(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، من قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، الآية: 46، إلى قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}، الآية: 58.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50))
الحمدُ لله مُكرمِنا على الإجتماع في تذاكُرِ أعظمِ ما نؤولُ إليه ويؤولُ جميعُ الخلقِ، مؤمنُهم وكافرُهم، فسبحانَ مَن مِنه مبتدانا وإليه مرجعُنا ومنتَهانا، الإلهُ الحق، ونشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له نبأُ الحقّ والصدقُ، قولُهُ الحقُّ وله الملكُ يومَ يُنفخُ في الصّور، ونشهدُ أنَّ سيدنا ونبيَّنا وقُرَّةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أكرمُ شافعٍ ومُشَفَّعٍ يومَ البعثِ والنّشور.
اللّهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِكَ بدرِ البدورِ ونورِ النّورِ، سيّدنا محمدٍ، وعلى آلِهِ الأطهارِ وصحبِهِ الأخيارِ، ومَن سارَ على سبيلِهِ بالصّدقِ في البطونِ والظهورِ، وعلى آبائِهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمُرسلينَ، لوامع الفضلِ مِنكَ والدّلالةِ عليكَ لِبرِيَّتِكَ في البطونِ وفي الظّهورِ، وعلى آلِهِم وصحبِهِم وتابعِيهِم، والملائكةِ المُقرَّبينَ، وجميعِ عبادِكَ الصّالحينَ، وعلينا معهُم وفيهِم برحمتِكَ يا أرحمَ الرّاحمين.
أمّا بعدُ،
تفسير قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))
فإنّنا في تأمُّلِ تعليمِ ربِّنا لنا وإنبائِهِ، عن مصيرِنا الكبيرِ الذّي إليه نصيرُ، بأوَّلِنا والأخير، وصغيرِنا والكبير، وما لنا عن ذلك المصيرِ مِن مَفَرٍّ، ولا تغَيّبٍ، ولا تأخير، مرَرْنا في آياتِ سورةِ الرحمن، على قولِهِ جلَّ جلالُهُ: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، ونسألُهُ أن يجعلَنا مِمَّن خافَ مقامَهُ.
فحَقٌّ أن لا يُخافَ إلّا هو! وحَقٌّ أن لا يُرجَى إلّا هو!..
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ):
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، وجاءَ أيضا في الخبرِ أنَّ سيدنا أبابكرٍ الصديقَ تذكَّرَ الآخرةَ، وهَوْلَ القيامةِ، وما يحصُلُ من انكدارِ النجومِ، وتكويرِ الشّمسِ، فنظرَ إلى غصنٍ في شجرةٍ فقال: ليتني كنتُ هذا الغصنَ، تمرُّ عليَّ بهيمةٌ فتأكلُني، ولا حسابَ عليَّ، فأنزلَ الله: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).
وهكذا لكلِّ مَن أُكرِمَ بالخوفِ من اللهِ، وهو نتيجةُ معْرفة، فإنّما يخافُهُ مَن يعرفُهُ:
ولذا قال كثيرٌ من المفسّرينَ في قولِهِ: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، قال: هو الرّجلُ يَهُمُّ بالذّنبِ فيذكرُ اللهَ، فيتركُ الذنب. يريدُ الذّنبَ، يذكرُ ربَّهُ، فيتركُ الذّنبَ، ويبتعدُ: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).
وهكذا جاءَ في روايةِ البيهقيِّ عن شابٍّ عابدٍ كان من جُلَساءِ سيّدنا عمر، وأنَّهُ عشِقَتهُ جاريةٌ فكلَّمَتهُ، فهمَّ أن يلتفتَ إليها، فذكرَ اللهَ فأُغميَ عليهِ. فأُخِذَ، فأخذ يكلّم صاحبِهِ يقول: اقرأْ عمر السلامَ وقُلْ لهُ: ما جزاءُ مَنْ خافَ مقامَ ربِّهِ؟ وشهقَ شهقةً فمات. فجاءَ رجلٌ وأخبرَ سيّدنا عمر، فقال له عمر: جزاؤُهُ جنّتان! جزاؤُهُ جنّتان! (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).
ويروي ابنُ عساكرَ روايةً أخرى أنَّ الشابَّ الّذي جاء عندَ سيّدنا عمر، وتعلَّقت بهِ المرأةُ، فقال: إنّي ذاهبٌ إلى مجلسِ عمر وأعودُ. فلمّا عاد، ذهبت بهِ إلى بيتِها. فلمّا همَّ أن يرفعَ رِجلَهُ، ذكرَ ربَّهُ فأُغميَ عليهِ. ورأتِ الشابَّ مُغمىً عليهِ عندَ البابِ، ذهبت إلى جاراتِها فقالت: استُرْنَ عليَّ، هذا الشابُّ سيُرى على بابِ بيتي فأُتَّهَمُ بهِ، وكان مني كذا وكذا، فتعالَيْنَ نحمِلُهُ ونضعُهُ على بابِ بيتِ أبيهِ. فحملنهُ في الليلِ ووضعنهُ على بابِ بيتِ أبيهِ ورجَعْن. واستبطأَهُ أبوهُ: لِم لم يَعُدِ الليلَ مِن عندِ عمر؟! فخرجَ فوجدَهُ مُغمى عليهِ، فرشَّهُ بالماءِ حتّى استيقظَ، فرفعَهُ وقال: مَا بَالُكَ يا بُنيّ؟ ما الذي حصلَ؟ ما سببُ الإغماءِ؟ قال لهُ: هكذا! كيف هكذا؟ أخذَ يُناقِشُهُ. قال: ياأبي، دعتني المرأةُ، فلمّا أردتُ أن أرفعَ رِجلي إلى بابِ بيتِها، ذكرتُ مقامَ ربي، فشهِق! فمَاتَ. فجهَّزَهُ أبوهُ، ونادى قرابتَهُ وجيرانَهُ وصلَّوا عليهِ ودفنوهُ.
فاستبطأَهُ سيّدنا عمر، ما جاءَ في اليومَ الثاني، اليومَ الثالثَ. فأرسلَ إلى والِدِهِ: أين وَلَدُكَ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، رحمهُ الله، تُوُفِّيَ. متى تُوُفِّيَ؟ قال: قبلَ ليلتينِ أو ثلاثٍ. قال: ما سببُ وفاتِهِ؟ فأخبرَهُ. قال: اذهبوا بنا إلى قبرِهِ. فذهبَ، ومعهُ جماعةُ، فصلَّى على قبرِهِ، ثم قال: أيّها الشابُّ، إنَّ اللهَ يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)؛ فما شعرنا إلا بصوت الشابِّ مِن قبرِهِ يقول: نعم ياعمر!، وقد أعطاني ربّي الجنتين! وقد أعطاني ربّي الجنتين!
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ليس شيءٌ أخوفَ عليكَ من الله، وليس شيءٌ أرجَى لكَ من الله:
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)؛ انظرْ إلى البستانينِ، وصفهما النبيُّ ﷺ: مسيرةُ كلِّ بستانٍ مائةُ عامٍ. وأخذَ يصفُ أشجارَها وما فيها وثِمارَها وطيبَها ومائَها. كلُّ هذا للخائفينَ من الله.
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ):
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ولتنوُّعِ منازلِ الجنانِ وأماكنِها، وهي ثماني طبقاتٍ، كلُّ واحدةٍ فيها أنواعٌ.
قال ﷺ لأمِّ سيّدتنا حارثة، الذي جاء عليه مثلُ هذا اليومِ من رمضانَ، قبلَ ألفٍ وأربعمائةٍ وواحدٍ وأربعينَ سنةً، في السّنةِ الثانيةِ من الهجرةِ، وهو خارجٌ مع نبيِّنا ﷺ، شابٌّ ابنُ ثماني عشرةَ سنةً، يريدُ بدر. خرجوا من مدينتِهِم في طريقِهِم إلى بدرٍ في مثلِ هذا اليومِ، ووصلوا، وكانتِ المعركةُ في يومِ السابعَ عشرَ.
وكان مِمَّنِ استُشهِدَ هذا الشّاب -سيّدنا حارثة- وهذا الشابُّ وحيدُ أمِّهِ، ليس لها ابنٌ ولا بنتٌ غيرُهُ، وكان بارّاً بها، وكانت تُحِبُّهُ، وعاد ﷺ، وأُخبِرَتْ أنَّ ابنَها قد قُتِلَ، استُشهِدَ، فأقبلت إلى عندِ النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، أين ابنُ حارثة؟ قال: "احتسبيهِ عندَ الله، قُتِلَ في سبيلِ الله". قالت: أخبرني يا رسولَ الله، أين ابني حارثة؟ قال: "احتسبيهِ عندَ الله، قُتِلَ في سبيلِ الله". فقالت: أخبرني يا رسولَ الله، أين ابني؟ إنكَ تعلمُ أنَّهُ ليس لي غيرُهُ من الولدِ، إنكَ تعلمُ منزلةَ حارثةَ منّي، فأخبرني أين ابني؟ إن كان في الجنةِ صبرتُ، وإن كان غيرَ ذلك فلتريَنَّ ما أصنعُ.
فقال لها ﷺ: "ويحكِ يا أمَّ حارثة! أَوَهَبِلتِ؟ يا أمَّ حارثة، إنها ليست جنةً واحدةً، إنها جنانٌ كثيرةٌ، وإنَّ ابنكِ أصابَ الفردوسَ الأعلى! إنَّ ابنكِ أصابَ الفردوسَ الأعلى!". واطمأنت نفسُ أمِّ حارثة. فقال: "إنها جنانٌ كثيرةٌ" -الله أكبر!- (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، فكان أحدَ الأربعةَ عشرَ الّذين استُشهِدوا يومَ بدرٍ.
قُتِلَ من المشركينَ سبعونَ وأُسِرَ سبعون، واستُشهِدَ من الصحابةِ أربعةَ عشرَ، -الله لا إله إلا هو- ونزلَ فيهم: (هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) [الحج:19]:
وإبليسُ قائدهم، فرَّ! لمّا رأى جبريلَ نازلاً. كان متصوِّراً بصورةِ سُراقةَ بنِ مالكٍ، ويقول: أنا جارٌ لكم، وأنا وقبيلتي وهو كاذب: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ) -أبو جهلٍ قال: مالكَ؟ أتخذُلُنا؟ مالكَ؟- قال: (إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48]! يذهب كلُّ شيءٍ. هذه نهايةُ الذين يعتمدونَ على إبليس أو على أيِّ واحدٍ من الأباليس، في النّهايةُ هكذا: يفرُّ ويتركك.
لكن محمداً ﷺ يقول: "أمّتي أمّتي! أمّتي أمّتي!". كلّما شفعَ في مجموعةٍ قال: "أمّتي أمّتي، أمّتي أمّتي". اللّهم صلّ عليه وعلى آله، ففرَّ صاحبُهم، وقُتِلَ ابوجهلٍ القائدُ الثاني في تلك المعركةِ. وعاد ﷺ، دخلَ الى المدينةَ، نفضَ يديهِ من ترابِ دفنِ ابنتِهِ رُقيَّة. سافرَ وخرجَ من المدينةِ وهي مريضةٌ، وأمرَعثمانَ أن يَلزمَها فيُمَرِّضَها. كان يريدُ أن يخرجَ مع النبيِّ ﷺ، فقال له: "اجلسْ عندَ رُقيَّةَ ومَرِّضْها"، فمكث؛ فحسبَهُ النبيُّ ﷺ من أهلِ بدرٍ. ولما قسَّمَ الغنائمَ على أهلِ بدرٍ، أعطاهُ قِسمَهُ. فقال: وأجري يا رسولَ الله؟ قال: "وأجرك".
وكان كلما أعطى واحداً من الذين قسَّمَ لهم لأنهم تخلَّفوا بأمرِهِ -منهم مَن خرجَ في الإستطلاعِ والاستكشافِ للعدوِّ وأبطأوا حتى انتهت المعركةُ، ومنهم مَن أمرَهُ بالقيامِ بمهمةٍ وعملٍ- فأعطاهم وعدَّهم منهم، ثمانيةٌ، عدَّهم من أهلِ بدرٍ. فكلّما أعطى واحداً منهم نصيبَهُ من الغنائمِ يقول: وأجري يا رسولَ الله؟ قال: "وأجرك"؛ فهم بدريونَ! وأجسادُهم لم تحضرْ في يومِ بدرٍ، ولكنهم بدريونَ، هناك أرواحٌ بدريةٌ.
يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، وهذا طلعَ للفردوسِ الأعلى، كان قبلَ مدّةٍ يسيرةٍ، قبلَ مدةٍ من المعركةِ، مرَّ النبيُّ ﷺ بهِ -بحارثة- يوماً في الصباحِ، فقال: "كيف أصبحتَ يا حارثُ؟" قال: أصبحتُ مؤمناً باللهِ حقاً يا رسولَ الله. قال: "انظرْ ما تقول، إنَّ لكلِّ قولٍ حقيقةً، فما حقيقةُ إيمانِك؟" قال: يا رسولَ الله، عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبُها ومَدَرُها، وأصبحتُ كأنّي أنظرُ إلى عرشِ ربي بارزاً، وكأني أنظرُ إلى أهلِ الجنّةِ يتزاورونَ فيها، وكأني أنظرُ إلى أهلِ النارِ يتعاوَوْنَ -أو يتضاغَوْنَ- فيها. قال: "عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَه. عرفتَ فالزم". ثم لم يكتفِ بذلك، قال: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يرزُقَني الشهادةَ في سبيلِهِ. قال: "اللّهم ارزُقْ حارثةَ الشهادةَ في سبيلِك"، فخرجَ معهُم في بدرٍ واستُشهِدَ عليه رضوان الله.
وإلا فمختلفُ الإتّجاهاتِ عندنا الآن في العالم يستعينون بالشباب فى هذه الأعمارِ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستّة عشر إلى عشرين سنة، يقضون أغراضَهم بهم. كلُّ اتجاهٍ، كلُّ فكرٍ يمسكُ هؤلاءِ المساكينَ، يقعدون مع الواحدِ منهم جلستين ثلاثة، أربعة، يغسلون دماغه، ويُخلِّصونه لأيِّ فكرٍ، باسمِ الكفرِ، باسمِ الدينِ، باسمِ المذهبِ، باسمِ السياسةِ، باسمِ أيِّ شيءٍ، يشتغلونَ عليهم. مساكين يتأثّرون!
اللهُ يحفظْ علينا حقائقَ الإيمانِ والإسلامِ، ويحفظْ شبابَنا من الانتكاسِ والارتكاسِ والذهابِ وراءَ الوسواسِ، ويُسلِّموا أيديَهم ليدٍ أمينةٍ خيرا لهم، فما دلَّهم إلا على ما يُسعدُهم ويُرشدُهم.
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48))
يقول: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) -الجنّتانِ- ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48)):
كَم تعرفُ فواكهَ في الدنيا؟
تقولُ: كم قد أكلتَ؟ كم نقصَ عليهم من حباتٍ؟
(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ): أنواعٌ منوَّعةٌ من الثّمارِ، من الفواكهِ الطيِّباتِ الحسنةِ، وكما قال في الآياتِ الأخرى، مرَّ معنا في سورةِ الواقعة: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ) والحقُّ ما يقولُ: "كثيرة" إلا على شيءٍ ألوفٍ ألوفٍ ألوفٍ! (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة:32-33]. اللّهم اجعلنا من أهلِ جنتِكَ، وارزقنا حقيقةَ خوفِكَ ورجائِك.
تفسير قوله تعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50))
قال: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) إمّا من السلسبيلِ، وإمّا من التّسنيمِ.
(وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ): يمزج بشيء من ماء المقرَّبين، أما هؤلاء -المقربون- يشربون منها مباشرة؛ (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:22-28] اللهُ أكبر!
يقول: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) يأمرِ أصحابِ تلك الجنّةِ ومالكِ ذلك البستانِ. يقولُ لها: تعالي هاهنا، انزلي كذا، اطلعي كذا، فتطلعُ وتنزلُ. مُرِّي يميناً فتمرُّ يميناً، يساراً فتمرُّ يساراً، أماماً فتمرُّ أماماً، خلفاً فتمرُّ خلفاً.
يا ربِّ اجعلنا من أهلِ جنتِكَ، وأدخِلنا إياها بغيرِ حسابٍ، ولا عذابٍ، ولا عتابٍ، ولا فتنةٍ، ولا عقابٍ، ولا توبيخٍ.
قال: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51)) هذا الذي يُحدِّثُكم عن الحقِّ، عن حقيقةِ المصيرِ، وأعدَّ لكم فيها ما لا يخطرُ على بالٍ، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51).
تفسير قوله تعالى: (فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52))
(فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ):
(فيهما مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53))،الّذي خلقَ هذا كلَّهُ وأعدَّه للمؤمنينَ.
تفسير قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54))
يقول: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ) في هذه الجنةِ. (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ)، ما نوعُ الفُرُشِ هذه؟ أينَ صُنِعَ؟ كيف هو؟
فُرُشٌ بطائنُها، فيها بطانةٌ، في جوفِها، وظاهرُها من فوق:
فما هي ظواهرُها؟ ما تحدَّثَ الحقُّ عنها:
قال ابنُ عبّاسٍ: إنّما سكت الحقُّ عنها، فهذه البطائن، امّا ظواهرُها سكتَ عنها؛ لأنَّهُ ليس في الدنيا نفسٌ تعلمُ ما هذه الظواهرُ التي أعدَّها اللهُ فُرُشاً لأهلِ الجنّةِ..
يقولُ بعضُ التابعين: هذه بطائنُها، فكيف ظواهرُها؟ ما الذي فوقَ يُباشِرُ أجسادَ هؤلاءِ المُكرَمينَ في دارِ الكرامةِ؟
(بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54)):
أيُّ شجرةٍ من الأشجارِ، يريدُ شيئاً من ثمارِها، بمجردِ خُطُورِ ذلك على بالِهِ، يتحرَّكُ الغصنُ إليها ويأتي مباشرة، إن كان قائماً، إن كان قاعداً، مدَّ يدَه، مباشرةً قريبة منهُ، الله أكبر!.
هل شيءٌ مثلُه في الدنيا هذا؟
ويُسمَّونَ ملوكاً على ماذا؟ مساكين! يسمَّونَ ملوكاً، ويومَ مغصٍ، ويومَ صداعٍ، ويومَ سقطةٍ، ويومَ ما أدري ماذا يحصل! ويومَ انقلابٍ مُلك!
انظر الى المُلكَ هناك، هل أحد يترَكَ ذاك المُلك، لشيءٍ في هذه الدنيا النَّغِصَة؟ لكن لا يعقلون، لا يعقلون. الله الله!
إذا بعدَهُ الجنةُ هيِّن، كلُّه شيءٍ سهلٌ يسيرٌ؛ أن يُصيبَكَ أيُّ شيءٍ، ووراءَك هذا؟ يا محلاه! تصبرُ على ما تصبرُ عليهِ، كلُّه يسيرٌ أمامَ هذا النعيمِ المقيمِ الخالدِ الدائمِ الأبديِّ، الذي (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ) -أيُّ نفسٍ؟ لا نفسُ إنسيٍّ، ولا جنيٍّ، ولا ملَكٍ- حتى الملائكةُ، لا يُدركونَ ما خبَّأ اللهُ للصالحينَ في الجنّةِ. (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17] الله أكبر!.
يا خيرَ مُنعمٍ، إلهُكم الحقُّ، يا ما أعظمَهُ من مُكرِمٍ!
يقولُ تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54))، أي شيء تريدهُ؛ قريب! قريبٌ منك. تبغاهُ وأنت في الغرفةِ، تبغاهُ وأنت خارجَ الغرفةِ، تبغاهُ وأنت في ممرِّكَ وممشاكَ، تبغاهُ أين أنت، يأتي الى عندك. أيُّ شجرةٍ من الأشجارِ، بمجردِ خاطرك، تنساقُ إليك. تريد ثمرتين، ثلاثاً، أربعاً؛خذ، الذي تريده بمجردِ الخاطر في بالك يجيءُ. عظمةٌ! كلٌّ يُظيّف على قدرِه، وهذه ضيافةُ ربِّ العرشِ -سبحانه عز وجل-.
(وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)) ولا بشيءٍ من نعمك، ربَّنا نُكذِّبُ، فلك الحمدُ ولك الشكرُ.
تفسير قوله تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56))
(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) نساءُ الجنّةِ. أقلُّ واحدٍ من المؤمنينَ في الجنّةِ يكونُ لهُ اثنتانِ وسبعونَ زوجةً:
وعلى هذا، يكون عددُ أزواجِ الرجالِ في الجنّةِ أكثرَ أم النّساء؟ النساءُ! ما أحدٌ أعزبَ في الجنّةِ.
في الجنةِ كلُّ واحدٍ من الرّجالِ عندَهُ اثنتينِ من نساءِ الدنيا على الأقلِّ:
وهكذا وصفُ هؤلاءِ في الجنّةِ. وقد خلقَ اللهُ الحورَ العينَ وسطَ الجنّةِ، والمؤمناتُ يصِلنَ إلى الجنةِ فيُنشَأْنَ إنشاء عندَ دخولِ الجنّةِ، فيكُنَّ خيراً من الحورِ العينِ؛ لأنهنَّ عبدنَ اللهَ، وكُلِّفنَ في الدّنيا، وقُمنَ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، فتتحوَّلُ كلُّ الخصائصِ التي فيهنَّ، وعندَهنَّ زيادةٌ، في تلك الدّارِ التّي لا يمتخِطُ فيها أحدٌ، ولا يبولُ فيها أحدٌ، ولا يتغوَّطُ أحدٌ، ولا فيها وسخٌ، ولا فيها قذَرٌ، ولا فيها مرضٌ.
(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) نساءُ الجنّةِ:
هذه فيها وصفُ أهلِ الجنةِ، ومازالت في الدنيا.
وهكذا تقولُ الواحدةُ من نساءِ الجنةِ: لا أرى في الجنةِ شيئاً أحسنَ منك، فالحمدُ للهِ الذي جعلَكَ زوجي وجعلَني زوجتَكَ.
(قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) وكان هذا مظهرَ رفعةٍ وكرامةٍ وخصوصيةٍ وميزةٍ، خلافَ ما يوحي بهِ أعداءُ اللهِ في عالم الدنيا للرجالِ والنساءِ، يقولون: فتِّحوا عيونَكم أحسنَ لكم!
أيُّ شيءٍ خيرٌ للمرأةِ؟ أجابت سيدةُ نساءِ أهلِ الجنةِ -السيدةُ فاطمة- قالت: "ألَّا تَرَى الرجالَ ولا يراها الرجالُ" -يعني الأجانبُ- فقبَّلَها ﷺ بين عينيها وقال: "بأبي هي! (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ) [آل عمران:34]".
أما مسائلُ الدعوةِ إلى الاختلاطِ وإلى التبرُّجِ، فترويجٌ إبليسيٌّ لبؤسٍ وسوءٍ، وجالبٌ للمضرَّةِ، ومُعَرَّة للناسِ. هذا الذي وراءَه، يدعو إليهِ ويزيِّنُه للناسِ، ويقول: تبرَّجنَ أحسن، وتفرَّجوا على الشرِّ أحسن، وخذوا الأجهزةَ فيها صورٌ أحسنُ لكَ تتفرَّجُ عليها.
وقد بدا لهم حتى في الدنيا:
ووراءَهُ عذابٌ والعياذُ باللهِ تعالى، فهذا الذي يُروِّجُه إبليسُ.
كم اليومَ من نساءٍ مسكيناتٍ وقعنَ في شبكاتِ الخديعةِ والغرورِ! يقول: المرأةُ تجلسُ في بيتها تقومُ بمهمةِ البيتِ ورعايةِ زوجِها وأولادِها؛ هذا زمانٌ هذا قديمٌ، ما عاد له وجودٌ هذا! هي تعملُ وهو يعملُ.
حسنًا! أيُّ نوعٍ من أنواعِ العملِ؟
كلُّه معكوسٌ! مساكين! كثيرٌ من النساءِ:
وكما كثيرٌ من أفكارِ الشبابِ كذلك:
لكن انظر الى وصفَ النساءِ هنا: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) لا تنظر إلا الى زوجَها: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ) -لم يُجامعهن- (إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)، وفي هذا أخذَ، بعضُ أهلِ العلمِ من الآيةِ:
(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ):
(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57))؟.
تفسير قوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58))
هؤلاءِ النساءِ في الجنةِ:
لو أنَّ لؤلؤةً من زينةِ إحداهُنَّ وقعت في الأرضِ، لأضاءت ما بينَ المشرقِ والمغربِ:
اللؤلؤةُ، الجوهرةُ التي تلبسها، لو خرجت إلى الدنيا تضيءُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، ضياءً لا يؤذي العينَ، أحسنَ من ضوءِ الشمسِ. تُنيرُ! حلْيتها التي تستعمِلُها في الجنةِ.
فكيف بها هي؟ كيف بها هي في بهائها وجمالِها؟
فشأنُ الجنةِ شأنٌ! شأنُ الجنةِ شأنٌ!
اللهم أوصِلنا إليها، وأدخِلنا إياها مع السابقينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين، وبجودِكَ يا أجودَ الأجودين. وأجِرنا من النارِ ومن حرِّها وسعيرِها وزقومِها وعقاربِها وحيَّاتِها وأغلالِها وسلاسلِها وكلُّ سوءٍ فيها. أجِرنا يا خيرَ المُجيرِ، فإننا نستجيرُ بكَ من النارِ.
نشهدُ أن لا إله إلا الله، نستغفرُ الله، نسألُكَ الجنةَ ونعوذُ بكَ من النار.
نشهدُ أن لا إله إلا الله، نستغفرُ الله، نسألُكَ الجنةَ ونعوذُ بكَ من النار.
نشهدُ أن لا إله إلا الله، نستغفرُ الله، نسألُكَ الجنةَ ونعوذُ بكَ من النار.
اللهم إنكَ عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا.
اللهم إنكَ عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا.
اللهم إنكَ عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا.
يا كريم .. ثبتنا بفضلك وادخلنا الجنة من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب ولجميع أهلنا و أولادنا وأجدادنا وطلابنا وأصحابنا، ولِمَن والانا فيكَ برحمتِكَ.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
13 رَمضان 1443