(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، من قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، الآية: 60، إلى آخر السورة المباركة.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))
الحمد لله مكرمِنا بالتنزيل، وبيانِه على لسان رسوله الجليل، خيرِ معلمٍ وأكرمِ دليل. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل محبته والاقتداءِ به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وملائكتك المقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61))
فإننا في تأملِ كلام ربنا جلَّ جلاله، وتعليمِهِ وتنبيهِهِ وخبرِهِ، انتهينا في سورة الرحمن إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه قوله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60))، وتحملُ لنا الآيةَ معانيَ شريفة:
نعلمُها ولا نعلمُها، دفَعها عنا؛ فضلاً منه، أحسن إلينا في كل هذا. فكيف نعامِله؟ هل يليق بنا إلا أن نُحسِن بالتوحيد والإيمان، وبالعمل الصالح، وبطُهر الجَنان، وبالإخلاص لوجهه؟
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)..
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ):
وكل من أحسن في الدنيا مبتغياً وجه ربه في قولٍ وفعلٍ ومعاملة، فإحسانُهُ محفوظ، ويقابلُهُ إحسانُ الحق سبحانه وتعالى غيرُ المحدود.
وجاء في الحديث، يقول الحق: "ما جزاءُ من أحسنتُ إليه بالتوحيدِ إلا الجنة، ما جزاءُ من أحسنتُ إليه بالإيمان بي ومعرفتي إلا أن أُدخِلَهُ الجنة؟"، (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ). فاقبلوا إحساني، أفتحْ لكم من أبواب الإحسان ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.
كان ﷺ:
صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم..
هو سيد المحسنين في الخلق، وما فوقه وفوق إحسانه إلا إحسانُ الله جل جلاله:
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)، فكيف تُعاملون المحسنَ إليكم؟
قال: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)). تكذِّبون بخلقهِ لكم؟ تكذِّبون بإنعامهِ عليكم؟ تكذِّبون بصرفِ بلايا كبيرة، أشياءَ تعلمونها وأشياءَ لا تعلمونها؟
أنواع البلايا التي تعلمها، مصروفة عنك، وبلايا أخرى لا تعلمها مصروفة عنك، من صرَفها؟! ولو سُلِّطَت عليك لسُلِطتْ، ولوقعت بك، فإحسانُه عظيم جلّ جلاله. (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)).
تفسير قوله تعالى: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62)
يقولُ: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62))، من دون الجنتين المذكورتين التي للمقرَّبين: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))، من دونهما جنتان لأصحاب اليمين، يعني أقل من هاتين الجنتين، جنتين أُخْرَيَيْنِ عظيمتين، إلا أنها دون الأُولَيَيْنِ:
قال ﷺ: "جنتان من ذهبٍ آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من فضةٍ آنيتُهما وما فيهما".
(وَمِن دُونِهِمَا) من دون الجنتين الرفيعتين العَلْيَتيْنِ الأُولَيَيْنِ: (جَنَّتَانِ) أُخْرَيَانِ دون ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64))
ولكن انظر وصفهما: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64))، وصفُ هاتين الجنتين:
وهذا قال:
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66))
(مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66))، فالتي فوق قال: (عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50))، وهذه (عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ):
قال سبحانه وتعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)، ممتلئتان دائمةً، فيَّاضتان بالامتلاء، لاتنقصان.
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68))
(فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (67) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (68) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (69)):
فذكر النخل والرمان مع أنهما من الفاكهة، ولكن..
وإلا فالأصلُ أن الفاكهة تعمُّ الكل، ولكن خُصَّ هذان بالذكر بعد ذكر عموم الفاكهة:
البعير وفوقه القتب، قال: فإن الرمانة الواحدة هكذا، في أشجار الجنة. (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68))، اللهم اجعلنا من أهلِ جنتِك.
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70))
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70)):
(فِيهِنَّ) الجنان كلهنَّ، تلك الاثنتين والاثنتين (خَيْرَاتٌ حِسَانٌ). وأيضاً كل واحدة من الاثنتين، ثم الاثنتين، جنانٌ كثيرة.
وعلِمنا أسماء الجنان؛ الثمانية، وأبوابها ثمانية:
الجنة هكذا مطْلقة للبقية:
قال تعالى:
(فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71)).
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72))
ففسَّرَ الخيرات الحسان بقوله: (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ).
(حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، وخيام الجنة من اللؤلؤِ المجوَّف. وفي الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "في الجنة خيمة من لؤلؤةٍ مجوَّفة، طولها ستون ميلاً، في كل زاوية منها، أهلٌ لصاحبها لا يرى بعضهم بعضاً":
وهذا الساتر الذي كان على سيدنا آدم -عليه السلام- وحواء في الجنة قبل نزولهما إلى الأرض، فما كانا يريان سوءاتهما قط، كان بالنور محجوباً، لا يرونها:
(حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، فهؤلاء قال عنهن مقصورات، أما في الجنة العليا هنالك قال: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ (56)) أي هن بأنفسهن قاصرات، وهنا يقول: (مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام). والتي تقصُرُ طرفَها بنفسها خيرٌ من التي تُقصَرُ. هنَّ من أنفسهن طرفُهُنَّ لا يمتد أصلاً، هؤلاء مقصوراتٌ بخيامهنَّ، لا يَرَيْنَ إلا أزواجهنَّ.
(حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72)) ما أعجب خيام الجنة! الله أكبر!
لؤلؤةٌ واحدة! لو جمعنا لؤلؤات الأرض كم ستصل؟ ستين ميلاً! سبحان المعطي! (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الانسان:20].
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76))
يقول جلَّ جلاله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73)) -وصفُهنَّ كوصفِ السابقات- (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76)):
قال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ (76)):
قال أهل اللغة: وكل جليلٍ رفيعِ القدرِ نفيسٍ من الرجال وغيره، يقال له: عبقري.
(مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76))، يا ما أعظم ذاك النعيم! ويا ما أحلاه! ولو بذلَ الإنسان فيه روحَهُ ومُلكَ أرواحٍ الى روحه لكان يسيراً في الوصول إليه. اللهم اجعلنا من أهلِ جنتك.
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77))
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77)) كمال الواحد وثلاثين مرةً يقول: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تنزُّل الرحمن لنا وتذكيره لنا، إحدى وثلاثين مرةً في سورة الرحمن الكريم. تكذبون بأي شيء من نعمه؟ تكذبون بأي شيء من إحسانه وإعطائه وإسدائهِ لكم؟ بماذا تكذبون به؟ ليس فيه ما يُكَذَّبُ. ليس فيه ما يمكن أن تُكَذِّبوا به. لماذا تكذبون؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟
تفسير قوله تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))
(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ):
( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)):
ألِظُّوا بـ "يا ذا الجلال والإكرام"، وأجِلُّوا الله يُكرمْكُم.
وإن من إجلال الله: توقيرَ ذي الشيبة المسلم، والإمامِ المُقسِطِ، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه. إجلالُ هؤلاء من إجلال الله.
إن من إجلال الله:
(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))، الإحسان والإنعام والإفضال الذي لا يُحَدُّ ولا يُحصَرُ، ولا يقف عنده شيء من الإحصاء: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18]، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً.
فلندخل إلى تلك الدوائر بخوف الإله الرقيب الشهيد الحاضر؛ (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))، قال نبينا ﷺ: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة":
ومن خاف من الله لا يقعد في الغفلات، لا يقعد في السيئات، يدرك نفسه، يُسافر إليه بهمة عُلوية. قال سيدنا إبراهيم: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصَّافَات:99]، فذهب..
فإن سلعة الله غالية: "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".
(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78))، يا ذا الجلال والإكرام، أمِتنا على دين الإسلام، برحمتك يا أرحم الراحمين، بجاهِ حبيبك الأمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
16 رَمضان 1443