(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطلاق، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ..} الآية: 12، إلى قوله تعالى في سورة التغابن: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ..} الآية: 3
﷽
(رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12))
تأملات في ختام سورة الطلاق:
جزاء الإيمان والرزق الحسن (النعيم المقيم).
عظمة خلق السماوات والأرض والإعجاز النبوي:
خَلْق السماوات والأرضين السبع.
الخصوصية المحمدية والسلطان في العروج.
نفوذ أمر الله وتدبيره في الكون:
عجز البشر ودعاوى الملك أمام القدرة الإلهية.
الشواهد الكونية وتوافق العلوم مع الإعجاز القرآني.
بداية سورة التغابن وتنزيه الخالق:
تسبيح الكائنات والدلائل النبوية.
اختصاص الله بالملك والحمد المطلق:
حكمة الخلق والابتلاء.
حُسن الصورة الظاهرة والباطنة.
الحمد لله مكْرمنا بالتعرُّف، بعظِيم الإحسان والتلطُّف، شرَّف مَن سبقت له السعادة بنصيب من المعرفة المُتعلِّقة بعظمته، ولا يحيط معرفةً وعِلمًا به إلَّا هو، سبحانه لم يجعل سبيلًا لمعرفته إلَّا بإدراك العجز عن الإحاطة بمعرفته، نحمده ونشكره، ونُثني عليه سبحانه ونذكره، ونترك ونخلع مَن يفجُره، ونشهد أن لا إله إلَّا هو، أعظم المِنَّة علينا.
ونشهد أن عبده المصطفى محمدا رسوله المُجتبى، أرسله إلينا، وجعل رسالته شاملة للعالمين وكاملة بجميع المعاني على أتم التعيين، اللهم فصلِّ الصلوات الكاملات التامات اللائقات بكمالك على عبدك المصطفى مظهر جلالك وجمالك، وعلى آله وصحبه وأهل محبته وقربه، وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المُبشِّرين به، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم والملائكة المَّقربين وجميع عبادك الصالحين الذين أكرمتهم بحبك وحبه، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فقد انتهينا في التأمُّل لخِطاب ربِّنا وتعرُّفهِ إلينا، وتبيينِ المسار والِمنهاج لنا إلى أواخر سورة الطلاق وختامها -السورة التي فيها التعرُّف من الخَلَّاق- ولقد قال لنا الله -جلَّ جلاله-:
(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)، وهذه أيدي الافتقار تسأله أن يُزيدنا، وجميع الحاضرين والسامعين والموالين؛ إيمانًا وحُسن عمل صالح مُخلصًا لوجههِ الكريم.
فيحقُّ لنا وعده العظيم: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)):
أحسِن اللهم لنا الرزق، وأدخلنا في خيار الخلق.
تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12))
قال الحق في ختام السورة: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)؛ وهذا من السِّرِّ الذي حدَّثنا الله به وأخبرنا عنه على ألسن رُسله، لم نصل بأجسادنا ومداركنا الحسِّية إلى السماوات.
وما علِمنا أن جسد من أجساد أهل الأرض المكوّنة من الماء والطين، جاوز هذه السماوات السبع إلا جسد محمد صلوات ربي وسلامه عليه:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي سبع أَرَضِينَ كما بيّنت لنا السُنَّة؛ وهذا أيضًا من الأسرار والغيوب التي اطلعنا الله عليها، وندرك أن هناك سبع أرضين:
فبيّن أن الأرض: سبع أَرَضِينَ خلقها الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- وهكذا يُذكر أنه:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، يقول الله:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82]:
(يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)، -لا إله إلَّا الله-، فما أعظم أمر الله!
(يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)، فتأمَّل، حُكم مَن هو النافذ؟!
ولا أحد منهم حاكم، يقول: أيها المرض الفلاني بلدي هذه لا تدخل -لا تجي، لا تروح- أو يقول: اذهب إلى المكان الفلاني، لا أحد منهم يقدر على هذا، -لا إله إلَّا هو-.. فما الحُكم الذي عندهم!؟! حُكم محصور صوري في أشياء بينهم البين، يترتب عليه تغلُّب هذا على هذا، وتنفيذ أمر هذا في شؤون محدودة فقط، لو نقول: حوّل صورة واحد -لن يقدر!- غيّر تركيبة الأجهزة في شعبك! شعبي؟! أنا واحد منهم، مكَوَّن ومصوّر في الصورة التي خلق الله الناس عليها.
فأي من مُلك إذًا معك؟ وأي من حُكمٍ عندك؟ كله محصور في أشياء حدَّدها الحق تعالى، وجعل فيها رغباتهم وشهواتهم وأهوائهم ومُنازعاتهم؛ وهي كلَّها محصورة جدًا.
تأمَّلوا ماذا يقول الحق تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
-لماذا لم تتقدَّم قليلا أنت، قبل الوقت هذا؟ تجيء في قرن سابق مثلا؟ من أجل أن تنفع الناس. ولماذا لم تتأخر؟! لأنه سيأتي ناس بعدنا -بعد ذلك- محتاجينك؟ لماذا لم تتأخر؟- لا يقدر أن يُقدِّم ولا يؤخِّر نفسه -مسكين- هذه هي اللحظة التي قدَّر له أن يولد فيها يولد، واللحظة التي قدَّر أن يموت فيها يموت، إذًا أين الملك؟ وأين الحاكم إذًا؟
ستقرأ في السورة التي بعدها، بيان هذه الحقيقة يقول: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
يقول: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، التدبير هذا والبناء المُحكم، والسموات هذه، ليس لها صِيانة، ليس لها تفقُّد؟! ما قد تشققت؟! مباني ضخمة يُصلِّحونها لنا، فتمضي عليها سنين؛ هذا يتشقَّق، وهذا يتشوَّه، وهذا يتأثر من الشمس، وهذا يتأثر من الهواء، وهذا يتأثر من المطر. زلزلة خفيفة وتهدَّمت، وهذا بنى السماوات: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح:15-16]، هل لها وقود؟! والشمس لا ينطفي! وكل يوم تطلع قال:
ومن ذلك: هذا القرآن الذي أنزله على عبده محمد حدَّثكم فيه عن خلق السموات، وعن خلق الأرض، وعن البحار، وعن الحيوانات، وعن تكوين الإنسان نفسه..
الله اكبر: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12))، -جل جلاله وتعالى في علاه-.
وكان هذا ختم السورة الكريمة، وهذا المقصود الأعظم من إنزال القرآن، أن يُكرم الناس بدعوتهم إلى الإله، هذا المقصود الأعظم: أن يعرفوا ربَّهم، وأن ينالوا نصيبهم من شرف المعرفة بالإله الذي لا يُحيط بمعرفته أحد، وكل هذه المعاني نقرأها في أوائل سورة التغابن بعدها.
===============
سورة التغابن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)
نجد الحق يقول: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، قال: كل الكائنات أمامكم جميع ما في السماوات والأرض:
(يُسَبِّحُ)، يُقدِّس، ُينزِّه، (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، كما قال لنا في الآية الأخرى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44]، وجاء:
فهي شواهِد على عظمته، تُسبِّح بحمد ربِّها.
ولقد أظهر الله بعض المخبوء من أسرار التسبيح في الكائنات:
فجعل أصحابه يتناولون من يد إلى يد وما ظهر هذا التسبيح، التسبيح مُستمر؛ لكنه محجوب عن الناس. -الله أكبر-
من تسبِيحِهِم بحمد ربهم علموا *** قَدْرَ ذَوِي الأَقْدَارِ عِندَ الإِلَهِ
وقَالَ ﷺ في حديثه صحيح: "إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ"
قبل أن يخرج جبريل إليه ويأتي بالوحي، والحجر يعرفني، ويعرف من ذاتي وصورتي وهيئتي، فإذا مرَّ: "السلام عليك يا رسول الله"، كلما يمُر في الشارع.
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، كلُّ الكائنات في تسبيحها المعنوي، يُدرِك كلُّ عاقِل بعقله، الشواهِد فيها على عظمة مُبْدِعها وصانِعها، وقُدرته وحُسن تدبيره، وجميل نِظام تصويره في هذه الكائنات؛ وهذا معنى من التسبيح المعنوي يُدرَك لذوي العقول.
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ):
والمُلك بهذا المعنى لا يوجد لغير الله، مُختصُّ به: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [الملك:1]، وملوك الأرض؟! الملوك، والرؤساء والأُمراء عندنا، ومُلكنا للديار، أو أراضي، أو سيارات أو غيرها كلها صور مجازية حقيرة قصيرة، ما أسرع أن تنتهي؛ المُلك له.
(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) أي:
وهو محصور وقاصِر؛ لكن حقيقة الفضل مِنه، حقيقة الإنعام منه، فحقيقة الحمد له وحده: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:2].
(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)):
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1))، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82]. (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2))
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، لك الحمد يامن رَزقتنا الإيمان فزدنا إيمانا، (فَمِنكُمْ كَافِرٌ): يستُر الحقيقة، ويريد تغييبها وليس بقادِر؛ ولكنه يكفر مُكابرة وعِنادًا.
(فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ):
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)
(فَمِنكُمْ كَافِرٌ) أي يكون: موته وخروجه من الدنيا على الكفر؛ فهذا كافر، وإن أظهر الإيمان بلسانه، وإن آمن في وقت من الأوقات، ثم زُلزل وزيغ قلبه -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران:8]، هذا كافر.
(وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، وهو الذي يموت على الإيمان:
(فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، خلق الجنة للمؤمنين، والنار للكافرين:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس:99].
(فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2))، فإن كانت لكم مراقبة لشيء فلهذا الكبير، فإنَّه بصير بعملكم، ما تعملون ظاهِرًا وباطِنًا، مُطَّلع عليه اطلاع أكثر من معرفتكم أنتم بهذا العمل نفسه، بصير بأعمالكم، فإن تُراقبوا أحدًا فهذا أحق بالمراقبة: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)، فلم يخلُقها عبثًا ولا باطِلًا؛ ولكن للمُهمَّة الكبرى والمآل العظيم..
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)، وخلق آدم على الصورة الآدمية في أحسن تقويم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4]؛ وجعل النسل كلهم على هذه الصورة.
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ):
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3))؛ المرجِع لكم، ولكل الكائنات من حواليكم إليه وحده، لا ترجع إلى بعضها البعض قطعًا، فلا الناس يرجعون إلى بعضهم، ولا يرجعون إلى شيء من الكائنات الأخرى.
مرجِع الكل إلى مُبتدئه، إلى مُوجده ومُنشئه، إلى الله: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ) [السجدة:12]، أين يذهبوا؟ هل عند أحد ثاني؟! هو مُلحد، كافر، شِرِّير، مُكذِّب بالأنبياء -عربيد- فاسِق، ثم أين سيرجع؟ فأين سيذهب؟ أين سيرجع؟
يقول: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)):
ولذا من الناس مَن يُحشر في صورة كلب، في صورة خنزير؛ على حسب ما كان يغلب عليه من الطِباع، يُشابه أي شيء من هذه الكائنات، يُحشر على صورتها، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
فالله يُحسِّن أخلاقنا ويجعل لنا صورة معنوية جميلة كما جمَّل صورنا الحسية الظاهرة -يارب العالمين-.
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، المرجِع والمآب، فأحسِن مصيرنا إليك يا رب الأرباب، وهكذا يوالي التعرُّف علينا بصفاته، ويتكرَّم علينا سبحانه بتبيِناته، الله يجعل لقلوبِنا فهمًا مُبينا، وعِلمًا واسِعًا ومعرفةً شامِلة في لطف وعافية إنّه أكرم الأكرمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
11 رَمضان 1441