(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، من قوله تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}، الآية: 33، إلى قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، الآية: 47.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47))
الحمد لله على استِمطار رَحَماته، والتعَرُضِ لِنَفَحاته، والوقوفِ بَين يديه في تأمل آياته، التي بَلَّغنا إياها على لسان عبده وحبيبه وصَفِيِّهِ خير بَرِياته، المَخصوصِ منه سبحانه وتعالى بأعظم عناياته ورِعاياته، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكَرِّم على عبدك المخصوص منك بأعلى الخصائص، سيدنا محمد وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وكل من تَبِعهم بقلبٍ مُنيبٍ خالص، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقَرَّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34))
فإننا في نِعمةِ غدوَتِنا في تأمل كلام إلهنا، مررنا على آياتٍ في سورة الرحمن، وانتهينا إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)):
أما كَفاكم هذا؟! علامة واضحة أنكم خَلقٌ مقهورون تحت أمر خالقٍ قويٍ قادر!
أنتم عاجِزون عن هذا، والمَحَل الذي أنتم فيه ما كان باختِيارِكُم، ولا تَرتيبُكُم ولا سِياستكُم ولا تَنسيقُكُم مع أحد، أنا خلقتكم في الأرض، وخلقت لكم الأرض، ومهَّدتها لكم وأوجدتكم فيها، ثم لا تَتَمَكَنون ولا تستطيعون أن تَخرُجوا (مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
(أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): هذه المُحيطة بِنا، يُحاوِلون الوصولَ إلى الأماكن فيها، فَيَنتَهون إلى أننا اكتشفنا مِن الكواكب والنجوم الملايين، آلاف ومئات الآلاف، ولا زلنا في اكتشاف بعد اكتشاف، إذا كنتم كذلك؛ (فَانفُذُوا): اخرجوا، ولا يَستطيع أحد أن يَخرُج، الله، لا إله إلا الله.
وإذا قَضَوا مُدَةً خارج نطاق الغلاف الجوي لهذه الأرض، لم يستطيعوا إلا باستصحاب ما هو مِن هذا الغلاف الجوي مِن الأكسجين وغيره، ومِن الطعام المأخوذ مِن هذه الأرض أيضًا، ثم تتغير شؤونهم وأمزجتهم وأحوالهم، ويَعودون إلى شيء مِن المُعالَجة؛ ليرجعوا إلى طبيعتهم وأصلهم وفطرتهم، سبحان الخَلَّاق.
ولكن يقول سبحانه وتعالى: (لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33))، في الوقت الذي نَأذَنُ لأحدٍ مِنكم فََيَخرُجَ مِن هذه الأقطار -كَما فَعلنا بِنَبِيِّنا ليلة الإسراء والمعراج- نُؤتيه القُدرة والسلطان والقوة منا، حتى يَخرِقَ هذه الحُجُب كُلها ويتجاوزها، ماعدا ذلك، لم يَخرُج جَسَدٌ مِن الأجساد المُكَوَّنة للإنس والجن عن أقطار السماوات والأرض قَطعًا، وشؤون الأرواح التي جعل الله لها نفاذ:
إنما الذي خَرَجَ عن هذا الحُكم العام للبشر:
بل إلى الحد الذي تقف عنده أجساد الملائكة النورانية بأرواحهم البهية، لايستطيعون مجاوزته، كقول جبريل له: هذا مقامي، (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) [الصافات:164]، لو تَجاوَزتُهُ لاحتَرَقت، وتَجاوَزَ جَسدُ محمدٍ.
لذا قال الحق: ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا) فكيف تقولون إن محمدا نفذ؟
قال: (لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ): وآتاه الله السُّلطان والقوة، حتى استطاع هذا الجسد أَن يجاوِز هذه العَوالم كلها، ثم ما هو خارج نطاق وأقطار السماوات والأرض تحت سُلطانه تعالى:
أنتم إذًا تحت حُكمي وقَدَري، كما أنكم لا تستطيعون النفوذ مِن أقطار السماوات والأرض، فلا تستطيعون أن تَخرُجوا مِن تحت قَدَري وأَمري وكِتابي وإرادتي، قط قط قط.
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا):
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)):
(لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34))، مِن هذا التَّعريف، وهذا التَّلَطُف بكم في إيصالكم إلى المعنى الشريف، تحت هذه السماء وفوق هذه الأرض، مُمَدُّون بكل ما تَحتاجون، ومعكم الفُرصة أن تَعرِفوني وأن تتخذوا إلي سبيلًا، وأُنَعِّمَكم به نعيم الأبد، وأرسلتُ إليكم الرسل،؛ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟
تفسير قوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36))
ثم قال جلَّ جلاله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا (35))، أي على المُكَذِّبِ والكافِر -منكما- في الآخرة (شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ): لهب، الشواظ اللهب (مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ):
(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ)، لا يَتَمَكَن أحدٌ مِنكم أن يتخلص من ذلك ولا أن يَدفَعَه، ولا أن يَخرُج عَن أمرِ الله فيه، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36))؟
وقد أُنذِرتُم هذا الإنذار الذي مِن شأنه أن تَستَعِدُّوا لِتَسعَدوا.
تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38))
يقول جلَّ جلاله:
(فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ)، ويَكون انشقاقها هذا في القيامة:
فيُفجَع أهل المَوقِف ويرفعون أصواتهم، وإذا دورانها بصوتها المُزعج تتشقق:
هكذا،، ويُكَرَرُ الخِطابُ أيضًا في الآخرة، كما هو في أقوال بعض المفسرين لهؤلاء، حينما يَرون الملائكة محيطين بهم من كل جانب: يقال: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا (33)) يذهب الى هنا، يذهب الى هنا، يذهب الى هنا؛ من كل جانب، بعد أن تشتد عليهم، نزول الشمس بعد تشقق السماوات، ونزول الشمس ودنوها منهم، وعرقهم الذي يسيل في الأرض مع زحمتهم..
ويجيء صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود ﷺ، تُرفع الشمس، ويُنقلون لأرض الحساب:
ثم يكون في تلك الأرض:
(إِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا)، اللهم اجعلنا منهم وألحقنا بهم، (وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) [مريم:71-72].
يقول:(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37))، فانشقاق السماء تظهر الألوان، (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37))، كما ترون أثر الأدْهان عندكم، جمع دُهن، تُقلِّب ألوان الشيء، والوردة من الصيف إلى الشتاء إلى الربيع تتغير ألوانها من لون إلى لون، فكذلك ترون السماء: (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38))، وهذه الإنذارات مُسَبّقة لكم لتنجوا بأنفسكم؛ (فَيَوْمَئِذٍ) عند حصول هذا في اليوم الموعود، (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) [هود:104].
تفسير قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40))
(لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ)، كيف؟
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (41))، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39))، وهذا في مواقف مع يقين ما يكون من سؤال الخلائق عن أعمالهم ولكن:
يعني:
يقول: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ):
فهذا معنى قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40))؟
تفسير قوله تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42))
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ)؛ اسوداد وجوههم، وزرقة عيونهم، والكآبة التي عليهم:
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي) أي:
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41))، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من العذاب، فلهم سِيما -والعياذ بالله تعالى- (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) [يس:59].
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41))، تأخذهم ملائكة العذاب، وزبانية جهنم:
تفسير قوله تعالى: (هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45))
قال تعالى:
يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه:
(هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44))، أي بين حرِّها ولهيبها، (وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)، حميم آن، منه يشربون، وفيه يُغمسون أيضا من أنواع العذاب في النار: شرب الحميم:
يقول: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ):
والموقع أيضا الذي يتجمع فيه القيح والصديد لأهل النار يفور، يؤتى بأحدهم إليه فيُغمس فيه، تنخلع أوصاله، ويُرد ثاني مرة: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب)، يمرون به في النار ثم يُغمسون في الحميم ويُردونه.
(يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)، بالغ الحرارة، شديد الحرارة، كم درجات هذه الحرارة؟
لو أن شرارة وقعت في أقصى المشرق، لوجد حرارتها في أقصى المغرب في الكرة الأرضية -اللهم أجرنا من النار- (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ* كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) [المرسلات:33-34].
الله يقول: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45))؟ وقد بالغنا في البيان لكم وفي إنذاركم لكي تنجوا بأنفسكم.
تفسير قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48))
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، مقابل هذا كله، فالفرق كبير: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20] كما قال جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
يذكر لنا هذه الحقائق سبحانه وتعالى، ويقول جلَّ وعلا: (قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا). ما هو هذا وهذا؟ ما الفرق بين هذا وبين هذا!
يقول جلَّ جلاله: (بلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا * قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ)، هل هناك فرق أو لا يوجد فرق؟!
ما أعظم الفرق! (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20]، (لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا) [الفرقان:11-16].
إذًا فهذا شأن:
وننجو من مستقبل:
فرق كبير! عنده يتضاءل كل ما في الدنيا؛ من نعيم ومن عذاب:
لا تسوى شيئًا؛ هذه الدنيا، لا بؤسها بؤس ولا نعيمها نعيم، ولكن هناك النعيم وهناك العذاب، ولكن كسبه من هنا:
فلتأخذ لك طريقًا في هذه الحياة تكسب به الدرجات العُلى، وتدخل مع خيار الملأ.
يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه)، هاب وخشي مقام ربه، قيام ربه عليه: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد:33]، قيامه وتطلُّعه عليك، مقامك بين يديه يوم العرض عليه، ليقُم فلان بن فلان للعرض على الله.
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))، الله لا إله إلا الله:
يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، فعلى قدر الخوف منه يؤمِّن عبده الخائف منه من عذاب يوم القيامة، ويدخله الجنة، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، فنعم المصير والعاقبة، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47))؟ ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر.
(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48))، أغصان طويلة باسقة مستقيمة؛ جنتان، (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)، وأخذ يصف ما يلاقي أهل الجنان، من ذاك النعيم بغير حسبان.
اللهم اجعل مصيرنا الجنة ومآلنا، فإنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، يا أرحم الراحمين. نجنا من أهوال النار، نجنا من الفضيحة والعار، نجنا من عذاب القبور، نجنا من عذاب يوم البعث والنشور، نجنا يا مولانا من خفة الميزان، نجنا وسلمنا يا ربنا من لهب النيران، نجنا وسلمنا من إعطاء الكتاب بالشمائل، وأعطنا كتبنا بالأيمان، وأدخلنا جنتك بغير حساب يا رحمن، وبارك اللهم في جمعنا وتعرضا لرحمتك، بركة ترفعنا بها في مراتب القرب منك، وفي الدرجات العُلى في الجنة، فإنا نسألك الدرجات العُلى من الجنة.
اللهم إنا نسألك الدرجات العُلى من الجنة، اللهم إنا نسألك الدرجات العُلى من الجنة، فأسكنا في فردوسك الأعلى، فأسكنا في فردوسك الأعلى، فأسكنا في فردوسك الأعلى، من غير سابقة عذاب، ولا عتاب، ولا عقاب، ولا فتنة ولا حساب، ولا توبيخ، يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين، إنا ندعوك فاستجب لنا ولا تفضحنا برحمتك يا أرحم الراحمين، يا بر يا رحيم، منَّ علينا وقنا عذاب السموم، اللهم يا بر يا رحيم، منَّ علينا وقنا عذاب السموم، واجعلنا إخوانا في الجنة عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلَّ عليه وعلى آله وصحبه.
الفاتحة
12 رَمضان 1443