تفسير سورة الصف -3- من قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، الآية: 10

للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الصف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ..}، الآية: 10.

نص الدرس مكتوب:

﷽

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))

 

الحمد لله رب العالمين، مُكرِمنا بالنور المُبين، وحسن التبيين، على لسان خاتم النبيين، وسيد المرسلين، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم في كل حال وحين، عليه وعلى آلة وأهل بيته الطاهرين، وصحابته الغُرّ الميامين، وعلى من ولاهم في الله وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وأصحابهم والتابعين وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

و بعد،،،

 فإنّنا في نعمة تأمُّلنا كلام خالقنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- واهتدائنا ببيانات إلهنا على لسان نبينا ﷺ، تفضّلاً من الحق -جلّ جلاله- انتهينا في سورة الصف إلى: 

الآيات الكريمة التي شبّه الله بها من يفتري الكذب، وهو كل من ضادَّ دعوة الحق من الخلق، وهو يُدعى إلى الإله الخالق على ألسن النبيين وعلى ألسن أتباعهم المُخلصين، الصادِقين، العالِمين، العارِفين. 

وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ):

  • هؤلاء مِن أظلم الخلق عند الله تعالى لأنفسهم، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [النحل:118] ويظلِمون من لبَّسوا عليه، فمن غرّروه. ومن زخرفوا له القول فصدقَّهم. 
  • وهم ظلمة لأنفسهم وهم يظلمون: 
    • بالصدِّ عن سبيل الله. 
    • والكذِب والافتِراء على أنبياء الله وعلى أتباعِهم. 

هذا الصِنف من الناس من أظلم الخلق عند الله، مِن أشدِّهم ظَلَماً ومِن أشدّهم ظُلْمَة: 

  • (مَنْ أَظْلَمُ) منهم من: الظُلْم. 
  • (مَنْ أَظْلَمُ) منهم من: الظُلْمَة -الظلام- فهم في غاية الظلام. 

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، فسمّى ما جاء به الأنبياء والمرسلين بسحر وكهانة: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)): 

  • الذين بالِغوا في ظُلم أنفسهم بتصديق ما أيقنت بواطِنهم أنّه الحق، إرضاء لشيء من الرغبات أو الشهوات أو المُرادات النفسية.
  • هؤلاء الذين إكتنفهم ذلك الظُلم، سبقت عليهم السابقة، أن لا يهديهم الخلّاق -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

 

تفسير قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8))

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) وقد سبق معنا أنّه؛ 

  • القرآن الذي أنزل.
  • ومحمد الذي أرسله.
  • والدين الذي اختاره -سبحانه وتعالى- وبينّه وفصّله. 

قال سيدنا يعقوب لقومه، وقال ولأولاده وهو يحفظ الوصايا التي تلقاها عمّن قبله: 

  • سيدنا يعقوب تلقّى الوصيّة من أبيه سيدنا اسحاق. 
  • ووصّى بها سيدنا إبراهيم بنيه.
  • ويعقوب وَصَّىٰ بنيه. 

كما وصّى جدّه إبراهيم بنيه، وبنوه وصّوا أحفاد إبراهيم أولادهم، وكذلك: 

  • يعقوب وَصَّىٰ بنيه كما وصى جدّه ابراهيم بنيه: (وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ) [البقرة:132]. 
  • اختار هذا الدين لا يقبل غيره؛ دين الإسلام، دين آدم ودين شيث ابن آدم، ودين ادريس ودين نوح وجميع الأنبياء: الإسلام؛ (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران:19]. 
  • لا يقبل غيره، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [البقرة:132]؛ فاثبتوا على ذلك.

وهكذا كل من أدرك مُهمّته الكبيرة في الحياة؛ يحمِل الوصيّة التي تبادلها الأنبياء والمُرسلون وورثتهم من المُقرّبين والصِّدِّيقين وأهل التمْكين من العلماء والعارفين، يحملها إلى أولاده وأهله وأصحابه ومن حواليه: 

  • (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)؛ (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5]. 
  • كل ساعة تسمعون فكرة، وكل ساعة يخرّجون صورة، وكل ساعة يزخرفون قول، وكل ساعة يُظهِرون إلحاد؛ لَا تَغُرَّنَّكُمُ هذه المظاهر. 

والوصيّة: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [فاطر:5]، فينبغي أن نُدرِك هذا الأمر العظيم ونحمل هذه الوصيّة والهم لأهلينا ولأولادنا وأصدقائنا وأصحابنا ومُجالِسينا، ونحمل وصيّة الله ووصيّة رسوله ﷺ؛ حتى لا يزيغوا ولا يضلوا ولا يُخدعوا بشئ مما يُعرض في الحياة.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)، القرآن ومحمد والإسلام، (بِأَفْوَاهِهِمْ)، بما يصدِرونه من الأقوال، زُخرف القول الغرور: وهو وحي ظُلمانيٌ بين شياطين الأنس والجن يُضاد الوحي النوراني الذي أوحاه الله إلى أنبيائه، فتلقَّاه عنهم أتباعهم، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)  [الأنعام:112-113]: 

  • كلّما ضعُف الإيمان بالآخرة، استعدت نفس الإنسان لأن تقبل الزُخرُف والكذِب والغُرور والباطِل. 
  • وكل ما كانت الآخرة نصب عينيه؛ يوقِن بأن فيها الحِساب والعذاب والنعيم والجزاء والعِقاب، تتباعد عنه أثار الفِتن وزُخرُف القول ولا يتغيّر ولا يتأثّر بالفِتن النازِلة، 
  • لكن على قدر ضعف الإيمان بالآخرة: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ)  [الأنعام:113]. 

لذلك قال الله عن مُتّبِعي الهوى، لمّا أوحى إلى سيدنا النبي داود عليه السلام : (يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]، نسيان يوم الحساب: 

  • إمّا بضعف الإيمان به. 
  • أو بالتكذيب به.
  • أو بالغفلة عنه. 

هو الذي يُسلِّط الهوى عليك، وهو الذي بسببه تضل.

وكلّما كان أمر الآخرة نصب عينيك كأنّك تراه: فأنت أحق أن يثبُت قدمك على أقدام الأنبياء والأصفياء، إذا كانت الآخرة بين يديك كأنّك تراها..

ويروى أنه ﷺ: 

  • قال لسيدنا الشهيد حارثة -عليه رضوان الله تعالى- وقد لقيه يوم -شاب صالح-: "كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَاحَارِثُ؟، 
  • قَالَ: "أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بالله حَقًّا يا رسول الله، فَقَالَ: انْظُرْ، إِنَّ لِكُلِّ قول حَقِيقَةً، ومَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ 
  • فَقَالَ: يا رسول الله عزفَتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبُها ومدرها، وأصبحت كأني أرى عرشِ ربّي بارزًا، وكأنّي أرى أهلَ الجنةِ يتنعّمون فيها واسمع أهلِ النارِ يتعاوون فيها. -يرى الجنة والنار أمام عينيه-.
  • فقالَ: "عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَه، عَرَفْتَ فَالْزَمْ". فقال: يارسول الله، ادع الله أن يرزقني الشهادة في سبيلك، قال:" اللهم ارزق حارثة الشهادة في سبيلك". 

فكان أحد الأربعة عشر الذين خرجوا في بدر، فاستشهدوا مع رسول الله ﷺ، وأحد الأربعة عشرا شهداء يوم بدر، في نحو الثامن عشر من عمره، وكان وحيد أمه، ليس معها ابن ولا بنت إلا حارثة. 

في البخاري لمّا رجع ﷺ من غزوة بدر، جاءته أمه – أم حارثة- تقول: "يا رسول الله اين ابني حارثة؟ قال: احتسبيه عند الله، إستشهدَ في سبيل الله، قالت: أخبرني أين ابني؟ إنّك تعلم أنه ليس لي من الولد غيره، وتعلم منزِلة حارثة عندي، فأخبرني أين ابني؟ أن كان في الجنة، صبرت -حصل المقصود- وإن كان غير ذلك لترينّ ماذا أصنع. قال: يا أم حارثة، إنها ليست جنة واحدة، إنَّها جنان كثيرة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى"؛ فرِحت سيدتنا أم حارثة وقالت: وصل للمكان. وهي بعده حتى يجتمعِوا هناك -عليهم الرضوان-، هذا الشاب في هذا السّن، يعرِف حقيقة الايمان -أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بالله حَقًّا-.

  • (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، ساحِر، مجنون، كذّاب، يُشكّكون في أمر الدين؛ في أمر العبادة، في أمر الطاعة، في أمر الآخرة، في أمر النبيين، في أمر الأولياء، في أمر الصلاح، في أمر العلم الشرعي …
  • (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، ولكن ربُّنا قال: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه)، في قراءة: (اللَّهُ مُتِمٌ نُورهُ)، وهم بجُهود كثيرة وكبيرة باذِلين هُنا وهُناك، وترتيبات ومُخططات، من عناصر ابتلاهم الله بكراهة الحق وإرادة السوء للناس في الأرض، هؤلاء، ومع ذلك الذي مُقابِلهم كبير لا يقدِرون عليه. 

(اللَّهُ مُتِمٌ نُورهُ)، الله أكبر، فأين يصل جُهدهم؟ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [الأنفال:35-36]، اللهم اجعلنا من الطيبين.

  • وقد قُلنا: إن الإتمام يكون للناقص، ولا نقص في نور الله، ونور الله كامل. 
  • وقلنا: أن المعنى يتم ظهور هذا النور، حتى يشمل الخلائق كلّها، ويشمل الأرض كلّها. 
  • يتم نوره: يتم ظُهوره، حتى ذكرنا مراتب الظُهور ومنها ظُهور الحُجّة والبُرهان. 

وما كان من فتح مكة المكرمة، وما كان من مُكاتبته ﷺ لمُلوك العالم ورؤساء العالم، كاتَبهم: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى الملك فلان، إلى الملك فلان، إلى عظيم القبط، إلى عظيم الروم، ، إلى عظيم الفرس، إلى كسرى، إلى عظيم القبط، إلى ملك البحرين، إلى ملك عمان، إلى ..، أدعوكم بدعاية الإسلام، أسلِم تَسلم، أسلِم يؤتك الله أجرك مرّتين ". 

ويقول للذي كاتبهم من ملوك النصارى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]، وصلتْ الكتب إلى العالم، قبل أن يفتح مكة، كاتبَ هؤلاء، أي قُوّة يقوم عليها هذا الإنسان؟ أي اعتماد يعتمد عليه؟ أي استناد يستند إليه؟ 

  • إنّه رسول الله، إنّه رسول الله. 
  • كاتبهم قبل فتح مكة، في أيام صُلح الحديبية، كاتب مُلوك العالم ﷺ. 
  • فتح عليه مكة فكان ظُهور ثم انتِشار للنور والهُدى إلى الشام وإلى مصر وإلى المغرب وإلى أفريقيا. 

وما زال ينتشِر حتى العام الخامس والعشرون -في زمن عمر بن الخطاب- وصل الإسلام إلى موسكو في روسيا: 

  • (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ..(9)). 
  • (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32].

ولم يزل الأمر كذلك، حتى يأتِ الوقت: "الذي لا يبقى فيه بيت إلا دخله الإسلام". 

وفي أيام عيسى ابن مريم لا يبقى ظُهور لأي دين إلا دين الإسلام، الله. 

  • ومُختلف الأديان مقهورة مهزوزة، مُضطرِبة في أُسسها وقواعدها، ليس لها ثوابت راسخة.
  • لا هؤلاء يعرِفون أن يتكلّموا عن التثليث، ولا اليهود والتوراة المُحرفة المُبدلة المُغيرة، ولا عاد سند بينهم وبين سيدنا موسى عليه السلام. 
  • ولا هم يعرِفون كيف؛ يقولون عُزَيْر ابن الله، والخربطة، 
  • أديان مهزوزة مالها ثبات ومالها أصل، ولا آل الإلحاد ولا المجوس ولا البوذيين، ولا الهندوس؛ أديانهم كلّها، شيء منها يرجع للنار، وشيء يرجع للبقرة؛ ما في أساس. 

لكن انظر الدين هذا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ، يرجع كل شيء لأصله، الله أكبر، عظمة وقوّة، ومتانة في البُرهان والعقل والحُجّة والدليل. 

(وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8))، كان الكفار لا يُريدون انتشار الدين، لا يُريدون ظهور الدين، ويُحاولون من فترة إلى أخرى -صِنف منهم- كما قال الله تعالى: 

  • (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا) [النساء:27]. 
  • (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)[النساء:89]. 
  • (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة:120]. 
  • (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا) [البقرة:109]. 
  • (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا) -فريقاً ليس كلهم- (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [آل عمران:100-101]، 

اللهم اهدنا إلى الصراط المُستقيم.

يقول: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، ومن وقت لوقت، يُحاولون ويُأملون ويتطاولون، ولهم قُرون، ومهما كان الأمر فهي سُنّة الله -تبارك وتعالى- (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)  [الفتح:22-23]: يقول تعالى.

    ما سِرُّ هذه الغلبة والظُهور، وردّ كل مُحاولات الإطفاء حتى شبّههم إطفاء نور الله بالفم، هو كلامهم الذي يُزخرِفونه، مثل الذي يُريد بنفخِه بالفم أن يُطفئ نور الشمس، كيف يعمل؟ لو نفخ من يوم تشرق إلى آخر النهار ولن يتأثر بشيء، ماذا بك؟! قال: يُريد الشمس تنطفئ، مجنون، أنت واستأجر معك مليون نفّاخ، لا تقدِرون تطفئون شمس الله -جلّ جلاله-. 

  • أنتم، إذا غربت هذه الشمس تحتاجون إلى مصابيح توقِدونها، وتُصلِحون لها كهرباء، ولكن إذا طلعت هذه الشمس، غطّت كل شيء، اطفئوا مصابيحكم، فقد سطعت شمس الله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ).

 

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9))

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ): 

هذه هي الحِكمة، هذا هو الأساس: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى)، هؤلاء بجميع مُحاولاتهم، أين مرجعهم؟ وما هي غاياتهم؟ من أين جاءوا؟ من عند أنفسهم؟! من شياطين مثلهم؟! من الجن؟! ماذا يعملون هؤلاء؟ 

وهذا مُرسل من عند ربّ العرش، خالِق الكل؛

  • (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ)، أنا الذي أرسلته يقول ربّي -جلّ جلاله-:
  • (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى)، القرآن الكريم. 
  • (وَدِينِ الْحَقِّ)، الإسلام؛ 

(لِيُظْهِرَهُ)، فيظهر الرسول، ويظهر القرآن، ويظهر دين الإسلام. 

فما بال الذين يُعادون القرآن من أيام نبينا محمد إلى اليوم، ما قدروا أن يُغيِّروا آية واحدة، ولا كلمة من آية، دع الكلمة، حرف من كلمة، قل لهم؛ بدّلتوا؟! 

عندنا أسانيد بقراءات سبع، إلى عشر مُتواترة مضبوطة، فيها -ليست الحروف وحدها- حتى المدات مضبوطة، ما قدروا أن يُغيّروا شيئا فيها، كما تُلِقِيت من فم نبينا محفوظة، كما خرجت من فمه إلى الآن، ما هذه المعجزة؟! 

  • هاتوا لنا كِتاب مثل هذا الكتاب! في باقي؟! كُتب مُحرّفة مُبدَّلة، مُغيّرة، والكتب الثانية التي هم ألّفوها من عندهم، تقلّبت ومضى عليها الزمن، صارت ما عاد تنفع، صارت أفكار بائدة ما عاد تُناسب العصر.
  • لكن انظروا  للكتاب هذا، لا أحد قدر يُبدِّله، ولا أحد قدر يُغيّره، ونافِع لعُقول الناس، ولمجتمع الناس، ولعلائق الناس، وللحُكم بين الناس -وموجود- نافِع في كل زمان، ما العظمة هذه؟؟ ظاهر أو ليس ظاهر؟

(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، كُلِّهِ: يعنى جميع الأديان المُخالفة للحق والهُدى والإسلام، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(9)).

وهنُاك معنى آخر: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ)؛

  • (لِيُظْهِرَهُ) هذا الرسول عَلَى (الدِّينِ كُلِّهِ)، أي ليُطلِعه على غايات ما في الأديان -من أولّها إلى آخرها- وتحريفها قليلها وكثيرها، وظُلماتها وآفاتها، وما فيها. 
  • فعلِم  جميع ما يدين به الناس من الأديان إلى أن تقوم الساعة، أظهرها عليها، عرّفهُ إياها، وفصلّها له؛ فهو أعلم كيف يُبلِّغ دين الحق لكلّ هذه العقليات، ولأهل هذه الأديان كلّها؛ لأنّه مُرسل إليهم اجمعين ﷺ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فما أعظم عِلمه وما أوسع عِلمه ﷺ.

(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، يكرهون ظهور هذا الدين، ظهور النبي محمد، ظهور القرآن، يتضايقون منه، وذكر الحبيب ﷺ يشمئزون منه. 

(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، ظاهِر ..ظاهِر: 

  • لا أحد مُتردِّد اسمه، في العالم خلال اليوم والليلة بالرّفع والتعظيم بجانب اسم الله، غير محمد، هات لي من يذكر اسمه مع الله في الشرق، في الغرب، في العرب في العجم؟! 
  • لكن هذا في البيوت، في المساجد، في الأماكن المسموح بها العامة، في الأماكن الخاصة، يُذكر: أَشْهَدُ أَنّ لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله وأَشْهَدُ أن محمداً رسول الله.
  • لا شي بهذا الترتيب البديع؛ ولا رؤساءهم ولا قادتهم ولا مُفكريهم ولا الذين قبل ولا الذين بعد، فمن هذا الذي رفع ذِكْره.

(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): 

  • محمد مذكور على المنائر، على المنابِر، بكل لغة في العالم؛ بالعربية، بالفارسية، بالإنجليزية، بالفرنسية، بالأردو، بالسواحلية. 
  • بكل لُغات العالم يذكر اسم محمد مع اسم الربّ، تعظيم؛ لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله محمد رسول الله ﷺ. 
  • كما هو مكتوب على قوائم العرش، لَّا إِلَٰهَ إِلَّإ الله محمد رسول الله، فأعظِم باسم، أعظِم بصاحِب اسم كُتِب مع اسم ربّ العرش على قوائم العرش.

قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)).

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10))

 وجاء الخطاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10))، سيدنا عثمان بن مظعون، جاء إلى عند الرسول -وأخوه من الرضاعة- قال: يا رسول الله عزمتُ أن أطلِّق خولة -يقصد زوجته- وأختصي، ولا انام بليل، ولا أطعم بنهار، واجتهد في العبادة، قال الرسول ﷺ: لا، "إن من سنتي أنام وأقوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"  ولا رهبانية في الإسلام

قال: يا رسول ليتني اعرف أي تجارة أحبّ الى الله اتّجر فيها؟  فأنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10))، إيمان وجهاد، إذهب اتّجر فيها، أدخل في هذه التجارة: 

  • تجارة الدلَّال الله، يدل عليها: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ)؟ 
  • وباسطها ومُنفِّذ الدلالة محمد

يا خير تجارة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ)، والعجيب في هذه التجارة: 

  • (تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، عذاب الدنيا، عذاب القبر، عذاب الآخرة، عذاب يوم القيامة، عذاب النار، كلّه تسلمون منه، من التجارة هذه. 
    • وما عاد حولكم من مصائب الدنيا، ولا من عذاب القبر ومشاكِل البرزخ، ولا من يوم القيامة، ولا استِلام كتاب باليسار -فضيحة بين الخلائق وظهور القبائح- والسقوط في النار عند المرور من على الصِراط، خِفّة الميزان؛ كل هذه تذهب، لا شئ منها. 
  • (تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، لا توجد تجارة هكذا تنجيكم من العذاب غير هذه التجارة، وأصحاب التجارة العالمية هل عندهم شيء من هذا؟! 
  • (تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، ممكن تشترك اليوم معاهم وتصبح مُصدِّع، وبعد ذلك بطنك تؤذيك، وبعد ذلك تسقط وتقع في حادث، لا يُنجّونك من عذاب الدنيا ولا من عذاب الآخرة. 

لكن هذا نجاة من العذاب الشديد الأليم كلّه، في البرزخ ويوم القيامة وفي النار: (تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، ياسلام، وفي قراءة: (تُنَجِّيكم).

 

تفسير قوله تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)) 

أي التجارة هذه؟! وما رأس مالها؟ وما هي عملتها؟ 

  • قال: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، تتمكّنون في الإيمان حتى يغلُبكم ويملأكم عظمة الحق وصِدق محمد ﷺ.
  • (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، تُبالغون في هذا الإيمان وتمتلئون به وتُصدًِقونه بلا شك ولا ريب ولا تردد.
  • (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)، تنفقون الأموال والأنفس في سبيل هذا الإله، تجارة.

(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْر لكمٌ)، أعظم و أشرف وأجمل وأحسن وأهنأ وأسعد.

(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(11)): 

  • أن تدركوا حقيقة العِلم، وذلك أن الإنسان مُغْتر بمعلوماته التي يكتسِبها الصغيرة، ثم يُبالِغ فيها ويسمّون أنفسهم علمانيين، وهذا يسمي نفسه علمي، وذا يُسمِّي نفسه عالم كذا، وعالم كذا. 
  • قال الله: أنا سأريكم حقيقة العِلم، هل عندكم عِلم يُنجّي من العذاب الأليم؟ هل هو عِلم الذرّة، أو عِلم الكمبيوتر، أو عِلم التكنولوجيا، أو عِلم الجيولوجيا، أو عِلم طبقات الجو، أو عِلم وكالة ناسا؟! ما الذي ينجي من العذاب الأليم؟ لا شيء من هذا ينجي من العذاب الأليم.

ولهذا قال: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، أمّا تبقون محصورين في هذا الأمر تغترّون به، ويفوتكم وتفوتون عليه،  تفنون ويفنى، ما هذا علم. 

سأُوريكم العِلم: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، 

هذا هو العِلم الذي به النجاة الأبدية (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

 

تفسير قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))

ما الذي يحصل لكم من مكاسِب هذه التجارة؟ 

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً): َ

  • مَسَاكِنَ طَيِّبَةً: "لبنةٌ من ذَهَبٍ و لبِنةٌ من فضَّةٍ، وملاطُها المسكُ الأذفرُ"، يالله. 
  • انظر هذا المنظر: لبِنة ذهب ولبِنة فضة وبينهم مِسك!  
  • انظر!! هل في قصر مثله في الدنيا؟! ماقد أحد من ملوك الأرض بنى له مثل هذا! لا يقدرون عليه!!! 

بعد ذلك: (مَسَاكِنَ طَيِّبَةً)

أحد الصحابة جاء واحد يسأله عن الآية، قال له: على الخبير سقطت، وسألتُه عن رسول الله، فذكر لي وصف: 

  • ياقوتة في الجنة، فيها ألف دار: 
    • في كلّ دار ألف دار من الزَّبَرْجَد، يعني ألف بيت - ألف غُرفة، ألف منزِل-. 
    • في كل غُرفة، ألف سرير من فُرش مُختلِفة. 
    • في كل سرير سبعون حورية. 
  • وذكر بُسُطًا، وذكر فُرُشًا، وذكر أطعمة. 
  • وإن الله يعطي صاحِبها من القوّة ما يأتي عليها في مِقدار يوم. 
  • مئات من العطايا والمأكولات والمِنح في يوم واحد يمر عليها؛ قوة عجيبة.

(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً)، مَسَاكِن طَيِّبَة؛ هَمٌّ؛ ليس فيها، غَمٌّ ليس فيها، مُخَاطٌ ليس فيها، وَسَخٌ ليس فيها، مَرَضٌ ليس فيها، شيخوخةٌ وَهَرَمٌ ليس فيها، مَوْتٌ ليس فيها، والله إنَّها طِيبةٌ، كيف لا تكون طيّبة؟!

(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ):

  • (جَنَّاتِ عَدْنٍ) معنى عَدْنٍ: إقامةٌ وخُلْدٌ ودوام. يعني فيها بساتين، وهذه المساكن وسط هذه البساتين، وسط البساتين استقرارٌ وإقامةٌ دائمة، إقامةٌ ليس فيها ارتحال.لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ.
  • وتحاول بعض الدول أن تعمل لمن يجيء إليها؛ إقامة دائمة: 
    • يعني لا يُجدّدها كل سنةٍ.. كل سنة. 
    • لكن لا هُم دائمون ولا إقامتهم دائمة ولا الذي أعطاه الإقامةَ ولا هو، ويظل يسافر ويمرض. 
  • لكن هناك "جَنَّاتُ عَدْنٍ"، إقامةٌ مُستقِرّةٌ مُستمِرّةٌ أبدًا سرمدًا. يا الله.

(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))، إن شيء فوز لك أيها الإنسان، انظر!! لا عاد يغرونك ؛ سواءً بوظيفة أو بوزارة، أو برئاسة أو بمال أو بسيارة. 

  • انظر الفوز؛ (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، الله أكبر، كما أخبر العظيم، العظيم لا يقول عظيم إلا شيء، عظيم بقدرهِ هو، ليس بقدرك انت وعقلك، عظيم عند الله: (وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) [الفتح:5].
  • في سورة الفتح يقول لنبيه ﷺ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) [الفتح:1-5]، (وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا)، (فَوْزًا عَظِيمًا)، (فَوْزًا عَظِيمًا)، (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)). 

 

تفسير قوله تعالى: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))

(وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا)، وهناك عطيّة أخرى؛ محبّبة إلى النفوس، معجّلة في الدنيا: (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)، منه جاء بعد ذلك فتح مكة، ثم فتوح الأمصار، وبعدها مرة بعد أخرى، وأنواع من النصر، وكلّ صادِق ومُخلِص في مُختلف المواقف يجيء له نصر، ويجيء له فتح من الله سبحانه وتعالى.

(وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(13)) كلًمهم وقل لهم: لازال عند ربكم أكبر من ذلك! (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، فيا فوز الذين صدقوا في الإيمان -اللهم اجعلنا منهم- و يستلمون بشارة من ربّ الدنيا والآخرة، مُحمّلة على يد سيد أهل الدنيا والآخرة، يقول لكم خذوا، خذوا بشارة ربّ الدنيا والآخرة، آتيكم أنا بها، الله أكبر(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). 

لك الحمد يا من أرسلت إلينا هذا الرسول، وأنزلت عليه هذا الكتاب، وجعلتنا به مؤمنين فحقّقنا بحقائق الإيمان وأرزقنا الجهاد في سبيلك يا رحمن.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

24 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

17 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام