تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الصف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، الآية: 13، إلى آخر السورة
نص الدرس مكتوب:
﷽
(وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14))
الحمد لله مُكرمنا بنور القرآن، وحسن البيان، على لسان خير انسان، سيدنا محمد صلى الله وسلم، وبارك وكرّم عليه في كل حين وآن، وعلى آله المطهرين عن الأدران وصحبه الغرّ الأعيان، وعلى مَن والاهم في الله واتّبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب والعِرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكة الله المُقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمته إنه أرحم الراحمين.
و بعد،،،
فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربنا -جلّ جلاله-، انتهينا إلى أواخر سورة الصف، حيث بسط الله لنا بساط الدلالة على التجارة المُنجية من العذاب الأليم والتي أرباحها: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))، اللهم اجعلنا من أهل الفوز العظيم.
تفسير قوله تعالى: (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))
ثم قال الحق -جلّ جلاله-:
- (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا)، أي تميل نفوسكم إليها، وفي هذا نوعٌ مِن العِتاب والتربية لهم، أن تميل نفوسكم للعاجل والأمر القريب في الدنيا. قال: حدثتكم عن الأمر الكبير وأيضًا يحصل لكم شيء، وأنتم نفوسكم ميّاله إليه:
- (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا)، والمعنى: يرتقي مَن يرتقي منكم فتكون الأخرى أحب إليه وأعظم ولا يلتفت إلى هذه وهي حاصلة.
- يقول: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ)، ينصركم على أنفسكم وأهوائكم وشياطينكم، ينصركم على من يعُاديكم ويُقاتِلكم من الكفار والمُعادين لله ورسوله.
- (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)، وَفَتْحٌ قَرِيب: يفتح لكم مكة المكرمة، ويفتح لكم الشام، ويفتح لكم مصر، ويفتح لكم -سبحانه وتعالى- فارس، ويفتح لكم الروم، (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ).
- يقول الله لحبيبه: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، كل مَن صدق في الإيمان بك واتّبعك؛ بشِّرهم، لهم هذه الجنات والمغفِرة والمساكن الطيبة في جنات عدن. اللهم اجعلنا من أهلها، والفوز العظيم، وأن لهم النصر في الدنيا وفتح قريب.
وأنواعٌ مِن الفتح تحصل للمؤمنين على قدر إيمانهم:
- في المعارف وفي العلوم.
- وفي أسرار الصِّلة بالحي القيوم -جلّ جلاله-.
- وفي القرآن الكريم وفي السُنّة الغرّاء.
فتحٌ له؛ (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))، فعلى قدر إيمانك، محمولة لك بِشارة من ربِّ الأرض والسماء، يحمِلُها إليك سيد أهل الأرض والسماء، هذه البِشارة يُقرأ خبرها:
- في الصلوات.
- وفي الأرض والسموات.
- موثّقة في أعظم كُتب الله المُنْزَلة من السماء إلى الأرض: وهي القرآن.
فكن مؤمن وأنت صاحِب هذه البشارة:
- بشارة مُثبتة في أمِّ الكتاب واللوح المحفوظ.
- ومُتلوّة على ألسن الملائكة.
- و تُقرأ في الصلوات على ألسن الصدِّيقين والمُقرًبين والصالحين وعموم المؤمنين.
- وموثّقة في أعظم كتاب نزل مِن السماء إلى الأرض؛ في القرآن الكريم.
على قدر إيمانك أنت شريك في هذه البِشارة: زِد تُزد، ليكن إيمانك أقوى فتكون نصيبك من البِشارة أحوى.
وبِشارة:
- تقرأ في الصلوات.
- وتُتلى على ألسن المؤمنين والمؤمنات، وعلى ألسن الملائكة.
- مُثبتة في اللوح المحفوظ وفي أم الكتاب.
- وكان يتلوها لسان محمد ﷺ، وموثّقة وسط أعظم الكتب.
يا بُشراك إذا هذه البشارة معك، هي على قدر إيمانك: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(13))، وهكذا عدًَد الله تعالى، إرسال البشائر إليهم على يد سيّد الأوائل والأواخر:
- (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا) [البقرة:25].
- (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) [يونس:2].
- (وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ) [النمل:2]. كتابك هذا، وما أنزلنا عليك هدى وبشرى للمؤمنين -الله أكبر-!
- و(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب:45-46].
- (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) [يس:11].
- (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ)[الزمر:17-18].
بشائر، وبعد ذلك من أين مصدرها؟! ومَن مُبلِّغها وحامِلها إليك؟!
- أكرم خالِق؛ مَصْدَرها وأساسها، وحاملها؛ أكرم الخلق، اللهم صلِّ عليه -الله أكبر- الله يُغنِّمنا هذه البشائر ويجعلنا من أهل هذه العطايا الكبيرة وهذه المفاخر.
- يقول: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، وخاطب الله المؤمنين، أنت من المؤمنين؟، يُستجلى إيمانك في نُصرة محمد وما جاء به؛ في نفسك وأسرتك وبيتك وأهلك وأقوالك وأفعالك وأعضائك وقلبك.
انصر الحق ومحمدًا وأنت من المؤمنين، على قدر نِسبة هذه النُصرة، ولك البِشارة.
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14))
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ)، وفي قراءة: (كُونُوٓاْ أَنصَارٗا لِّلَّهِ)، ما دام آمنتم به فقُواكم ومقدُوراتكم يجب أن تُصرف في نُصرة هذا الإله الذي آمنتم به:
- وإنّما تكون نُصرته؛ نُصرة دينه، نُصرة شريعته، نُصرة نبيّه، بنُصرة الصالحين من عباده.
- هذه نصرة الله، وهو الغني عنكم، ولكن إن قمتم بها ينصركم، وهي علامة إيمانكم وما تستحقّون بها البِشارة.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ)، فشرِّفنا اللهم بنُصرتِك ونُصرة رسولك محمد صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم -الله-.
خطاب الرحمن للمؤمنين لينصروه، قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40]، علامة الناصرين لك، ما هي؟
قال: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور) [الحج:41]، هؤلاء الناصرون لله -تبارك وتعالى-:
- إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
- وأمر بالمعروف، كل ما أحب الله.
- ونهي عن المنكر، كل ما كرِه الله.
في أقوالهم وأفعالهم وعاداتهم وتقاليدهم ومُناسباتهم وبيعهم وشرائهم وأخذهم وعطائهم وكل أمورهم، هؤلاء أنصار الله وأنصار رسوله، الله الله الله، (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا):
- بمُختلف طوائفهم مِن كلِّ مُعانِد، ومِن كل مُكابِر على أي حال: (فَتَعْسًا لَّهُمْ)، ليس أمامهم إلَّا التعاسة، لاشي غير التعاسة أمامهم أبدًا، لا يُحصِّلوا غيرها، لا يوجد إلَّا هي
- (فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، أعمالهم وخططهم وتراتبيهم تجي عليهم، تدمِّرهم من هنا وهنا، يخسرون الدنيا والآخرة، ليس معهم غير هذا.
- لا والله ولن يجدوا غير هذا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
- واختاروا لأنفسهم طرق أخرى وتراتيب مِن عندهم، يوحي بها بعضهم إلى بعض: (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:7-9] ما جعل لها نتيجة صحيحة.
فمن العجب، أن أحدهم أحيانا يغرُونه بجهاز تلفون وأحيانًا لعبة كذا، ويقول: هؤلاء ناس مُتقدِّمين مُتطوّرين وعندهم كذا، يا أبله! يا بليد! يا قاصر النظر! يا قليل الإدراك والحِسّ! ماذا في هذا اللعب؟ ماذا في هذا الأمر الحقير من حقائق السعادة؟ وماذا فيه من حُسن المصير؟!
يا هذا! أكفرت؟! مثل الذي أعجبته مزرعته، وقَالَ:
- (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا)، وهم هكذا يقولون، وبعد ذلك أيضًا تبجُّحات: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ).
- إذا رأيت شيئا من التيسير والتسخير والنعمة: (قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، إن كان أنت تشاهد الآن في الحسّ: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي..) -لحظة تجيء- (..أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ)، ريح صرصر أو صاعقة.
- وتذهب، تنتهي: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)، إذهب، تقول؛ أنا، أنا (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)، في ليلة واحدة لم يبقَ شيء، (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)، كله فسد وذهب.
- (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا)، ذهبت الألوف التي يملكها والملايين والدنيا، (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)، ثم من نفعه؟! (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) [الكهف:35-43].
أنت تعلم أن الولاية الحق لله، ويا فوز مَن تولّاه الله، ومَن لم يتولّه الله، فليس له في الأرض مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ، قال:
- ولن يجدوا من دون الله أولياء، (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * ۞ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ).
- هي طائفة واحدة وإلّا طائفتين؟ أو دولة، أو دولتين؟ (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) [محمد:9-10]، هي هذه نفسها سُنّة الله.
ما الحكمة؟ قال: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) [محمد:11]، زدنا إيمان يارب واجعلنا من خواص أهل الإيمان.
هذا موسم زيادة الإيمان، آواخر رمضان، كثير قلوب يفتح الله عليها نور الايمان؛ تخرج بشأن عجيب من رمضان، أقرب إلى الرحمن، أطيب حال، أصدق وجهة، أرفع درجة، أنقى سريرة، أنور بصيرة، يا الله، يخرجون من رمضان بالمكاسِب الكبيرة…
- (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ) [محمد:11]، هذا مولى هذا، وهذا مولى هذا؛ وينتهي إلى فناء وزوال واضمحلال ولا له مكان، أين المولى إذاً؟!
- (لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)، (لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)، مَن يدْخُل معه حزبه إلى قبره؟! حكومته! وزارته،؟! قبيلته؟! حضارته؟! لا أحد منهم يدخل إلى قبره، إذًا من مولاه هذا؟! هو كان يظن له أولياء، يعتز بهذا، ويعتز بهذا، وصاروا بعد ذلك لا شيء، إذا ما تولاك هو مالكَ ولي.
- (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)، أليس هم أحزاب كما ذكروا لنا الأحزاب؟ نعم هم أحزاب، ثم هزم الأحزاب وحده، من هو وليهم بعد ذلك صار؟! وبدأوا يتولون بني قريظة، وبني قريظة تتولاهم، ثم بعد ذلك جاء حكم الله فيهم وقُتِّل بني قريظة..
ومن وليّهم الآن؟
- يا جماعة مَن لم يتولاه الدائم لا وليّ له.
- مَن لم يتولُّه الباقي الحيّ القيوم -مَن بيده الأمر- فلا ولي له.
- أخرِجونا مِن ورطات الخيالات والأوهام هذه في تولي الخلق بعضهم لبعض، على انقِطاع عن الإله.
ما هذا؟! ما هذه الأضاحيك والألاعيب والسفسطة وقِلة العقل؟!
إذا لم يتولَّك القوي الدائم القادِر الذي لا يزول مُلكه، ولا تنفد خزائنه، والحي الذي لا يموت؛ فلا ولي لك،
إما ولاية منه أو لا، ليس لك أحد إذا لم يكن هو لك... اعقل!
- (وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)، بعد ذلك النتائج الكبرى لهذه الولاية، أو للولاية الموهومة الثانية،
- (إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، انظروا إلى وليهم أوصلهم إلى أين!
- (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد:11-12] وفي الأخير النار، أي مُستقبل هذا؟ أي عقل هذا؟ أي حضارة هذا ؟ أي تطور هذا؟ آخر شيء نار تشويه! أيّ حضارة هذه؟! تكنولوجيا! في الأخير نار تشويه؟!
يا ليته ما نطق يوم باسم تكنولوجيا، ولا دخل النار أحسن لهُ.. أحسن له، يا ليته عاش يطبخ بالحطب ويستظل بالشجر ولا دخل النار أحسن له، ولا تكنولوجيا وبعد ذلك حريق ونار جهنم.
ما هذه الفوائد؟ ما هذه الحضارات؟ ما هذا التقدم؟!
- هذا الأمر الواقع يتحدّث عنه مُكوّن الكون، من بيده الأمر كلّه، (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) [هود:123]، -لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُو-.
- يقول الله: حِكم أُجريها؛ اختبر بها عبادي، فيا فوز من آمن وصدّق، وياخسارة من غرّته نفسه في هذه الدنيا.
يقول: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) [محمد:13] يقول حسبوا هؤلاء أنّنا عاجِزين أن ننصرك أو نهلكهم في لحظة؟! وأهلكنا قرى أشد منهم ومما عندهم كثير؛ ولكن أملينا لهم، وفسحنا لهم في الآجال وأخرنا العذاب عليهم لوجود مؤمنين فيهم، لا لهوانك علينا، ولا لتعجيزهم لنا، لا يُعجِزوننا ولا يسبقونا:
- (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) لا تظن أنّهم يفوتونا ولا يصعبون علينا أبدًا أصلًا، صغيرهم وكبيرهم، أولهم وآخرهم؛ نواصيهم بيد الجبّار، هم وما عندهم، لا يُعجِزونه.
- (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) [الأنفال:59]، لَا يُعْجِزُونَ، وما هم بمعجزين في الأرض، ومالهم من دون الله من نصير.
- ولكن يؤخِّرهم، يُمهِلهم، يُملي لهم، ثم تأتي العواقب المحتومة على رغم الأنوف؛ فلا يفوز إلَّا المؤمنون الأتقياء -اجعلنا اللهم منهم-.
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) [محمد:13]، فما هي يا ربِّ حقيقة السعادة والخلاص في الحياة؟
- (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم) [محمد:14].
- (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّه)؛ بيان وهُدى ومنهج من الربّ (كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم).
فيا ربِّ ثبِّتنا على الإيمان، وزدنا إيمانا وارزقنا العمل بمُقتضى الإيمان.
يقول: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوٓاْ أَنصَارٗا لِّلَّهِ)، انصروا ربكم:
- مؤمن به، لا تنصح؟!
- مؤمن به، لا يهمك وضع المسلمين؟!
- مؤمن به، ليس لك حِرص على هداية من حولك؟!
يا هذا انصر ربك.. مؤمن به، وتجلب عادات اليهود إلى وسط بيتك وتترك سنة محمد ﷺ؟! ما الإيمان هذا؟!
(كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ):
- ليس أنصار الموضات
- ليس أنصار الاستحسانات الساقطات
- ليس أنصار أحزاب الأرضيات والاتجاهات البشريات
أنصار الله (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ)، (كُونُوٓاْ أَنصَارٗا لِّلَّهِ) -جلَّ جلاله-، أنتم مؤمنون بالله -تبارك وتعالى- لستم:
- أنصار النفوس.
- أنصار الأهواء.
- أنصار الشهوات.
ماذا منها سينجيكم؟ ماذا منها سيُسعِدكم؟ ماذا منها سيُسلّمكم من النار؟ ماذا منها سيدخلكم الجنة حتى تنصروها؟! انصروه هو:
- يرحمكم، ويغفر لكم.
- يُدخِلكم الجنة يُنجيكم من النار.
- يرعاكم ويرعى آثاركم، وأولادكم، وأهلكم.
- ويصلح شأنكم في الدنيا والآخرة.
وكلّه بيده، انصروه هو، لِم تنصرِفون لنُصرة غيره؟! وغيره لا خلقكم، ولا إليه مرجِعكم، ولا يقدِر يُقدِّمكم ولا يُؤخِّركم، ولا يقدِر يُنجّيكم من النار ولا يُدِخلكم الجنة؛ لكن هو -سبحانه وتعالى- أحق بِنصرتنا، يا ربّ أرزقنا نصرتك على الحقيقة مؤمنين خاضِعين.
قال الله: - وأنتم خذوا الأمثال- (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ)، هذا آخر نبي قبل نبيكم محمد.
معه حواريين: يعنى أصفياء اصطفاهم من بين قومِه، كانوا قصَّارين، يُبيضون الثياب.
والحواري: المُستصفى، المُستخلص الذي لا غِش فيه ولا كدر.
"إنَّ لكل نبيٍ حواريًّا قال ﷺ وحواري الزبير"
- "من يأتيني بخبر القوم؟" : يقول في يوم الأحزاب.
- قال سيدنا الزبير: أنا يا رسول الله
- قال: "من يأتيني بخبر القوم؟ ". قال الزبير: أنا يارسول الله.
- "من يأتيني بخبر القوم؟ "، الزبير: أنا يا رسول الله.
- قال: "إن لكل نبي حَواريًّا وحواريَّ الزبير".
هنيئًا للزبير بن العوام -رضي الله عنه-، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
(كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، وفيها معنيان:
- المعنى الأول: (مَنْ أَنْصَارِي)، جنودي في التوجّه إلى الله، وفي القيام بأمر الله تعالى.
- والمعنى الثاني: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) من أنصاري مع الله، من سينصُرني مع الله الذي هو ناصِري وباعثي ومُرسلي، من سينصُرني مع الله؟ (إِلَى اللَّهِ) يعنى مع الله.
( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، والحواريون أيقنوا أن ناصر عيسى، إنّما ينصر الرحمن، ما قالوا نحن أنصارك، هو يقول: (مَنْ أَنْصَارِي)؛ هم ما قالوا نحن أنصارك! (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)، وما معنى أنصار الله؟ هل سيتركون عيسى؟ بل سيقتدون به ويتبعونه وينفذون أمره هذه نصرة الله تعالى.
من مِنّا يقدر أن ينصر الله من غير اتِّباع محمد، لا طريقة لنصرة الله!!.
كيف تنصر الله؟ ستنظر محمد ماذا قال لك وأنت مُنفِّذه فقط؛ هذه نُصرة الله، انظر ما بيّن لكم وشرع لك، هذه نُصرة الله.
فمن كان ناصر لمحمد فهو من أنصار الله، ساداتنا الأنصار أدركوا الحظ الوافر من هذا -عليهم رضوان الله تعالى-.
- وفي يوم البيعة -أول بيعة وثاني بيعة- بيعة العقبة الثانية خرج سيدنا العباس بن عبد المطلب مع النبي ﷺ قال: "يا قوم، يا جماعة، هذا الآن معه رسالة موجهة للعالم ومضادة لأديان الناس، هذا من الشرك والكفر كله. إذا ستقومون معه هنا ستنابذكم العرب والقبائل كلها، والعالم ضِدكم. يعني: قولوا رأيكم قبل أن تعطوا ابن أخي أيديكم، أيقِنوا أن المسألة خطيرة، معكم صِدق وإلا دعوه؟! هو في مَأْمَنِه وفي قومه، ونحن هنا نكفيه.
- قالوا: "يا رسول الله، اشترطْ لربك ولنفسك". قال: "أشترطُ لربي أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً، وتطيعوه". قالوا: ماذا ترتضى؟ قال: "أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وأموالكم وأولادكم". قالوا: فما لنا نحن إن وفينا بذلك؟ ماذا نُحصِّل من وراء هذا؟. قال: "الجنة". قالوا: أمدد يدك. -تقدموا- قال: "ابعثوا لي منكم اثني عشر كما بعث عيسى ابن مريم اثني عشر نقيبا، يكونون كُفَلاءَ لي على قومهم، وأنا كفيل لقومي". ونزل جنبه جبريل يقول له: فلان وفلان وفلان، اثني عشر نقيبا، نُقباء الأنصار -رضي الله تعالى عنهم-.
- فكان أهل بيعة العقبة بمقام عظيم عند الله، أول من لبّى قلب محمد في دعوته إلى الربّ بالنّصرة. وقد دار على كثير من مواسِم العرب وأسواقهم وقبائلهم، ما هدى الله أحد، ولا أحد سبق الأوس والخزرج هؤلاء -عليهم رضوان الله- هنيئًا لهم. وقال: "إنَّ قريش منعتني أن أبلغ رسالة ربي، من يمنعني حتى أبلِّغ رسالة ربّي؟". ومن قبيلة إلى قبيلة، وما هدى الله أحد -سبحان الله-، السابقة سبقت للأوس والخزرج، سبقوا، وبايعوه ﷺ وعاهدوه، فليسوا بأقلّ من أهل بدر، وعدد منهم من أهل البيعة هم أيضًا معه في بدر ﷺ.
(كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ)، ثم استقبلوه في المدينة، واستقبلوا كل مَن جاء مِن أصحابه، ووفوا، ووفوا، ووفوا (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9]، عليهم رضوان الله:
- وَفَوا في حياته ﷺ وبعد وفاته.
- وقاموا مع إخوانهم من المهاجرين والصحابة، ومع الخلفاء الراشدين، وكلّهم وَفَوا.
- الأوس والخزرج، نِعم القبيلتان، نِعم الأنصار، ويافوزهم أنصاره ﷺ.
- لهذا جاءنا الحديث الصحيح، "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ"
- "ومَن يُحبهم يُحبه الله، ومَن يبغضهم يبغضه الله"، فمن أجل الله ورسوله أحببناهم، عليهم رضوان الله -تبارك وتعالى-.
(كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، فتكون في آخر رمضان على حال جميل ناصرًا لله ورسوله في نفسك واسرتك، ويرى منك بعد رمضان انطِلاق في نُصرة الخلاّق وحبيبه عظيم الأخلاق، لا تُقدِّم على ذلك نصرة نفس ولا أهل، ولا ولد، ولا شعب ولا دولة، ولا صغار ولا كبار؛ الله ورسوله انصُرهم؛ ينصرك الله، وتجد الثمار اليانعة العجيبة: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14):
- غالبين -لهم الغلبة ولهم الرِفعة- وهذه سُنَّة الله في الأمم كلّها، يؤيد المؤمنين، وتكون العاقبة للمُتقين، مع ابتلاءات واختبارات وأشياء تحصل، يحصل هذا.
- ثم حصل التحريف والتغيير والتبديل بعد سيدنا عيسى ومرور السنين ومرور القرون، وغيّروا وحرّفوا وبدّلوا، والذي قال ابن الله، والذي قال هو الله، وهكذا.
- وبقي القليل منهم على الهُدى، حتى بعث الله محمدًا، وعادت قائمة التأييد والنُصرة للحق وللهُدى، من الله على يد محمد ﷺ، وأيّد كلام هؤلاء الأحبار والرهبان الذين مضوا على الصِدق، ولا غيّروا ولا بدلوا، وأن عيسى عبد الله ورسوله، لا ابن ولا إله، ولا شيء من الكلام الفارغ.
- عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة وروحٌ منه -جلَّ جلاله-.
هكذا فتمّت النُصرة، يقول الله؛ هذه سنني مع الأنبياء من قبل، وهذا سيد الأنبياء وخاتمهم، وأنتم أتباعه، إذا آمنتم به وقُمتم معه، أتظنون أنني لن أنصركم؟!
- (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)، أصدُق في الإيمان والاتِّباع وحُسن النظر، واصبر على المِحن القواصِد وانتظر؛ وإذا الفرج أقبل، وإذا الخير حل، وإذا البلاء ارتفع، وهذه سُنّة ربّك في هذه الحياة.
- (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)؛ لهم الغلبة، من يوم بعث نبينا والظهور لهذا الدين، والعاقِبة لهذا الدين.
أنواع المُعاداة والمُخالفة له:
- والذي يُقتطع بها قطيع بعد قطيع، من الغافِلين من المسلمين.
- ويقعون في براثن الإضاعة للفرائض وفعل المُحرّمات أو الإغتِرار بشيء من الأفكار.
- يريدون أن يضعوا مع الإله المُفكر الفلاني والمُفكر الفلاني، ولكن الأصل محفوظ.
و"لا تزالُ طائفةٌ مِنْ أُمِّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يضرُّهُمْ مَنْ ناوأهم، ولا يضرهم مَن خالفهم، حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون":
- حتى يُقاتِلون الدجال.
- حتى يُقاتِلون مع سيدنا المهدي.
- حتى يُقاتِلون مع سيدنا عيسى بن مريم.
فالنُصرة في الأمّة قائمة، الحمد لله ربّ العالمين.
مع ظهور أنواع من الفساد والشرّ والفِتن والمِحن والبِدع والمُخالفات من وقت إلى وقت، من مكان إلى مكان، لكن الأصل محفوظ:
- (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) [النور:55].
- إن لهم شيء من الأخواف؛ (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) [البقرة:155]؛ قال: يمر عليهم، ولكن أنتم أهل الصِّلة معي، كل خوف يمُر عليكم أجلب لكم، أمْنٌ بعده، (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [النور:55].
وأنا صغير في هذا البلد بعد اختِطاف الوالد، كان من الخوف..
- حذّرنا بعض الكبار من حمل الكتاب، أقرأ فيه في الروحة عند الحبيب محمد بن علوي بن شهاب الدين، رجلٌ قال لي: "تُظهِرُ كتابك هذا والناس مارِّين من أهل الحِزب ومن الحُكومة، وإن كنتَ طفل صغير؛ خبّئ الكتاب -كان الخوف أن نظهِر الكتاب-.
- و الآن نُدرّس الكتب ونعقِد المجامع، ونقرأ فيها؛ بدّلنا بعد الخوف أمْنًا، أوَ ما بدّلنا؟! بدّلنا بعد الخوف أمْنًا: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، وبَدل ما كان أنا أقرأ عند كذا نفر والروحة فيها كذا نفر، الآن يسمعون مجلسَنا الألوفُ في الشرق والغرب.
اصدُق مع الله، وأخلِص لوجه الله، وقُم مع الله، فإنّ وعوده مُنجَزة، وما أيسر شأن الدنيا، المُنتظَر منه الخير الأكبر في الغد.
قال الله عن سيدنا يوسف لمّا ثار الحسد على إخوته وأتعبوه وألقوه في الجب، ثم باعوه وذهبوا به. ووقعت به ابتلاءات أخرى في البيت الذي هو فيه، وابتلت به امرأة العزيز.. ياالله، وقاموا ووضعوه في السجن، بعد ذلك:
- (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) -قال ملِكهم- فلما كلَّمه ورآه: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)، ما الذي ستقوم به؟ من أي مُهمّة أمكّنك؟ (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ)، هذه أشياء انجزنا له في الدنيا، (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يوسف:54-57].
- انظر! علّمه الله تأويل الأحاديث، ومكّنه من النفع العام للأمّة، ونفع الأمة إلى أن وصل النفع من مصر إلى فلسطين وإلى حواليها من البلدان، وجاءوا يأخذون التغذية من تحت نظره وترتيبه، وجاء إخوته -أنفسهم- (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا)، ورتب تراتيبه معهم، وفي الأخير، (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ)
- يتأملون هذا الوجه وهذا الحال، هو نفسه أم ماذا؟!. ما عرفوه!، (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:89-90]؛ هذه خطط الأنبياء وأتباعهم.
الآن كل ساعة جاءوا لنا بفتنة وأفكار، كذا يقولون لك؛ تحقق بها حلمك، هذا تحقق بها حاجاتك، شاهد هذا المنهج:
- (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، قَالُوا بعد ذلك (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، الخطأ عندنا نحن الذين زللنا، ونحن الذين قصّرنا في حقك وما عرفنا قدرك، (قَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ).
- (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا)، تذهب عنه الغشاوة من عينيه ويعود بصيرا.
- (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) [يوسف:90-93] تعالوا اُكرِمكم ومَن معكم.
- وجاءوا، (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا):
- وإذا أبوه وخالته -هذه زوجة أبيه-؛ الشمس والقمر.
- والإحدى عشر: إخوته، سجدوا، (َخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا).
- (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ) [يوسف:99-100]، أيام كنت عندك أنا قلت لك: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف:4].
- انظر (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)؛ لُطف حتى في العِبارة، -لم يقل- من بعد ما صلّحوا المشاكل هؤلاء وعملوا لي، بل قال: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف:100].
- وذهب في هِمّته، ومُهمّته الكبيرة التي تحملها قلوب الأنبياء على ظهر الأرض وأتباعهم، ومُهمّته يقول: ربي قد آتيتني.. شكر لله واستعداد للقاء: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
هذه مشاعِرهم وأحاسيسهم وآمالهم وهِمّتهم ونيّتهم، هذا هو (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، قال الله لحبيبه : (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) [يوسف:101-102]، ونِعم الإنباء، ونِعم المُنبئ، ونِعم المُنبّأ؛ محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، هو الذي الذي أنبأنا عن الله.
والله ينفعنا بالقرآن ونُصبِح إن شاء الله في أعداد أتباعه وأنصاره ظاهِرين على الحق والهدى، بالحق والهدى، وكل من والانا في الله، ويهيئ الله ذلك قلوبًا صالحة من مشارق الأرض ومغاربها، ونكون ظاهِرين بالحشر معه يوم القيامة وسرعة الورود على حوضه المورود، والاستظلال بظِل لوائه المعقود، والمرور معه على الصِراط، ودخول الجنة معه في أوائل الوافِدين إليها في زمرته.
آمين ... آمين ... آمين ... آمين ... آمين ... آمين ... يا رب العالمين
نسألك ذلك فحقّقه لنا وزِدنا من إفضالك ونوالك ما أنت أهله يا ربّنا، وبارك لنا في بواقي الليالي.
و كنا نسميها العشر الآواخر، وإن كان الآن -أن كمُلت لنا- فما عاد إلَّا الست الأواخر من الشهر الكريم. الله يبارك لنا فيها ويجعلنا من خواص أهليها ويُغنِّمنا خيراتها ويوفِّر لنا حظّنا من مبرّاتها ويجعلنا من أهل نظراتها في عافية.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه
- (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) [الأنفال:59]، في قراءة: (وَلا تحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا)