تفسير سورة الرحمن - 6 - تتمة السورة

تفسير سورة الرحمن، من قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، الآية: 60
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، من قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، الآية: 60، إلى آخر السورة المباركة. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • الإحسان الإلهي ومقابلة العبد له:
    • سعة الإحسان الإلهي وواجب العبد تجاهه.
    • مضاعفة الأجر الإلهي وشكر الوسائط.
  • نعيم الجنتين الأخريين لأصحاب اليمين:
    • المفاضلة بين الجنان (الأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين).
    • وصف الأشجار، والعيون النضاخة، والفواكه المباركة.
  • أوصاف نساء الجنة والستر بالنور:
    • الخيرات الحسان والحور المقصورات في الخيام.
    • حجاب النور وتفاضل المراتب.
  • الرفرف والعبقري وختام السورة:
    • البُسُط والأسرّة (رَفْرَفٍ خُضْرٍ و عَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ).
    • تعظيم جلال الله وإكرامه والمسارعة لنيل سلعة الله الغالية.

نص الدرس:

الحمد لله مكرمِنا بالتنزيل، وبيانِه على لسان رسوله الجليل، خيرِ معلمٍ وأكرمِ دليل. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل محبته والاقتداءِ به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وملائكتك المقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،،، 

تفسير قوله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)) 

فإننا في تأملِ كلام ربنا جلَّ جلاله، وتعليمِهِ وتنبيهِهِ وخبرِهِ، انتهينا في سورة الرحمن إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه قوله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60))، وتحملُ لنا الآيةَ معانيَ شريفة: 

  • فأولها تذكيرُنا بإحسان الحق إلينا؛ في الخلق من العدم. 
  • ثم موالاة المِنَنِ والنِّعَم. 
  • ودفعِ أنواعٍ من الآفات والأمراض والعاهات والشدائد والمشاكل.

نعلمُها ولا نعلمُها، دفَعها عنا؛ فضلاً منه، أحسن إلينا في كل هذا. فكيف نعامِله؟ هل يليق بنا إلا أن نُحسِن بالتوحيد والإيمان، وبالعمل الصالح، وبطُهر الجَنان، وبالإخلاص لوجهه؟ 

(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).. 

  • فيُحسِن إليكم هذا الإحسان كله، يخلقكم من عدمٍ وكنتم لا شيء، ثم يجعلكم في أحسن تقويم، ثم يهبكم أنواع التنعيم والتكريم، ثم يدفع عنكم من البلاء العظيم ما تعرفونه وما لا تعرفونه. 
  • ثم تجحدون به؟ ثم تكفرون به؟ ثم تعصونه؟ ثم تخالفون أمره؟ ثم تنسونه؟ ثم تُؤْثِرون غيره عليه؟ هل يليق بكم هذا؟! 

(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ):

  • وإذا كان هذا فيما شرع لعباده، فإن الإحسان كله راجع إليه، فلا يُحسن أحد من عباده مقدار ذرة من إحسان إلا وقابلَها بإحسان منه لا حدَّ له، سُبحانه ابتدأ بالإحسان. 
  • وإذا أحسنَّا فتح لنا باب إحسان لائق به ، فإحسانُنا على قدرِنا قليلٌ محصور، ولكن إحسانَهُ على قدرِه، يُعطي كثيرًا، عطاء غير محدود ولا محصور. الله أكبر!
    • (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ). 
    • ويقولُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) [النساء:40]. 
    • (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) [يونس:26]. 

وكل من أحسن في الدنيا مبتغياً وجه ربه في قولٍ وفعلٍ ومعاملة، فإحسانُهُ محفوظ، ويقابلُهُ إحسانُ الحق سبحانه وتعالى غيرُ المحدود. 

وجاء في الحديث، يقول الحق: "ما جزاءُ من أحسنتُ إليه بالتوحيدِ إلا الجنة، ما جزاءُ من أحسنتُ إليه بالإيمان بي ومعرفتي إلا أن أُدخِلَهُ الجنة؟"، (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ). فاقبلوا إحساني، أفتحْ لكم من أبواب الإحسان ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.

  • فتُعلِّمُنا الآيةَ: أن نقابل الإحسان بالإحسان. 
  • وتُبيِّن لنا الآيات: أن المحسنين من عباد الله، إذا قابلتْهم من الخلق سيئةٌ قابلوها هم بالحسنة: 
    • (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [فُصِّلَت:34]. 
    • و(وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) [الرعد:22]، الله أكبر! 

كان ﷺ: 

  • لا يجزي بالسيئةِ السيئةَ. 
  • ولكن يعفوُ ويصفحَ ويقابلُ بالإحسان. 

صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم.. 

هو سيد المحسنين في الخلق، وما فوقه وفوق إحسانه إلا إحسانُ الله جل جلاله:

  • وهو كله من إحسان الله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله. 
  • أعطاه الحُسنَ كله، وجمع له المحاسن كلها. 
  • وجعله إمام المحسنين وسيد المحسنين وأحسن المحسنين في الخلق أجمعين. 

(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)، فكيف تُعاملون المحسنَ إليكم؟ 

  • وما يُحسن إليكم أحدٌ من خلقه إلا بتوفيقه وتسليطِهِ الدواعيَ في قلبِ ذاك الشخصِ لأن يُحسن إليكم، فهو المحسنُ في الحقيقة. 
  • ومع ذلك، إذا أجرى الإحسان على يدِ أحدٍ من خلقه؛ فقد شرع لكم أن تشكروا ذلك المخلوقَ: 
    • من حيث كونه واسطةً. 
    • لا من حيث كونه أساساً، والأساس هو الله. 

قال: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)). تكذِّبون بخلقهِ لكم؟ تكذِّبون بإنعامهِ عليكم؟ تكذِّبون بصرفِ بلايا كبيرة، أشياءَ تعلمونها  وأشياءَ لا تعلمونها؟ 

أنواع البلايا التي تعلمها، مصروفة عنك، وبلايا أخرى لا تعلمها مصروفة عنك، من صرَفها؟! ولو سُلِّطَت عليك لسُلِطتْ،  ولوقعت بك، فإحسانُه عظيم جلّ جلاله. (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62)

يقولُ: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62))، من دون الجنتين المذكورتين التي للمقرَّبين: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))، من دونهما جنتان لأصحاب اليمين، يعني أقل من هاتين الجنتين، جنتين أُخْرَيَيْنِ عظيمتين، إلا أنها دون الأُولَيَيْنِ: 

  • فالأُولَيَينِ للمقربين. 
  • والأُخْرَيَينِ لأصحاب اليمين. 

قال ﷺ: "جنتان من ذهبٍ آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من فضةٍ آنيتُهما وما فيهما". 

(وَمِن دُونِهِمَا) من دون الجنتين الرفيعتين العَلْيَتيْنِ الأُولَيَيْنِ: (جَنَّتَانِ) أُخْرَيَانِ دون ذلك. 

 

  تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64))

ولكن انظر وصفهما: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64))، وصفُ هاتين الجنتين: 

  • أنهما (مُدْهَامَّتَانِ)، يعني شديدةُ الإخضرارِ أشجارهما بكثرة الري، حتى من كثرة الري تميل إلى السواد، فتصيرُ مدهامَّة. 
    • إِدْهَامَّتْ: قويَ أخضرارُها ومالت إلى السواد من شدة الخُضره فهي مدهامةٌ، (مُدْهَامَّتَانِ) الله أكبر. 
  • وهذا وصفٌ عجيبٌ جميل، ولكن أعظم منه الوصف السابق الذي قال: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48))، وأغصانٌ طوال، وأنواع من الفواكه الشهية. 

وهذا قال: 

  • (مُدْهَامَّتَانِ)، ريَّانة مُخضرَّة من كثرة الري حتى مالت إلى السواد. 
  • (مُدْهَامَّتَانِ) يعني كل واحدة منها مدهامَّة، أي قويَ اخضرارُ أشجارها بكثرة الري، فهما خضراوان من شدة خضرتهما، الخضرةُ إذا قويَت مالت إلى السواد. 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66))

(مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66))، فالتي فوق قال: (عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50))، وهذه (عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)

  • تلك تجري، وهذه تنضخ: يعني تفيض، لكن الجري أعظم من الفيضان، والنضخ أقوى من النضح. 
  • النضح: رشٌّ، لكن النضخ فيضٌ، امتلاء و فَيْضٌ، فهذا نضخ. 
  • ولكن الجري أكبر، الجري أعظم من النضخ، والنضخ فوق النضح. النضح رشٌّ، لكن هذا نضخ. 

قال سبحانه وتعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)، ممتلئتان دائمةً، فيَّاضتان بالامتلاء، لاتنقصان. 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68))

(فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (67) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (68) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (69)):

  • في تلك قال: (فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52))، لكن في هذه خصَّص الفاكهة: (وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) بعدما ذكر عموم الفاكهة وخَصَّ النخلُ والرمان لمكانتهما وفائدتهما. 
    • فالنخلُ: له الرُّطَب الذي فيه فاكهة وغذاء؛ تُغذِّي. 
    • والرمان: فاكهة ودواء. 

فذكر النخل والرمان مع أنهما من الفاكهة، ولكن.. 

  • جاء عن الإمام أبي حنيفة أن الفاكهة شيء، والنخل والرمان شيء آخر، حتى قال أنه من حلفَ أنْ لا يأكل فاكهة ثم أكلَ رُطباً أورماناً لم يحنثْ. 
  • قال غيره من الأئمةِ الفقهاء: يُنظر إلى عُرفِ البلد، فإن كان في البلدةِ يُعَدَّانِ فاكهةً فهما فاكهة، وإن لم يُسمَّيا في عُرفِ تلك البلدةِ فاكهةً فليست بفاكهة. 

وإلا فالأصلُ أن الفاكهة تعمُّ الكل، ولكن خُصَّ هذان بالذكر بعد ذكر عموم الفاكهة: 

  • لمكانتهما والاعتناء بشأنهما؛ النخل والرمان: (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)
  • في الحديث النبي ﷺ قال: "رأيت الرمانة في الجنة كالبعير المُقَتَّبِ". 

البعير وفوقه القتب، قال: فإن الرمانة الواحدة هكذا، في أشجار الجنة. (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68))، اللهم اجعلنا من أهلِ جنتِك. 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70))

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70)):

(فِيهِنَّ) الجنان كلهنَّ، تلك الاثنتين والاثنتين (خَيْرَاتٌ حِسَانٌ). وأيضاً كل واحدة من الاثنتين، ثم الاثنتين، جنانٌ كثيرة. 

وعلِمنا أسماء الجنان؛ الثمانية، وأبوابها ثمانية: 

  • أعلاها الفردوس -الفردوس الأعلى- وعِلِّيُّون، ومزيد، هذه أعالي الجنة للمقربين.  
  • ثم جنة النعيم، جنة المأوى، جنة طوبى، ودار السلام. 

الجنة هكذا مطْلقة للبقية: 

  • ومن كان في جنة أعلى يستطيع أن ينزل عند من هو أدنى. 
  • ومن كان أدنى لا يستطيع أن يرقى إلى ما فوق. 

قال تعالى: 

  • (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70))
    • إما عطايا ومواهب كثيرة، وقال الجمهور: المراد بالخيرات الحسان نساء الجنة. 
    • "خَيْراتٌ" مخففٌ من "خَيِّراتٌ"، جمع "خَيِّرة". وقُرِئَ: "خَيِّراتٌ". 
  • (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)، لااله الا الله، حِسانٌ: حِسانُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ. 

(فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71))

 

 تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72))

ففسَّرَ الخيرات الحسان بقوله: (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ).

(حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، وخيام الجنة من اللؤلؤِ المجوَّف. وفي الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "في الجنة خيمة من لؤلؤةٍ مجوَّفة، طولها ستون ميلاً، في كل زاوية منها، أهلٌ لصاحبها لا يرى بعضهم بعضاً": 

  • وذلك أن عجائب الستر والكشف في الجنة راجعٌ إلى النور:
    • فما أراد الله -تبارك وتعالى- سترَهُ، وما يليق سترُهُ، يكون عليه حجابٌ من نورٍ فلا تراه. 
    • والذي أراد أن يُكشَفه لك بالنور يكشفهُ لك فتراه. 
  • فالنور هو الحاجب وهو الكاشف، فما يحتاجون يضعون سُتُراً ولا أغطية: 
  • ولكن مباشرةً تلقائياً يكون الستر بالنور مُسدَلاً، لا يرى هذا ذاك، وهكذا كما قال ﷺ: "في كل زاوية أهلٌ لا يرى بعضهم بعضاً" بساتر النور. 

وهذا الساتر الذي كان على سيدنا آدم -عليه السلام- وحواء في الجنة قبل نزولهما إلى الأرض، فما كانا يريان سوءاتهما قط، كان بالنور محجوباً، لا يرونها:

  • فلما وقعا في المعصية (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)، وكانت في أصل الخِلْق موجودة، لكن ما كانا يرونها أصلاً بحجاب النور. 
  • فلما أكلا من الشجرة (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) [الأعراف:22] فصارا يريان سوءاتهما بعد ذلك لما رُفِع هذا النور عنهما. لا إله إلا الله.

(حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، فهؤلاء قال عنهن مقصورات، أما في الجنة العليا هنالك قال: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ (56)) أي هن بأنفسهن قاصرات، وهنا يقول: (مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام). والتي تقصُرُ طرفَها بنفسها خيرٌ من التي تُقصَرُ. هنَّ من أنفسهن طرفُهُنَّ لا يمتد أصلاً، هؤلاء مقصوراتٌ بخيامهنَّ، لا يَرَيْنَ إلا أزواجهنَّ. 

(حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72))  ما أعجب خيام الجنة! الله أكبر! 

  • شيء من اللؤلؤِ المجوَّف، وشيء من المرجان، وشيء من الفضة، وشيء من الذهب. 
  • خيامٌ كبيرة! جاء في الحديث الصحيح: "لؤلؤةٌ واحدة طولها ستون ميلاً". 

لؤلؤةٌ واحدة! لو جمعنا لؤلؤات الأرض كم ستصل؟ ستين ميلاً! سبحان المعطي! (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الانسان:20]. 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76)) 

يقول جلَّ جلاله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73)) -وصفُهنَّ كوصفِ السابقات- (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76)):

  • (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ) رفرف: نوع من البُسُط التي تُبسط لهم. ميزةُ هذه البُسُط أنها تمشي بهم حيث يمشون. 
  • (رَفْرَفٍ خُضْرٍ) لونها أخضر، مكسواتٌ بالأخضر، فهي أسرَّةٌ مخصوصة عليها بُسُطٌ رفارفٌ تمشي به حيث شاء  في سعة هذه الجنة، بالسير المنتظم كما يشاء، لا يحتاج مروراً، ولا زحمة، ولا شيء يَدُقُّ فيه، ولا أحد يصدمه، ولا يصدم أحد.

قال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ (76))

  • العبقريُّ: بُسُطٌ ممتازةٌ مُنَوَّعةٌ. 
  • (حِسَانٍ) حِسانٌ: حَسَنَةٌ جميلة. 

قال أهل اللغة: وكل جليلٍ رفيعِ القدرِ نفيسٍ من الرجال وغيره، يقال له: عبقري. 

  • فالرجل الجليل القدر النفيس المخصوصٌ بمزايا، يقال له: عبقري. ولما ذكر النبيُّ ﷺ رؤياهُ، فيمن ينزحون من البئرِ. وذكر سيدنا عمر رضى الله عنه، قال: "فلم أرَ عبقرياً يفري فَرْيَهُ"، يحسن النزح. 
  • فالعبقريُّ هو المُمَيَّزُ من كل شيء، الفرشُ العبقري، الخيلُ العبقرية، المُمَيَّزُ عن غيره، النفيس، يقال: عبقري. 

(مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76))، يا ما أعظم ذاك النعيم! ويا ما أحلاه! ولو بذلَ الإنسان فيه روحَهُ ومُلكَ أرواحٍ الى روحه لكان يسيراً في الوصول إليه. اللهم اجعلنا من أهلِ جنتك. 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77))

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77)) كمال الواحد وثلاثين مرةً يقول: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تنزُّل الرحمن لنا وتذكيره لنا، إحدى وثلاثين مرةً في سورة الرحمن الكريم. تكذبون بأي شيء من نعمه؟ تكذبون بأي شيء من إحسانه وإعطائه وإسدائهِ لكم؟ بماذا تكذبون به؟ ليس فيه ما يُكَذَّبُ. ليس فيه ما يمكن أن تُكَذِّبوا به. لماذا تكذبون؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟

 

 تفسير قوله تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))

(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ)

  • تقدَّس وتنزَّهَ وتعالى اسمُ ربك، فـ(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]. 
  • هو عظيم الوصف، واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في أفعاله؛ حيٌّ قيوم، قادرٌ مُقتدر، قويٌّ متين، سميعٌ بصير. 

( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))

  • (ذِي الْجَلَالِ): العظمةِ والكبرياء. 
  • (وَالْإِكْرَامِ): الإحسانِ والفضلِ والامتنان. 
  • (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)

ألِظُّوا بـ "يا ذا الجلال والإكرام"، وأجِلُّوا الله يُكرمْكُم. 

وإن من إجلال الله: توقيرَ ذي الشيبة المسلم، والإمامِ المُقسِطِ، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه. إجلالُ هؤلاء من إجلال الله. 

إن من إجلال الله: 

  • إكرامَ ذي الشيبة المسلم، كبيرِ السن من المسلمين، إحترامُك له وإكرامُك له من إجلال الله. 
  • وذي السلطان المُقسِطِ: حاكمٍ عادلٍ ينفِّذ شرع الله ويحكم بأمر الله، يَخلُفُ الحقَّ سبحانه ورسولَهُ في تنفيذ أمر الله في الأرض. 
  • وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، الذي لا يهجُرُهُ ولا يتخالف مع أوامره، ولا يغلو فيه جهلاً وكِبراً وترفُّعاً، فهذا حامل القرآن بهذه الصورة إكرامُهُ من إجلال الله.

(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))، الإحسان والإنعام والإفضال الذي لا يُحَدُّ ولا يُحصَرُ، ولا يقف عنده شيء من الإحصاء: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18]، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً.

فلندخل إلى تلك الدوائر بخوف الإله الرقيب الشهيد الحاضر؛ (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))، قال نبينا ﷺ: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة":

  • من خاف أدلجَ، من سارَ في الدُّلجةِ -في الليل-. والذي هو مطمئنٌّ، ما عنده خوف ينام في مكانه، والذي عنده كسلٌ يريد أن ينام، لكن من عنده خوف -مباشرة- يمشي ولا يرضى يقف، ومن أدلج بلغ المنزل. 

ومن خاف من الله لا يقعد في الغفلات، لا يقعد في السيئات، يدرك نفسه، يُسافر إليه بهمة عُلوية. قال سيدنا إبراهيم: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصَّافَات:99]، فذهب..

  • من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، وصل إلى مكانه، وحَلَّ محل أمانهُ وطمأنينتُهُ. 
  • فمن خاف الله أدلج وابتعد عن الغفلة والمعاصي والسيئات حتى يبلغ المنزل: الجنة. 

فإن سلعة الله غالية: "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

 (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))، يا ذا الجلال والإكرام، أمِتنا على دين الإسلام، برحمتك يا أرحم الراحمين، بجاهِ حبيبك الأمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

16 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

17 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام