يُنَبِّئ من تريدون أنتم؟ يُرسل من تريدون أنتم؟ وهو الذي يرسل من يشاء، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]، (أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ)، الله.
(أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37))، بيدهم تصريف الأمور وتدبيرها؟
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) جاء بإثنين قتل واحد وترك الآخر، قال هذا أحييته وهذا أمته، (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) [البقرة:258]، إذًا اجعل الشمس تطلع من هنا بدل مشرقها، اجعلها تجي من المغرب، ربي يجعلها تطلع كل يوم من كذا، إجعلها أنت تطلع من المغرب، إذا أنت إله!
(أمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37))؟!
لا شيء على كيفهم، هم عايشين والشواهد قائمة أن لا سلطة لهم، السلطة من فوق، مغرورون بنواحٍي أعطاهم الله يختبرهم بها، وظنوا أن هذه المُلك:
وبعد ذلك، مظاهر الفقر واضحة عليهم؛ لا يغتنون عن أكل، لا يغتنون عن شرب، لا يغتنون عن هواء، فقراء محتاجين ولكنهم متكبرين، الواحد منهم لو وقعت له مشكلة في التنفس، يترك زمجرته وكلامه، تطنُّ أذنه قليلا فتجده مرميا فوق السرير وأُخذ الى المستشفى، وأنت تتحدى النظام الرباني، تتحدى رسالات الرسل، ما بك الآن؟ قُم!.
(أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ)؟
لا والله ما هم المسيطرون، السلطة من فوق، لا إله إلا الله.
والدار الذي لا مرض فيه، هي دار كرامته؛ الجنة، فهو خلق الأرض بهذه الصورة لا يستطيعون قلب ما رتب فيها أبدًا.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38))
(أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ)، يصنعون مصاعد للسماء، ليأتوا بالخبر من عند المُكَوِّن، وما يوكل به ملائكته ليُسَيِّروا الإرادة في الأرض، عندهم خبر؟ (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ) هل عندهم مرقى -مصعد- يستمعون فيه؟ يعني يستمعون عليه، ماذا نقضي؟ كيف نرتب؟ وكيف ندبر؟ وماذا نقدم وماذا نؤخر؟ فيما نبرزه للملائكة في صحفهم وفي أمرنا لهم، الذي يجري في الأرض معلق بذاك، وهم ما خبرهم؟ هل يوجد عندهم سلم يطلعون يأتون بخبر؟!
ولهذا أراد فرعون أن يبحث عن طريقة ليرى، فقال: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ) [غافر:36-37]، أَبْلَهُ! يريد أن يبني قصر الى السماء، هل ممكن؟ خيالات وظنون وأوهام، كبارهم يقولونها.
(أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) ليس لديهم سلَّم، عندهم عالم الفضائيات، يقولون اكتشفنا كواكب وطرنا ووصلنا للمريخ، وبعد ذلك؟ الفضاء ملآن ملايين ملايين، أنتوا تقولون ملايين الكواكب، وأين وصلتم؟ أنتم لازلتم هنا، إحضروا سُلم للسماء لنأتي بالخبر، (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38))، فليجلب لنا حجة هذا الذي قال انا استمعت و أتيت بخبر من فوق. الحُجَج مع الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39))
أو المسألة بلغت إلى غاية التفاهة: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ)!
يقولون: له البنات وانتم تتنزهون في أنفسكم عن البنات، و تقتلوهن وما تحبونهن!
و تنسبون البنات إلى الله، وتتنزهون في أنفسكم عن البنات؟!
ما لم ترتضوه لأنفسكم وأنتم خلق، ثم تنسبونه إلى الحق -جل جلاله- بلا حجة ولا دليل؟ (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)).
تفسير قوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (40))
أو المسألة أنت يا محمد لما أرسلناك بهداهم طلبت منهم أجرة باهظة ما قدروا يسلمونها لك فامتنعوا عن الإسلام والإيمان بسبب ذلك؟
تفسير قوله تعالى: (أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41))
(أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (40) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)) يحكمون، ما عرفوا الغيب القريب في أحوالهم هم، ولا في دواخلهم، فكيف يعلمون الغيب الكبير، عما يجري في العالم وما يريد الله سبحانه وتعالى منه، وإيقاعه! (أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)) يكتبون بمعنى يحكمون.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42))
(أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا)، يستعملون ما اغتروا به مما أتيناهم من طاقة ليكيدوا لك كيدًا فيقتلونك ويخرجونك (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا)، رتبوا أمورهم على الكيد، كما هو حال كثير من هذه الطوائف، ويظنون أنهم بالكيد يبلغون المراد،..
(أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)، بجميع كيدهم يسعون في هلاك أنفسهم ويصلهم للهلاك من حيثما رتبوا لأنفسهم النجاة، والنيل من الآخرين يصيبهم الهلاك هم بذلك. لا إله إلا الله.
(فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: 55]، في الدنيا، وتزهق أرواحهم وعائلاتهم، ثم يكون لهم بعد ذلك العذاب الأشق في الآخرة.
(أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42))؛ لأن نتائج المكر والكيد ترجع عليهم هم.
صدق الله وصدق محمد بن عبد الله، وأخبارهم واضحة ظاهرة كالشمس في واضحة النهار، وأخبار غيرهم كل يوم تتناقض وتتبدل وتنقص وتكذب.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43))
(أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ)، في غيري خلقهم، في غيري رزقهم، في غيري كون الحياة بهذه الصورة لهم؟
(أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ)، لا إله إلا الله، سبحان الله أن يكون معه إله آخر، ويكون له شريك، (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43))، تنزه وتقدس.
تفسير قوله تعالى: (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44))
أهل هذا المسلك المنحط؛ فكرًا وعقلًا، لا يفيد معهم كثرة الكلام، حتى لو رأوا بدايات الآيات التي فيها هلاكهم لا يصدقون، ولا يقرون أنهم على حافة الهلاك.
(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ)، سينزل بالعذاب عليهم ساقطاً فوقهم، يقولون: (سَحَابٌ رْكُومٌ)، مطر! قد قالوا قوم النبي هود: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ) [الاحقاف:24]، ولو جاءتهم كل آية، لا يؤمنوا بها. لا اله الا الله
(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا) قطعًا من السماء من السحاب ساقطا بالعذاب عليهم، (يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ).
ويقول لهم سيدنا النبي صالح: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) [هود:64].
ما العذاب الذي معه؟
إذهبوا وإعقروها، وعقروها، قال لهم النبي صالح في سورة هود، أعطاهم ثلاثة أيام، قال لهم: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)، راحوا يستهزئون، بدأت ألوانهم تتغير في اليوم الثاني، يمكن كلام الرجل غير صحيح، واصفرت واحمرت واسودت وجوههم، ثالث يوم، نزل العذاب -الصيحة- بهم في اليوم الثالث، (ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [هود:65]، وأما هم يكذبون يكذبون على ما هم، وهم على الحافة!. لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45))
(وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45))، إتركهم إلى يوم الصعقة، عندما يموتون، كل هذا يضمحل، ولا يبقى عناد ولا كيد ولا مكر ولا كذب ولا تنزيل ولا تطليع ولا قلب كلام ولا محاولة، كل هذا يروح عند الموت: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90].
فهؤلاء شأنهم ما يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، ما يؤمنوا حتى يُصعقوا، والعياذ بالله تبارك وتعالى. فأعطاهم الحق سبحانه المهله، وقال لنبيه أمهلهم، (حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45))، لا إله إلا الله.
وهو يوم موتهم، وقيل يوم النفخة الأولى في الصُّورِ فَيَصْعَقُونَ، لكن المساق معناه أنه في يوم موتهم، ينتهي كل هذا التخبيط والتخليط والكذب والمكابرة والمكايدة والمكر، كله ينتهي من كل واحد، من عند موته، وينتهي كل هذا ويعرف أن الحق هو ما قاله الله ورسوله ﷺ.
وهكذا وإلى يوم القيامة تُبكتهم الملائكة، إذا بعثوا من مرقدهم، يعني بعد النفخة الثانية وقد رقدوا بين النفختين صعقوا، (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)، تقول لهم الملائكة: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]، الكلام الثاني كله باطل.
ما قال الرسول اليوم أمام عيونكم، الصدق فيما حمله آدم وشيث بن آدم، وإدريس، ونوح وهود وصالح، إلى أن ختموا بمحمد أصدق الخلق ﷺ، كل ما خَلَّفُوا باطل باطل باطل، كذب كذب كذب، زيغ فسوق هباء ليس بشيء، والحق ما قال الله وما قال رسوله.
رزقنا الله حسن اتباع رسوله، كمال الإيمان جل جلاله، ووفّر حظنا من هذين اليومين، بقي لنا رمضان، بقي يوم بعد هذا اليوم ويرحل عنا، الله يعيده علينا، والله يجعلنا فيه مقبولين، والله يثبتنا في ديوان المحسنين، وما كان من تقصير يغفره لنا ويمحو عنا زللنا، ويعوضنا خيرًاعن كل ما فاتنا، ويحسن خاتمة الشهر لنا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
وفي آخره تكثر النفحات، وفي آخر ليلة يعتق مثل ما عتق من أول شهر إلى آخره، في ليلة واحدة يعتقهم، سبحان الله، ملايين. له الحمد له المنة،
تعرّض، ونفحة باسط النعمة قريبة، تعرّض يا فتى منها تقرّب. "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها" من خير نفحاتك في طول العام ليلتك هذه ويومك المقبل، يا رب بارك لنا فيها واختمها لنا بخير، واجعلنا عندك من أهل الخير، وادفع عنا كل بؤس و شر وضير.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 شوّال 1443