تفسير سورة الرحمن - 4 - من قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..)، الآية: 33

تفسير سورة الرحمن، من قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..}، الآية: 33
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، من قوله تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}، الآية: 33، إلى قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، الآية: 47. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • عجز الثقلين وسلطان الله القاهر:
    • محاصرة الجن والإنس تحت سقف السماء والعجز عن الخروج من أقطارها.
    • النفوذ بالسلطان الإلهي لجسد النبي ﷺ في الإسراء والمعراج.
    • منع الجان من استراق السمع وحراسة السماء بالشهب.
    • إنذار المكذبين بالشواظ والنحاس.
  • أهوال القيامة وحساب:
    • مشهد انشقاق السماء وتغير ألوانها كوردة كالدهان.
    • مجيء جهنم والعرض الأكبر.
    • سيماء المجرمين وسؤال التوبيخ والأخذ بالنواصي والأقدام.
    • عذاب أهل النار والطواف بين سعيرها والحميم الآن.
  • بشارة الخائفين لمقام ربهم:
    • تضاءل نعيم الدنيا وبؤسها أمام حقيقة الآخرة.
    • قصة أنعم وأبأس رجل في الدنيا.
    • جزاء الخوف من الله: جنتان ذواتا أفنان.

نص الدرس:

الحمد لله على استِمطار رَحَماته، والتعَرُضِ لِنَفَحاته، والوقوفِ بَين يديه في تأمل آياته، التي بَلَّغنا إياها على لسان عبده وحبيبه وصَفِيِّهِ خير بَرِياته، المَخصوصِ منه سبحانه وتعالى بأعظم عناياته ورِعاياته، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكَرِّم على عبدك المخصوص منك بأعلى الخصائص، سيدنا محمد وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وكل من تَبِعهم بقلبٍ مُنيبٍ خالص، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقَرَّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعدُ،،،

تفسير قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34))

 فإننا في نِعمةِ غدوَتِنا في تأمل كلام إلهنا، مررنا على آياتٍ في سورة الرحمن، وانتهينا إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34))

  • أنتم مَحصورونَ في حياتكم هذه التي فيها يُنكِرُ المُنكِرِ منكم، ويُلحدُ المُلحدُ، ويُكَذِب الكاذِب، و يَجحَدُ الجاحِدُ. محصورون تحت سقف سماءٍ وفوق بسِيطة أرض. 
  • لا تستطيعون الخروج (مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، بكل ما نُؤتيكم ونُعطيكم، مِن قُوىً وقدرات، لا تستطيعون هذا، ولا تَقدِرون على مِثل هذا. 

أما كَفاكم هذا؟! علامة واضحة أنكم خَلقٌ مقهورون تحت أمر خالقٍ قويٍ قادر! 

أنتم عاجِزون عن هذا، والمَحَل الذي أنتم فيه ما كان باختِيارِكُم، ولا تَرتيبُكُم ولا سِياستكُم ولا تَنسيقُكُم مع أحد، أنا خلقتكم في الأرض، وخلقت لكم الأرض، ومهَّدتها لكم وأوجدتكم فيها، ثم لا تَتَمَكَنون ولا تستطيعون أن تَخرُجوا (مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

(أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): هذه المُحيطة بِنا، يُحاوِلون الوصولَ إلى الأماكن فيها، فَيَنتَهون إلى أننا اكتشفنا مِن الكواكب والنجوم الملايين، آلاف ومئات الآلاف، ولا زلنا في اكتشاف بعد اكتشاف، إذا كنتم كذلك؛ (فَانفُذُوا): اخرجوا، ولا يَستطيع أحد أن يَخرُج، الله، لا إله إلا الله.

 وإذا قَضَوا مُدَةً خارج نطاق الغلاف الجوي لهذه الأرض، لم يستطيعوا إلا باستصحاب ما هو مِن هذا الغلاف الجوي مِن الأكسجين وغيره، ومِن الطعام المأخوذ مِن هذه الأرض أيضًا، ثم تتغير شؤونهم وأمزجتهم وأحوالهم، ويَعودون إلى شيء مِن المُعالَجة؛ ليرجعوا إلى طبيعتهم وأصلهم وفطرتهم، سبحان الخَلَّاق.

ولكن يقول سبحانه وتعالى: (لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33))، في الوقت الذي نَأذَنُ لأحدٍ مِنكم فََيَخرُجَ مِن هذه الأقطار -كَما فَعلنا بِنَبِيِّنا ليلة الإسراء والمعراج- نُؤتيه القُدرة والسلطان والقوة منا، حتى يَخرِقَ هذه الحُجُب كُلها ويتجاوزها، ماعدا ذلك، لم يَخرُج جَسَدٌ مِن الأجساد المُكَوَّنة للإنس والجن عن أقطار السماوات والأرض قَطعًا، وشؤون الأرواح التي جعل الله لها نفاذ: 

  • فمنها ما تُفتَح لها أبواب السماء ولا زالت في أقطار السماء. 
  • ومنها ما يَنفُذُ إلى الجِنان فوق السماء، وهذا نَفَذَ مِن أقطار السماوات والأرض بروحٍ، وتبقى الأجساد محلها حتى يأتي الإذن. 

إنما الذي خَرَجَ عن هذا الحُكم العام للبشر: 

  • خيرُ البشر، وجسده نَفَذَ؛ هذا كله. 
  • وجاوَزَهُ بجسده التُرابي الطيني صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، جاوز السبع الطِّباق. 

بل إلى الحد الذي تقف عنده أجساد الملائكة النورانية بأرواحهم البهية، لايستطيعون مجاوزته، كقول جبريل له: هذا مقامي، (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) [الصافات:164]، لو تَجاوَزتُهُ لاحتَرَقت، وتَجاوَزَ جَسدُ محمدٍ.

لذا قال الحق: ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا)  فكيف تقولون إن محمدا نفذ؟ 

قال: (لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ): وآتاه الله السُّلطان والقوة، حتى استطاع هذا الجسد أَن يجاوِز هذه العَوالم كلها، ثم ما هو خارج نطاق وأقطار السماوات والأرض تحت سُلطانه تعالى:

  • إذًا هذه الأجساد التي لا تتمكن أن تنفذ، والأرواح التي نفذت، والجسد الذي تمكن أن ينفذ، كلها تحت سلطانه. 
  •  لا يمكن أن يأتِ إلى مكان يَعدِم فيه سُلطانه، فهو تحت قَهر الحق وسلطانه في الأرض، فوق في السماء، نفذ من أقطار السماوات إلى أين؟ تحت قهره جلَّ جلاله.
  • والمعنى أن هذا التَكوين الذي جَعلتُهُ أمام أعينكم يُثبِتُ لكم أنه لا مَفَرَّ لكم مِن قَدَري وقَضائي، كما قَدَّرتُ عليكم الموت، فلا يستطيع أحدُكم أن يَفرَّ منه: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) [الجمعة:8].

  أنتم إذًا تحت حُكمي وقَدَري، كما أنكم لا تستطيعون النفوذ مِن أقطار السماوات والأرض، فلا تستطيعون أن تَخرُجوا مِن تحت قَدَري وأَمري وكِتابي وإرادتي، قط قط قط.

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا)

  • ما تَستطيعون، إذًا فلا خَلاصَ لكم؛ المَرجع إلي والأمر لي. 
  • فاتقوني وأطيعوني وأصلحوا ما بيني وبينكم، قبل أن أُنزِلَ عليكم مِن العذاب ما لا تُطيقون. 

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)):

  • وكان مِن الجان مَن يتخذ مقاعد للسمع ويَستَمِع للملائكة، ثم مُنعوا مِن ذلك وحُرِسَت منهم السماوات، مِن دُنُوِّهم واقترابهم مِن السماء، في وَسَط  الأقطار. 
  • وقالوا كما أخبر الله عنهم في سورة الجن:  
    • (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) [الجن:9]. 
    • (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) [الجن:8]. 
    • (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ) ثاقب [الحجر:18]
  • فمُنعوا منذُ ليلة ولادة نبينا، مُنعوا مِن استراق السمع، مِن الاقتراب مِن السماء، فَهُم تحت هذا القَهر، سبحان المَلِك القهار.

(لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34))، مِن هذا التَّعريف، وهذا التَّلَطُف بكم في إيصالكم إلى المعنى الشريف، تحت هذه السماء وفوق هذه الأرض، مُمَدُّون بكل ما تَحتاجون، ومعكم الفُرصة أن تَعرِفوني وأن تتخذوا إلي سبيلًا، وأُنَعِّمَكم به نعيم الأبد، وأرسلتُ إليكم الرسل،؛ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟

 

 تفسير قوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36))


ثم قال جلَّ جلاله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا (35))، أي على المُكَذِّبِ والكافِر -منكما- في الآخرة (شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ): لهب، الشواظ اللهب (مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ)

  • إما أنَّ هذه المادة المَخلوقة الصفراء تُذَوَّب وتُحَمى في جهنم وتوضع على رؤوسهم. 
  • أو النحاس: دُخان يقال له نحاس، دخان من النار لا لهب فيه: 
    • (شُوَاظٌ) فيه اللهب. 
    • (نُحَاسٌ) دُخان لا لهب فيه.

(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ)، لا يَتَمَكَن أحدٌ مِنكم أن يتخلص من ذلك ولا أن يَدفَعَه، ولا أن يَخرُج عَن أمرِ الله فيه، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36))؟ 

وقد أُنذِرتُم هذا الإنذار الذي مِن شأنه أن تَستَعِدُّوا لِتَسعَدوا.

 

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38))

يقول جلَّ جلاله: 

  • (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ) يُذَكِّر بالمَوقِف المُقبِل في يوم تقوم الساعة، ويومَ تَنشَقُ السماء، و(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [ابراهيم:48]. 
  • (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ)، (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:1-2]، (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ) [الفرقان:25-26]. 

(فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ)، ويَكون انشقاقها هذا في القيامة: 

  • فإذا (نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68]. 
  • وبعد أن يُحشروا ويَنظُروا: 
    • أما جماعات منهم فقد ذُهِب بهم إلى ظِل العرش. 
    • وبقي الآخرون على ظَهرِ الأرض بأرض المحشر: 
      • الإنس والجن، ووراءهم حيوانات البر، وراءها حيوانات البحر. 
  • وإذا بالسماء تَدور، تَصَوَّر كيف صوتها! تعرف صوت القنبلة أو صوت الصاروخ المزعج؟ سماء تَدور وتتكسر وتتشقق، سماء سماء سماء! (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) [الطور:10].

فيُفجَع أهل المَوقِف ويرفعون أصواتهم، وإذا دورانها بصوتها المُزعج تتشقق: 

  • وتتنزل ملائكة السماء الأولى، هم على الأرجاء منها قِطَعها التي صارت كالظُلَلَ والسُحُب، وتنتهي هذه السماء الأولى، ويُحيط ملائكتها بمن في الموقف من كل جانب.
  • وبينما هم كذلك، إذا بالصوت من فوق، في أرجاء السماء الثانية تمور فوقهم، وتتشقق ثم تصير كالمُهل، وتنزل ملائكة السماء الثانية ويحيطون بأهل الموقف. 
  • والثالثة والرابعة والخامسة؛ مواقف عظيمة وهَول شديد، وأولئك في ظِل العرش، والسماء من تحتهم، لا إله إلا الله، (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس:62].

هكذا،، ويُكَرَرُ الخِطابُ أيضًا في الآخرة، كما هو في أقوال بعض المفسرين لهؤلاء، حينما يَرون الملائكة محيطين بهم من كل جانب: يقال: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا (33)) يذهب الى هنا، يذهب الى هنا، يذهب الى هنا؛ من كل جانب، بعد أن تشتد عليهم، نزول الشمس بعد تشقق السماوات، ونزول الشمس ودنوها منهم، وعرقهم الذي يسيل في الأرض مع زحمتهم.. 

ويجيء صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود ﷺ، تُرفع الشمس، ويُنقلون لأرض الحساب: 

  • فتُقبِل جهنم ويراها الكل: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ) [النازعات:36].
    • وتحيط بالناس من كل جهة، لها صوت زفير -جهنم- يُسمع من مسافة مئة عام. 
    • ويقودها ملائكة لها سبعون ألف زمام، كل زمام يمسكه سبعون ألفًا من الملائكة.
  • وإذا أقبلت، تشوَّقت لكبار المجرمين أصحابها، فتتفلت من أيدي الزبانية غيظًا، (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان:12]. 
  • ويضج الناس ويصيحون، ويأمرها الله أن تعود إلى أيدي الملائكة: 
    • وتحيط بالناس من كل جانب: يمينك، يسارك، أمامك، خلفك، لا إله إلا الله.
  • فتستأذن ربها في أفراد من كبار المجرمين، ما تصبر.
    • تقول؛: يا رب، ائذن لي أن أختطف فلان وفلان وفلان. فيُؤذن لها. 
    • فتخرج خيوطا منها كأعناقٍ من نار تخطفهم من الموقف، -والعياذ بالله-. 
  • كما أن طوائف يدخلون الجنة بغير حساب، وهؤلاء حبطت أعمالهم: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف:105] كما قال الله جلَّ جلاله.

ثم يكون في تلك الأرض: 

  • العرض على الله، ونصب الميزان، وتطاير الصحف
  • ثم وضع الصراط، ويوضع الصراط على متن جهنم للعبور عليه، والجنة من وراء.

(إِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا)، اللهم اجعلنا منهم وألحقنا بهم، (وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) [مريم:71-72].    

يقول:(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37))، فانشقاق السماء تظهر الألوان، (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37))، كما ترون أثر الأدْهان عندكم، جمع دُهن، تُقلِّب ألوان الشيء، والوردة من الصيف إلى الشتاء إلى الربيع تتغير ألوانها من لون إلى لون، فكذلك ترون السماء: (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38))، وهذه الإنذارات مُسَبّقة لكم لتنجوا بأنفسكم؛ (فَيَوْمَئِذٍ) عند حصول هذا في اليوم الموعود، (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) [هود:104].

 

تفسير قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)) 

 (لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ)، كيف؟ 

  • أي لا يحتاجون إلى الملائكة المأمورين بتعذيب المذنبين إلى أن يسألوهم: هل أذنبتم أم لا؟ 
  • ولا يكون عند السؤال سؤال: هل فعلتَ؟ وإنما يقول: لم فعلت؟ لا يقول: هل فعلت؟ 
  • ما في شيء اسمه هل فعلت، بل لم فعلت كذا؟ ولم فعلت كذا؟ ولم تركت كذا؟ ولم قلت كذا؟.

 (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (41))، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) وهذا في مواقف مع يقين ما يكون من سؤال الخلائق عن أعمالهم ولكن: 

  • في مواقف من مواقف القيامة، (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات:24]. 
  • ومواقف كما قال:(هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات:35-36]. 

يعني: 

  • تُخرس أفواههم، ولكن تتكلم -بالحقيقة- جميع أعضائهم. 
  • وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

يقول: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ)

  • ولا يُسأل سؤال استفهام، بل سؤال توبيخ، لا يقول: هل فعلت؟ هل حصل منك؟ 
  • بل يقول: لم فعلت؟ ولم تركت؟ لا يُسأل المجرمون سؤال تلطفٍ، ولا يُسر، ولكن سؤال عسير. 

فهذا معنى قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40))؟

 

تفسير قوله تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42))

(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ)؛ اسوداد وجوههم، وزرقة عيونهم، والكآبة التي عليهم: 

  • (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ *.تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) [عبس:41-40]. 
  • (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس:27]، (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [ال عمران:106]. 

(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي) أي: 

  • تأخذهم الزبانية وملائكة العذاب بنواصيهم مقدمات رؤوسهم. 
  • (وَالْأَقْدَامِ)، ويُؤخذ المجرم من رأسه وقدمه. 
  • ويُلوى من ورائه، فيُوصل رأسه بقدمه، ويُقمَّط بالسلاسل لإدخاله النار. 

(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41))، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من العذاب، فلهم سِيما -والعياذ بالله تعالى- (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) [يس:59].

 (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41))، تأخذهم ملائكة العذاب، وزبانية جهنم: 

  • وإذا صدر الحكم بدخول أحدهم إلى النار، تناوله أحد الزبانية من رأسه وإلى قدمه، ولوى من وراء رأسه إلى قدمه ويُقمَّط. 
  • (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) [الفرقان:13-14] اللهم أجرنا من النار.

 

تفسير قوله تعالى: (هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45))

قال تعالى: 

  • (هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ)، هي مسكنهم وموطنهم، وما ينفعهم تكذيبهم ولا يفيدهم ولا يؤخر شيئًا من عذابها؛ إنكارهم لها وجحدهم بها. 
  • (هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ)، (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) [الطور:15] أنظروا أمامكم -لا إله إلا الله- هكذا يقال لهم، ويُبَكَّتون بما يحصل في ذلك الحال وفي تلك الدار.

يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه: 

  • (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) في الأقاويل هذه، والأباطيل، والمنشورات.
  • (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [لطور:11-16]. 

(هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) أي بين حرِّها ولهيبها، (وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)، حميم آن، منه يشربون، وفيه يُغمسون أيضا من أنواع العذاب في النار: شرب الحميم: 

  • (وإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ) [الكهف:29]. 
  • ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15] اللهم أجرنا.

يقول: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ): 

  • بين لهب النار وحرْقها. 
  • وبين شرب الحميم وأكل الزقوم، والصديد. 

والموقع أيضا الذي يتجمع فيه القيح والصديد لأهل النار يفور، يؤتى بأحدهم إليه فيُغمس فيه، تنخلع أوصاله، ويُرد ثاني مرة: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب)، يمرون به في النار ثم يُغمسون في الحميم ويُردونه. 

(يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ بالغ الحرارة، شديد الحرارة، كم درجات هذه الحرارة؟ 

لو أن شرارة وقعت في أقصى المشرق، لوجد حرارتها في أقصى المغرب في الكرة الأرضية -اللهم أجرنا من النار- (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ* كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) [المرسلات:33-34].

 الله يقول: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45))؟ وقد بالغنا في البيان لكم وفي إنذاركم لكي تنجوا بأنفسكم.

 

تفسير قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48))

(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، مقابل هذا كله، فالفرق كبير: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20] كما قال جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

يذكر لنا هذه الحقائق سبحانه وتعالى، ويقول جلَّ وعلا: (قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا). ما هو هذا وهذا؟ ما الفرق بين هذا وبين هذا! 

يقول جلَّ جلاله: (بلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا * قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ)، هل هناك فرق أو لا يوجد فرق؟! 

ما أعظم الفرق! (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20]، (لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا) [الفرقان:11-16]. 

إذًا فهذا شأن: 

  • المستقبل الأعظم الأخطر، بُعث الأنبياء لنستعد له ونتهيأ لمستقبل النعيم الأبدي. 
  • ومستقبل الفضل السرمدي، ومستقبل؛ "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". 

وننجو من مستقبل: 

  • هذا الحميم (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44)) وبين الأخذ بالنواصي والأقدام، وبين الضرب بمقامع من حديد، وبين حَيَّاتِها وعقاربها وشدائدها وما فيها. 
  • وفوق ذلك، (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:108]، سخط الجبار وغضبه عليهم جلّ جلاله. 

فرق كبير! عنده يتضاءل كل ما في الدنيا؛ من نعيم ومن عذاب: 

  • ويُؤتى بأنعم رجل كان في الدنيا، وهو من أهل النار: 
    • لكن في الدنيا كان من أنعم الناس، قليل المرض، ميسر له الأحوال، صحته قوية، ومقدوراته كثيرة. 
    • فيُعرض على النار، يُصبَغ صبغةً -في رواية: يُدخل أصبعه- فيقال: هل رأيت خيرا قط؟ يقول: لا، ينسى كل الذي مرَّ به من أيام حياته الدنيا. 
    • وكان من أنعم الناس في الدنيا في الظاهر، ينسى هذا كله بمجرد الوقوف على النار، من أثرِ صبغةً، ويقول: ما رأيت خيرا قط.
  • ويُؤتى بأبأس رجل كان في الدنيا من أهل الجنة: 
    • المشاكل والأمراض والاحتقار من الناس، والجوع والعطش، والعري والمآسي، متعوب في الحياة طول عمره مسكين. 
    • فيُعرض على الجنة، يُوضع أصبعه، يصبَغ صبغةً -في رواية: غمسةً- فيقال: فلان؛ هل مر بك شدة قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ يقول: لا يا رب، منذ خلقتني أنا في نعيمك، ينسى كل ذاك. 

لا تسوى شيئًا؛ هذه الدنيا، لا بؤسها بؤس ولا نعيمها نعيم، ولكن هناك النعيم وهناك العذاب، ولكن كسبه من هنا: 

  • (لها مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ) [البقرة:134]. 
  • (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التحريم:7]. 

فلتأخذ لك طريقًا في هذه الحياة تكسب به الدرجات العُلى، وتدخل مع خيار الملأ.

 يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه)، هاب وخشي مقام ربه، قيام ربه عليه: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد:33]، قيامه وتطلُّعه عليك، مقامك بين يديه يوم العرض عليه، ليقُم فلان بن فلان للعرض على الله.

(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))، الله لا إله إلا الله: 

  • جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما. 
  • وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما. 
  • وما بينهم وبين أن يروا ربهم، إلا رداء العزِّ. 

يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، فعلى قدر الخوف منه يؤمِّن عبده الخائف منه من عذاب يوم القيامة، ويدخله الجنة، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، فنعم المصير والعاقبة، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47))؟ ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر.

(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48))، أغصان طويلة باسقة مستقيمة؛ جنتان، (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)، وأخذ يصف ما يلاقي أهل الجنان، من ذاك النعيم بغير حسبان.

اللهم اجعل مصيرنا الجنة ومآلنا، فإنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، يا أرحم الراحمين. نجنا من أهوال النار، نجنا من الفضيحة والعار، نجنا من عذاب القبور، نجنا من عذاب يوم البعث والنشور، نجنا يا مولانا من خفة الميزان، نجنا وسلمنا يا ربنا من لهب النيران، نجنا وسلمنا من إعطاء الكتاب بالشمائل، وأعطنا كتبنا بالأيمان، وأدخلنا جنتك بغير حساب يا رحمن، وبارك اللهم في جمعنا وتعرضا لرحمتك، بركة ترفعنا بها في مراتب القرب منك، وفي الدرجات العُلى في الجنة، فإنا نسألك الدرجات العُلى من الجنة. 

اللهم إنا نسألك الدرجات العُلى من الجنة، اللهم إنا نسألك الدرجات العُلى من الجنة، فأسكنا في فردوسك الأعلى، فأسكنا في فردوسك الأعلى،  فأسكنا في فردوسك الأعلى، من غير سابقة عذاب، ولا عتاب، ولا عقاب، ولا فتنة ولا حساب، ولا توبيخ، يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين، إنا ندعوك فاستجب لنا ولا تفضحنا برحمتك يا أرحم الراحمين، يا بر يا رحيم، منَّ علينا وقنا عذاب السموم، اللهم يا بر يا رحيم، منَّ علينا وقنا عذاب السموم، واجعلنا إخوانا في الجنة عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلَّ عليه وعلى آله وصحبه.

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

12 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

13 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام