تفسير سورة الرحمن - 2 - من قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)، الآية: 7

تفسير سورة الرحمن، مواصلة  التفسير من قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ }، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، مواصلة التفسير من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}، الآية: 7، إلى قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، الآية: 18. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تقديم القرآن على خلق الإنسان: 
    • بيان أن القرآن غاية الوجود الإنساني.
  • نعمة البيان وميزان العدل:
    • التكريم بالفهم والنطق.
    • النهي عن الطغيان والتخسير في الميزان.
    • مركزية عملة الحسنات والسيئات يوم القيامة.
  • تسخير الأرض ونِعَمها: 
    • تهيئة الأرض للأنام، وجَمع نِعَم الفاكهة والنخل والحب والريحان.
  • أطوار التكوين ودقة الكون: 
    • مراتب خلق الإنس والجان وحقيقة العودة.
    •  وانتظام المشارق والمغارب.
  • الاعتراف بالنعم والدعوة للاستقامة: 
    • الاستجابة لـ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) بالشكر. 
    • والشروع في التوبة.

نص الدرس:

الحمد لله على نعمة الغَدوَة في التقرّب إلى الله تعالى بتدبّر آياته، وتَبيُّن كلماته، وأخذ تعليماته، وصلى الله وسلم وبارك وكَرَّم على خير بَريّاته، خاتم نبوّته ورسالاته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، وأهل مَحَبَتِهِ ومُتابَعَتِهِ ومَوَدّاته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، صفوة الله تبارك وتعالى في خَليقته ومَركِزُ عناياته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين.

أما بعد،،،

 فإننا في نعمة تأمل كلام ربنا -جلَّ جلاله- وتدبره، مررنا على أول سورة الرحمن، والتي افتتحها ربنا تعالى باسمه الرحمن الذي تَندرِجُ فيه معاني الرحمة بلا حَصرٍ ولا حَد، وقال لنا: (الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)): 

  • وقلنا إنه نسب تعليم القرآن إلى اسمه الرحمن إشارةً إلى أنه مِن عين رحمته، وعظيمُ مِنَّة تعليمِه إيانا القرآن، اللهم علِّمنا القُرآن. 
  • وعَلِمنا مَجاري ومجال تَعَلُمِ القرآن واتساعاتها واعتِلاء دَرَجاتها للمؤمن. 
  • فالمَركِزُ الأول تَعظيم هذا الكتاب العزيز، والإقبال عليه، وحُسن تلاوته، وحُسن تدبره، وتَفَهُّم معانيه، ثم العمل بما فيه. 
  • ثم ما يَكونُ بالفتح به مِن عظيم معارف وكنوز لطائف.

(خَلَقَ الْإِنسَانَ (3))، وقَدَّم تَعليم القرآن على خَلق الإنسان؛ في إشارةٍ إلى أن المَقصودَ الأكبر مِن خَلق هذا الإنسان أن يتعلم القرآن: 

  • فبه تَقومُ خلافتهُ عن الله في الأرض. 
  • وبه تَقومُ نَجاته في يوم العرض. 
  • بل لا اعتبار له ولا وصول إلى حقيقة إنسانيته إلا بالاتصال بهذا القرآن. 

فهو المقصود الأعظم مِن خَلقه؛ أَن يتعلم القُرآن ويتشرف بفهم كلام الرحمن - جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه -.

(خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)): القلب والروح الذي يَستبينُ حقائق الأمر فيفهم ويَعي، ثم يُعبِرُ كذلك ويبينُ للآخر: 

  • فهو يَفهمُ البيان عن الحقِ ورسوله. 
  • ويَفهمُ البيانَ ممن يبين. 
  • ثم بعد ذلك يُبين للغير كذلك. 

(عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) بالمنطق الفصيح والقول الصادق.

 

تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8))

(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) -جلَّ جلاله بِقدرته البديعة- (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7))

  • فدعانا إلى أن نُقيمَ الأمر بالميزان؛ بالقسطِ والحقِ والعدلِ والهُدى. 
  • ونُقيمُ الميزان فيما أوحى إلى رسوله وبَلَّغَهُ إلينا في التفريق بين الخير والشر، والنفع والضُر، والضلال والهدى، والحق والباطل، والنور والظلام. 
    • فلا حقيقة في ذلك لمعرفة ذلك ووزنه إلا بوحي الله وخَبَرِ رسوله ومصطفاه ﷺ. 
    • وكل ما خالف ذلك مما يسبق إلى ذهن الإنسان مِن نَفْسِه أو مِن إيحاءات غَيره؛ فباطل. 

فالميزان ميزان الله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد:25]: 

  • وبمجرد أن يُؤمن المُؤمنُ بالله يَعلَمُ أن ميزانهُ هو ميزان الله. 
  • فالحق عندهُ ما قال الله، والخيرُ عندهُ والشُر بما بَيَّن الله. 

والحَسَنُ والقبيح كذلك، والسعادة والشقاوة كذلك، يأخذها بهذا الميزان، مُتَحَرِراً عن جميع الأوهام والظنون التي تُقامُ مِن قِبَل الأَنفُس وإيحاءات الخَلقِ لبعضهم البعض، فما أعظم الميزان! ميزان إلهنا الرحمن!

(وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7))، وجَعَل لنا بعد ذلك وزناً معنوياً نزن به الكلام: 

  • ونُفَرِقُ بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة. 
  • ونُفرق بين النظرة الطيبة والنظرة الخبيثة، وفي الإستماع، وما إلى ذلك. 

وجعل لنا مقادير وموازين حِسية، من كَفة الميزان وما يوضعُ فيها؛ مما يوزن به، ومن مقادير ومكاييل؛ من مُدٍّ وصاعٍ إلى غير ذلك من أنواع الكيل، لِيَقوم بها العدل والإنصاف. 

كلها رتبها وخلقها -جلَّ جلاله-، لنا وهدانا اليها؛ فهو بذلك (وَضَعَ الْمِيزَانَ): إن تَزِن أو تَكيل أو تُعطي أو تَأخُذ أو تَقول أو تَنظُر أو تَسمَع، فالميزان أمامك؛ هذا حلالٌ وهذا حرام، هذا خيرٌ وهذا شَر، هذا صَلاحٌ وهذا فساد، هذه رِفعة وهذا خَفض، هذه حَسَنة وهذه سَيئة..

  • وهي العُملة الغالية العظيمة الكبيرة؛ عُملَة الحسنات والسيئات، مستمر أثرها إلى الأبد. 
  • يكسب الإنسان من وراء الحسنات خيرات في حياته وعند مماته وفي برزخه ثم في القيامة، وتوضع حسناته فيُثاب عليها.

 (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]، وبالسيئةِ يخسر في حياته وعند مماته في برزخه، ومن أحاطت به سيئته دخل النار: (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:81]. 

حتى التقاضي بين العباد في المحكمة العليا الكبرى العظمى؛ محكمة الجبار بين خَلقه، لا ينفع فيها؛ لا الدولار ولا  اليورو، ولا عُملَة روسيا، ولا الصين، ولا الريال اليمني، ولا السعودي، لا يمشي فيها شيء من ذلك؛ هو حُكمٌ، لا بد معك حسنات، عُملَة لا تَسقُط أبداً: "مَن كانَتْ عِنْدَهُ  لأخيه مَظْلِمَةٌ فَلْيَستَحَلّهُ اليوم قبل أن يأتِ يوم لا درهم فيه ولا دينار؛ إنما هي الحسنات والسيئات" فمن تَوَجّهَ عليه حقٌّ في ظُلم الآخر قيل له: هاتِ حقَّه، من أين تأتي بحقه؟! ماذا أفعل؟ ما معك من حسناتٍ أعطه منها، خُذْ من حسنة هذا ورُدَّها إلى المظلوم، فإن لم تكن عنده حسنة أو فنيت في الحقوق للناس، أُخِذَ من سيئاتهم وطُرحت عليه. 

فالعملة هي هذه واحدة، لا يوجد غيرها؛ حسنات وسيئات، لا ذهب، ولا فضة، ولا العملات عذه المختلقة التي فرضتها السياسات على الناس ويتلاعبون بها؛ يومٌ تطلع ويومٌ آخر تنزل، في يوم تأتي وفي يوم آخر تذهب. 

  • واعلم أن جميعها ستسقط، جميعها سيسقط. 
  • لكن تبقى عملة الحسنات والسيئات هذه لا تسقط أبداً. 

والمَحكمة الكبرى تقضي بها، تُقيم عليها، لا إله إلا الله.

يقول: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7))، فانتبه من الميزان الذي وَضَعَهُ لك ربك وبيّنه لك، واترك هواك، واترك موازين خاسرة خاسئة كاذبة لأهل الشرق ولأهل الغرب، لا خَلَقونا ولا لهم حق أن يَزِنوا، والميزان ميزانُ الذي خَلَق - جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه -، (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:73].

(وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7))، قال: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8)): احذروا الطُّغيان في الوَزن بالتطفيف، وبإقامة أصلٍ غيرِ أصل الحق -جلَّ جلاله-. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9))

(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8))، قال: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) -بالعدل- (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9))، تُنقصوه بِتَطفيفٍ أو كَيل، أو تقيس لنفسك غير قياس أخيك، وتريد من أخيك ما لا تُلزِم به نفسك، وتَنظُر إليه بغير العين التي تنظر بها إلى نفسك؛ هذا خللٌ في الميزان: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8))(وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9))، (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10))

لما قال: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا (10)) وحده -جلَّ جلاله-، نعيشُ عليها، فما لأحد حق أن يُحلِل عَلَينا أو لنا، أو يُحَرِم علينا، فإن الذي وَضع لنا الأرض هو ربنا؛

  • وله الحق أن يقول افعلوا ولا تفعلوا -جلَّ جلاله- دون سواه، هو الذي وَضَعَ الأرض، ما أحد غيره وَضَعَها: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [فاطر:40]. 
  • ما أحد مِنهم خَلَقَ شيئاً من الأرض، نحن وإياهم وَجَدنا الأرض مَخلوقة مَصنوعة مُرَتَبَة لنا، مُهَيَأةً، مِهادا: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) [النبأ:6-7]. 

 نَتَصَرَف فيها، لا بد أن نأخذ ميزان الذي خَلَقَنا وخَلَقَ الأرض؛ لِيَكون تَصَرُفنا حَسَناً صحيحاً جميلاً طيباً، لا ينْشر الفساد ولا الضر ولا الآفات ولا المشاكل. 

وما يَحصلُ على ظهر الأرض في أرض المسلمين، أو الكفار من كل الآفات والعاهات؛ سببه الخروج عن ميزان الله والحُكم بغير حُكم الله، والله ما لذلك سبب آخر، هذا هو السبب في كل المصائب التي تقع في العالم شرقاً وغرباً، سببها مُخالفة أمر الخالق الذي خلق -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-، قال:  (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) هذا هو الميزان والشريعة والحُكم الرباني (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) [طه:123].؛ هذا هو الميزان والشريعة والحُكم الرباني:

  •  (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) -فساد الحياة والذي بعدها- (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه:123-124].
  • (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97]. 
  • (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ) من ذكرأو أنثى (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) [طه:112].
  •  (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الاعراف:96].
  • (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) [الجن:16].
  • (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة:65-66].

(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا) -هو وحده- (لِلْأَنَامِ)، 

من يَعِش عليها مِن سائر المخلوقات؛ سواء حيواناتٍ أونباتات، وما يُقام عليها من جمادات، مِن أبنية وغيرها.

  • (وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) ولكن المَخصوص بالخِطاب مِن هؤلاء الأنام على ظهر الأرض اثنانِ: الإنس والجن، لأنهما العُقلاء الموجَّهُ الخِطابُ إليهم، والمرسَل إليهم محمد ﷺ من عند الرحمن؛ الإنس والجن. 
  • (وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)؛ ولهذا جاءت الآية بَعدها مُخاطبةً للاثنين، لأن الأنام الخَلق كلهم، ولكن خاطب الاثنين: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الإنس والجن. 
  • (وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) أي مُمَهَّدةً مُهَيَّأةً، لا تَرجُف بهم، ولا تتزحلق، ولا تضطرب من تحتهم، مهيَّأةً، مزوَّدةً بكل ما يحتاجونه من تغذية، ومِن أكسِيَة، ومِما تتم به الأبنية، وكل مصالحهم موجودة في الأرض.

 يقول -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)، مَضبوط ومَحسوب، كُل ما يحتاجه الإنس والجن على هذه الأرض مُوَفَّرٌ فيها، يُحسنون التعامل معها، يقومون بالميزان الذي وضعناه لهم، ولهم العيشة الطيبة. 

  • يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ)، وبعد ذلك وقَبله: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:19-21]. 

فاعلم أن مَرجعك ومَرجِعِيَتَك ومَصدَر الخير لك، من أين هو، ومَن الذي وضعه؟! (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ).

 

تفسير قوله تعالى: (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12))

ولمّا ذَكَر الآيات السماوية، ذَكَر لنا الآيات الأرضية، ولمّا ذَكَر النِّعَم المَعنوية الروحانية؛ مِن تَعليم القرآن ومِن وَضع الميزان، انتقل إلى ذكر النِعم الحسية والتغذية الجسمانية: 

  • يقول تبارك وتعالى: (فِيهَا) -أي في الأرض-، (فَاكِهَةٌ) أنواعُ ما يُتَفَكَّهُ به ويُتَلَذَّذُ بأكله (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11)) فكل ما يُكَمُّ؛ مِن تَمرها، ومما في جِذْرهَا من جُمَّرِهَا، وما إلى ذلك (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ) وما يُبديه سُبحانه مِن سَعَفِها وَوَرَقِها. 
  • (وَالْحَبُّ) في أنواع التغذية من بُرٍّ، وذُرَةٍ، وأَرُزٍّ، وغير ذلك، (ذُو الْعَصْفِ) (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ)، صاحبُ العصفِ: الورقُ والتِّبْن الذي يَخرج منه. 
  • (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ(12)) أي وجَعَلَ أيضًا في الأرض الريحانُ، وهو إما عموم الرزق وإما المَشمومات الطيبة، فمصدر ما يستعملونه من الطيب والعطور أكثره يأتي من هذه الأشجار، ومنه ما يَأتي مِن بعض الحيوان كالمسك من دم الغزال.

(وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12))

  • وفي استعمال العرب لفظ الريحان بمعنى الرزق، قيل لأعرابي: أين تذهب؟ قال: أطلب رَيحان الله، أي: رزق الله، أي : يطلب رزق الله. 
  • (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ)، والريحان عند عامة القُرَّاء، أي: وفيها الريحان، في الأرض الريحان. 
  • وفي قراءة: (وَالْحَبُّ ذَو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانِ)، يعني: والحَبُ الذي يَحمل الريحان، يحمل لكم الغذاء أو يَحمل لكم الرائحة الطيبة؛ (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12))، 

ثمّ خصَّ النخلة من عموم الفاكهة للمنافع التي فيها؛ ولأنها تجمعُ بين اللّذة، والتفكُّه، والتغذية الكاملة، خلافَ بقيةِ الفواكه، يُتَلَذَّذُ بها ولا تكفي تغذية كاملة للإنسان، لذا خصَّ النخلة من بين الفاكهة، فهي فاكهة، والنخل فهي جامعة بين التلذذ، والتفكُّه، وبين التغذية الكاملة لجسد الإنسان، وما يحتاجه: (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)).

 

تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13))

يقول الله تعالى: رَتبتُ ذلك وخلقتُ ذلك ويسرتُه لكم ومكَّنتكم منه (فَبِأَيِّ آلَاءِ) -نِعَمِ- (رَبِّكُمَا): يا إنسُ ويا جنُّ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(13))، تُنكران أي شيء من هذا؟! ماذا تُنكِرون؟! أَتُنكِرون خَلقي إياكم؟! أو تُنكِرون تَعليمي القُرآن لكم؟! أو تُنكِرون تعليمي لكم البيان؟! أو تُنكِرون خَلقي للشمس من فوقكم ومنافعَها الكثيرة لكم؟! أو تُنكِرون خَلقي للقمر؟! أوتُنكِرون تقديري لها بالمقادير؛ فهي لا تسقط فوقكم ولا تصطدمُ فيما بينها ولا تتخلف عن طلوعها وغروبها؟! ماذا تنكرون؟! 

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، أَم تُنكرون وجود الفاكهة والنخلَ الذي خلقته لكم، أو الحَب الذي تتغذون به؟! (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) أي شيء من هذه النعم تكذبون به وتنكرونه؟ أنتم أمام هذه الأشياء واضحةٌ بيِّنةٌ لا تستطيعون إنكارَها، ثم بعد ذلك تُبارِزون مُعطيَكم إياها بالمُخالَفة، والجُحود والعِصيان. 

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وجاءنا في الحديث أنه لما قرأ ﷺ سورة الرحمن على جماعة من الصحابة وهم يَنصِتون سامعين، قال: "قرأتها على إخوانكم الجن، فكانوا أحسن جواباً منكم، لما قرأت عليهم: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، قالوا: "ولا بشيء مِن نعمك ربنا نُكَذِب، فلك الحمد" ما نكذب بشيء من هذه النعم، اعترفنا وآمنا وأيقنَّا؛ اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك "اللهم إنا أصبحنا منك في نعمة وعافية وسِتْرٍ، فأتمم نعمتَك علينا وعافيتك وسِتْرَك في الدنيا والآخرة". 

 

تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14))

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، ورَجَع إلى تَبيّن أصل خِلقَتِنا وتَكوينِنا في أجسادنا هذه، قال جلَّ جلاله: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14))، مِن صلصالٍ: أي المرحلة التي مرّ بها تَكوين جسد أبينا آدم الذي فرّع الله منه كل أجساد بني آدم: 

  • وذلك أنه كان طين فالإنسان مخلوق من طين. 
  • ثم صُبَّ عليه ماء فَصار (حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) [الحجر:26]، فالإنسان مَخلوق من حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. 
  • ثم يَبِسَ وتَصَلَب فصار صلصال -له صَلصَلة- صوتٌ إذا هَبَت عليه الريح. 

(كَالْفَخَّارِ) هذا الطين الذي تعجنونه من طين الجبال وغيرها، فتُكَوِّنون به خزفكم، تُكَوِّنون به أوانيكم، صار (صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، طينٌ نُدِّيَت بالماء فيَبِسَت وتصلبت، صار صلصال مثل الفخار، هذا الخزف الذي تعجنون به الطين المُعَيَّنة لتكوِّنون بها أوانيكم، تعجنونها بالماء. 

 

تفسير قوله تعالى: ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15)  فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16)) 

(مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15)): 

  • لهب، لهب خالص صافي، لهب النار، (مِن مَّارِجٍ) كالنار.
  •  فالمارج: اللهب الصافي القوي، وقد يتبادى على رأس النار من اللهب أصفر وأحمر، هذا لهب هوًا مارِج. 

(خَلَقَ الْجَانَّ) يعني أبوهم إبليس، وذرِّية الجان؛ فيهم المؤمنون وفيهم الشياطين والكفار والفجار: 

  • قال تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف:27]. 
  • وقال تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۚ) [الكهف:50]. 

فصار هو الأب للجن، كآدم أبٌ للإنس، خلقه (مِّن نَّارٍ) كما قال: (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [ص:76]. 

فكان هؤلاءِ العُقلاءَ، كَوَّن الله أجسادهم: الإنس والجن والملائكة:

  • الإنس من الطين، والصلصال، وَالْحَمَإِ الْمَسْنُونِ. 
  • والْجَانَّ من النار. 
  • والملائكة من النور، من النور الخالص. 

فخلق الله الملائكة من النورِ، والجان من النارِ، (مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15))، وخلق آدم مما عرفتم؛ من التراب، والطين، وَالْحَمَإِ الْمَسْنُونِ، والصلصال الذي كالفخار.

فإذا مات الإنسان، فمن لم يُكرَم جسده، بألا تمسه التراب ولا تأكله الأرض، يرجع إلى نفس العملية: 

  • يتصلب ويرجع صلصال كالفخار. 
  • ثم يُدفَنُ، فيبدأ يَنْذاب فيصير حَمَأً مَسْنُون. 
  • ثم يعود إلى التراب كما كان. 

كما إذا بنيتَ بناية فأردتَ أن تهدمها، آخرُ ما وُضِعت تخرجه أولًا، حتى تصلَ إلى الأول، وهكذا تكوين الإنسان؛ 

  • تراب
  • حَمَأٌ مَسْنُونٌ
  • صلصالٌ كالفخار

فإذا مات؛ 

  • رجع صلصالاً كالفخار
  • ثم حَمَأً مَسْنُون
  • ثم تراب عاد كما كان

لا إله إلا الله.

(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ) -نِعَم- (رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16))، من صلصالٍ كالفخار، أعطاكم أسماعًا وأبصاراً وأذواقا، ولمسا، وأجهزة، وكلاما، ونُطقا؛ ماذا تنكرون مِن هذا؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) 

وجان كذلك من مَارِجٍ مِّن نَّارٍ؛ سمع وبصر وأكل وشرب وتسلُّط على الدخول في الذوات (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) من أين جئتُم بهذا؟! وهل غيرُ اللهِ أوجده لكم؟ فبماذا تكذبون به من النعم؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) -يا معشر الإنس والجن- (تُكَذِّبَانِ)؛ "ولَا بشيءٍ مِّنْ نعَمِكَ ربَّنا نُكَذِّبُ فلَكَ الحمْدُ"، ولك الشكر على كل ما أنعمتَ به علينا وعلى كل أحد من خلقك.

 

تفسير قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18))

(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)) -سبحانه وتعالى- وقد قال سيدنا إبراهيم للنمرود: (إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) [البقرة:258]، من الذي رتب مشرق ومغرب؟ وجَعلَ المَشرِق تُشرقُ فيه على بُقَاعٍ من الأرض، وبُقَاعٌ أخرى تغرب عنها! وتمشي إلى المشرق الثاني.. 

  • فالمشرق الذي خرجت منه والمشرق الذي دخلت إليه: مشرقين، والمغرب الذي خرجت منه والمغرب الذي تغرب منه الآن، وهي تجري. 
  • وكان أيضًا يمثلون السابقون بما يحصل من الانحراف في رؤية الشمس ما بين الصيف والشتاء، فجعلوا مشرق للشمس في الشتاء، ومَشْرِقَها للصيف، قالوا: مشرقين. 

والقصد أيضاً جُمِعَ في آية أخرى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) [المعارج:40]؛ بل هي في كل وقت تشرق على بُقَعٍ من الأرض وتغرب عن بُقَعٍ؛ فتعددت المشارق والمغارب، وللقمر كذلك مشرق ومغرب، ولبقية الكواكب والنجوم مشرق ومغرب؛ فهو رب المشارق ورب المغارب. 

(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)، كما أنه يمكن أن يكون هنا مشرقُ ومغرب  الشمسِ والقمر لأنه ذكرهما: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5))، ثم قال: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ): 

  • مشرق للشمس ومشرق للقمر، ومغرب للشمس ومغرب للقمرِ. 
  • ومشرق الصيف والشتاء، ومغرب الصيف والشتاء. 
  • وكل بقعة تميلُ إليها الشمس فتشرق، وتغرب من الجانب الثاني: مشرقين ومغربين. 

تخرج من مشرق إلى مشرق، وتخرج من مغرب إلى مغرب، فما دخلته وما خرجت منه:  مغربين أو مشرقين، ويتوالى ذلك، فهو رب المشارق والمغارب جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18))، جَعَل لكم المشرق والمغرب، وجَعل لكم في الشروق وفي الغروب فوائد ومنافع، لا يدوم الليل طول الوقت، ولا النهار طول الوقت، ولكل واحدٍ منكم، فيه لكم سعي وشؤون تتعلق بمنافعكم وخيراتكم، فبماذا تكذبون من هذا؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) 

بعد هذا العتاب من الرحمن، واحد بعد الثاني، يقول: ياعبادي أُنعِم عليكم بهذا وهذا، فبأي شيء تكذبون؟ وبهذا، فبأي شيء تُكَذِبون؟ وبهذا، فبأي شيء تُكَذِبون؟ وبهذا، فبأي شيء تُكَذِبون من هذا؟ 

وهكذا تنزَّلُ اللهُ لعباده -جلَّ جلاله- حتى حَرَّكَ كل مَن فيه ذرة من حياة قلبٍ أو روح، يقول: يا رب أنت المنعمُ عليَّ، كيف أكذب بك وبِنعمك؟ آمنت بك فاغفر لي ما قصرت فيه وما خالفت وما عصيت، وثبتني على الاستقامة حتى ألقاك شاكراً ذاكراً، مشكوراً مذكوراً بالرحمة والجود. 

اللهم لا نُكَذِب بشيء من نعمك، فلك الحمد ولك الشكر، فاعف عنا وسامحنا واجعلنا من الشاكرين الذاكرين، واسلك بنا مسالِكَ عبادِك الصالحين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي الأمين اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

10 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

11 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام