(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطلاق، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: { فإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ..} الآية: 2، إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ..}
﷽
(اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6))
الحمد لله مُكرمنا بالبيان، وتوضيح الشؤون والأمور في السر والإعلان، والهداية لما هو أقوم وأجمل في القول والفعل وما يستكن في الجَنان، نشهد أنه الله الذي لا إله إلَّا هو وحده لا شريك له، بارئ جميع الأكوان، وخص منها العالمين بمزيد من الفضل والإحسان، واختص من بين العالمين خلق الإنسان، وعلمه البيان.
ونشهد أنه أرسل أكرم الخلق عليه من بني الإنسان، سيد الأكوان، محمد ابن عبدالله، وأنزل عليه القرآن، وكان ابتداء نزوله في رمضان، صلِّ اللهم وسلم وبارك وكرم على عبدك المجتبى المصطفى في كل وقت وحين وآن، وعلى آله المطهرين من الأدران، وصحبه الغر الأعيان، وعلى من ولاهم فيك واستقام على منهجهم في السر والإعلان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادة أهل العرفان، وأئمة أهل الإحسان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقربين وعبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياكريم يا رحمن.
وبعد،،،
فإننا في تأمل خطاب ربنا -جلَّ جلاله- في كتابه الكريم، مررنا على آياتٍ في سورة الطلاق، يُبادر الحق -جلَّ جلاله- ويتكرم ويتنزل:
فله الحمد وله أعظم الثناء.
ولقد مررنا على خطاب الحق لنبينا، وخطابنا في طيِّه لكون نبينا ﷺ رأسنا وأساسنا، فخاطب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، ووجه الخطاب إلينا عبر هذا المصطفى .(إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1))
وعرفنا ما حدد الحق من وقتٍ للطلاق، ثم ما نبَّه إلى رعاية شؤون العدة وإحصائها اهتماما بالأمر فلا يعد مجرد أمرٍ عادي طبيعي أسري اجتماعي، بل الأمر أيضًا مَنُوط بالديانة، مَنُوط بالصيانة، مَنُوط بالأمانة، مَنُوط بعلاقة العبد مع ربه -جلَّ جلاله-:
يقول تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)، أي أشْرفن على انتهاء العدة المحددة التي أمر بإحصائها، (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، قرروا ورَأوا رأيكم، وقد مضت لكم من المدة ما يكفيكم هدوءًا وتأملًا ومراجعة للحساب وتفكيرًا أطول وأبعد وأعمق من الانفعالات النفسية الوقتية الآنية وقِصر النظر.
والآن قد فُسح المجال لكم وأُعطيتم الفرصة التامة لتتدبروا أمركم ورُوا رأيكم:
جعله الله -تبارك وتعالى- طبيعةً، وجعله -سبحانه وتعالى- قانونًا وضعيًا بين الناس، أو موضوعًا بين الناس بحكم الفطرة التي فطر الناس عليها:
يقول تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، ولكون الأمر المتعلق بالإمساك، وبالعقد نفسه الذي سماه الله الميثاق الغليظ: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء:21]، وأوجب الإشهاد في النكاح:
كما نقرأ: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ):
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، لا تبتغوا من وراء الشهادة مكسبًا من مكاسب الدنيا، ولا قضاء غرض ولا انطلاقًا عاطفيًا مجردًا مع أحد الزوجين، ولكن َأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ مخلصين لوجه ربِّ الكل، وإله الكل، ومَن إليه مرجع الكل، وعليه حساب الكل.
(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، مخلصين لوجه الله ولا تزيدوا ولا تنقصوا ولا تقولوا غير الواقع.
(ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، رَزَقَنَا الله كمال الإيمان به وباليوم الآخر، وأهل الإيمان بالله واليوم الآخر على قدر إيمانهم هم المطبقون لمنهج الله على ظهر الأرض.
(ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ):
ومن هنا جاءنا في الآثار: "ما نزل من السماء إلى الأرض أشرف من اليقين، فالله يزيدنا ايمانًا، ويزيدنا يقينًا، ومَن صام إيمانًا زاده الله إيمانًا، ومَن قام إيمانًا زاده الله إيمانًا، ومن تلا القرآن إيمانًا زاده الله إيماناً، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]:
يقول سبحانه وتعالى: (ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، ولذلك لما عرض ﷺ بعض الأوامر المهمة، قدَّم الإيمان وقال:
(ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، ثم قال الحق؛ من بنى شؤونه على تقْوايا في أحواله، فإني أبسط له من بُسُوط الفضل، وأُنزل عليه من غوامر الفضل، والإحسان والامتنان من حضرتي ما أصلح به شأنه، وأشيد به بنيانه، وأقوي به أركانه، وأدفع عنه المهانة وأعزه وأرفع قدره لديَّ في الدنيا والآخرة:
ومن أنواع القواطع، ومن أنواع المفاسد، ومن أنواع الشرور يُخلِّص الله تعالى من اتقاه وقام بأمره كما يحب؛ أن يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب:
وأورد الإمام أحمد في مسنده، أن مالك الأشجعي كان له ولد -يقال له عوف بن مالك الأشجعي- وقع في أسر الكفار، وأسروه المحاربين من الكفار، ثم أوثقوه بالقيد بالحديد وحبسوه عندهم، وبلغ الأخبار لوالده وأمه، وكانت أمه حزينة عليه ووالده مالك الأشجعي يتردد إلى الحبيب ﷺ ويقول: يا رسول الله؛ ولدي حاله كذا ومع الكفار وأوثقوه في الحديد وما أدري حاله، فكان يأمرهُ بالصبر، وكان بعدها يقول: قال أكثروا أنت وأمه من قول: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم".
فأخذوا يكثرون منها، ولم يدروا بعد أيامٍ إلَّا والولد على الباب، وذلك أن الله فك عنه القيد ومَن حواليه نيام من الحرس؛ فخرج، وجد ناقة لهم فركبها ومشى، فإذا بجماعة من نوقهم نفَّرها؛ فتبع آخرها أولها ومشت وراءه، واستاقها كلها ووصل، وصل إلى عند أبيه، فإذا به يطرق الباب ويتكلم، فإذا مالك يقول: هذا صوت عوف، قالت له زوجته: أين عوف؟ بالحديد هناك موثَّق عند المشركين، فخرجوا وفتحوا الباب فإذا عوف وإذا معه هذه الإبل!! ومعها رزق جاء به من هناك.
(يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، قال؛ ما هذا؟ فأخبره الخبر، فقال: اصبروا حتى أسأل رسول الله، تأتي لنا بالأموال هذه كلها، فذهب إلى الحبيب ﷺ وأخبره بالخبر السار، قال: "اصنع بها ما تصنع بمالك"، يعني من الغنيمة التي تدخل في مُلك الغانم الذي أخذ، وإن كان فيها الأربعة الأخماس فالخُمس صرفه ﷺ له، فقال: تصرَّف فيها كما شئت، فكان المخرج وكان الرزق من حيث لا يحتسبون.
وهكذا لم يزل الحق -تبارك وتعالى- يعامل المتقين والواثقين به ومَن علموا أنه لا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم -جلَّ جلاله-.
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، -الله لا إله إلَّا هو-
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، يعتمد ويستند موقنًا أن الأمر له، مفوضًا الأمر إليه، فهو حسبه، قال: فقط أنا أكفيك، أنا أكفيك في أي حال، في أي شأن، أنا كافيك فقط تطمئن، أوما تطمئن؟
يقول: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، كافيه. رَزَقَنَا الله صدق التوكل عليه والاستناد إليه والاعتماد عليه، لا على سواه في كل شأن، اللَّهُمَّ لا تكِلْنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خَلْقك طَرْفَةَ عَيْنٍ ولا أقل من ذلك،
ربـــي عليك اعتمادي *** كما إليك استنادي
صدقًا وأقصى مرادي *** رضاؤك الدائم الحـال
فارضى عنا يا أرحم الراحمين، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)، يعنى ما أراده يبلغ، لا يحول بينه وبينه حائل، لابد أن يكون ماأراد، ما شاءَ اللهُ كانَ وما لمْ يشأْ لمْ يكنْ، ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وهكذا،، جاءنا أيضًا في الحديث في مسند الإمام أحمد، أنه قدِم بعض المتمسكين بحبل التقوى من سفر، إلى عند زوجة كانت من أهل التقوى وهو مجهد جائع، ودخل البيت وليس في البيت شيء، وقال لزوجته: هل عندكم شيء؟ قالت: عندنا خير ربك؛ هي واثقة، هي متوكلة، هي غير متبرمة، ما قالت: من أين نأتي لك بشيء، ماذا عندنا؟ وأنت ما جئت بشيء.
قالت: عندنا خير ربنا، قال: يا الله قومي هاتي ما عندك، قالت له: مرحبا انتظر، جلس قليل، قال لها: إني مجهد مصغب جائع، فهل عندك شيء فقومي، قالت له: مرحبا انتظر، واصبر فقال: لا.. أما عندكم؟ فقالت: الآن التنور ينضج والرحى تطحن ونأتي لك به، وقامت فوجدت التنور مسجرًا وفيه جُنوب غنم تشوى، ووجدت الرحى تطحن وأخذت العجين وعجنت ووصَّلته له، قال : ما شاء الله عندكم هذا الخير كله، قالت: من عند إلهك، من عند ربك، ما في البيت شيء، وأخبرته القصة، فأخبر النبي في اليوم الثاني قال: "أما إنها لولم تنفض الرّحا لبقيت تطحن"، قال: فلما نفضتها وقفت، لو تركتها ستبقى إلى اليوم الثاني، والثالث، والرابع ستستمر تطحن لكم الرحى، بصدق توكلهم على الله، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حسبه).
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، من حيث لا يؤمل ولا يرجو:
من أجل أن يبقَ معلق بالرب دائمًا لا بالسبب، -لا إلهَ إلاَّ اللَّه-، أبى الله ان يرزق عبده المؤمن من حيث لا يتوقع ولا يرجو ولا يأمل ولا يعُد العدة، ويجي الرزق، -لا إلهَ إلاَّ اللَّه-.
(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))، يفقهُ عني حكمتي في تسيير الوجود، الأمر بيدي، وقال: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [محمد:4]، عنده حكمة -سبحانه وتعالى- وله مراد من وراء عقولنا، فرتب الأمور على هذا، وإلَّا كان يستطيع هذا الحبيب ﷺ:
وكان ممكن أن يوصله إلى المدينة في لحظات، المدينة أقرب من بيت المقدس بكثير، المدينة أسبوع، وبيت المقدس شهر؛ من مكة المكرمة، ولكن المدينة هي أسبوع واحد، ولكن قعد في الطريق هذه، قريب أربعة عشر يوما جالس من مكان إلى مكان ﷺ حتى وصل وصبر.
فالقدرة موجودة ولكن لله حكمة، هو الذي أسرى به إلى المسجد الأقصى، قال له: أُقعد في الغار محلك أول ليلة وثاني ليلة وثالث ليلة محلك، ترقَّب الفرصة، ورتِّب مع صاحب الطريق، الدليل، ويأتي بالإبل وخذوا متاعكم، واجعلوا أسماء تقص نطاقها وتربط لكم طعامكم وامشوا، واذهب من الطريق، وأدخل من طريق الجبل وأنزل من ذي العقبة واطلع من ذي العقبة واذهب، وكذا جعل حبيبه ﷺ يتحمل كل هذا ويقوم به، وهو قادر أن يوصله في لحظة، -سبحانه وتعالى-.
(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، قال: الأمور بقدرتي لكن أنا أرتب الأمور بحكمة فوق ما تعقلون، وفوق ما تدركون، -لا إلهَ إلاَّ هو-.
قال: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21]، وأي شيء ما تقدر على ما في خزائن الله، في أي شيء كان، لعظمته، ولهذا حتى:
إشارة إلى أن ما عند الله أمر عظيم، ولكن ينزل الأشياء بقدر، -سبحانه وتعالى-، بحكمة:
لحكمٍ يعلمها -جلَّ جلاله- (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)).
تفسير قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4))
قال: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ (4))، جاء سيدنا أبيّ وغيره من أصحاب النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله؛ ذكر الحق تعالى هناك في سورة البقرة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة]، عدة ثلاث قروء، تحيض ثلاث مرات، وتطْهر ثلاث أطهار، قال:
ما ذكر الله عدَّتهن، ما عدَّتهن؟ كيف العدة؟ أنزل الله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ)، ما دريتم الآن، أنت قلت ثلاث قروء، وهذه ما تحيض أبدًا! من أين نأتي لها قروء؟
(إِنِ ارْتَبْتُمْ)، ما دريتم كيف العدة؟
(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، إذا وضعن الحمل إنتهت العدَّة، وهكذا:
فخُطبت قبل مضي الأربعة أشهر والعشرة أيام لأنها وضعت حملها بعد أن انقضت نفاسها، خُطبت وتزوجت، فإذًا هذه عدة َأُولَاتُ الْأَحْمَالِ (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
كرر الحق الكلام، قال: باب المعاملة الذي فتحته لكم لا تهملوه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، قال: سأيسِّ عليك العسير، وأهوِّن عليك الصعب، وأُذلل لك الشديد، أُهوِّن عليك، اتّقني، اتّقني، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، يُيسر له كل عسير، ويُذلل له كل صعب ويُهوّن عليه كل شديد (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)).
تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5))
(ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ)، هذه العِدد وهذه الواجبات من الإشهاد وغيره، (أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ)، كرر علينا: يا عبادي انظروا، هناك بضاعة غالية عرضتها عليكم، والفرصة معكم: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)) قال وسآتي إلى:
وانظر؛ كيف كم من مرة وهو يعرض علينا؛ اتقوني سأعطيكم .. سأعطيكم ..سأعطيكم، وهذا عرض من أين؟ من كبير، من الله الأكبر، هل هناك عروض تأتي من مؤسسات أو هيئات أو حكومات أحسن؟! استغفر الله، ماذا يفوق هذا العرض الرباني ؟
هيا انظروا الى العروض هذه، ومن قِبَل مَن؟ وما النتائج الكبيرة التي فيها؟
اللَّهُمَّ أرْزُقُنا تقواك وحققنا بحقائق تقواك، واجعلنا ممن يقف على سرِّ الصوم، ويدرك حقيقته، فيزداد تقوى، يا حي يا قيوم في السر وفي النجوى.
فوق المضاعفة، يجدها سبعمائة ضعف، قال من عندي أنا مباشرة: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)، له الحمد والمنّة.
تفسير قوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6))
يقول: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ)، هل رأيت الأمر كيف بالمعاملة والإحسان؟ (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم)، يعني من حيث وُسْعكم اجعلوا لهن السكن إذا طلقتموهن، (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ)، كما يأتي معنا تفصيل الآية إن شاء الله تبارك الله تعالى.
رَزَقَنَا الله تقواه، وبلّغ الكل منّا فوق ما رجاه، وتولانا بما هو أهله بما يتولى به أصفيائه، وأهل رضاه، في الدنيا والبرزخ والآخرة إنه أكرم الأكرمين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه
08 رَمضان 1441