(639)
(489)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الصف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ..}، الآية: 10.
﷽
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))
الحمد لله رب العالمين، مُكرِمنا بالنور المُبين، وحسن التبيين، على لسان خاتم النبيين، وسيد المرسلين، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم في كل حال وحين، عليه وعلى آلة وأهل بيته الطاهرين، وصحابته الغُرّ الميامين، وعلى من ولاهم في الله وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وأصحابهم والتابعين وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
و بعد،،،
فإنّنا في نعمة تأمُّلنا كلام خالقنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- واهتدائنا ببيانات إلهنا على لسان نبينا ﷺ، تفضّلاً من الحق -جلّ جلاله- انتهينا في سورة الصف إلى:
الآيات الكريمة التي شبّه الله بها من يفتري الكذب، وهو كل من ضادَّ دعوة الحق من الخلق، وهو يُدعى إلى الإله الخالق على ألسن النبيين وعلى ألسن أتباعهم المُخلصين، الصادِقين، العالِمين، العارِفين.
وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ):
هذا الصِنف من الناس من أظلم الخلق عند الله، مِن أشدِّهم ظَلَماً ومِن أشدّهم ظُلْمَة:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، فسمّى ما جاء به الأنبياء والمرسلين بسحر وكهانة: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)):
تفسير قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8))
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) وقد سبق معنا أنّه؛
قال سيدنا يعقوب لقومه، وقال ولأولاده وهو يحفظ الوصايا التي تلقاها عمّن قبله:
كما وصّى جدّه إبراهيم بنيه، وبنوه وصّوا أحفاد إبراهيم أولادهم، وكذلك:
وهكذا كل من أدرك مُهمّته الكبيرة في الحياة؛ يحمِل الوصيّة التي تبادلها الأنبياء والمُرسلون وورثتهم من المُقرّبين والصِّدِّيقين وأهل التمْكين من العلماء والعارفين، يحملها إلى أولاده وأهله وأصحابه ومن حواليه:
والوصيّة: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [فاطر:5]، فينبغي أن نُدرِك هذا الأمر العظيم ونحمل هذه الوصيّة والهم لأهلينا ولأولادنا وأصدقائنا وأصحابنا ومُجالِسينا، ونحمل وصيّة الله ووصيّة رسوله ﷺ؛ حتى لا يزيغوا ولا يضلوا ولا يُخدعوا بشئ مما يُعرض في الحياة.
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)، القرآن ومحمد والإسلام، (بِأَفْوَاهِهِمْ)، بما يصدِرونه من الأقوال، زُخرف القول الغرور: وهو وحي ظُلمانيٌ بين شياطين الأنس والجن يُضاد الوحي النوراني الذي أوحاه الله إلى أنبيائه، فتلقَّاه عنهم أتباعهم، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الأنعام:112-113]:
لذلك قال الله عن مُتّبِعي الهوى، لمّا أوحى إلى سيدنا النبي داود عليه السلام : (يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]، نسيان يوم الحساب:
هو الذي يُسلِّط الهوى عليك، وهو الذي بسببه تضل.
وكلّما كان أمر الآخرة نصب عينيك كأنّك تراه: فأنت أحق أن يثبُت قدمك على أقدام الأنبياء والأصفياء، إذا كانت الآخرة بين يديك كأنّك تراها..
ويروى أنه ﷺ:
فكان أحد الأربعة عشر الذين خرجوا في بدر، فاستشهدوا مع رسول الله ﷺ، وأحد الأربعة عشرا شهداء يوم بدر، في نحو الثامن عشر من عمره، وكان وحيد أمه، ليس معها ابن ولا بنت إلا حارثة.
في البخاري لمّا رجع ﷺ من غزوة بدر، جاءته أمه – أم حارثة- تقول: "يا رسول الله اين ابني حارثة؟ قال: احتسبيه عند الله، إستشهدَ في سبيل الله، قالت: أخبرني أين ابني؟ إنّك تعلم أنه ليس لي من الولد غيره، وتعلم منزِلة حارثة عندي، فأخبرني أين ابني؟ أن كان في الجنة، صبرت -حصل المقصود- وإن كان غير ذلك لترينّ ماذا أصنع. قال: يا أم حارثة، إنها ليست جنة واحدة، إنَّها جنان كثيرة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى"؛ فرِحت سيدتنا أم حارثة وقالت: وصل للمكان. وهي بعده حتى يجتمعِوا هناك -عليهم الرضوان-، هذا الشاب في هذا السّن، يعرِف حقيقة الايمان -أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بالله حَقًّا-.
(اللَّهُ مُتِمٌ نُورهُ)، الله أكبر، فأين يصل جُهدهم؟ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [الأنفال:35-36]، اللهم اجعلنا من الطيبين.
وما كان من فتح مكة المكرمة، وما كان من مُكاتبته ﷺ لمُلوك العالم ورؤساء العالم، كاتَبهم: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى الملك فلان، إلى الملك فلان، إلى عظيم القبط، إلى عظيم الروم، ، إلى عظيم الفرس، إلى كسرى، إلى عظيم القبط، إلى ملك البحرين، إلى ملك عمان، إلى ..، أدعوكم بدعاية الإسلام، أسلِم تَسلم، أسلِم يؤتك الله أجرك مرّتين ".
ويقول للذي كاتبهم من ملوك النصارى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]، وصلتْ الكتب إلى العالم، قبل أن يفتح مكة، كاتبَ هؤلاء، أي قُوّة يقوم عليها هذا الإنسان؟ أي اعتماد يعتمد عليه؟ أي استناد يستند إليه؟
وما زال ينتشِر حتى العام الخامس والعشرون -في زمن عمر بن الخطاب- وصل الإسلام إلى موسكو في روسيا:
ولم يزل الأمر كذلك، حتى يأتِ الوقت: "الذي لا يبقى فيه بيت إلا دخله الإسلام".
وفي أيام عيسى ابن مريم لا يبقى ظُهور لأي دين إلا دين الإسلام، الله.
لكن انظر الدين هذا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ، يرجع كل شيء لأصله، الله أكبر، عظمة وقوّة، ومتانة في البُرهان والعقل والحُجّة والدليل.
(وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8))، كان الكفار لا يُريدون انتشار الدين، لا يُريدون ظهور الدين، ويُحاولون من فترة إلى أخرى -صِنف منهم- كما قال الله تعالى:
اللهم اهدنا إلى الصراط المُستقيم.
يقول: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، ومن وقت لوقت، يُحاولون ويُأملون ويتطاولون، ولهم قُرون، ومهما كان الأمر فهي سُنّة الله -تبارك وتعالى- (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الفتح:22-23]: يقول تعالى.
ما سِرُّ هذه الغلبة والظُهور، وردّ كل مُحاولات الإطفاء حتى شبّههم إطفاء نور الله بالفم، هو كلامهم الذي يُزخرِفونه، مثل الذي يُريد بنفخِه بالفم أن يُطفئ نور الشمس، كيف يعمل؟ لو نفخ من يوم تشرق إلى آخر النهار ولن يتأثر بشيء، ماذا بك؟! قال: يُريد الشمس تنطفئ، مجنون، أنت واستأجر معك مليون نفّاخ، لا تقدِرون تطفئون شمس الله -جلّ جلاله-.
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9))
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ):
هذه هي الحِكمة، هذا هو الأساس: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى)، هؤلاء بجميع مُحاولاتهم، أين مرجعهم؟ وما هي غاياتهم؟ من أين جاءوا؟ من عند أنفسهم؟! من شياطين مثلهم؟! من الجن؟! ماذا يعملون هؤلاء؟
وهذا مُرسل من عند ربّ العرش، خالِق الكل؛
(لِيُظْهِرَهُ)، فيظهر الرسول، ويظهر القرآن، ويظهر دين الإسلام.
فما بال الذين يُعادون القرآن من أيام نبينا محمد إلى اليوم، ما قدروا أن يُغيِّروا آية واحدة، ولا كلمة من آية، دع الكلمة، حرف من كلمة، قل لهم؛ بدّلتوا؟!
عندنا أسانيد بقراءات سبع، إلى عشر مُتواترة مضبوطة، فيها -ليست الحروف وحدها- حتى المدات مضبوطة، ما قدروا أن يُغيّروا شيئا فيها، كما تُلِقِيت من فم نبينا محفوظة، كما خرجت من فمه إلى الآن، ما هذه المعجزة؟!
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، كُلِّهِ: يعنى جميع الأديان المُخالفة للحق والهُدى والإسلام، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(9)).
وهنُاك معنى آخر: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ)؛
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، يكرهون ظهور هذا الدين، ظهور النبي محمد، ظهور القرآن، يتضايقون منه، وذكر الحبيب ﷺ يشمئزون منه.
(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، ظاهِر ..ظاهِر:
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ):
قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)).
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10))
وجاء الخطاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10))، سيدنا عثمان بن مظعون، جاء إلى عند الرسول -وأخوه من الرضاعة- قال: يا رسول الله عزمتُ أن أطلِّق خولة -يقصد زوجته- وأختصي، ولا انام بليل، ولا أطعم بنهار، واجتهد في العبادة، قال الرسول ﷺ: لا، "إن من سنتي أنام وأقوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ولا رهبانية في الإسلام
قال: يا رسول ليتني اعرف أي تجارة أحبّ الى الله اتّجر فيها؟ فأنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10))، إيمان وجهاد، إذهب اتّجر فيها، أدخل في هذه التجارة:
يا خير تجارة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ)، والعجيب في هذه التجارة:
لكن هذا نجاة من العذاب الشديد الأليم كلّه، في البرزخ ويوم القيامة وفي النار: (تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، ياسلام، وفي قراءة: (تُنَجِّيكم).
تفسير قوله تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11))
أي التجارة هذه؟! وما رأس مالها؟ وما هي عملتها؟
(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْر لكمٌ)، أعظم و أشرف وأجمل وأحسن وأهنأ وأسعد.
(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(11)):
ولهذا قال: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، أمّا تبقون محصورين في هذا الأمر تغترّون به، ويفوتكم وتفوتون عليه، تفنون ويفنى، ما هذا علم.
سأُوريكم العِلم: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)،
هذا هو العِلم الذي به النجاة الأبدية (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
تفسير قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))
ما الذي يحصل لكم من مكاسِب هذه التجارة؟
(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً): َ
بعد ذلك: (مَسَاكِنَ طَيِّبَةً)
أحد الصحابة جاء واحد يسأله عن الآية، قال له: على الخبير سقطت، وسألتُه عن رسول الله، فذكر لي وصف:
(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً)، مَسَاكِن طَيِّبَة؛ هَمٌّ؛ ليس فيها، غَمٌّ ليس فيها، مُخَاطٌ ليس فيها، وَسَخٌ ليس فيها، مَرَضٌ ليس فيها، شيخوخةٌ وَهَرَمٌ ليس فيها، مَوْتٌ ليس فيها، والله إنَّها طِيبةٌ، كيف لا تكون طيّبة؟!
(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ):
(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))، إن شيء فوز لك أيها الإنسان، انظر!! لا عاد يغرونك ؛ سواءً بوظيفة أو بوزارة، أو برئاسة أو بمال أو بسيارة.
تفسير قوله تعالى: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))
(وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا)، وهناك عطيّة أخرى؛ محبّبة إلى النفوس، معجّلة في الدنيا: (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)، منه جاء بعد ذلك فتح مكة، ثم فتوح الأمصار، وبعدها مرة بعد أخرى، وأنواع من النصر، وكلّ صادِق ومُخلِص في مُختلف المواقف يجيء له نصر، ويجيء له فتح من الله سبحانه وتعالى.
(وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(13)) كلًمهم وقل لهم: لازال عند ربكم أكبر من ذلك! (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، فيا فوز الذين صدقوا في الإيمان -اللهم اجعلنا منهم- و يستلمون بشارة من ربّ الدنيا والآخرة، مُحمّلة على يد سيد أهل الدنيا والآخرة، يقول لكم خذوا، خذوا بشارة ربّ الدنيا والآخرة، آتيكم أنا بها، الله أكبر(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
لك الحمد يا من أرسلت إلينا هذا الرسول، وأنزلت عليه هذا الكتاب، وجعلتنا به مؤمنين فحقّقنا بحقائق الإيمان وأرزقنا الجهاد في سبيلك يا رحمن.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
24 رَمضان 1441