(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من قوله تعالى: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ }، الآية: 23، إلى قوله تعالى: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ}، الآية:36.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) ۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36))
آخر جمعة في شهر رمضان لهذا العام؛ وفّر الله حظّنا منها، ومن خاتمة الشّهر الكريم، وما فيه وجوده على أهليه، وجعل نصيبنا وافرًا، و سهمنا كبيرًا، وقسمنا عظيمًا من عفوه، ومن مغفرته، ومن تجاوزه، ومن إحسانه، ومن تقريبه، ومن محبّته، ومن معرفته، ومن رضاه.
اللّهم اقسم لنا في هذه المنح والعطايا بالقسم الجزيل، بالفضل منك والإحسان، لا تحملنا لابتلاءات وامتحانات، واصرفها عنّا في لطف وعافية، يا أرحم الراحمين.
الله لا يعرّض قلبًا منا للحسرة، ولا للنّدامة على ما يفوت من هذه الكرامة، والله يجعلنا من الفائزين في يوم القيامة، بصحبة ورفقة المظلّل في الغمامة، إمام أهل الإمامة، زعيم أهل الزعامة، شهم أهل الشهامة، كريم أهل الكرامة، صلوات ربّي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ومن حاز الاقتداء به والاهتمام في النّية والفعل والكلام، وكلّ خاصّ و عام.
الحمد لله على ما أنزل على قلب حبيبه، فبلّغه إلينا الحبيب، فانبسط لنا بِذاكم، بساط العطاء الرّحيم، من القريب المجيب. نسأله أن يديم منه عنّا الصّلوات على صاحب الجاه العظيم، عبده المصطفى، أقرب قريب إليه، وأحب حبيب لديه، صلّى الله وسلم وبارك وكرّم، في كلّ لمحة ونفس عليه، وعلى آله الّذين حازوا به طهرًا، وصحبه الّذين قد رفع الله لهم به قدرًا، وعلى من والاه وتابعه، وعلى منواله سار وبمجراه جرى، سرًا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، الّذين رقّاهم الرحمن في القرب منه والمعرفة به ورضوانه أعلى الذّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقرّبين، وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد…
تفسير قوله تعالى: (تَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23))
فإنّنا في نعمة تأمّلنا في خطاب ربّنا، وكلام ربّنا، وتعليم ربّنا، وتنبيه ربّنا، وتوجيه ربّنا، متفضلًا علينا متطوّلًا. تأمّلنا آيات، في سورة الطور، حتّى وصلنا إلى قوله -جلّ جلاله- في وصفه لأهل الجنّة: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) وفي مناسبته وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، فإنّ لأرباب القرب من الله على ظهر هذه الأرض، تنازعًا خصوصًا بمثل هذه اللّيالي؛
(يَتَنَازَعُونَ)، فهم يتناولون هذه الكؤوس، وقد طُهِّرت لهم النّفوس، ونُقّيت عن كلّ رجس وبؤس. وهم في الجنّة (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)، ولا يُطلق الكأس إلا على ما كان ممتلئًا، ولا يقال للفارغ كأس. وكأس ما كان ممتلئًا أو قارب الامتلاء: (وَكَأْسًا دِهَاقًا) [النبأ:34].
يقول سبحانه:
"من زنى أو شرب الخمرَ نزَع اللهُ منه الإيمانَ كما يخلعُ الإنسانُ القميصَ من رأسِه"، "من جسده". -نعوذ بالله من غضب الله- نسأله التّوفيق وبركة رمضان الدّائمة، التّي يُصلح بها جميع أحوالنا.
تفسير قوله تعالى: (۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (24))
قال: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ) فغلمانهم، وخدّامهم، أرقّاؤهم في الجنّة، وصْفهم:
(كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ):
هذا وصف الخدّام، فما تظنّ بالمخدومين؟ اجعلنا من أهل جنّتك يا رب.
يقول: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات:50] وذلك أنّ الله -سبحانه وتعالى- جعل من نعيم الأرواح، ما يستنشق النّاس منه بعض النّسيم في الدّنيا وهو:
حتّى بين المقطوعين والمحجوبين في عالم الدّنيا، فعليهم أثر خفيف من الاستئناس، يكدّره انقطَاعهم عن الحقّ، وعملهم بمعصيته. فهم لا يعرفون كيف يعملون، يبحثون لهذا الّذي لا يستقر عندهم، ويجالسون بعضهم البعض، ويحاولون أن يستأنسوا ببعضهم البعض، ولكن يكدّر عليهم انعكاس وجهاتهم، وعدم توجهها الى الرب وعملهم بمعصيته، فيَجلب لهم همًا، وضيقًا، وحزنًا. فما يدرون كيف يعملون، كما التجأوا إلى الأغاني الماجنة، إلى الاختلاطات، إلى الرقصات، و إلى المخدرات، ولا حصّلوا حقائق الرّاحة.
بل صافٍ يصفي قلبه، ويصدق مع ربّه، يجلس في مثل هذا المجلس، يدرك فيه من اللذّة والحلاوة، ما لم يحوموا حول غباره طول أعمارهم وإن كانوا ملوكًا، ولكن (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4].
فيحصل إذا تمّت الأخوّة في الله، و التحابب فيه و التزاور:
من القائل؟ الرب الأعلى! "وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتباذلين فيَّ". لك الحمد يارحمن.
وبذلك تطيب لهم اللّقاءات، والمُزاورات، والمجالسات، والمحادثات بينهم البين، حتّى منهم أنّهم يفضّلون ذلك على كثير من طعامهم ومن شرابهم ومن ملاذِّ هذه الدنيا، ويجدون فيه رَوحًا وقربًا من الرّحمن.
هذا أمر متعلّق بالرّوح! لذلك جعله الله أيضًا من عجائبه، ونَفائسه، وحقائقه ما هو مخبوء في الجنّة، فيتحرّك في أرواحهم شوق التّلاقي، والتخاطب مع أهل المودّة في الرّحمن، والمحبّة في الله، فيذكرون أهل أخوّتهم، وأهل مودّتهم.
وبذلك قال أنّ الحقّ لمّا أمر نبيّه أن يقول للنّاس: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) [الشورى:23] أنّه برحمته يحب أن يهيئ الأمّة وصولًا إلى أين؟ وإدراكًا لماذا؟ في الجنان.
فهؤلاء أهل الجنّة اذا ذكر بعضهم البعض، حنّت أرواحهم إلى التلاقي، فمُباشرة فيها ما تشتهي الأنفس، يتحرّك سرير هذا إلى هذا. ولهم تلاقيات أيضًا في الأسواق عندما يخرجون إليها، ويلقى هذا صاحبه، وهذا صاحبه، وهذا أخاه، وهذا الّذي جالسه في سنة كذا، وهذا الّذي كان معه في أول عمره، وهذا الّذي كان معه في وسط عمره، وهذا الذي كان معه في آخر عمره. و"أهلاً وسهلاً فلان"، وقال "وأنت فلان؟".
تفسير قوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25))
وقال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) وإذا تحرّك سرير هذا إلى هذا، وسرير هذا إلى هذا، فقال: أنا أريد عندك، قال: خطرت على بالي، قال: و أنت خطرت على بالي. فيًتكئ احدهم اتكاءً واحدًا، والثاني يتقابلان متّكآن، اتكاءً واحدًا مقدار سبعين سنة، تمر بهم وهم في اتّكاء واحد، في تخاطب بينهم البين، في لذاذة ما يدور من الرسائل بين الأرواح؛ قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47].
لذا لمّا تكلّم عن بعض معاني آية: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) [البقرة:201] الإمام الحبيب عبد الباري بن شيخ العيدروس قال: الإنسان بما كوّنه الله:
لابد للحسنة في الدنيا نصيب لكل من هذه الثلاثة، وفي الآخرة كذلك: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً):
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً):
فربّما ساعة مرّت بأحدهم في الدنيا على خير، يجلس عليها مقدار عشرات السنين، مئات السنين، وهم في نتيجة هذه الساعة التي مرت بهم في الدنيا، كانوا متلاقين لله وفي الله جل جلاله وتعالى في علاه.
حتّى جاء أنه روى البزّار عن أنس بن مالك، عليه الرضوان، أنّه يشتاق أهل الجنّة بعضهم إلى بعض عندما يذكر أخًا له، قال: فيمشي سريره إلى سريره، ويسير هذا، ويسير هذا، فيتّكئان ويتحدثان. فيقول أحدهم لصاحبه: أتدري في أيّ يوم غفر الله لنا من أيّام الدنيا؟ لمّا كنا وإياك في مجلس كذا، في مكان كذا كذا و في يوم كذا، ودَعونا الله فغفر لنا، ودَعونا الله فغفر لنا، فنلنا المغفرة من ذاك اليوم. يذكرون اليوم الذي غفر لهم فيه،
وذُكر في الحديث: في مجلس كذا في مكان كذا، دعَونا الله فغفر لنا، (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ..(28)) كما سيأتي معنا قريبًا.
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26))
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) عن ماضيهم وما أُحدث لهم، وما حصّلوا من نتائج أعمالهم، يتساءلون. (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25)) بينهم البين.
فما هو التساؤل بينهم؟
أعطانا الله نموذج مما يحصل بينهم في الجنة: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)..
كانوا يخافون الله: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا) أي في حياتنا الدنيا بين جنسنا في العالم الدنيوي؛ (مُشْفِقِينَ):
تفسير قوله تعالى: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27))
(مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا) جنّبنا وحمانا وحرسنا من عذاب السموم: (وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)):
فسمي عذاب السموم، -لا اله الا الله-، جاء عن السيدة عائشة، قرأت الآية، أم المؤمنين، فقالت: "اللهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم".
لذا كان إذا قرأ الآية كثير من الصّالحين والأخيار، يقول: "اللهم يا بر يا رحيم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم"، يقول: "اللهم يا بر يا رحيم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم". (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) يقولون في خطابهم بعضهم لبعض، فمنّ علينا: تفضّل، وأكرم، وأحسن من عنده
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28))
(فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ):
(إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ) البَرّ!
(البَرّ) الّذي يجري على يده من الخلق البِرّ. من الخلق من يجري على يده البِرّ والإحسان خصوصًا للوالدين، ثمّ كل من قدر أن يحسن إليه فليحسن، ولا يتوانى عن تقديم إحسان يقدر عليه؛ هذا بِرّ.
لكن (البَرّ) عند وصف الحقّ بذلك:
بَرٌّ -سبحانه عز وجل- يتفضل حتّى يملي، ويُذكّر، ويبيّن. حتّى مظاهر الشدّة هو بَرٌّ فيها: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة:21] في وسطها أسرار وحكم، بِرّ منه بعباده، وليس عليه واجب لخلقه، لكن هكذا اقتضى إحسانه -سبحانه وتعالى-.
يقولون فلهذا هم في الجنّة وفي هذه الدرجة يتذكرون هذين الوصفين:
(الرَّحِيمُ): الذي يرحم عباده؛ خلقهم من العدم، وأسبغ عليهم النّعم، وتولاهم فيما خص وما عم، ورتّب، و سيّر، ويسّر، وسخّر، ودبّر -سبحانه وتعالى-.
رحيم! ورحمته -سبحانه وتعالى- التي وسعت كل شيء، جلّت عن الحد وعن الحصر، وليس لها مشابهة في رحمة الخلائق..
ومع ذلك فهذه الرحمة أيضًا من الخلق، وإن كانت بهذه الصّورة إلّا أنها كمالهم، كمال ما يستطيعون الانتهاء إليه، لا يستطيعون تجاوزه.
إلّا أنّ أعلاهم من يرحم:
وهذا يرحم لا لأيّ غرض من الأغراض التي تعود إليه، وإلى نفسه.
وهؤلاء الصدّيقون والنبيون رحمتهم من هذا النّوع، ولم يبلغوا ذروة أو مكانة رحمة قلب زين الوجود للخلائق..
هذه الرّحمة الّتي ليس مثلها في العالم الخَلقي أصلًا، رحمة زين الوجود، ورحمة الأنبياء، ورحمة الصديقين، هذه رحمة عجيبة!
وأمّا ما يتغلب من الرحمة على من عداهم، فعلى نِسب وعلى درجات، وكثيراً ما تشوبها شوائب أنفسهم أو أغراضهم أو مصالحهم وما إلى ذلك.
وربّما اتّخذت عند بعض بني آدم؛ يتخذون صورة الرحمة واسمها ذريعة إما للوصول إلى أغراض، أو للوصول ايضًا إلى تشفّي غيظ في مواقف معينة، ولكن يدخلونها باسم الرحمة. تجدونها حتى عند حوادث بعض الحروب في بعض البلدان، ترسل بعض الهيئات من بعض الدّول باسم المساعدة والرحمة الإنسانية، يدخل، يسلِّح، يفتن هذا، يغلق على ذاك، يخربط الوضع، يجيء بشيء والغرض ثاني. هذا واقع في بني آدم، واقع في زماننا، لا اله الا الله.
لكن..
هم يرحمون الخلق للخالق، ما لهم غرض، ولا لهم قصد في شيء، يرحمون الخلق للخالق، من أجل الخالق -جل جلاله وتعالى في علاه-
وأرحم الخلق بالخلق: سيّد الخلق، ما من قلب في الأرض ولا في السماء خلقه الله، فملأه من الرحمة كمثل هذا القلب أصلًا، سبحان خالقه!
لماذا؟ هل يريد شيء منكم؟ لماذا يرحمكم؟ له فائدة من ورئاكم؟ لماذا يعز عليه عَنتنا، ومشقتنا تشق عليه، تثقل عليه،لماذا؟:
ترى ربّه كيف يصفه! يغرينا بمحبة حبيبه: تريدون أن تحبوا أحدا من خلقي، أنظروا الى هذا أنا كيف خلقته، الجمال فيه والكمال فيه وما أحد يرحمكم مثله من خلقي، ما تحبون أحد؟ أحبُّوا عبدي هذا:
يقول في ذلك: "إنما أنا رحمة مهداة -رب أهداني إليكم- إنما أنا رحمة مهداة"، فلله الحمد على الرحمة المهداة والنعمة المسداة:
له المنة العظمى علينا ببعثه *** إلينا ومنا عالي الذكر والكعب
يقول: (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).
تفسير قوله تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29))
قال الله لحبيبه: (فَذَكِّرْ) اثبت على الطريق التي اخترناك له:
ذكّرهم: بعظمتي، برحمتي، وأن الأمر إليّ، قل لهم لا يتعرضوا لغضبي فيقعوا فيه، قل لهم يتداركوا أنفسهم، بيّن لهم شريعتي.
(فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29))، لا كما يقول هؤلاء، ينسبونك..
(فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ)
(فَذَكِّرْ)؛ لأنّ بعضهم يسمّونه كاهن، وبعضهم يسمونه مجنون، وبعضهم يسمونه ساحر. حاشاه من ذلك وترفّع عن كل ذلك.
(ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:1-4].
كيف يكون خلق عظيم وجنون؟ ممكن؟!
الخلق العظيم منهج سوي في استقبال أحداث الحياة والتعامل معها، لا يكون إلا من صاحب عقل رزين، وخُلق عظيم، ويقولون مجنون! كيف؟ تناقض في الكلام، ما يتأتى. قال تعالى:
(فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ) يدّعي علم الغيب كذبًا من دون وحي يأتيه، ومن دون خبر من الله، والجن يزيدون من فوق، من قبل ما يُمنعون من استراق السمع، يزيدون فوق الكلمة مئة كذبة، ويصدقونهم الناس بالكلمة، فيصدقونهم في باقي الكذب كله، عقل؟! لكن الأنبياء وحيٌ أتاهم من الله، خبر حق و صدق.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30))
(فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)) اجتمعوا مرّة في دار الندوة - هؤلاء الكفار- ماذا نعمل بمحمد هذا؟! قال بعضهم: احبسوه، واتركوه، و انتظروه مثل النابغة، ومثل فلان من الشعراء قبله، كما واحد منهم، وسيموت كما ماتوا، نتخلص منه.
(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ):
(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)) الّذي قال هذه الكلمة والذين معه في الاجتماع كلهم قُتلوا وماتوا في عهده ﷺ، وهو على ظهر الأرض ﷺ.
تفسير قوله تعالى: (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31))
(قُلْ تَرَبَّصُوا) أنتم منتظرين الموت أن يأخذنا، من أجل أن تكذّبوا بهذه الرسالة؟ وتأخذون قيادة الناس للسوء والشر؟
(فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)) تتربصون؟ أنا سأتربّص بكم، بل وفي غالب حياة الناس، أنه لا يتربّص أحد بالآخر موتاً، ليحل مكانه أو منزلته إلا ويموت المتربص قبل ذلك، غالبًا! سبحان الله!
تأمّل:
(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31))، أنا المتربّص ليس أنتم، فماتوا في حياته ﷺ، وقُتلوا، ودخل مكة ﷺ، وقام أمر الله فيها.
وأين دار الندوة؟ وأين الذين تآمروا فيه؟
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30] لا إله إلا الله!
(قُلْ تَرَبَّصُوا)، قل لهم: (فَإِنِّي مَعَكُم) قل لهم أنا مع الرب، قال: إلا أني أترقب انتقالكم على حال هذا الذي ما أود أن تنتقلوا عليه، فكان الأمر كذلك.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32))
(أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا) يقول: أين الذين كانوا يوصفون بالعقل وبالدهاء والذكاء؟! ماذا يعمل هؤلاء؟ لماذا يقابلونك هذه المقابلة؟ ماهي قصتهم؟ أين ذهبت عقولهم؟
(أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم) عقول هكذا تجعلهم يفكرون هذا التفكير، ويقولون هذا التّقول، ويتَناقضون مع أنفسهم؟! أين عقولهم هؤلاء الجماعة؟ يعيب عليهم الحق، أنتم الذين توصفون بالعقل وبالدّهاء، وبالذّكاء، ما لكم تتعاملون هذا التعامل المتناقض مع العقل؟!
(أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)) وتكون بمعنى "بل"، "أم" هي "بل"، بل هم قوم طاغون، طغوا! العقول لا تأمر بهذا، ولا تقبل هذا ولا تقرُّه، لكن قوم طغوا، تجاوزوا الحدود، فتنَاقضوا مع عقولهم.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33))
(أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) يقولون إنك أنت أتيت بالكلام هذا، والوحي، والقرآن من عندك أنت؟ أتيت به، كيف يدّعون أنّه تقوّل منك!؟ وهم عاجزون، وكل الذي على ظهر الأرض مثلهم عاجزون، أن يأتوا بمثله؟ فكيف تقوّله؟ كيف يدّعون أنك تقوّلته؟ لو كان أنت تقوّلته، هم مثلك عرب، ومعهم الخُطب ومعهم الأشعار مِن قبلك، من قبل أن تظهر فيهم، فكيف يقولون تقوّله؟
يقول: (بَل لَّا يُؤْمِنُونَ) هذا الواقع أنهم لا يصدقون بالواقع والحقيقة. كلام معجز لا يقدر أحد يجيء بمثله وأنت تتحداهم، ويقولون أنت تقوّلته! كيف تقوّلته؟ إذا تقوّلته، أنتم تقوّلوه، هاتوا بمثله! ما يقدرون. فكيف يقولون هذا القول؟
تفسير قوله تعالى: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34))
(بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) فإن كنا تقوّلنا، هاتوا مثله، هاتوا (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]. الحمد لله على نعمة القرآن، ونعمة من أنزل عليه.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35))
(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) يعني هاتوا، فليأتوا بعقولهم هؤلاء؛ هل هم خُلقوا من دون خالق؟ هل يوجد مصنوع يأتي من دون صانع؟ ما لقوم هؤلاء لا يفقهون؟
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) هم الذين خلقوا أنفسهم؟ كانوا قبل وجودهم وأَوجدوا أنفسهم؟! ممكن هذا؟ كلام متناقض. وإذا مجيئكم من دون خالق غير ممكن، وأنتم ما تخلقون أنفسكم، غير ممكن -معنى إنكم تخلقون أنفسكم، يعني لكم وجود قبل الخلق، وبعد ذلك تخلقون، كلام غير ممكن- إذًا آمنوا بالخالق! مالكم؟ وجودكم من غير خالق غير ممكن، أنتم خلقتم أنفسكم غير ممكن، إذًا من؟ الله خلقكم، فلِمَ تنكرون؟ ولِمَ تكذبون؟
تفسير قوله تعالى: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36))
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) هل هم الذين خلقوا السماوات والأرض؟ قبل أن يولد أبوجهل، لا توجد سماء؟! لا توجد أرض، قبل أن يُخلقوا؟ وماذا بَنَوا من أرض؟ هم خلقوه؟ خلقوا منها شيء؟ -سبحان الله!-
(أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36))؛ بُعدوا عن العقل من أصله، وهكذا يبيّن ربنا الحقيقة، وأين تذهب الخليقة.
يقول سبحانه وتعالى في الآية الأخرى، يقول -جلّ جلاله وتعالى في علاه، في سورة التكوير، يقول:
فالله يرزقنا كمال الإيمان به، و يحشرنا في زمرته، يا رب، رضيته لنا نبيًا ورضينا به نبيًا، رضيته لنا قدوة ورضينا به قدوة، فحرّر قلوبنا، وعقولنا، وأفكارنا، وديارنا من أن تتولّى من يخالفه قدوة في فكرٍ أو لباسٍ أو قول أو عمل. حتّى لا يكون لنا ولا لمن في بيوتنا قدوة إلا حبيبك الأجل، ومختارك الأفضل، الّذي اخترته لنا قدوة. فنحن على ما اخترت لنا من ورائه، نزّه قلوبنا أن تقدّم غيره عليه، أو تقتدي بسواه فيما يخالفه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وثبتنا على دربه وعلى قدمه، واجزه عنا خير الجزاء وأفضله، وارزقنا محبتك بحسن اتباعه ظاهرًا وباطنًا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 شوّال 1443