(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطلاق، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ..) الآية: 1، إلى قوله جل جلاله: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..} الآية: 3
﷽
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) )
الحمد لله مُكرمنا بالبيان والهدى، على لسان حبيبه المصطفى محمد المقتدى، أدم اللهم صلواتك وسلامك على عبدك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل ولائه ومحبته ممن به آمن واقتدى، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك أئمة أهل الهدى، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم وعلى ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.
وكان فيما تقدم معنا في آخر سورة التحريم، ذكر السيدة الكريمة مريم بنت عمران عليها -رحمة الله ورضوانه-، بعد ذكر السيدة آسيا بنت مزاحم، إذ ضربهم الله مثلًا للمؤمنين، ومما تُدُورِك في ذكر الأسماء في القرآن، أو اسم السيدة مريم -عليها الرضوان- أن مجموع ما تكرر من اسمها أربعًا وثلاثون مرة؛ لكن:
منها بياء النداء، يا مريم، يا مريم، يا مريم؛ في خمس مرات، ومن دون ياء النداء؛ في ست مرات، احدى عشر، ومع ذكر اسم ابنها عيسى، عيسى ابن مريم؛ ثلاث وعشرين؛ فصار المجموع أربعًا وثلاثين مرة في كتاب الله -عزَّ وجلَّ- في ذكر اسم مريم بنت عمران عليها رضوانه الله.
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1))
انتهينا من تلك السورة ونبدأ في سورة الطلاق، يقول الحق الخلاق -جلَّ جلاله-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، ابتدأ بخطاب المصطفى ﷺ كما تقدم معنا في سورة التحريم، وكان هناك كلامٌ خاصٌ به -عليه الصلاة والسلام- في شؤونه وأحواله وأسرته الكريمة، ولكن في هذه السورة خطاب عام للأمة كلها، فخُوطبت الأمة؛ في رأسها وأساسها وقيل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)؛ فكان ذلك تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا من الله لعبده محمد، ثم وجَّه الخطاب للأمة: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)، بالتبعية له والاقتداء به -عليه الصلاة والسلام-.
وتولى الحق -سبحانه وتعالى- بيان ذلك، وكان من غير ريبة ولا شك هو الأصلح للناس والأرجح والأنفع والأرفع والأقوى.
وعمِدت بعض المؤسسات والدول، أن تُخرج قانونًا تُسميه قانون الأحوال الشخصية، أو قانونًا تسميه قانون الأسرة، فيكون:
وهكذا كل مَن خالف منهج الله (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]، (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140] -جلَّ جلاله-.
(إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، قال:
وأمر الطلاق:
فانتبهوا من هذا اللفظ لا تتطلقوه على علاته:
ومن هنا فرَّق الفقهاء بين الطلاق وقالوا: الطلاق السني والطلاق البدعي:
حدد وقت الطلاق وحرَّم طلاق الحائض، وجعل أيضًا من المنهي عنه طلاق الطاهر التي قد مسَّها زوجها في ذلك الطهر، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
يقول: (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)، اضبطوا العدة ووقت الطلاق حتى تنتظم الأمور، فإنها في أيام تلك العدة لا يجوز لأحد أن يخطبها ولو كانت معتدة من وفاة، أو معتدة بطلقة بعد الطلقة الثالثة، لا يجوز أن تخطب في أيام تلك العدة، قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة:235].
(وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ)؛ في الطلاق، في العدة:
لكن كله من تدخُّل الأهواء ومخالفة منهج الحق -جلَّ جلاله-، جاءت هذه المصائب والمشاكل والأتعاب الكثيرة، وإلَّا بيانات واضحة من قِبل الرَّب، يا عبادي كونوا على كذا، وافعلوا كذا، واتركوا كذا، ولا تخونوا في كذا.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ)، ومن ذلك إذا تم الطلاق فإن لها السُكنى، فيُسكِنها زوجها مدة أيام العدة حتى إذا كان المسكن الذي يملكه ضيّقًا، أو ليست فيه إلَّا غرفة واحدة، فليخرج هو، ولتكن هي الزوجة في ذاك المكان(وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ)
وسماها بيوتهن:
قال: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ)، لم يقل: من بيوتكم، يعني:- هي مستحقة السكنى الآن هذا بيتها، الآن في هذه الفترة، (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ)، ولا يجوز لهن هنَّ أن يتساهلن في الخروج ويخرجن من البيوت، (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة:228].
يقول: (وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)،:
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) -التي حدها- (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)؛ لأن الله لم يشْرع شيئا إلَّا لمنفعة عباده ومصلحتهم ولا يعود عليه من ذلك شيء، ولا يضرونه بشيء -جلَّ جلاله-، فالمنفعة لهم، والمصلحة لهم.
(وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ)، هذا الطلاق وبعد هذا الفراق أمر، يحدث (أَمْرًا) يتراجعون فيه، يراجعون حساباتهم، يرون إن المسألة؛ أُسرة ستتشتت وأولاد سيضيعون ومسائل، فيراجعون أنفسهم.
(لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا(1)):
ومع نفوذ الطلاق في الحيض، أو الطهر الذي قاربها فيه فهو مأثوم بالطلاق، كذلك مع نفوذ الطلقتين والثلاث هو مأثوم، مأثوم بأن يطلق اثنتين معًا ثلاث معًا، هو مأثوم بهذا، بل طلقة واحدة واتركها تنتهي من عدتها، وإن وقعت مراجعة فالمسألة مفتوح بابها وإلَّا تنتهي العدة وتخرج نهائيًا من عقدك لا طريق لك إليها.
ولذا لما سأل بعضهم بعض صحابته قال: "إني طلقتُ". قال: "إنه طلق امرأته ثلاثاً"، قال له: "عصيت ربك، وأذيت أهلك، وأغلقت الباب على نفسك"، ضيقت على نفسك ليس لك طريق، إذهب، (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا(1)). قال: "لو اتقيت ربك" (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2)): حتى في الرجعة تحصِّلها:
وعلمتَ ما قال الجمهور غير ذلك، (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1)).
تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2))
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) -أشرفن على الخروج من العدة- (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) إن أردتم الرجعة (أَمْسِكُوهُنَّ)، لا للإضرار، ولا للتنكيل، ولا للأذى، ولا للتنكيد؛ ولكن (بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ)، اتركوا العدة تنقضي، ويحصل الفراق ويذهبن (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).
ثم نَدب إلى الاشهاد؛ فقيل بوجوبه، وقيل بسنيته: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ) إن طلقتم، وإن راجعتم، (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، للاعتناء بالأمر ولئَلا يكون عُرضة للتساهل، قال حدد وقت، وهات شهود، اِجعل إِثنين منكم (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ):
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، لتنتظم الأمور كما اعتنى -سبحانه وتعالى- في المعاملات المالية بآية، هي أطول آية في القرآن، اسمها آية المداينة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)، وكلام طويل عريض من أجل توثيق الأمر ذلك (أَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا) [البقرة:282]، حتى لا يقع في شك، ولا دعوى ولا كذا، ولا كذا؛ واضح بيِّن، حساب محدد معين.
وبهذا قال بعض أهل العلم: وإن هذه آية من آيات الرجاء، ما هي؟ قال: آية المداينة!، قال: مداينة ورجاء! من أين الرجاء فيها؟ هذا أمر ترتيب محسوب، قال: إذا كانت هذه عناية الله بنا في الشؤون الحقيرة الدنيوية، فكيف بما هو أعظم وأجل من شؤون الآخرة؟ وهذا عنايته بنا وحرصه علينا في هذه الأمور الحقيرة ورتب هذا الترتيب كله، فهو أرفق بنا، وأحرص علينا في شؤون مصالحنا الدينية والأخروية، من باب أولى.
يقول: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، يقول: وأنتم معشر الشهداء لا تميلوا ولا تحيدوا ولا تطمعوا في المال، (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ)، ولا تقول: لا أشهد إلَّا أن تعطيني كذا، ولا تحرِّف في الشهادة كلمة ولا تُزيِّد ولا تُنقِّص (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ)، من هذه البيانات والأوامر، (يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، فالإيمان ركيزة التنفيذ والتطبيق لمنهج الرحمن -جلَّ جلاله-، وإنما يتم تطبيق منهج الله على حسب الإيمان بالله:
تفسير قوله تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))
يقول: وأنظروا سُنتي في الحياة والمعاملة (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، قال: من اتقاني في معاملاته وأخْذه وعطائه وترتيباته في الأسرة وخارج الأسرة وفي أقواله وأفعاله، وانتهى عما حرَّمتهُ عليه وفعل ما أمرتُهُ به (يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) من كل شدة، من كل بلية، من كل زرية، من كل عاهة، من كل مرض، من كل نكد، من كل آفة في الدنيا والبرزخ والآخرة.
(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، تيسير وحُسْن تدبير، ودفع لشر كل شرير، وأذى كل مؤذي من حيث لا يعلم العباد ولا يحتسبون، معه مَن يقول للشيء (كُن فَيَكُونُ) [يس:82]، يرتب له أمر الظهور، وأمر البطون.
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، من حيث لا يخطر على بال ولا يُتخيل بخيال، يعطيه زرق:
و(يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، يقول الله: ومَن عرف عظمتي وقدرتي، وأن المُلك ملكي وليس لأحد من خلقي تصرف إلَّا بأمري فتوكل عليَّ وأعتمد عليَّ، فأنا أقوم معه بما يليق بجودي وكرمي وأنا كافيه، وأنا حسبُه:
ما أحسن التوكل على الله والاستناد إليه والاعتماد عليه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)، ما أراده يبلغه تمامًا؛ لا ناقض لحكمه، ولا مبدل، ولا مغير، ولا معقب، ولا يكون إلا ما أراد (بَالِغٌ أَمْرَه)، وجاء في قراءة حفص عن عاصم: (بَالِغُ أَمْرِهِ)، وجاء في قراءة: (بَالِغٌ أَمْرُهُ)، يعنى أمره نافذ واقع على رغم كل أنف، (إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَه)، يبلغ مراده في الخلائق كما أراد، لا معقِّب له، ولا مبدِّل، ولا مغيِّر ولا مؤخِّر ولا مقدِّم، -لا إله إلَّا الله-.
(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)):
والإنسان بقِصر إدراكه ونظره وضعف عقله، يقول: لوكان كذا أحسن، لو كان كذا أحسن، لوكان كذا أحسن؛ لو كان التدبير لمثلك، أنت لا تعرف تدبر حتى عينك وخلاياها، ولا تقدر تدبِّر جهازك التنفسي، وستتحكم على قدرة القادر وحكمة الحكيم، مُسير الأفلاك ومقدر الأقدار، ومكور النهار في الليل، والليل في النهار، وأنت لو وكلناك تدبر جهازك التنفسي لعجزت! والآن تعترض على الله! لا لو كان كذا أحسن كذا، مَن أنت؟! ومَن الذي رتب؟! مَن أنت؟! ومَن الذي قدَّر؟! (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].
ولكن هكذا كما نرى في حياتنا القصيرة والصغيرة هذه، نرى في أطفالنا وشبابنا في بداية أمورهم، تخيلات كبيرة، لوكان كذا أحسن، لوكان كذا أحسن، هذا ما هو سوى، الكبار الذين فوقهم يضحكون عليهم يقولون: ما هذا؟ والأطفال الصغار يقولون: لماذا أبي يقول كذا؟! لماذا عمِّي يقول كذا؟! لماذا أمي تقول كذا؟! هذا أحسن، لماذا يضعون هذا في المكان ذا؟! لماذا هذا ينجح بهذا؟! يريد هو المسكين على قدر عقله، وأحيانًا يحاول في بعض الأشياء على خلاف سُنَّة الحياة، يقول: أريدها، ويبكي؛ لأنه طفل وعقله هكذا.
(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن نتبع هذه الخيالات الباطلة، وقال: "لا يقول أحدكم لو كان كذا لكان كذا، قل: قدَّر الله وما شاء فعل"، مامعنى لو كان لو كان؟! " فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان" هذا عمل الشيطان، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل، فقم بأمرك كما ينبغي، وامتثل لأمر الحق -عزَّ وجل-.
اللهم ارزقنا التوكل عليك والاستناد إليك، يا رب ابتليتَ عبادك، فكم من متوكل على نفسه، وكم من متوكل على عقله، وكم من متوكل على ماله، وكم من متوكل على قبيلته، وكم من متوكل على حكومته، وكم من متوكل على جيشه، وكم من متوكل على جهازه، وكم من متوكل على رصيده، وكم من متوكل على عقله، وكم من متوكل على صديقه وصاحبه، فسلِّمنا وحرِّرنا من كل ذلك، واجعل توكلنا عليك وحدك واستنادنا إليك برحمتك يا أرحم الراحمين.
وكم من قوم في رمضان يرفعهم الله مراتب في التوكل عليه، في السر والإعلان، فيخرجون وقد طُهِّروا عن درن الالتفات للأكوان، والتعويل عليها في كل شأن، ويدركون من كريم معاملة المنان، مالا يُعبر عنه لسان.
(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، كافيه من كل شدة، ومن كل أذية، و كافيه في نيل كل مراد وتحقيق كل مبتغىً ومطلوبٍ في الخافي والباد والدنيا والمعاد، إذ المُلك ملكه، والحُكم حكمه، والأمر أمره، وإليه مرجع كل شيء -لا إله إلَّا هو- آمنا به وعليه توكلنا، وسألناه أن يزدنا إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا وصدقًا ويحققنا بحقائق محبته، وقربه، ومعرفته، ورضوانه، والتوكل عليه حقا.
اللهم ثبتنا على ذلك القدم وارزقنا المتابعة لحبيبك الأكرم، وتولنا به في كل ما خص وعم، وأسبغ علينا فائضات النعم، وادفع عنا البلايا والآفات والعاهات والندم وموجبات الندم والذنب، وكن لنا بما كنت لمحبوبيك من كل مقرب أكرم برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
08 رَمضان 1441