(480)
(31)
(368)
(636)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرحمن، مواصلة التفسير من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}، الآية: 7، إلى قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، الآية: 18.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18))
الحمد لله على نعمة الغَدوَة في التقرّب إلى الله تعالى بتدبّر آياته، وتَبيُّن كلماته، وأخذ تعليماته، وصلى الله وسلم وبارك وكَرَّم على خير بَريّاته، خاتم نبوّته ورسالاته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، وأهل مَحَبَتِهِ ومُتابَعَتِهِ ومَوَدّاته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، صفوة الله تبارك وتعالى في خَليقته ومَركِزُ عناياته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين.
أما بعد،،،
فإننا في نعمة تأمل كلام ربنا -جلَّ جلاله- وتدبره، مررنا على أول سورة الرحمن، والتي افتتحها ربنا تعالى باسمه الرحمن الذي تَندرِجُ فيه معاني الرحمة بلا حَصرٍ ولا حَد، وقال لنا: (الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)):
(خَلَقَ الْإِنسَانَ (3))، وقَدَّم تَعليم القرآن على خَلق الإنسان؛ في إشارةٍ إلى أن المَقصودَ الأكبر مِن خَلق هذا الإنسان أن يتعلم القرآن:
فهو المقصود الأعظم مِن خَلقه؛ أَن يتعلم القُرآن ويتشرف بفهم كلام الرحمن - جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه -.
(خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)): القلب والروح الذي يَستبينُ حقائق الأمر فيفهم ويَعي، ثم يُعبِرُ كذلك ويبينُ للآخر:
(عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) بالمنطق الفصيح والقول الصادق.
تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8))
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) -جلَّ جلاله بِقدرته البديعة- (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)):
فالميزان ميزان الله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد:25]:
والحَسَنُ والقبيح كذلك، والسعادة والشقاوة كذلك، يأخذها بهذا الميزان، مُتَحَرِراً عن جميع الأوهام والظنون التي تُقامُ مِن قِبَل الأَنفُس وإيحاءات الخَلقِ لبعضهم البعض، فما أعظم الميزان! ميزان إلهنا الرحمن!
(وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7))، وجَعَل لنا بعد ذلك وزناً معنوياً نزن به الكلام:
وجعل لنا مقادير وموازين حِسية، من كَفة الميزان وما يوضعُ فيها؛ مما يوزن به، ومن مقادير ومكاييل؛ من مُدٍّ وصاعٍ إلى غير ذلك من أنواع الكيل، لِيَقوم بها العدل والإنصاف.
كلها رتبها وخلقها -جلَّ جلاله-، لنا وهدانا اليها؛ فهو بذلك (وَضَعَ الْمِيزَانَ): إن تَزِن أو تَكيل أو تُعطي أو تَأخُذ أو تَقول أو تَنظُر أو تَسمَع، فالميزان أمامك؛ هذا حلالٌ وهذا حرام، هذا خيرٌ وهذا شَر، هذا صَلاحٌ وهذا فساد، هذه رِفعة وهذا خَفض، هذه حَسَنة وهذه سَيئة..
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]، وبالسيئةِ يخسر في حياته وعند مماته في برزخه، ومن أحاطت به سيئته دخل النار: (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:81].
حتى التقاضي بين العباد في المحكمة العليا الكبرى العظمى؛ محكمة الجبار بين خَلقه، لا ينفع فيها؛ لا الدولار ولا اليورو، ولا عُملَة روسيا، ولا الصين، ولا الريال اليمني، ولا السعودي، لا يمشي فيها شيء من ذلك؛ هو حُكمٌ، لا بد معك حسنات، عُملَة لا تَسقُط أبداً: "مَن كانَتْ عِنْدَهُ لأخيه مَظْلِمَةٌ فَلْيَستَحَلّهُ اليوم قبل أن يأتِ يوم لا درهم فيه ولا دينار؛ إنما هي الحسنات والسيئات" فمن تَوَجّهَ عليه حقٌّ في ظُلم الآخر قيل له: هاتِ حقَّه، من أين تأتي بحقه؟! ماذا أفعل؟ ما معك من حسناتٍ أعطه منها، خُذْ من حسنة هذا ورُدَّها إلى المظلوم، فإن لم تكن عنده حسنة أو فنيت في الحقوق للناس، أُخِذَ من سيئاتهم وطُرحت عليه.
فالعملة هي هذه واحدة، لا يوجد غيرها؛ حسنات وسيئات، لا ذهب، ولا فضة، ولا العملات عذه المختلقة التي فرضتها السياسات على الناس ويتلاعبون بها؛ يومٌ تطلع ويومٌ آخر تنزل، في يوم تأتي وفي يوم آخر تذهب.
والمَحكمة الكبرى تقضي بها، تُقيم عليها، لا إله إلا الله.
يقول: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7))، فانتبه من الميزان الذي وَضَعَهُ لك ربك وبيّنه لك، واترك هواك، واترك موازين خاسرة خاسئة كاذبة لأهل الشرق ولأهل الغرب، لا خَلَقونا ولا لهم حق أن يَزِنوا، والميزان ميزانُ الذي خَلَق - جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه -، (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:73].
(وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7))، قال: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8)): احذروا الطُّغيان في الوَزن بالتطفيف، وبإقامة أصلٍ غيرِ أصل الحق -جلَّ جلاله-.
تفسير قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9))
(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8))، قال: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) -بالعدل- (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9))، تُنقصوه بِتَطفيفٍ أو كَيل، أو تقيس لنفسك غير قياس أخيك، وتريد من أخيك ما لا تُلزِم به نفسك، وتَنظُر إليه بغير العين التي تنظر بها إلى نفسك؛ هذا خللٌ في الميزان: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8)). (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9))، (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)).
تفسير قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10))
لما قال: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا (10)) وحده -جلَّ جلاله-، نعيشُ عليها، فما لأحد حق أن يُحلِل عَلَينا أو لنا، أو يُحَرِم علينا، فإن الذي وَضع لنا الأرض هو ربنا؛
نَتَصَرَف فيها، لا بد أن نأخذ ميزان الذي خَلَقَنا وخَلَقَ الأرض؛ لِيَكون تَصَرُفنا حَسَناً صحيحاً جميلاً طيباً، لا ينْشر الفساد ولا الضر ولا الآفات ولا المشاكل.
وما يَحصلُ على ظهر الأرض في أرض المسلمين، أو الكفار من كل الآفات والعاهات؛ سببه الخروج عن ميزان الله والحُكم بغير حُكم الله، والله ما لذلك سبب آخر، هذا هو السبب في كل المصائب التي تقع في العالم شرقاً وغرباً، سببها مُخالفة أمر الخالق الذي خلق -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-، قال: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) هذا هو الميزان والشريعة والحُكم الرباني (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) [طه:123].؛ هذا هو الميزان والشريعة والحُكم الرباني:
(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا) -هو وحده- (لِلْأَنَامِ)،
من يَعِش عليها مِن سائر المخلوقات؛ سواء حيواناتٍ أونباتات، وما يُقام عليها من جمادات، مِن أبنية وغيرها.
يقول -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)، مَضبوط ومَحسوب، كُل ما يحتاجه الإنس والجن على هذه الأرض مُوَفَّرٌ فيها، يُحسنون التعامل معها، يقومون بالميزان الذي وضعناه لهم، ولهم العيشة الطيبة.
فاعلم أن مَرجعك ومَرجِعِيَتَك ومَصدَر الخير لك، من أين هو، ومَن الذي وضعه؟! (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ).
تفسير قوله تعالى: (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12))
ولمّا ذَكَر الآيات السماوية، ذَكَر لنا الآيات الأرضية، ولمّا ذَكَر النِّعَم المَعنوية الروحانية؛ مِن تَعليم القرآن ومِن وَضع الميزان، انتقل إلى ذكر النِعم الحسية والتغذية الجسمانية:
(وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)):
ثمّ خصَّ النخلة من عموم الفاكهة للمنافع التي فيها؛ ولأنها تجمعُ بين اللّذة، والتفكُّه، والتغذية الكاملة، خلافَ بقيةِ الفواكه، يُتَلَذَّذُ بها ولا تكفي تغذية كاملة للإنسان، لذا خصَّ النخلة من بين الفاكهة، فهي فاكهة، والنخل فهي جامعة بين التلذذ، والتفكُّه، وبين التغذية الكاملة لجسد الإنسان، وما يحتاجه: (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)).
تفسير قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13))
يقول الله تعالى: رَتبتُ ذلك وخلقتُ ذلك ويسرتُه لكم ومكَّنتكم منه (فَبِأَيِّ آلَاءِ) -نِعَمِ- (رَبِّكُمَا): يا إنسُ ويا جنُّ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(13))، تُنكران أي شيء من هذا؟! ماذا تُنكِرون؟! أَتُنكِرون خَلقي إياكم؟! أو تُنكِرون تَعليمي القُرآن لكم؟! أو تُنكِرون تعليمي لكم البيان؟! أو تُنكِرون خَلقي للشمس من فوقكم ومنافعَها الكثيرة لكم؟! أو تُنكِرون خَلقي للقمر؟! أوتُنكِرون تقديري لها بالمقادير؛ فهي لا تسقط فوقكم ولا تصطدمُ فيما بينها ولا تتخلف عن طلوعها وغروبها؟! ماذا تنكرون؟!
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، أَم تُنكرون وجود الفاكهة والنخلَ الذي خلقته لكم، أو الحَب الذي تتغذون به؟! (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) أي شيء من هذه النعم تكذبون به وتنكرونه؟ أنتم أمام هذه الأشياء واضحةٌ بيِّنةٌ لا تستطيعون إنكارَها، ثم بعد ذلك تُبارِزون مُعطيَكم إياها بالمُخالَفة، والجُحود والعِصيان.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وجاءنا في الحديث أنه لما قرأ ﷺ سورة الرحمن على جماعة من الصحابة وهم يَنصِتون سامعين، قال: "قرأتها على إخوانكم الجن، فكانوا أحسن جواباً منكم، لما قرأت عليهم: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، قالوا: "ولا بشيء مِن نعمك ربنا نُكَذِب، فلك الحمد" ما نكذب بشيء من هذه النعم، اعترفنا وآمنا وأيقنَّا؛ اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك "اللهم إنا أصبحنا منك في نعمة وعافية وسِتْرٍ، فأتمم نعمتَك علينا وعافيتك وسِتْرَك في الدنيا والآخرة".
تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14))
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، ورَجَع إلى تَبيّن أصل خِلقَتِنا وتَكوينِنا في أجسادنا هذه، قال جلَّ جلاله: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14))، مِن صلصالٍ: أي المرحلة التي مرّ بها تَكوين جسد أبينا آدم الذي فرّع الله منه كل أجساد بني آدم:
(كَالْفَخَّارِ) هذا الطين الذي تعجنونه من طين الجبال وغيرها، فتُكَوِّنون به خزفكم، تُكَوِّنون به أوانيكم، صار (صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، طينٌ نُدِّيَت بالماء فيَبِسَت وتصلبت، صار صلصال مثل الفخار، هذا الخزف الذي تعجنون به الطين المُعَيَّنة لتكوِّنون بها أوانيكم، تعجنونها بالماء.
تفسير قوله تعالى: ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16))
(مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15)):
(خَلَقَ الْجَانَّ) يعني أبوهم إبليس، وذرِّية الجان؛ فيهم المؤمنون وفيهم الشياطين والكفار والفجار:
فصار هو الأب للجن، كآدم أبٌ للإنس، خلقه (مِّن نَّارٍ) كما قال: (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [ص:76].
فكان هؤلاءِ العُقلاءَ، كَوَّن الله أجسادهم: الإنس والجن والملائكة:
فخلق الله الملائكة من النورِ، والجان من النارِ، (مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15))، وخلق آدم مما عرفتم؛ من التراب، والطين، وَالْحَمَإِ الْمَسْنُونِ، والصلصال الذي كالفخار.
فإذا مات الإنسان، فمن لم يُكرَم جسده، بألا تمسه التراب ولا تأكله الأرض، يرجع إلى نفس العملية:
كما إذا بنيتَ بناية فأردتَ أن تهدمها، آخرُ ما وُضِعت تخرجه أولًا، حتى تصلَ إلى الأول، وهكذا تكوين الإنسان؛
فإذا مات؛
لا إله إلا الله.
(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ) -نِعَم- (رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16))، من صلصالٍ كالفخار، أعطاكم أسماعًا وأبصاراً وأذواقا، ولمسا، وأجهزة، وكلاما، ونُطقا؛ ماذا تنكرون مِن هذا؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)
وجان كذلك من مَارِجٍ مِّن نَّارٍ؛ سمع وبصر وأكل وشرب وتسلُّط على الدخول في الذوات (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) من أين جئتُم بهذا؟! وهل غيرُ اللهِ أوجده لكم؟ فبماذا تكذبون به من النعم؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) -يا معشر الإنس والجن- (تُكَذِّبَانِ)؛ "ولَا بشيءٍ مِّنْ نعَمِكَ ربَّنا نُكَذِّبُ فلَكَ الحمْدُ"، ولك الشكر على كل ما أنعمتَ به علينا وعلى كل أحد من خلقك.
تفسير قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18))
(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)) -سبحانه وتعالى- وقد قال سيدنا إبراهيم للنمرود: (إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) [البقرة:258]، من الذي رتب مشرق ومغرب؟ وجَعلَ المَشرِق تُشرقُ فيه على بُقَاعٍ من الأرض، وبُقَاعٌ أخرى تغرب عنها! وتمشي إلى المشرق الثاني..
والقصد أيضاً جُمِعَ في آية أخرى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) [المعارج:40]؛ بل هي في كل وقت تشرق على بُقَعٍ من الأرض وتغرب عن بُقَعٍ؛ فتعددت المشارق والمغارب، وللقمر كذلك مشرق ومغرب، ولبقية الكواكب والنجوم مشرق ومغرب؛ فهو رب المشارق ورب المغارب.
(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)، كما أنه يمكن أن يكون هنا مشرقُ ومغرب الشمسِ والقمر لأنه ذكرهما: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5))، ثم قال: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ):
تخرج من مشرق إلى مشرق، وتخرج من مغرب إلى مغرب، فما دخلته وما خرجت منه: مغربين أو مشرقين، ويتوالى ذلك، فهو رب المشارق والمغارب جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18))، جَعَل لكم المشرق والمغرب، وجَعل لكم في الشروق وفي الغروب فوائد ومنافع، لا يدوم الليل طول الوقت، ولا النهار طول الوقت، ولكل واحدٍ منكم، فيه لكم سعي وشؤون تتعلق بمنافعكم وخيراتكم، فبماذا تكذبون من هذا؟ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)
بعد هذا العتاب من الرحمن، واحد بعد الثاني، يقول: ياعبادي أُنعِم عليكم بهذا وهذا، فبأي شيء تكذبون؟ وبهذا، فبأي شيء تُكَذِبون؟ وبهذا، فبأي شيء تُكَذِبون؟ وبهذا، فبأي شيء تُكَذِبون من هذا؟
وهكذا تنزَّلُ اللهُ لعباده -جلَّ جلاله- حتى حَرَّكَ كل مَن فيه ذرة من حياة قلبٍ أو روح، يقول: يا رب أنت المنعمُ عليَّ، كيف أكذب بك وبِنعمك؟ آمنت بك فاغفر لي ما قصرت فيه وما خالفت وما عصيت، وثبتني على الاستقامة حتى ألقاك شاكراً ذاكراً، مشكوراً مذكوراً بالرحمة والجود.
اللهم لا نُكَذِب بشيء من نعمك، فلك الحمد ولك الشكر، فاعف عنا وسامحنا واجعلنا من الشاكرين الذاكرين، واسلك بنا مسالِكَ عبادِك الصالحين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي الأمين اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
10 رَمضان 1443