(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، من قوله تعالى: { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ}، الآية: 19، إلى قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، الآية: 32.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32))
الحمد لله مُكرِمنا بالقرآن وآياته، وبيانها على لسان خير بَرياته، خاتم نبوته وَرسالاته، صلى الله وسلم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل محبته ومتابعته وموالاته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، المُبشِرين به قَبل بَعثه، والناشرين لأَوصافه ونُعوته وصفاته، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكَرِّم عليه وعليهم وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقَرَبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21))
فإننا في نِعمة تَأمُلِنا لكلام ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، انتهينا في سورة الرحمن إلى قول ربنا -جلَّ جلاله-: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20)).
بعد أن ذَكَر لنا:
وكم من واقفٍ على مَسار البحر المالح، والبحر العذب، ويشرب من هذا؛ ماء عَذب، ومن هذا ماء مالح، يَخلِطهم بيده فلا يختلطان! فمن الذي حَجَز بينهما؟
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20)):
بل بِحدودها، ومِن حَيث ما حدَدَّ الرحمن لهم، فإذا أَذِن لشيء من الفيضانات كانت بحدودها في أماكنها:
فما أَغرَب استعجالهم على أَنفُسِهِم وتَصارُعهم على هذه الأرض اليَسيرة بالنسبة لِما خَلَقَ الله من العَوالِم، والتي لا تساوي شيئاً بالنسبة للجنة!
يقول نبينا: "لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ خيرٌ من الدنيا وما فيها"، المنديل الذي يمسح به وجهه، عليه رضوان الله.
يقول: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20))، وهذه آية مِن آيات الله، وبعض البحار يَجعَلُ الله سبحانه وتعالى؛ هذا الماء المالِح، والماء الآخر؛ العَذب، بينهما جِدارٌ من ماء، هذا الجدار ليس بِعَذبٍ ولا بمالِح، مِن العَجيب كما تُشير إليه الآية في سورة الفرقان: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) [الفرقان:53]:
(وَحِجْرًا مَّحْجُورًا):
(وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) [الفرقان:53]، مُخَصَص لأصحاب هذا هنا وهذا هنا، وكل واحد يَلزَم حُدوده، وما سمعتم في يوم مِن الأيام أنه قامت بينهم حرب على الحدود التي بينهم، كل واحد يَلزَم حده، لكن بني آدم هم المَشاكل عندهم، أما هؤلاء فهم في حدودهم، يقعد في محله، ويأكل في محله طول حياته، لا يعتدي على حدِّ الآخر، لا إله إلا الله.
قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20))، لا يَبغي أَحَدُهُما على الآخر، ولا يبغيان معًا على اليابس مِن ظَهر الأرض؛ لأن الكُلَ بِقَدَرٍ مَقدور وَحَدٍ مَحدود، مِن قِبَل العَليم الخَبير، السميع البصير، العَلي القدير.
قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21))، ما الذي تُنكِرونَه مِن خَلقِ هذه البحار، والحيوانات التي فيها، وما تأكلون منها لحمًا طريًا، وتستخرجون حِلْيَةً تلبسونها؟
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21))، بأي النِّعَم لربكم تكذبِّونها، وليس فيها ما يُكَذَّب، ولا طريقة إلى تكذيب شيء منها.
تفسير قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23))
(يُخْرَجُ)، وفي قراءة: (يَخْرُجُ)، (يَخْرُجُ مِنْهُمَا) -أي البَحران- (اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22))، يَخرُج مِن البَحرين هذين، اللؤلؤ والمَرجان؛ زينتكم.
(وَالْمَرْجَانُ):
على كلٍ، يُطلَق المَرْجَان على هذا وعلى هذا وعلى هذا، وكُلهُ يأتي مِن البَحر، أكثره من البحر المالح، ولكن قد يوجد شيء مِن هذه الزينة مِن اللؤلؤ في البحر العَذب، كما تشير إليه الآية، وإن كانت الآية أيضًا محتملة: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا) أي مِن مَجموعِهما؛ لأنهما مُلتَقِيان، فأي واحد خَرَج منه صَدَق أنه (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وجَعَل الحق سبحانه وتعالى في ترتيبه وتقديره، أن هذا اللؤلؤ مَحَل الزينة، ومَحلَ الافتخار به، ومحل المُباهاة، وكذلك المَرجان.
والسؤال: مَن رَتبَ هذا؟
الأجناس المَخلوقات في الأرض كثيرة، و لكن رَتَّبَ؛ هذا ذهب، وهذا فضة، وهذا لؤلؤ، وهذا مَرجان، ثم أحجار كريمة.
أي دولة رتبت هذا الترتيب؟ أي جماعة في أي قَرن رَتَب الناس هذا؟ هكذا خلقها الله، وجَعل في طبيعة البشر هذا غالي، وهذا رخيص، هذا جوهر، وهذا لؤلؤ، وهذا مرجان، وهذا زبرجد، وهذا ذهب، وهذا فضة، وأن الأثمانَ في الذهب والفضة؛ (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس:38].
(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23))، ومن أغرب ما وَرَد، ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس وعن سيدنا أنس بن مالك؛ ابن عباس، يقول على وجه الاستعارة أو التشبيه:
وكذلك قال سيدنا أنس: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)، قال: عليٌ وفاطمة، ويَخرُج مِنهما اللؤلؤ والمرجان، قال: الحَسن والحُسين، هذا من أغرب ما أورده ابن مردويه، عن سيدنا ابن عباس، وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه.
وسِياقُ الآيات مَعلومٌ في بيانِ هذا الكون، والخلق والإيجاد، والكلام عن البَرِ، وعن البحر، وعن المَشرقِ وعن المَغرِب، يقول: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ).
فآمنا بآيات ربنا وبنعمه، وسألناه قوة الإيمان واليقين، والدخول في دوائر عباده الصالحين.
تفسير قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25))
يقول: (وَلَهُ الْجَوَارِ)، جمع جاريةٍ أي الجاريات، وَهُنَ السفن، (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ(24))، (الْمُنشَآتُ): الآتي بتعليمه سبحانه وتعالى أَنشأتموهن وجَمَعتُموهن مِن هذا النوع مِن المادة الخَشبية التي لا تَغوص في الماء، بل وتَحمِل فوقها الأحمال والأطنان بعد ذلك، فلا يغوص منها شيء في الماء، ومَن الذي رتب هذا؟ جلَّ جلاله، وإذا جئت بأي مادة أخرى غاصت، وهذه رتَّبها لا تَغوص، وكذلك تَحمِل.
مِن آياته (وَلَهُ الْجَوَارِ)، يعني السُّفُن الجاريات، (الْجَوَارِ) جمع جارية، وجارية جارية، سفينة جارية وسفينة جارية (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ)، في قراءة: (الْمُنشِئَاتُ فِي الْبَحْرِ)، قال: بمَخْرِهِنَّ في الماء، يُنْشِئنَّ الماء بمَخْرِهِنَّ فيه، أي تطلع منه الآثار في جوانبها.
(وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ)، وجاء عن سيدنا علي، قال لبعض أصحابه: كنت معهم، فأقبلت سفينة في البحر فرآها، فأشار وقال: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ)، وقال: والذي أنشأها تَجري في بحوره، ما قَتَلتُ عثمان ولا مالأتُ على قَتله، كما يَدَّعي من يَدَّعي ويقول مَن يقول، ما قَتلتُ عثمان ولا مالأت على قَتله، بل أرسل ابنيهِ الحسن والحسين يَذُبَّان عن سيدنا عثمان أيام مِحنته والشدة، حتى لما اقتُحِم عليه البيت وقُتل وهو يَقرأ القرآن، ونَزَلَت أول قطرة من دمه على قوله: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة:137]، وجاء الخبر، انزعج سيدنا علي مع خِيار الصحابة، وجاء يتكلم مع الحَسَنين: أين أنتما؟ قالا: والله ما رأيناهما، ولا مرّا من جِهتنا، وجاءوا من خلف البيت وقفزوا، ولم نعلم بهم، فكان يشتد عليهم يقول: أين كنتم؟ كيف تدعون عثمان يُقتل؟ عليهم رضوان الله أجمعين.
قال: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25))؛ مِنَن ونِعَم مُفَاضَة عليكم مِن كُل جانب، وبالألوان المنوعة، ما لكم، ما لكم تَنسون هذا الرب؟! مالكم تَغفلون عنه، مالكم تخالفون أمره، ما لكم تُقدِّمون غيره عليه.
تفسير قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28))
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)): أي هذه الأرض التي خَلَقَها، (فَانٍ): يَفنى ويزول ويموت، ويَضمَحل ويتلاشى.
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)، فابحثوا عن سر البقاء، البقاء للباقي، ولا يَبقى إلا مَن شاء أَن يُبقِيَهُ، فَيُبقِيَهُ بِإبقائِهِ هو له، وكَتَبَ الله تعالى البقاء بإبقائه؛ للجنة والنار، والعرش والكرسي، ولأرواح المُكَلَفين مِن بني آدم والجن، وأرواح المَلائكة؛ تَبقى وتستمر وتدوم بإبقائه، ولو أراد أن يُفنِيَها لأفناها، لو أراد أن يُفني العرش لَفَني، لو أراد أن يُفني الكرسي لَفَني، لو أراد أن يُفني الجنة لَفَنِيَت، لو أراد أن يُفني النار لَفَنِيَت:
(وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27))، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا) على ظَهرها (فَانٍ (26)) فلِمَ التَعَلق به؟ ولِمَ نَصْبُه أمام تعليمات الإله؟ أو منهج الإله أو آيات الإله أو دين الإله؟ -جلَّ جلاله- لِيَحول بينك وبين هذا الإله، وأنت وإياه فانون؟
فينبغي حُسنُ النظر فيما يَفنى وفيما يَبقى:
اللهم اجعلنا وأهلنا وأصحابنا وأحبابنا وذرياتنا وذَوينا من أهل جنتك، وأجرنا من النار، وأَعِذنا من النار، وجميع ذوي الحقوق علينا يا رب العالمين.
قال: (وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)):
(ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، وقد جاء:
يا ذا الجلال والإكرام أمتنا على دين الإسلام، يا ذا الجلال والإكرام فرج على أهل الإسلام، يا ذا الجلال والإكرام اقبلنا في رمضان، يا ذا الجلال والإكرام اجعلنا من أهل القرآن، يا ذا الجلال والإكرام اجمعنا في الجِنان، يا ذا الجلال والإكرام لا تجعل في بيوتنا أحداً من أهل النيران، يا ذا الجلال والإكرام ثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا، يا أرحم الراحمين، "ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام".
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28))، يُحييكُم مُزَوَّدين بأنواع مِن النِّعَم، وموجودٌ ما تحتاجون إليه، ثم يتوفاكم في الوقت الذي وَقَّتَه، فهل تنكرون شيئًا من ذلك؟
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ بِلِسان المَقال وبلسان الحال، كلهم يسألون الله، وكلهم يطلبون الله؛ لأنهم؛ جميعًا محتاجون إليه، وهو الذي أَوجَدَهم، وما بهم مِن نعمة فمنه، فالكل، حتى المُلحد والكافر والمُنكِر؛ بلسان حاله يَسأل، هو موقن أنه محتاج للبصر ودوامه، مُحتاج للسمع ودوامه، مُحتاج للطعم والذوق ودوامه.
مَن الذي يُديمه له؟ لا أحَد غير ربه -جلَّ جلاله-، فهو سائل، ثم يتحولون كلهم إلى سُؤَّال سائِلون بعد انكشاف الستارة:
تفسير قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30))
(يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، يعني كُل مَن في السماوات والأرض مُحتاجٌ إليه، لا غنى له عنه، مفتقر إليه، مضطر إلى الله تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم:93].
(يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فهو المَسؤول بِكُل لسان:
ولكن سُؤاله بالذلة والافتقار والانكسار واليقين أنه القادر المُنعم؛ هذا الذي به الرِّفعة للسائل عنده، وبسببه يعطيه عطايا كبيرة.
ولهذا كان الدعاء هو العبادة: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)، ومِن مَعناه عن دُعائي، (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60]، والعياذ بالله تبارك وتعالى، فألِح على الله واسأله، فإنه يُحب المُلِحين في الدعاء.
يقول هذا السؤال المَخصوص من المؤمنين به:
والكلُ سائل، والحقُ هو المَسؤول، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص:1-2]؛ المقصود على الدوام في الحوادث، يُصمَد ويُقصَد إليه في كل حاجة، لأنه بيده ملكوت كل شيء.
(يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ولكن هذا السُؤال مِن المؤمنين على وجه اليقين والإيمان والذلة وشهود العظمة لذي الجلال والإكرام رِفعة لهم عند الله، حتى قال:
(يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ)، بل في كل ساعة ولحظة تمر بك؛ (هُوَ فِي شَأْنٍ (29))، يرزق ويخلق ويُحيي ويُميت ويُقدِّر ويُعطي ويَمنع ويُسعد ويُشقي ويُقَرِب ويُبعد ويُمَرِض ويُعافي:
شؤون إلهية يُبديها، ويفعلها في الوجود، وليس في الوجود إلا أفعاله، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
قال: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، ولما جاء بعض المُتَجَرئين، والذين يُرِيدون بعث الشكوك عند العوام وغيرهم، صعد على المنبر يقول لهم: ما معنى قول الله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)؟ ولما أخذ يتفلسف ويستهزئ، وكان بينهم رجل صالح، قال: ياهذا، أنت سائل أو مَسؤول الآن؟ قال: أسأل، قال: ما دُمت تَسأل إنزل، السائل تحت، المسؤول يطلع المنبر فخرج، وطلع المسؤول المنبر. قال: ما تسأل؟
ومرةً كما يَذكُر بعض العارفين، مَرَّ سيدنا الخضر -عليه السلام- على بعض الصالحين والأولياء، وسأله عن معنى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29))، فَلَم يستحضر المعنى بعد، قال: أُمهِلك ثلاثة أيام، وأنا آتي لك، بعد الثلاثة أيام سأسألُك عن المعنى، فأخذ ينظر في كلام أهل التفسير والمعاني، لكن رأى الحبيب ﷺ في المنام، قال له: تبحث عن شيء؟ قال: يا رسول الله، مَرَّ عليّ رجل سألني عن هذا، قال له: ذاك الخضر، فإذا أتاك فقل له: شؤون يُبديها ولا يَبتَديها، شؤون إلهية يُبديها، يُظهرها، يبرزها، ولا يبتديها، ليست أُنُف، فهي مقدرة في علمه من الأزل، ومرتبة، فيظهرها؛ كل شيء في وقته؛ شؤون يبديها ولا يبتديها.
فجمع له كل ما قاله أهل العلم، فجاء في اليوم الثالث، قال: ما معنى قوله تعالى؟ قال له: شؤون يبديها ولا يبتديها، قال له: صلِّ على مَن عَلَمَك، قال له: صلِّ على من علمك، عرف من أين جاء بالجواب هذا، وما اللفظ الجَزل هذا؟ ومِن أين جاء؟ ﷺ، شؤون يبديها ولا يبتديها.
(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29))، يجمعنا، يُسِمعنا، ينظر إلينا، يُنَازل على قلوبنا من تجلِّيه، من فضله، من توفيقه؛ مايشاء، وهذه الشؤون عجيبة ربانية.
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا *** وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّينَا
ولا صمنا، ولا تعلمنا، ولا قرأنا، ولكن بفضله:
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا *** وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الوُلَاةَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا *** إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
أبينا، أبينا، فثبتنا على ما تُحب، واجعلنا في من تحب، وعاملنا بما أنت أهله يا رب، يا رب، يا رب.
(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30))، يقول الله؛ يا أنس يا جن، أعددت لكم موقف حِساب وعَرض للأعمال بدقة، كل ذرة منها، والفتيل والنقير والقطمير يَبرزه ويُعرض، ويوم مُقبل عليكم، فلا يغركم الآن! ما أَسدلتُ عليكم من حُجُب، تنسون فيها مآلكم وقدرتي عليكم، وإحاطتي بكم، وتغترون بشيء مِن مظاهركم وشهواتكم في الحياة الدنيا! الوقت الذي أعددت لحسابكم مقبل وآتٍ، فتيقنوا الأمر واحذروا.
تفسير قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32))
قال: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ)، يعني أعددنا وعَيَّنا لكم يومًا نحاسبكم فيه على النقير والقطمير:
(سَنَفْرُغُ) عَبَّر عنه بالفراغ، (سَنَفْرُغُ لَكُمْ) يعني أعددنا وهيأنا هذا اليوم لكم لنحاسبكم فيه، فهو مُقبِل عليكم، فلا تغتروا بإمهالي لكم، وإملائي لكم، وعدم استعجالي بنزول العذاب عليكم، لا تغتروا؛ فاليوم مُقبِل.
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ)، عَبَّرَ بهذا التعبير تنزلًا، كما يتفرغ أحدكم لمهمة يقوم بها بِكُلِيَّتِهِ، يقول:
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32))، أعطيناكم المُهلة والمُدة، وأخبرناكم عن اليوم الذي ينتظركم، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)).
لا إله إلا الله الرحمن، ارزقنا كمال الإيمان يا رب، وكمال اليقين، وكمال الصدق، وكمال الإيقان، وكمال الإخلاص لوجهك، واجعلنا ممن أحسن المعاملة فطابت لهم المُقابلة، ونجوا يوم المُساءلة.
أدخلنا في أهل الدرجات الرفيعة والمراتب الفاضلة، وأمطر على ساحات قلوبنا سحائب غيثك الهاطلة، وكن لنا بما أنت أهله في شؤوننا العاجلة والآجلة، ولا تُعَرِضنا لفتنة ولا لسوء ولا لعذاب، وكن لنا بما أنت أهله يا رب الأرباب، بحق الكتاب ومَن أنزلت عليه الكتاب، ثبتنا على الحق والهدى والصواب، واحشرنا في زمرته يوم المآب، وأدخلنا معه دار الكرامة مع المقربين أهل الرتب العُلا من ساداتنا الذين هم لك أحباب، وهم لنا مِن أجلك أحباب، فارزقنا حقائق محبتهم مِن أجلك، حتى نجتمع في دار كرامتك وفضلك، يوم تجمع كل محب بمن أحب، يا رب، يا رب، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ الأمين اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
12 رَمضان 1443