تفسير سورة الطلاق، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ..) الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطلاق، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ..) الآية: 1، إلى قوله جل جلاله: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..} الآية: 3

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) )

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • نداء للنبي وخطاب للأمة؛ وهذا يُبرز عظم أمر الطلاق.
  • نظام الله في الأسرة مقابل القوانين الوضعية.
  • أحكام الطلاق:
    • الطلاق السني والبدعي.
    • العدة وحكمها الربانية.
  • تقوى الله في الطلاق وحقوق المعتدة:
    • حدود الله وإحداث الأمر بعد الطلاق.
    • الإمساك بالمعروف والإشهاد.
  • التقوى والتوكل وثمراتهما.
  • نفاذ أمر الله وتقديره للأشياء.
     

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بالبيان والهدى، على لسان حبيبه المصطفى محمد المقتدى، أدم اللهم صلواتك وسلامك على عبدك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل ولائه ومحبته ممن به آمن واقتدى، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك أئمة أهل الهدى، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم وعلى ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.

وكان فيما تقدم معنا في آخر سورة التحريم، ذكر السيدة الكريمة مريم بنت عمران عليها -رحمة الله ورضوانه-، بعد ذكر السيدة آسيا بنت مزاحم، إذ ضربهم الله مثلًا للمؤمنين، ومما تُدُورِك في ذكر الأسماء في القرآن، أو اسم السيدة مريم -عليها الرضوان- أن مجموع ما تكرر من اسمها أربعًا وثلاثون مرة؛ لكن: 

  • منها ثلاث وعشرون عند ذكر اسم ابنها عيسى، عيسى ابن مريم، عيسى ابن مريم، عيسى ابن مريم. 
  • وذكر اسمها من دون ذكر اسم عيسى ابن مريم -أن يضاف إليها- جاء إحدى عشر موضعًا. 

منها بياء النداء، يا مريم، يا مريم، يا مريم؛ في خمس مرات، ومن دون ياء النداء؛ في ست مرات، احدى عشر، ومع ذكر اسم ابنها عيسى، عيسى ابن مريم؛ ثلاث وعشرين؛ فصار المجموع أربعًا وثلاثين مرة في كتاب الله -عزَّ وجلَّ- في ذكر اسم مريم بنت عمران عليها رضوانه الله.

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1))

انتهينا من تلك السورة ونبدأ في سورة الطلاق، يقول الحق الخلاق -جلَّ جلاله-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،  (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، ابتدأ بخطاب المصطفى ﷺ كما تقدم معنا في سورة التحريم، وكان هناك كلامٌ خاصٌ به -عليه الصلاة والسلام- في شؤونه وأحواله وأسرته الكريمة، ولكن في هذه السورة خطاب عام للأمة كلها، فخُوطبت الأمة؛ في رأسها وأساسها وقيل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)؛ فكان ذلك تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا من الله لعبده محمد، ثم وجَّه الخطاب للأمة: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)، بالتبعية له والاقتداء به -عليه الصلاة والسلام-. 

  • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)، فكأنه لما نادى الرأس، نادى الأمة جميعًا منطويةً فيه. 
  • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) -يا معشر أمة محمد- (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)
    • وفي هذا بيان نظام الحق -تبارك وتعالى- في الشؤون الشخصية للمؤمنين. 
    • وشؤون أُسرهم وما تقوم عليه ديارهم وبيوتهم. 

وتولى الحق -سبحانه وتعالى- بيان ذلك، وكان من غير ريبة ولا شك هو الأصلح للناس والأرجح والأنفع والأرفع والأقوى. 

وعمِدت بعض المؤسسات والدول، أن تُخرج قانونًا تُسميه قانون الأحوال الشخصية، أو قانونًا تسميه قانون الأسرة، فيكون: 

  • قانونًا للعُسرة لمخالفته لشرع الحق -تبارك وتعالى-. 
  • وتكون قوانين لأحوال بخْسية يسمونها الأحوال الشخصية؛ بخسوا فيها أنفسهم وعباد الله. 

وهكذا كل مَن خالف منهج الله (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]، (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140] -جلَّ جلاله-.

(إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، قال: 

  • لقد شرعتُ لكم الزواج وجعلته مهمة من مهمات الحياة، وعلمتكم فيه نيات ووجهات، ورتبتُ عليه بقاء النسل إلى حين. 
  • فخذوا بما فرضتُ عليكم وندبتُ لكم في شأن هذا التزويج الذي قد يطرأ عليه أمر الطلاق. 

وأمر الطلاق: 

  • وهو أبغض الحلال إلى الله -تبارك وتعالى- شُرع لأجل الضرورة فيما ينازل الناس من أحوال يصعب القيام فيها بالأمر كما ينبغي، واستقرار الأسرة، فيضطر إلى الطلاق اضطرارًا. 
  • يقول الحق -تبارك وتعالى-: هذا الطلاق الذي أبحته لضرورة وهو أبغض الحلال إليَّ رتبوه، ونظموه حتى لا تقعوا في المسارعة: 
    • فإني أحللتُ لكم النكاح بمجرد اللفظ والكلام. 
    • وكذلك أُحرِّم عليكم هذه الأعراض بمجرد اللفظ والكلام. 

فانتبهوا من هذا اللفظ لا تتطلقوه على علاته: 

  • وإذا أردتم أن تطلقوا زوجة من زوجاتكم فاجعلوا ذلك الطلاق في الوقت المناسب أيام ابتدائها في العدة.
  • لا إذا غضب أحدكم قام يُطلق، ولا إذا فكر في الطلاق قام يطلق، ولينتظر وليتأنى، فلعلَّه عندما يمر به الوقت حتى يأتِ الوقت يكون قد راجع نفسه، أو قوَّم حساباته، أو أصلح شيئًا من شأنه، أو هدأ غيظه، أو استقام الحال بينه وبين أهله فيكون في مدة محددة.

ومن هنا فرَّق الفقهاء بين الطلاق وقالوا: الطلاق السني والطلاق البدعي: 

  • والطلاق السني: الذي أشار الحق إليه (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، أي الوقت الذي يستقبلن فيه العدة، وتشرع إحداهن فيه في العدة، ويحسب لها الأيام في العدة، وذلك أن يطلقها في طهرٍ، لم يجامعها فيه، لم يقربها فيه؛
    • فيطلقها في هذا الطهر الذي لم يقاربها فيه، فتكون معلومة أنها غير ذات حمل. 
    • أو أن يستبين حملها، ثم يطلقها، وقد استبان حملها وهي حامل، فيدخل هذا في طلاق السُنة.
  • ويبقى ذلك الطلاق البدعي،؛ إما في طهر جامعها فيه، أو في أيام الحيض -طلقها في أيام الحيض- فهذا يأثم، وإن نفذ الطلاق، الطلاق ينفذ، وهو يأثم. 
    • وقد جاءنا في الصحيح عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأخبر عمر النبي ﷺ فتغيظ لذلك، وقال " مُرْهُ فليراجعها، ثم ليُمسِكْها حتى تطهر، وتحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسكهاُ، وإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فتلك العدةُ التي أمر الله أن تطلَّق لها النساءُ"، وقرأ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).

حدد وقت الطلاق وحرَّم طلاق الحائض، وجعل أيضًا من المنهي عنه طلاق الطاهر التي قد مسَّها زوجها في ذلك الطهر، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).

 يقول: (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)، اضبطوا العدة ووقت الطلاق حتى تنتظم الأمور، فإنها في أيام تلك العدة لا يجوز لأحد أن يخطبها ولو كانت معتدة من وفاة، أو معتدة بطلقة بعد الطلقة الثالثة، لا يجوز أن تخطب في أيام تلك العدة، قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة:235].

  • ولم يزل تُكتشف أنواع من الفوائد والحِكم والآيات في تحديد الحق لهذه الأوقات وترتيبه لها؛ وهو الأعلم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
  • والعجيب أن كثيرًا من الحِكم تكتشف في  الزمن على أيدي بعض الكفار، فيجدون فيها حتى في تحديد الثلاثة القروء، والثلاثة الأشهر، يجدون علاقة حتى بجسد هذا الإنسان، وجسد الزوجة وما تعلق بذلك وما يُكتشف بأجهزتهم هذه التي توجد في هذا الزمان؛ ولكن لا شك أن الله هو أعلم وأحكم وما بلغ خير الورى هو الأحزم، والنظام الذي يتمادى المؤمن في الإقبال عليه وتطبيقه بصدق. 

(وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ)؛ في الطلاق، في العدة: 

  • لا تغالطوا، لا تخالفوا، لا تستعجلوا، لا يكون الطلاق لأجل الإضرار وأجل العناد، ولا يكون الإمساك كذلك: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [البقرة:231]. 
  • نظام بديع، لو أن الذين آمنوا بالله تعالى طبقوا ما قال الله؛ لا مشكلة زوجية، ولا مشكلة أُسرية، ولا واحدة ولا نصف واحدة. 

لكن كله من تدخُّل الأهواء ومخالفة منهج الحق -جلَّ جلاله-، جاءت هذه المصائب والمشاكل والأتعاب الكثيرة، وإلَّا بيانات واضحة من قِبل الرَّب، يا عبادي كونوا على كذا، وافعلوا كذا، واتركوا كذا، ولا تخونوا في كذا. 

(وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ)، ومن ذلك إذا تم الطلاق فإن لها السُكنى، فيُسكِنها زوجها مدة أيام العدة حتى إذا كان المسكن الذي يملكه ضيّقًا، أو ليست فيه إلَّا غرفة واحدة، فليخرج هو، ولتكن هي الزوجة في ذاك المكان(وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ)

وسماها بيوتهن: 

  • لأنه تم استحقاقهن السكنى في هذه المدة فنسب البيوت إليهن، وهي إلَّا مُلك الأزواج، ما هي ملكهن.
  • لكن سماها بيوتهن، تأكيدًا لاستحقاقهن السكنى في هذه المدة، فنسب البيوت لهن وهن مُلك أزواجهن.

 قال: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ)، لم يقل: من بيوتكم، يعني:- هي مستحقة السكنى الآن هذا بيتها، الآن في هذه الفترة، (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ)، ولا يجوز لهن هنَّ أن يتساهلن في الخروج ويخرجن من البيوت، (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة:228].

يقول: (وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)،:

  1. فالمعنى الأول: لا يكون خروجهن إلَّا بفاحشة بينة، تعدٍّ لأمر الله، فالخروج فاحشة بينة، لا يخرجن (إِلَّا أَن يَأْتِينَ)، فإن رضين لأنفسهن بإتيان هذه المخالفة والفاحشة خرجن، فخروجهن فاحشة مبينة. 
  2. (إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) أن يكون فيهن فڤحش، في بذاءة ألسنتهن، ويؤذين الساكنين من الأسرة وسط البيت باللسان السليط، فيخرُجون إلى محل مستقل وحدهن بعيدات، أو إلى بيوت أهلهن، أو إلى مكان يناسب؛ لأنهن مفتاح مشاكل، من فحش القول وبذاءة اللسان. 
  3. و(إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، فإن بلغ الحد الفاحشة -والعياذ بالله- إلى أن وقعت في الزنا، فإنما تُخرج للرجم، إذا أقرت أو شهد عليها الأربعة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
  4. (وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، وإلَّا نفس الخروج هو الفاحشة، أو أذاهن للساكنات معهن من أهل الزوج، فحينئذ يَخْرُجْنَ. 

(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) -التي حدها- (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)؛ لأن الله لم يشْرع شيئا إلَّا لمنفعة عباده ومصلحتهم ولا يعود عليه من ذلك شيء، ولا يضرونه بشيء -جلَّ جلاله-، فالمنفعة لهم، والمصلحة لهم. 

(وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ)، هذا الطلاق وبعد هذا الفراق أمر، يحدث (أَمْرًا) يتراجعون فيه، يراجعون حساباتهم، يرون إن المسألة؛ أُسرة ستتشتت وأولاد سيضيعون ومسائل، فيراجعون أنفسهم. 

(لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا(1))

  • فتحصل الرَّجعة قبل انقضاء العدة من دون حاجة إلى عقد جديد. 
  • وإما إذا قد انقضت العدة وكانت طلقة واحدة، أو طلقتين اثنتين، فحينئذ بعقد جديد ونكاح جديد ترجع إلى عقده. 

ومع نفوذ الطلاق في الحيض، أو الطهر الذي قاربها فيه فهو مأثوم بالطلاق، كذلك مع نفوذ الطلقتين والثلاث هو مأثوم، مأثوم بأن يطلق اثنتين معًا ثلاث معًا، هو مأثوم بهذا، بل طلقة واحدة واتركها تنتهي من عدتها، وإن وقعت مراجعة فالمسألة مفتوح بابها وإلَّا تنتهي العدة وتخرج نهائيًا من عقدك لا طريق لك إليها.

ولذا لما سأل بعضهم بعض صحابته قال: "إني  طلقتُ". قال: "إنه طلق امرأته ثلاثاً"، قال له: "عصيت ربك، وأذيت أهلك، وأغلقت الباب على نفسك"، ضيقت على نفسك ليس لك طريق، إذهب، (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا(1)).  قال: "لو اتقيت ربك" (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2)): حتى في الرجعة تحصِّلها: 

  • إذا اتقيت الله وطلَّقت طلقة واحدة، فطلاق الاثنتين معًا والثلاث معًا، أذى، فهو حرام وإن كان نافذ، ينفذ عند جماهير أهل العلم، ينفذ ولو كان بلفظ واحد في مجلس واحد. 
  • بذلك قال الأئمة الأربعة وهو الذي أُثِر عند جماهير الصحابة والتابعين وتابعيهم، 
  • وهكذا يقول، خَلَف بعد ذلك، في ذلك؛ الهادوية وكذلك ابن تيمية، وجعلوا أن الطلاق باللفظ الواحد في المجلس الواحد، يعد طلقة واحدة. 

وعلمتَ ما قال الجمهور غير ذلك، (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1)).

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2))

(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) -أشرفن على الخروج من العدة- (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) إن أردتم الرجعة (أَمْسِكُوهُنَّ)، لا للإضرار، ولا للتنكيل، ولا للأذى، ولا للتنكيد؛ ولكن (بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ)، اتركوا العدة تنقضي، ويحصل الفراق ويذهبن (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). 

ثم نَدب إلى الاشهاد؛ فقيل بوجوبه، وقيل بسنيته: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ) إن طلقتم، وإن راجعتم، (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، للاعتناء بالأمر ولئَلا يكون عُرضة للتساهل، قال حدد وقت، وهات شهود، اِجعل إِثنين منكم (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ):

  • مع أن الطلاق ينفذ ولو من دون شهود والرجعة كذلك، ولكن في الرجعة أوجب الإمام الشافعي الإشهاد، وقال: الطلاق ينفذ من دون إشهاد، بمجرد إقراره سيحصل الطلاق، وهو بيده عقدة النكاح. 
  • ولكن المراجعة تحتاج إلى إشهاد؛ لأنه إذا أقرَّ بالطلاق، ثم ادَّعى المراجعة ولم يكن له شهود، وادَّعت أنه لم يراجع، ليس معه بينة؛ فيُحكم أنه لم يراجع في الأصل حتى تأتي البينة بذلك، ما دام أتت الدعوة بعد انقضاء العدة، أما مادام في العدة فالقول قوله ولأن له الحق أن يراجع. 
  • ولكن إذا انقضت العدة، ثم أدَّعى أنه راجع أيام العدة، وادَّعت أنه لم يراجع -فالأصل أنه لم يراجع- وقد أقرَّ بالطلاق فلهذا تحتاج إلى الإشهاد.

(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، لتنتظم الأمور كما اعتنى -سبحانه وتعالى- في المعاملات المالية بآية، هي أطول آية في القرآن، اسمها آية المداينة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)، وكلام طويل عريض من أجل توثيق الأمر ذلك (أَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا) [البقرة:282]، حتى لا يقع في شك، ولا دعوى ولا كذا، ولا كذا؛ واضح بيِّن، حساب محدد معين. 

وبهذا قال بعض أهل العلم: وإن هذه آية من آيات الرجاء، ما هي؟ قال: آية المداينة!، قال: مداينة ورجاء! من أين الرجاء فيها؟ هذا أمر ترتيب محسوب، قال: إذا كانت هذه عناية الله بنا في الشؤون الحقيرة الدنيوية، فكيف بما هو أعظم وأجل من شؤون الآخرة؟ وهذا عنايته بنا وحرصه علينا في هذه الأمور الحقيرة ورتب هذا الترتيب كله، فهو أرفق بنا، وأحرص علينا في شؤون مصالحنا الدينية والأخروية، من باب أولى.

يقول: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، يقول: وأنتم معشر الشهداء لا تميلوا ولا تحيدوا ولا تطمعوا في المال، (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ)، ولا تقول: لا أشهد إلَّا أن تعطيني كذا، ولا تحرِّف في الشهادة كلمة ولا تُزيِّد ولا تُنقِّص (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ)، من هذه البيانات والأوامر، (يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، فالإيمان ركيزة التنفيذ والتطبيق لمنهج الرحمن -جلَّ جلاله-، وإنما يتم تطبيق منهج الله على حسب الإيمان بالله: 

  • فمن كان مؤمنًا -وإيمانه أقوى- فهو أحسن تنفيذًا وعملًا بمنهج الرحمن وأوامره ونواهيه، (ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). 
  • ومَن ضعُف إيمانه، لن تُفِد معه هذه المواعظ ولا هذه الترتيبات، ويبحث لنفسه عن أي تحيُّل، وأي مخرج، وأي مغالطة، وله التعب في الدنيا والآخرة، -والعياذ بالله تعالى-. 
  • لكن مَن يؤمن بالله، يستسلم لأمر الله وينقاد ويحسن تطبيق ذلك (ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).

 

تفسير قوله تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))

يقول: وأنظروا سُنتي في الحياة والمعاملة (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، قال: من اتقاني في معاملاته وأخْذه وعطائه وترتيباته في الأسرة وخارج الأسرة وفي أقواله وأفعاله، وانتهى عما حرَّمتهُ عليه وفعل ما أمرتُهُ به (يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) من كل شدة، من كل بلية، من كل زرية، من كل عاهة، من كل مرض، من كل نكد، من كل آفة في الدنيا والبرزخ والآخرة.

  • (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، مَخْرَجًا من الشبهات، ومَخْرَجًا من الجهالات، ومَخْرَجًا من الضلالات، ومَخْرَجًا من الهموم، ومَخْرَجًا من الغموم، ومَخْرَجًا من كل الشدائد. 
  • (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، عناية من عناياته، وثواب وأجر وجنات أعدها له.

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، تيسير وحُسْن تدبير، ودفع لشر كل شرير، وأذى كل مؤذي من حيث لا يعلم العباد ولا يحتسبون، معه مَن يقول للشيء (كُن فَيَكُونُ) [يس:82]، يرتب له أمر الظهور، وأمر البطون.

 (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، من حيث لا يخطر على بال ولا يُتخيل بخيال، يعطيه زرق: 

  • رزق في التوفيق، رزق في دفع السوء. 
  • رزق في المعرفة بالحق، رزق في العناية الربانية. 
  • رزق في الجنة، رزق في نعيم القبر. 

و(يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، يقول الله: ومَن عرف عظمتي وقدرتي، وأن المُلك ملكي وليس لأحد من خلقي تصرف إلَّا بأمري فتوكل عليَّ وأعتمد عليَّ، فأنا أقوم معه بما يليق بجودي وكرمي وأنا كافيه، وأنا حسبُه: 

  • (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، وهكذا. 
  • قال تبارك وتعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) [الزمر:36]. وهو كافيكم من كل أحد.

ما أحسن التوكل على الله والاستناد إليه والاعتماد عليه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)، ما أراده يبلغه تمامًا؛ لا ناقض لحكمه، ولا مبدل، ولا مغير، ولا معقب، ولا يكون إلا ما أراد (بَالِغٌ أَمْرَه)، وجاء في قراءة حفص عن عاصم: (بَالِغُ أَمْرِهِ)، وجاء في قراءة: (بَالِغٌ أَمْرُهُ)، يعنى أمره نافذ واقع على رغم كل أنف، (إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَه)، يبلغ مراده في الخلائق كما أراد، لا معقِّب له، ولا مبدِّل، ولا مغيِّر ولا مؤخِّر ولا مقدِّم، -لا إله إلَّا الله-.

(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)):

  • (قَدْرًا)، قدَّر الأمور بمقاديرها، قال تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) [الحجر:21]. 
  • اقتضت حكمته أن يمضي الوجود على هذا الترتيب والإبداع الذي اشار في تأمل عجائب الحكمة الإلهية في سيدنا علي بقوله: "لو كُشف الغطاء لكم، أدركتم حقائق الأمور"، ما اخترتم إلَّا الواقع، وعلمتم أن الكون يجري بحكمة مكوِّن حكيم عليمٍ قدير عظيم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

والإنسان بقِصر إدراكه ونظره وضعف عقله، يقول: لوكان كذا أحسن، لو كان كذا أحسن، لوكان كذا أحسن؛ لو كان التدبير لمثلك، أنت لا تعرف تدبر حتى عينك وخلاياها، ولا تقدر تدبِّر جهازك التنفسي، وستتحكم على قدرة القادر وحكمة الحكيم، مُسير الأفلاك ومقدر الأقدار، ومكور النهار في الليل، والليل في النهار، وأنت لو وكلناك تدبر جهازك التنفسي لعجزت! والآن تعترض على الله! لا لو كان كذا أحسن كذا، مَن أنت؟! ومَن الذي رتب؟!  مَن أنت؟! ومَن الذي قدَّر؟! (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]. 

ولكن هكذا كما نرى في حياتنا القصيرة والصغيرة هذه، نرى في أطفالنا وشبابنا في بداية أمورهم، تخيلات كبيرة، لوكان كذا أحسن، لوكان كذا أحسن، هذا ما هو سوى، الكبار الذين فوقهم يضحكون عليهم يقولون: ما هذا؟ والأطفال الصغار يقولون: لماذا أبي يقول كذا؟! لماذا عمِّي يقول كذا؟! لماذا أمي تقول كذا؟! هذا أحسن، لماذا يضعون هذا في المكان ذا؟! لماذا هذا ينجح بهذا؟! يريد هو المسكين على قدر عقله، وأحيانًا يحاول في بعض الأشياء على خلاف سُنَّة الحياة، يقول: أريدها، ويبكي؛ لأنه طفل وعقله هكذا. 

  • وهكذا الناس أمام رب الناس، أقل من عقول الأطفال أمام العقلاء الكبار، ويظنون بعقولهم أنهم أذكى.
  • ولكن كلما صح استعمال العقل ونضج يعلم أن ما خفي عليه أكثر مما ظهر له. 
  • وأن ما أدركه فيه احتمالات، وربما يكون في طياته غير ما انتهى إليه عقله. 
  • فلهذا يبقى مستوعبًا أكثر، وممتد النظر أطول، وعالم بأسرار الحكمة التي تأتي من فوق: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]. 

(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن نتبع هذه الخيالات الباطلة، وقال: "لا يقول أحدكم لو كان كذا لكان كذا، قل: قدَّر الله وما شاء فعل"، مامعنى لو كان لو كان؟! " فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان" هذا عمل الشيطان، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل، فقم بأمرك كما ينبغي، وامتثل لأمر الحق -عزَّ وجل-. 

اللهم ارزقنا التوكل عليك والاستناد إليك، يا رب ابتليتَ عبادك، فكم من متوكل على نفسه، وكم من متوكل على عقله، وكم من متوكل على ماله، وكم من متوكل على قبيلته، وكم من متوكل على حكومته، وكم من متوكل على جيشه، وكم من متوكل على جهازه، وكم من متوكل على رصيده، وكم من متوكل على عقله، وكم من متوكل على صديقه وصاحبه، فسلِّمنا وحرِّرنا من كل ذلك، واجعل توكلنا عليك وحدك واستنادنا إليك برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وكم من قوم في رمضان يرفعهم الله مراتب في التوكل عليه، في السر والإعلان، فيخرجون وقد طُهِّروا عن درن الالتفات للأكوان، والتعويل عليها في كل شأن، ويدركون من كريم معاملة المنان، مالا يُعبر عنه لسان. 

(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، كافيه من كل شدة، ومن كل أذية، و كافيه في نيل كل مراد وتحقيق كل مبتغىً ومطلوبٍ في الخافي والباد والدنيا والمعاد، إذ المُلك ملكه، والحُكم حكمه، والأمر أمره، وإليه مرجع كل شيء -لا إله إلَّا هو- آمنا به وعليه توكلنا، وسألناه أن يزدنا إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا وصدقًا ويحققنا بحقائق محبته، وقربه، ومعرفته، ورضوانه، والتوكل عليه حقا.

اللهم ثبتنا على ذلك القدم وارزقنا المتابعة لحبيبك الأكرم، وتولنا به في كل ما خص وعم، وأسبغ علينا فائضات النعم، وادفع عنا البلايا والآفات والعاهات والندم وموجبات الندم والذنب، وكن لنا بما كنت لمحبوبيك من كل مقرب أكرم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

30 أبريل 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام