تفسير سورة الطلاق -4- من قوله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ..)، الآية 8

تفسير سورة الطلاق، من قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ..} الآية 8
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطلاق، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ..} الآية 8، إلى قوله تعالى في علاه: { رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ..} الآية: 11

(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • أثر الرضاع المادي والفكري في تشكيل الطباع:
    • الرضاع الحسي.
    • الرضاع الفكري والمعنوي.
  • شمولية الإنفاق وسعة العطاء:
    • الإنفاق لا يقتصر على المال.
    • الاستقامة وميزان الإيمان.
  • سنن الله في إهلاك الأمم العاتية:
    • خطر العتوّ والعناد.
    • سقوط أهل الطغيان.
  • حقيقة الذكر ومقام النبي ﷺ:
    • اقتران الرسول بالذكر.
    • الاستنارة المتجددة: هداية المؤمنين تتجدد دائمًا بفضل اتباع الرسول ﷺ.
  • الرزق الحسن ونعيم الجنة المقيم:
    • الفارق بين متع الدنيا ونعيم الآخرة.
    • سكينة أهل الإيمان.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بأنوار القرآن، والبيان على لسان عبده المُصطفى من عدنان، اللهم أدم صلواتك على المُجتبى المُختار، نور الأنوار وسر الأسرار سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن ولاهم فيك وعلى مِنهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادِن الصدق والأنوار، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المُقَّربين وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرحمين.

أما بعد،،،

فإنَّنا قد تأمّلنا في تعليمات الله وتوجيهاته شؤونًا، تتعلَّق بالأُسر والبيوت، وإقامة أمر الله بين الأزواج والنظر في شأن الأولاد وتربيتهم ورَضاعِهم. 

وإنَّ الرَّضاع يُغيِّر الطِباع: 

  • ومن هُنا كان الحرص الشديد أن لا يُرضِع أحدٌ من أبنائهم وبناتهم إلَّا من امرأة صالِحة تقيَّة تأكل الحلال، ينعقدُ لبنها من أكل حلال، وطاعة للرحمن ذي الجلال -جلَّ جلاله-. 
  • فإنَّ لذلك تأثيرًا على الرضيع، صفاء طُعْمَةِ المُرْضِع وذكرها للرَّب وحالُها مع الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

وقد رتَّب الله على الرَّضاع حُرمة النِكاح ومحْرمِيَّة حتى جاء: 

  • في الحديث:"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". 
  • قال تبارك وتعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء:23]. 

فترتَّبت أحكام وأُخوَّة وبُنوَّة على الرَّضاع، إذًا فهو خطير، وشأنه كبير، وقوي التأثير، بين المُرضِع والمُرْتضِع، وإذا علمتَ ذلك، فإن لعقول الناس في أفكارهم وتصوُّراتهم رَضاع، وبحسب الرضيع يكون الأمر؛

  •  في صفاء فِكرهم وصحَّته واستقامته
  •  وفي فساد فكرهم وظُلمته وانحرافهم وشذوذهم فيه. 

فانظر من أين ترضع، فإنَّ الرضاع يُغيِّر الطِّباع، وإذا فتحت عينيك وأُذنيك لمُرْضعٍ خبيثٍ سيءٍ قبيحٍ، سرى القُبح والخباثةُ إليك، وصرت متُأثرًا بما ارتضعت بأُذنيك وعينيك، وما أرتضعهُ بسبب ذلك فِكرُك ونظرك إلى الأمور. 

فانتبه وقم بأمر الله -تبارك وتعالى- فإنه في رَضَاع هؤلاء الأطفال المُتعلِّق بأجسادهم، جعل مسؤولية كاملة على الأب في ذلك وقال: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ (6)).

وشرع المِنهاج: 

  • (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) في شأن ماله، وشأن عِلمه، وشأن فِكره، وشأن قُدراته الجسدية، وكلِّ ما أوتي الإنسان، فذو السِّعة في شيء من هذه الشؤون يجب أن يُنفق من سِعته. 
  • (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) يُشارك بما يتيسّر له.

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)): لكلِّ مَن بذل له ومن أجله، ولكل مَن أعطى لوجهه، ولكل مَن أحسن التصرُّف فيما وسَّعه الله عليه من عقل، أو عِلم، أو مال، أو جاهٍ أو قوَّة جسدية أو مكانة بين البرية إلى غير ذلك. 

(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) فإذا تم ذلك يُسِّر له العسير، وسُيِّر بأحسن التسيير، ودبَّره الجبار بخير التدبير، ومَن أعطى لله، ومنع لله، وأحبَّ لله، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان. قال : "مَن أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للَّهِ، وأعطى للَّهِ ومنعَ للَّهِ فقدِ استَكْملَ الإيمانَ"، وفي لفظ: "فقدِ استَكْملَ حقيقة الإيمانَ": 

  • أن يُحب لأجل الله، ويبغض لأجل الله، ويعطي لأجل الله، ويمنع لأجل الله. 
  • استقام ميزانهُ، فأوجبتْ الاستقامة رُجْحانه، وشرَّفهُ ذلك وزانه.

 

تفسير قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8))

قال تعالى فيما قصَّ علينا من نبأ وعلَّمنا من حُدود وأخبار و مُهمّات وواجبات: إنَّ الذين رفضوا دعوات الرُسل الذين أرسلتهم بالحُدود والأحكام، والبيان كثير؛ قُرى، قرى، قرى، لا أفراد، ولكن مُدن وقرى كثيرة؛ ورفضوا، وغلبتهم أهواؤهم وأنْفسهم وشهواتهم، وإيحاءات بعضهم إلى بعض من زخرف القول؛ وكلُّهم أهلكتهم، وكلُّهم جعلتهم عِبْرة؛ لا قرية ولا قريتين، ولا جماعة ولا جماعتين، ولا قرن ولا قرنين، أعداد كبيرة: 

  • (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ) كم من قرية؟! كثير قُرى، (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ)، عتت: أعرضت عنادًا وتكَبُّرًا وتعاليًا، (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا) عصت وخالفت، عُتو: وهو الإعراض -عِنادًا ومُكابَرة،- هذا هو العُتو. 
  • (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ) قال الله: قُرى كثيرة، أرسلنا إليهم الرسل وبيَّنَّا لهم الأحكام، عتوا (عَنْ أَمْرِ) ربِّهم فخالفوه (وَرُسُلِهِ)، خالفوا المرسلين الذين أُرسلوا إليهم. 

 قال الله: ألا تنظُرون كيف كانت عواقِب هذه القُرى الكثيرة؟ وإلى ماذا انتهى شأنها وأمرُها؟ لِمَ لا تعقلون! لم لا تتدبَّرون! لماذا لا تتفكَّرون؟ 

(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا)،

(فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا)، استقصينا عليها في الحساب بلا عفو، ما عفونا، -لاحَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ-: 

  • "من نوقش الحساب عُذِّب"، يقول : أي أحد نوقش الحساب وشُدد عليه فيه، لابد أن يُعذَّب، ولا يسع الإنسان إلَّا عفو ربه. 
  • وقالت السيدة عائشة: يا رسول الله؛ أرأيت إن أنا أدركت ليلة القدر فبمَ أدعو؟  قال: " قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفوّ  فاعفُ  عني"، فما يسع الإنسان إلَّا عفو ربه، ولا ينَجِّيه إلَّا عفو مولاه، أمّا إذا نوقِش الحساب فقد هلك. 

فقال الله عن هذه القرى التي (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا (8)):

  • فابتدأ ذلك بالمؤاخذة على الأعمال في الدنيا، فنالهم ما نالهم من هلاك في الدنيا، نحن نقرأ قول الله عن الأمم التي سلفت قبْلنا، -الله..الله- يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40]، فنازلهم العذاب في الدنيا. 
  • ثم الحساب الأشد، والعذاب الأنكر الأفظع في الآخرة: (فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا)  مُستنكر، فظيع، قوي، مُهين، أليم، شديد، عظيم، اللهم أجرنا من عذابك.

 

تفسير قوله تعالى: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9))

 قال في فريق من هؤلاء العُتاة الذين عتوا عن أمر الله -تبارك وتعالى-، يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- عن هذا الفريق الذي طغى وتأبَّى واستكبر، يقول -سبحانه وتعالى- في صريح كتابه العزيز: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) [آل عمران:56]، (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ)، مَن ينصرهم ويمنعهم منع؟ 

(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا) [الأنبياء:43]، هل من أحد يأتي يمنع؟ وهكذا لا تجد أفرادًا أو جماعات في عصرك وزمنك وعمرك القصير الذي تعيشه في الدنيا؛ يستبيحون العُتوَّ والفساد في الأرض والطغيان، ويستعملون قواهم في إذلال الخلق وظُلمهم؛ إلَّا ورأيت -إن كانوا فردًا أو جماعة، إن كانوا قليل، أو كثير، إن كانت دولة صغرى، أو دولة كبرى- ترى في حياتك انهيارات تحصل فيها، وآفات تطرأ عليها، وتغيُّرات في مسارها وأحوالها، وعذاب لا يقوون، ولا يقوى أحد معهم أن يدفعه عنهم. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا)، (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ).

كما قال -جلَّ جلاله-: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا (8)) فظيعًا هائلًا مستنكر: 

  • (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا)، مغبَّة عُتوها وطغيانها، عاقِبة أمرها. 
  • (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا)، ذاقت شِدَّة أمرها، سوء العاقبة لمسارها واختيارها. 

(فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9)):

  • خسِروا رضوان الإله، وخسِروا الجنان التي فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت. 
  • وخسِروا أحلى اللذائذ في الدنيا من الصِلات بهذا الحق، وتروُّح الأرواح بوصله. 
  • وخسِروا مرافقة الأنبياء، وخسروا أن ينظُر إليهم الجبار في الآخرة. 
  • وخسروا أن يُعطوا كُتبهم بأيمانهم، وخسِروا أن يمرُّوا على الصراط. 

ما الخسران هذا؟! ما البلايا هذه؟! ما الخسران الكبير؟!

(وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا)، (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ)، قد خسر كلُّ من كذَّب بلقاء الله والمرجع إليه -خاسر- إن كان قوي، إن كان ضعيف؛ في الجسد، أو في المال، أو في الحركة، أو في الُنفوذ في الحياة، إن كان أمير، إن كان مأمور، إن كان صاحب نفوذ، وإن كان مُحتقر بين الناس، إذا هو مُكذِّب بلقاء الله فهو خاسِر:

  • (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنعام:31-32].
  • (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:34]. 

(فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9))، انظر ماذا خسر أبوجهل:

  •  الذي دعته نفسه في طلب المكانة والجاه في الدنيا أن يُكذِّب بمحمد ﷺ، وهو يوقِن أنه رسول الله؛ خسِر، أي خُسران خسِر! ما أكبر خُسرانه! خسِر نعيم الأبد، خسِر جنة الخلد، خسِر مرافقة محمد ﷺ في البرزخ ويوم القيامة. 
  • فما الذي حصَّل؟ كم سنوات قضَّاها في طغيانه وغيِّهِ، مشحونة بأكدار، هذا الذي حصَّل! هذه الفائدة! هذا المكسب! هذا الربح! سنوات قضَّاها في عتوِّهِ وطغيانهِ، مشوبة بأكدار وأتعاب، وذهبَ وصار لا دنيا ولا آخره. 
  • خسر الدنيا والآخرة؛ هذا هو الخسران:
    • (أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
    • (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].  

 

تفسير قوله تعالى: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10))

 (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)، والذي أعدَّه الله، الله أرانا بأعيُنِنا: 

  • يعطى بعضنا على بعض قدره فيتعبه ويؤذيه ويعذبه عذابا شديد. 
  • ويبتكِرون الآلات للتعذيب، ودورات يصلحونها في التعذيب والتعذيب النفسي والتعذيب الجسدي شديدة. 
  • لكن ما مقدار هذا؟ عندما مباشرة -من قدرة القادر الجبَّار- يعد العذاب هو: الله، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)  [الفجر:25-26]، (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا).

يقول الله: بعد هذه الآيات البيانات والدلالات الواضحات والتنبيهات الحسنات (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) يامن عقل! يامن أدرك! يا من فهم! يا من وعى يا صاحب اللُّب! ياصاحب العقل: 

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا) فإنه لن ينزل شيء بكم من آفات، ولا مصائب، ولا عذاب، ولا تعب مثل الجبار القادر. 

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا)

  • يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ أحسنوا استعمال اللب، فهداهم لبهم إلى الإيمان بالحق والحقيقة، الإيمان بالحق وكتبه ورسله واليوم الآخر. 
  • أنتم أُكرمتم بهذا ورأيتم عواقب مَن لم يؤمنوا، مَن عاند المرسلين وعتا عن أمر ربها ورسله، فاثبتوا على التقوى وانتبهوا لأنفسكم، وتمسَّكوا بالعروة الوثقى واحمدوا ربكم. 

 

تفسير قوله تعالى: (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11))

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَّسُولًا)

(قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) أنزل القرآن الكريم ونِعم الذكر الحكيم؛ ولكن القرآن الكريم كيف يصلُ إلينا؟

بمحمدٍ الذي يتلقّى قلبه القرآن ويتيسَّر بلسانه القرآن، ويُبلِّغنا القرآن، وكان خُلقه القرآن. 

فاشتِمالهِ على القرآن جاء برسولٍ بعد الذكر؛ فكان بدلًا من الذكر، بدل الاشتمال:

  • (قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَّسُولًا) ﷺ، ولكونه مُبلِّغ القرآن، وحامِل القرآن، والمُطَّلِع على سرِّ القرآن، والمُتخلِّق بأخلاق القرآن؛ كأنه هو القرآن، هو الذكر، فهو الذكر، هو القرآن. 
  • (أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَّسُولًا) هو الذكر وهو حقيقة الذكر للرحمن ولا شيء من كائنات الله في أرضه ولا سماواته عرفت ذكر الله كما عرفه قلب محمد ﷺ، حتى سرت سراية ذكر قلبه إلى قالبه وجسده الشريف. 

فما من ظفر عرف يذكر الله كظفر محمدٍ، ولا من بشرةٍ عرفت تذكر الله كبشرة جسد محمد، ولا من شعرٍ عرف يذكر الله كشعر محمد؛ لذا تسابقوا عليه -أمامه- حتى كادوا أن يقتتلوا وأقرَّهم بنفسه؛ لما حلق رأسه في حجتهِ حجة الوداع، أخذ نصف شعرِ رأسه الأيمن وناولهم إياه وأمرهم أن يقسموه بينهم فكان الرجل تصيبه الشعرة والرجل تصيبه الشعرتان في تسابق وتزاحم حتى يستطيع أن يتمكن من وجود هذه الشعرة، شعرٌ ما هناك شعر عرف الله كهذا الشعر، ولا ذَكر الله كمثل ذِكر هذا الشعر. 

هكذا: (قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ)، واضحاتٍ مشروحاتٍ طيباتٍ، (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) فنعم التالي، وكلما استفادت قلوبنا وعقولنا معاني من كلام الله وبتلاوة محمد بن عبدالله: 

  • (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44].
  • (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ) [الدخان:58-59].
  • (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) [مريم:97]. 

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) اللهم اجعلنا من أُولِي الْأَلْبَابِ، (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا)، أحسنوا استعمال اللُب فهداهم إلى الحق فآمنوا.

(قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10)) اذكروا النِعمة عليكم: 

  • أدركتم أنكم خلقٌ لكم خالِق. 
  • تكرَّم الخالِق وهو الغنى عنكم بالتنزل إليكم والتنزيل عليكم. 
  • وآتاكم ذكرًا ورسولًا يتلو عليكم آياته. ما هذه النِعمة؟! 

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ): واضحات، بينات، سهلات، يسير الوصول إلى سرِّها وحقيقتها، لمن أقبل بالصدق، ولا غاية لما فيها من المعنى والمعرفة والنور والعلم والدلالة والهدى. 

(يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ) قال: الله فعل كل ذلك بكم؛ ليستمر عطاؤه الأوسع المرقِّي إلى المقام الأرفع:

(لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) -على استمرار- (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) كما: 

  • أخرجهم بداية من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد والإسلام. 
  • وأخرجهم من ظلمات الذنوب والمعاصي إلى أنوار الطاعات. 

فإن أنواع ما يعترض لهم في الطريق وهم سائرون إليه قاصدون وجهه من ظلمات الانقطاع والغفلات والحُجب؛ سيخرجهم منها إلى أنوار القرب والمعرفة والرضى. 

(لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ): 

  • وما آمنوا وعملوا الصالحات إلَّا وهم على نور وقد خرجوا من ظلمات كثيرة، قال الحق ولا أزال أُخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال في الآية الأخرى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة:257].
  • كما أن كُلَّ مَن سلَّم نفسه لقيادة إبليس وجنده في دولته الخبيثة الساقطة الهابطة التي مآلُها النار: 
    • وكل مَن سلَّم لهم زمامه يوالون إخراجه من النور إلى الظلمات؛ فيزداد ظلمة على مدى الأوقات. 
    • فلا يمر يوم إلَّا وهو أظلم، ولا يمر يوم إلَّا وهو أبعد، وفي حال أشتم، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) [البقرة:257].

كذلك ذكَّرنا الرحمن بنعمة انزال الذكر وإرسال الرسول التالي، الذي يتلو علينا آيات ربنا، أن نتيجة ذلك: (لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، فلا يزالون في استنارة، وهم في كل يوم أنور، والنور أبهى وأبهر وأضوأ وأزهر على مدى الوقت، فيا ربِّ أخرجنا من الظلمات إلى النور.

يقول الحق: خذوا مني حُكمًا حكمت به لا مبدل له: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11))، فجعل له مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: 

  • (فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ) [محمد:15]. 
  • (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72]. 
  • "أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ بعدَه أبدًا". 

(قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا)؛ هذا الرزق الحسن هذا الرزق الأحسن هذا الرزق الأعظم الأدوم، الأقوم الأبقى الارقى، ارزقنا يا رب و أَحْسَنَ لنا رِزْقًا. 

(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا)، هذا طريقك لأن يرزقك الرزق الحسن، يزداد إيمانك وتدأب على العمل الصالح، تدأب على العمل الصالح، تشتاق كل ليلة إلى زيادة الصلاة والدخول في الصلاة بحضور وخشوع، في كل يوم تزداد رغبة في تلاوة القرآن. 

(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11))؛ هذا الرزق الموفور بالحظ الكبير: 

  • لا موت فيه، ولا مرض فيه، ولا هرم فيه -الله-!، ولا همَّ ولا غمَّ ولا كدر فيه، -الله أكبر-. 
  • ولا نقص فيه؛ يزيد ولا ينقص.

 كل متع الدنيا تنقص، كل متع الدنيا تفنى، كل متع الدنيا فيها موت، كل متع الدنيا يمرض أصحابها؛ لكن هذا نعيم: 

  • المرض فيه ممنوع، الهرم فيه ممنوع، الموت فيه ممنوع، البؤس فيه ممنوع؛ لا هم، لا غم، لا كدر، لا هرم، لا مرض، لا موت. 
  • أول ما يدخل كل مؤمن إلى الجنة ينادى بهذا النداء: "إنَّ لكم أن تنعَموا فلا تبْأسوا أبدًا، وأن تشِبُّوا فلا تهرَموا أبدًا، وأن تَصِحُّوا فلا تمرضوا أبدًا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا". 

هذا الأمر المستحيل في كل ما في الدنيا من مُلك ورئاسة ومتاع، هل هنا منه هذا؟! آه! ما يقدرون عليه:

  • وأكثر الأمراض عند كبار الملوك، وعند كبار الرؤساء، وعند كبار الأثرياء في العالم، لا يوجد منها: "أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا"، الله الله الله. 
  • وبعد ذلك، وعلى أدنى مرض يجي لواحد منهم وإلَّا لولده، يصحبه غُبن كثير، وبذل كثير ويذهب إلى عند أكبر دكتور يعرفه، وأفضل طبيب وأغلى دواء، وتعب فوقه، وقد يشتفي قريب أو بعيد. 
  • ويأتي مثل هذا المرض لواحد فقير ويشرب له حبة واحدة باندول، ويذهب منه ويمشي ثاني يوم مبسوط، -لا إله إلَّا الله-. 

لكن الحياة هذه كان "أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا": 

  • كم حركوا فوائد التجميل في العالم ويحاولون يصلحون مقويات وقوة وبعد ذلك يهرم؛ لابد يهرم. 
  • وهذا الذي كم مرة قد صلحوا له عملية تجميل مسكين وكم أعطوه من أدوية، ثم يحمل عصا، لا يريد لكن يحمل؛ يحاول أن يمشِ بقوة مايقدر، يستِّر نفسه قليلا قليلا، وبعد ذلك يقر، لابد؛ لا يوجد حل: "أن تشبوا فلا تهرموا أبدا"، هذا في الجنة. 

اللهم اجعلنا من أهل جنتك، هل أحد منهم لا يموت، يوجد فيهم أحد لا يموت منهم؟! الله الله الله: 

وقبل الموت عشرين موتة، تحصل له قبل موته: متوقع اغتيال من هنا، ومتوقع غش من أحد من الحرس، متوقع كل شيء، يغير كل يوم هذا، ويبدل ويتعب هو، وقبل ما يموت حصل له كم من موتة معه في الدنيا. 

لو عرف بالموتات اللذائذ التي بذلها أرواح محبي الرحمن في محبة الرحمن: 

  • لعلم أن تلك حقيقة الحياة، وأن الموت من أجل الله هو الشرف والكرامة. 
  • وأما هذا الموت من أجل كرسيه ومصالح الدنيا، كم من قتلة يُقتلها -مسكين- قبل ما يجيه الموت، أو قبل ما يقتل. 

يقتل كذا كذا قتلة، ويتوقع أنها من هنا تأتيه ومن هنا تأتيه، وممكن يحصل شيء، ومن المحل الثاني انقلاب، وممكن من الذي في الخارج أو يأتي من الذي في الداخل ويعيش حياته مسكين!. 

لكن هؤلاء لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يَحْزَنُونَ: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا): 

  • تعجَّب بعض أمراء بلاد الكفر وقد قدِم إلى المدينة ووجد سيدنا عمر أمير المؤمنين الذي يرأس هذه الدولة الكبيرة تحت شجرة في الشارع نائم، يتعجب ويقول: "عَدَلْتُمْ فَأَمِنْتُمْ فَنِمْتُمْ"، ما يأتي لنا النوم في الشارع! كذا تنام! وهو خايف من اغتيال، وخايف من تربص، وخايف من انتقام وخايف، قال: "عَدَلْتُمْ فَأَمِنْتُمْ فَنِمْتُمْ"، -الله- لا إله إلَّا الله-. 
  • وكان ساداتنا الصحابة ينعسون وينامون وهم على خيولهم في صفوف القتال يقاتلون وهم حاملين السيوف من الأمن والطمأنينة في قلوبهم، حتى يقول بعضهم في أُحد، قال: "ثلاث مرات سقط السيف من يدي إلى الأرض من النعس" ينعس، (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا) [آل عمران:154]. 
  • ويخرج من فوق الفرس يأخذ السيف ويرجع ثاني مرة يقاتل، ينعس؛ مبسوط الرجل مطمئن، أمامه شهادة أو نصر، ماذا أمامه؟! كله ربح: (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:74]، فهو مطمئن، الله الله. 

قال تعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)) وتنتهى الحقيقة إلى الحقيقة الكبرى؛ خالقنا وخالق كل شيء، هو الذي منه مُبتدأنا وإليه مرجعُنا، يجب أن نحسب الحساب كله له ونستعد لمقابلته.. 

  • (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)) فمن شاركه في هذا الخلق؟ 
  • لا السموات ولا الأرض (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4]، ولا أحد، لا شريك له -جلَّ جلاله-.

رَزَقَنَا كمال الإيمان وكمال اليقين وأدخلنا في دوائر المتقين أُولِي الْأَلْبَابِ، الذين آمنوا ويزدادون إيمانا في كل نفس. اللهم ارزقنا كمال الإيمان، اللهم كمال اليقين، رقنا إلى أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، بوجاهة الأمين وأهل التمكين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

10 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

02 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام