تفسير سورة الطلاق -2- من قوله تعالى: (فإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ..)، الآية: 2

تفسير سورة الطلاق، من قوله تعالى: { فإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ..} الآية: 2
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطلاق، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: { فإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ..} الآية: 2، إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ..}

(اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • عناية الشريعة بأحكام الطلاق والأسرة:
    • الإمساك بمعروف أو المفارقة بمعروف.
    • أهمية الإشهاد في النكاح والطلاق والمراجعة.
  • الإيمان واليقين أساس تطبيق الشريعة:
    • ثمرات التقوى: المَخْرَج والرزق من حيث لا يحتسب
    • حقيقة التوكل على الله والتسليم لحكمته
    • حكمة الله في تسيير الوجود وابتلاء العباد
  • تفصيل عِدّة الآيسة والصغيرة والحامل
  • العروض الربانية للمتقين:
    • الخروج والنجاة من كل ضيق وكرب وشُبهة.
    • تيسير العسير وتذليل الصعاب.
    • تكفير السيئات ومحوها وإعظام الأجر والمضاعفة من لدن الله.
  • الإحسان في السكن والمعاملة 

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بالبيان، وتوضيح الشؤون والأمور في السر والإعلان، والهداية لما هو أقوم وأجمل في القول والفعل وما يستكن في الجَنان، نشهد أنه الله الذي لا إله إلَّا هو وحده لا شريك له، بارئ جميع الأكوان، وخص منها العالمين بمزيد من الفضل والإحسان، واختص من بين العالمين خلق الإنسان، وعلمه البيان.

ونشهد أنه أرسل أكرم الخلق عليه من بني الإنسان، سيد الأكوان، محمد ابن عبدالله، وأنزل عليه القرآن، وكان ابتداء نزوله في رمضان، صلِّ اللهم وسلم وبارك وكرم على عبدك المجتبى المصطفى في كل وقت وحين وآن، وعلى آله المطهرين من الأدران، وصحبه الغر الأعيان، وعلى من ولاهم فيك واستقام على منهجهم في السر والإعلان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادة أهل العرفان، وأئمة أهل الإحسان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقربين وعبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياكريم يا رحمن.

وبعد،،،

فإننا في تأمل خطاب ربنا -جلَّ جلاله- في كتابه الكريم، مررنا على آياتٍ في سورة الطلاق، يُبادر الحق -جلَّ جلاله- ويتكرم ويتنزل: 

  • فيلاحظ شؤوننا وأحوالنا في الديار والأُسر وما يجري بيننا. 
  • فيبين لنا مباشرةً حكمهُ في ذلك وما يحب منا، لنكون على حال أجمل وأسنى.

فله الحمد وله أعظم الثناء.

ولقد مررنا على خطاب الحق لنبينا، وخطابنا في طيِّه لكون نبينا ﷺ رأسنا وأساسنا، فخاطب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، ووجه الخطاب إلينا عبر هذا المصطفى .(إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1))

وعرفنا ما حدد الحق من وقتٍ للطلاق، ثم ما نبَّه إلى رعاية شؤون العدة وإحصائها اهتماما بالأمر فلا يعد مجرد أمرٍ عادي طبيعي أسري اجتماعي، بل الأمر أيضًا مَنُوط بالديانة، مَنُوط بالصيانة، مَنُوط بالأمانة، مَنُوط بعلاقة العبد مع ربه -جلَّ جلاله-: 

  • ويتعلق به صلاح في المجتمعات، لتكون به لشريعة الله ولدينه ولخير في الأمة توسعات، إذا قام على الوجوه المرضيات، للرَّب -جلَّ جلاله-. 
    • وإنه عند فساد في الأُسر، وتكدُّر الخواطر وسط الدُور، يحصل كثير من التعب والكدور في واقع الأمة في البطون والظهور. 
  • وتجد أصناف الفتن والأطروحات الساقطة سبيل إلى العقول وإلى القلوب وإلى النفوس، مع وجود هذا التوتر، ووجود هذا التكدر، ووجود هذا التعب النفسي. 
    • وإذا انزاح ذلك يكون في ذلك تحصين كثير، لقلوب وعقول المؤمنين من سيء التأثير، وسلبي التأثير، بما يطرح من أطروحات أهل الغفلة عن الحق -تبارك وتعالى- وأنواع الفتن التي بين الناس تسير.

يقول تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)، أي أشْرفن على انتهاء العدة المحددة التي أمر بإحصائها، (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، قرروا ورَأوا رأيكم، وقد مضت لكم من المدة ما يكفيكم هدوءًا وتأملًا ومراجعة للحساب وتفكيرًا أطول وأبعد وأعمق من الانفعالات النفسية الوقتية الآنية وقِصر النظر.

والآن قد فُسح المجال لكم وأُعطيتم الفرصة التامة لتتدبروا أمركم ورُوا رأيكم: 

  • (فَأَمْسِكُوهُنَّ): أبقوهن في عصمتكم أو راجعوهن قبل أن تنقضي العدة، ولا تحتاجون إلى عقدٍ جديد.
  • (بِمَعْرُوفٍ): بنية صالحة، بإرادة خيِّرة في أن تقوم أسرةٌ من أسر المؤمنين على تعاون على الخير، وعلى تكافلٍ وعلى تكاملٍ. 

جعله الله -تبارك وتعالى- طبيعةً، وجعله -سبحانه وتعالى- قانونًا وضعيًا بين الناس، أو موضوعًا بين الناس بحكم الفطرة التي فطر الناس عليها:

  • (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، لو رأيتم أنه لا يستقيم لكم الحال ولا تستقر الأمور على جمال، وأنه يحصل تعب ونكال، فقررتم أبغض الحلال، -وهو الطلاق- فافعلوا ذلك (فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، بلا شتيمة، بلا سب، بلا غيبة، بلا مضايقة.
  • (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، منهج قويم كريم وتعليم عظيم من عظيم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، بمخالفته يقع الناس في حرج وأنواع من الآفات هم في غنى عنها. 

يقول تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، ولكون الأمر المتعلق بالإمساك، وبالعقد نفسه الذي سماه الله الميثاق الغليظ: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء:21]، وأوجب الإشهاد في النكاح: 

  • وعليه الجمهور، واشترط الإمام مالك الإشهار من دون خصوص الإشهاد وقال: لابد من شهادة عدلين فأكثر عند عقد النكاح، كذلك عند الطلاق، وكذلك عند المراجعة إذا أراد أن يُراجع فينبغي أن يشهد. 
  • وإذا أصدر ذلك بلا تروِّي ولا إشهاد؛ فقد وقع في البدعة وخالف السنة، فلا ينبغي أن يكون منه عقد ولا طلاقٌ، ولا رجعةٌ إلَّا بإشهادٍ على ذلك. 

كما نقرأ: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ):

  • قال تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، حتى تستقر الأمور وتتوضح وتنغلق أبواب الشكوك والأوهام والاتهامات والاحتمالات، وقول ربما وربما، يذهب كل هذا، شهود قائمين، وأمور واضحة وبينة. 
  • (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، إثنين من أهل العدالة الذين لا يرتكبون كبائر الذنوب ولا يصرون على صغائرها فتغلب طاعاتهم معاصيهم فهم أهل العدالة. 
  • (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، بل يجمعون بين ما ذُكر المروءة، فلا يخلُّون بمُروءتهم بفْعل مسْتقبحٍ في الأعراف الصحيحة، أو مكروهٍ في الشريعة المليحة، فيتنزهون عن ذلك؛ فهم العدول التي تُقبل شهادتهم.

(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، لا تبتغوا من وراء الشهادة مكسبًا من مكاسب الدنيا، ولا قضاء غرض ولا انطلاقًا عاطفيًا مجردًا مع أحد الزوجين، ولكن َأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ مخلصين لوجه ربِّ الكل، وإله الكل، ومَن إليه مرجع الكل، وعليه حساب الكل.

(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، مخلصين لوجه الله ولا تزيدوا ولا تنقصوا ولا تقولوا غير الواقع.

(ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، رَزَقَنَا الله كمال الإيمان به وباليوم الآخر، وأهل الإيمان بالله واليوم الآخر على قدر إيمانهم هم المطبقون لمنهج الله على ظهر الأرض.

(ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)

  • فكلما ضعف الإيمان ضعف تطبيق الشريعة، ضعف العمل بالسنة الكريمة؛ بسبب ضعف الإيمان ويقع أنواع من الخلل. 
  • فقوة الإيمان هي الأساس في نجاة الناس وصلاح الناس وبلوغ العطايا الواسعة من الإله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- قوة الإيمان. 

ومن هنا جاءنا في الآثار: "ما نزل من السماء إلى الأرض أشرف من اليقين، فالله يزيدنا ايمانًا، ويزيدنا يقينًا، ومَن صام إيمانًا زاده الله إيمانًا، ومَن قام إيمانًا زاده الله إيمانًا، ومن تلا القرآن إيمانًا زاده الله إيماناً، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]: 

  • فيزداد الإيمان بالعمل الصالح، ويزداد بحسن الإصغاء والاستماع إلى الآيات على وجه الخصوص؛ فهو من أقوى أسباب إضاءة نور الإيمان في القلب، وتمكُّن اليقين من الفؤاد.. 
    • إصْغاء إلى آيات الحق، وخصوصًا فيما يتعلق بعظمته وكبريائه والمرجع إليه وما عامل به الأنبياء والأصفياء وما حلَّ بمعانديهم من البلاء. 
    • فتأمُّل تلك الآيات وحسن الإصغاء إليها وتكريره مرةً بعد أخرى؛ مفاتيح إشراق أنوار الإيمان في القلوب، وزيادة اليقين في الأفئدة؛ من أقوى الأسباب لذلك، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال:2].
  • ثم بعد ذلك الفكر الصافي الصحيح في شؤون الدنيا والآخرة، وشؤون الأرض والسماء، وشؤون الروح والجسد هذا الفكر الصافي القويم: 
    • في آيات الله وفي نعمه وفي عظمة الدار الآخرة. 
    • وفي مغالطة الدنيا لأربابها ولعبها بهم وضحكها عليهم.
    • وجعلهم سخرية بعد أن يؤتوها كل قواهم وكل فكرهم وكل أرواحهم وكل ما عندهم. 
    • تجعلهم عبرة للمعتبرين، وعِظة للمتعظين، هذا الفكر يقوي الإيمان ويقوى اليقين.
  • ثم أنواع العمل الصالح والاقتداء والاتباع يقوي الإيمان ويقوي اليقين..
    • وإن ظفرتَ بمجالسة أقوياء الإيمان ومجالسة أهل اليقين فمن أقوى ما تسري بهم السراية إليك فيتمكن اليقين من قلبك من مشاهدتهم ومن سماع كلامهم ومن مجالستهم. 
    • كالجليس الصالح الذي هو كبائع المسك، ولا بد أن تفوح لك الرائحة، ولا بد أن تلوح لك اللائحة، ولا بد أن يطيب لك معنىً من شم تلك الرائحة. 

يقول سبحانه وتعالى: (ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، ولذلك لما عرض ﷺ بعض الأوامر المهمة، قدَّم الإيمان وقال: 

  • " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ.
  • وقال " لا يَحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلَّا معها زوج، أو محرم". 
  • "لا يحِلُّ لامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا "، إلى غير ذلك مما قدم فيه الإيمان.

(ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، ثم قال الحق؛ من بنى شؤونه على تقْوايا في أحواله، فإني أبسط له من بُسُوط الفضل، وأُنزل عليه من غوامر الفضل، والإحسان والامتنان من حضرتي ما أصلح به شأنه، وأشيد به بنيانه، وأقوي به أركانه، وأدفع عنه المهانة وأعزه وأرفع قدره لديَّ في الدنيا والآخرة: 

  • (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، من أنواع الشدائد والمصائب والفتن والمحن. 
  • (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، كان ابن عباس يقول: "لو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله للمتقي منها مخرجا" بعد قوله: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) يعني:-
    • ماذا تتصور أكبر شيء في العالم؟! قال: لو انطبقت السماء على الأرض، أنت لك مخرجًا، إذا كنت متقي. فاتقِّ الله والمخرج في تقوى الله.
  • (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، وحتى من أنواع الإشكالات، والمعضلات في المعارف والعلوم -بتقوى الله- يكون المخرج من ذلك. 

ومن أنواع القواطع، ومن أنواع المفاسد، ومن أنواع الشرور يُخلِّص الله تعالى من اتقاه وقام بأمره كما يحب؛ أن يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب:

وأورد الإمام أحمد في مسنده، أن مالك الأشجعي كان له ولد -يقال له عوف بن مالك الأشجعي- وقع في أسر الكفار، وأسروه المحاربين من الكفار، ثم أوثقوه بالقيد بالحديد وحبسوه عندهم، وبلغ الأخبار لوالده وأمه، وكانت أمه حزينة عليه ووالده مالك الأشجعي يتردد إلى الحبيب ﷺ ويقول: يا رسول الله؛ ولدي حاله كذا ومع الكفار وأوثقوه في الحديد وما أدري حاله، فكان يأمرهُ بالصبر، وكان بعدها يقول: قال أكثروا أنت وأمه من قول: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم". 

فأخذوا يكثرون منها، ولم يدروا بعد أيامٍ إلَّا والولد على الباب، وذلك أن الله فك عنه القيد ومَن حواليه نيام من الحرس؛ فخرج، وجد ناقة لهم فركبها ومشى، فإذا بجماعة من نوقهم نفَّرها؛ فتبع آخرها أولها ومشت وراءه، واستاقها كلها ووصل، وصل إلى عند أبيه، فإذا به يطرق الباب ويتكلم، فإذا مالك يقول: هذا صوت عوف، قالت له زوجته: أين عوف؟ بالحديد هناك موثَّق عند المشركين، فخرجوا وفتحوا الباب فإذا عوف وإذا معه هذه الإبل!! ومعها رزق جاء به من هناك. 

(يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، قال؛ ما هذا؟ فأخبره الخبر، فقال: اصبروا حتى أسأل رسول الله، تأتي لنا بالأموال هذه كلها، فذهب إلى الحبيب ﷺ وأخبره بالخبر السار، قال: "اصنع بها ما تصنع بمالك"، يعني من الغنيمة التي تدخل في مُلك الغانم الذي أخذ، وإن كان فيها الأربعة الأخماس فالخُمس صرفه ﷺ له، فقال: تصرَّف فيها كما شئت، فكان المخرج وكان الرزق من حيث لا يحتسبون. 

وهكذا لم يزل الحق -تبارك وتعالى- يعامل المتقين والواثقين به ومَن علموا أنه لا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم -جلَّ جلاله-. 

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، -الله لا إله إلَّا هو-

(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، يعتمد ويستند موقنًا أن الأمر له، مفوضًا الأمر إليه، فهو حسبه، قال: فقط أنا أكفيك، أنا أكفيك في أي حال، في أي شأن، أنا كافيك فقط تطمئن، أوما تطمئن؟ 

  • يقول -سبحانه وتعالى- لسيد خلقه وأكرمهم: (رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)، أنا سأتوكل لك -الله أكبر- (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [المزمل:9-10]، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا، حسبنا الله ونعم الوكيل. اتخذنا الله وكيلا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. 
  • قال سبحانه وتعالى عن المؤمن من آل فرعون، أنه قال: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)؛ قال: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، وما نفذ إليه شيء من مكرهم- والقوة عندهم والمظهر عندهم والقدرة عندهم- وهذا واحد ضعيف بينهم ،ولكن (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ)، أشد العذاب (سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر:44-45].

يقول: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، كافيه. رَزَقَنَا الله صدق التوكل عليه والاستناد إليه والاعتماد عليه، لا على سواه في كل شأن، اللَّهُمَّ لا تكِلْنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خَلْقك طَرْفَةَ عَيْنٍ ولا أقل من ذلك،

ربـــي عليك اعتمادي  ***  كما إليك استنادي

صدقًا وأقصى مرادي *** رضاؤك الدائم الحـال

  فارضى عنا يا أرحم الراحمين، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)، يعنى ما أراده يبلغ، لا يحول بينه وبينه حائل، لابد أن يكون ماأراد، ما شاءَ اللهُ كانَ وما لمْ يشأْ لمْ يكنْ، ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

وهكذا،، جاءنا أيضًا في الحديث في مسند الإمام أحمد، أنه قدِم بعض المتمسكين بحبل التقوى من سفر، إلى عند زوجة كانت من أهل التقوى وهو مجهد جائع، ودخل البيت وليس في البيت شيء، وقال لزوجته: هل عندكم شيء؟ قالت: عندنا خير ربك؛ هي واثقة، هي متوكلة، هي غير متبرمة، ما قالت: من أين نأتي لك بشيء، ماذا عندنا؟ وأنت ما جئت بشيء. 

قالت: عندنا خير ربنا، قال: يا الله قومي هاتي ما عندك، قالت له: مرحبا انتظر، جلس قليل، قال لها: إني مجهد مصغب جائع، فهل عندك شيء فقومي، قالت له: مرحبا انتظر، واصبر فقال: لا.. أما عندكم؟ فقالت: الآن التنور ينضج والرحى تطحن ونأتي لك به، وقامت فوجدت التنور مسجرًا وفيه جُنوب غنم تشوى، ووجدت الرحى تطحن وأخذت العجين وعجنت ووصَّلته له، قال : ما شاء الله عندكم هذا الخير كله، قالت: من عند إلهك، من عند ربك، ما في البيت شيء، وأخبرته القصة، فأخبر النبي في اليوم الثاني قال: "أما إنها لولم تنفض الرّحا لبقيت تطحن"، قال: فلما نفضتها وقفت، لو تركتها ستبقى إلى اليوم الثاني، والثالث، والرابع ستستمر تطحن لكم الرحى، بصدق توكلهم على الله، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حسبه).

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، من حيث لا يؤمل ولا يرجو: 

  • ولا شيء سبب ظاهر، سيأتي لهم بالرزق، بل يحب الحق تعالى مع كثير من المؤمنين أن يجري لهم طيِّب الرزق من حيث لا يحتسبون. 
  • يظن أنه سيأتي من هنا، فيأتي من هنا!، والوجوه التي يظن أنه سيأتي منها، ما تيسر منها شيء، فوصل من وراء حسه وعقله، ، -الله أكبر-. 

من أجل أن يبقَ معلق بالرب دائمًا لا بالسبب، -لا إلهَ إلاَّ اللَّه-، أبى الله ان يرزق عبده المؤمن من حيث لا يتوقع ولا يرجو ولا يأمل ولا يعُد العدة، ويجي الرزق، -لا إلهَ إلاَّ اللَّه-.

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))، يفقهُ عني حكمتي في تسيير الوجود، الأمر بيدي، وقال: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [محمد:4]، عنده حكمة -سبحانه وتعالى- وله مراد من وراء عقولنا، فرتب الأمور على هذا، وإلَّا كان يستطيع هذا الحبيب 

  • كم تعب في الهجرة إلى المدينة المنورة 
  • واختبأ في الغار ثلاث أيام، ثم من حِل إلى حِل ومن مكان إلى مكان. 
  • كان قبل مدة قليلة، أُسري به من البيت إلى المسجد الأقصى في لحظات. 

وكان ممكن أن يوصله إلى المدينة في لحظات، المدينة أقرب من بيت المقدس بكثير، المدينة أسبوع، وبيت المقدس شهر؛ من مكة المكرمة، ولكن المدينة هي أسبوع واحد، ولكن قعد في الطريق هذه، قريب أربعة عشر يوما جالس من مكان إلى مكان ﷺ حتى وصل وصبر.

فالقدرة موجودة ولكن لله حكمة، هو الذي أسرى به إلى المسجد الأقصى، قال له: أُقعد في الغار محلك أول ليلة وثاني ليلة وثالث ليلة محلك، ترقَّب الفرصة، ورتِّب مع صاحب الطريق، الدليل، ويأتي بالإبل وخذوا متاعكم، واجعلوا أسماء تقص نطاقها وتربط لكم طعامكم وامشوا، واذهب من الطريق، وأدخل من طريق الجبل وأنزل من ذي العقبة واطلع من ذي العقبة واذهب، وكذا جعل حبيبه ﷺ يتحمل كل هذا ويقوم به، وهو قادر أن يوصله في لحظة، -سبحانه وتعالى-. 

(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، قال: الأمور بقدرتي لكن أنا أرتب الأمور بحكمة فوق ما تعقلون، وفوق ما تدركون، -لا إلهَ إلاَّ هو-.

قال: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21]، وأي شيء ما تقدر على ما في خزائن الله، في أي شيء كان، لعظمته، ولهذا حتى: 

  • لاحظ بعضهم ويلاحظ بعض العامة، يصيح: يا كريم، يا كريم، قال له: انتظر، قليلا، قليلا، هات اسم ثاني، كرم ربك لو انفتح عليك ما تقوى أنت ولا الخلق كلهم له. 
  • قل: يا رحيم يا لطيف، اجعله يلطف بك، أما لو انفتح باب كرمه، تنفتح بأشياء فوق عقلك وفوق ماتطيقهُ، قال له: أرفق بنفسك قليلا، قل: يا لطيف فوق هذا اللطف. 

إشارة إلى أن ما عند الله أمر عظيم، ولكن ينزل الأشياء بقدر، -سبحانه وتعالى-، بحكمة: 

  • (ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [محمد:4]. 
  • (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام:112]. 

لحكمٍ يعلمها -جلَّ جلاله- (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4))

قال: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ (4))، جاء سيدنا أبيّ وغيره من أصحاب النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله؛ ذكر الحق تعالى هناك في سورة البقرة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة]، عدة ثلاث قروء، تحيض ثلاث مرات، وتطْهر ثلاث أطهار، قال: 

  • الكبيرة هذه ما عاد تحيض! 
  • وصاحبة الحمل ينقطع حيضها بسبب الحمل! 
  • وإذا واحدة لازالت صغيرة طُلقت لم تبلغ وقت الحيض! 

ما ذكر الله عدَّتهن، ما عدَّتهن؟ كيف العدة؟ أنزل الله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ)، ما دريتم الآن، أنت قلت ثلاث قروء، وهذه ما تحيض أبدًا! من أين  نأتي لها قروء؟

(إِنِ ارْتَبْتُمْ)، ما دريتم كيف العدة؟ 

  • (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)، تقعد ثلاث أشهر، التي هي الغالب في حيضة الحائضات، لأن في الثلاثة أشهر تحيض ثلاث حيضات. 
  • (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) كذلك، َاللَّائِي لازلن صغار، فعدتهن -مادام أن الحيض لم يأتِها- ثلاث أشهر.
  • (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ) صاحبات الحمل، الحوامل من النساء، (أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) متى ما ولدت انتهت العدة، قلَّت أو كثرت:
    • فإذا مات زوجها وهي في أول الحمل يجب أن تبقى في العدة إلى أن تضع، بعد ثمان أشهر، أو تسعة أشهر. 
    • فإذا مات زوجها وبعد ساعة ولدت انتهت العدة. 
    • وكذلك إذا طلقها زوجها وهي حامل، فولدت انتهت عدتها، وإن كانت لا تزال في أول الحمل تطول العدة عليها. 

(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، إذا وضعن الحمل إنتهت العدَّة، وهكذا: 

  • كان تناقشَ بعض الصحابة؛ إذا مات زوجها وهي حامل وباقي أقل من أربع أشهر وعشرة أيام، يكفيها بوضع الحمل، أو لابد من أربعة أشهر وعشرة أيام، ومنهم من سأله بعد ذلك ﷺ، فقال: " إذا وضعت الحامل حملها فقد انقضت عدتها"، وإن قلَّت. 
  • وهكذا، ولدت بعضهن بعد أن توفي زوجها، ودخل عليها بعض أقاربها فوجدها مُتزينة، قال لها: مالك تتجملين، أتريدين أن تُنكحي؟ ما تنكحي إلَّا بعد أربع أشهر وعشرة أيام، فذهبت تسأل النبي ﷺ، قال: "بل قد انقضت عدتك فإنكحي إن شئتِ"، إذا أردت أن تنكحي.

فخُطبت قبل مضي الأربعة أشهر والعشرة أيام لأنها وضعت حملها بعد أن انقضت نفاسها، خُطبت وتزوجت، فإذًا هذه عدة َأُولَاتُ الْأَحْمَالِ (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).

كرر الحق الكلام، قال: باب المعاملة الذي فتحته لكم لا تهملوه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، قال: سأيسِّ عليك العسير، وأهوِّن عليك الصعب، وأُذلل لك الشديد، أُهوِّن عليك، اتّقني، اتّقني، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، يُيسر له كل عسير، ويُذلل له كل صعب ويُهوّن عليه كل شديد (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4))

تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5))

(ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ)، هذه العِدد وهذه الواجبات من الإشهاد وغيره، (أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ)، كرر علينا: يا عبادي انظروا، هناك بضاعة غالية عرضتها عليكم، والفرصة معكم: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)) قال وسآتي إلى:

  • ذنوبكم التي قد صدرت منكم، سأمحوها، اتقوني فقط، اصدقوا معي. 
  • (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)، سأعطيكم من عندي أجر عظيم، (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا).

وانظر؛ كيف كم من مرة وهو يعرض علينا؛ اتقوني سأعطيكم .. سأعطيكم ..سأعطيكم، وهذا عرض من أين؟ من كبير، من الله الأكبر، هل هناك عروض تأتي من مؤسسات أو هيئات أو حكومات أحسن؟! استغفر الله، ماذا يفوق هذا العرض الرباني ؟

  1. أول مرة يقول لنا: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
  2. بعد ذلك يرجع ثاني مرة يقول: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)). 
  3. ويرجع ثالث مرة: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)).

هيا انظروا الى العروض هذه، ومن قِبَل مَن؟ وما النتائج الكبيرة التي فيها؟

اللَّهُمَّ أرْزُقُنا تقواك وحققنا بحقائق تقواك، واجعلنا ممن يقف على سرِّ الصوم، ويدرك حقيقته، فيزداد تقوى، يا حي يا قيوم في السر وفي النجوى. 

  • (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) بأحسن تكفير، فيمحوها ويغفرها، يغطيها، يبدلها إلى حسنات. 
  • (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)، ويعطيه أجر من عنده، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40].

فوق المضاعفة، يجدها سبعمائة ضعف، قال من عندي أنا مباشرة: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)، له الحمد والمنّة.

تفسير قوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6))

يقول: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ)، هل رأيت الأمر كيف بالمعاملة والإحسان؟ (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم)، يعني من حيث وُسْعكم اجعلوا لهن السكن إذا طلقتموهن، (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ)، كما يأتي معنا تفصيل الآية إن شاء الله تبارك الله تعالى. 

رَزَقَنَا الله تقواه، وبلّغ الكل منّا فوق ما رجاه، وتولانا بما هو أهله بما يتولى به أصفيائه، وأهل رضاه، في الدنيا والبرزخ والآخرة إنه أكرم الأكرمين.

 بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

30 أبريل 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام