تفسير سورة الجن -4- من قوله تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ..(16))

تفسير سورة الجن، من قوله تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ..}، الآية: 16
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً} إلى قوله تعالى:  {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} الآية: 20، من سورة الجن

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23))

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

الحمدلله مُكرمنا بآيي الوحي، والتنزيل وأكرم رسولٍ وخير دليل سيدنا محمد الهادي إلى سواء السبيل، اللهم أدم صلواتك وتسليماتك في كل لمحة ونَفَسٍ على عبدك المُجتبى سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك والمُرسَلين وآلهم وصحبهم أجمعين، وعلى ملائكتك المُقَرَّبين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 ولقد مَضَينا مع مُضي الشهر علينا، ونحن في موائد كرمٍ من ربنا؛ نتدبر معاني خطابه، وهو أولى من صَرَفت عقول العقلاء وأذهانُ العباد إلى تَفَهُمِهِ وإلى تدبره وإلى تأمله؛ فلا يمكن والله أن تنصرف إلى التأمل في شيء والتفكر فيه أعظم من هذا ولا أجلّ ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أنور لها ولا أصلح لشأنها، من أن تتأمل وتتدبر كلام من برأها وأنشأها ووجدها وأوجدها وفطرها وخلقها وكونها وبيده أمرُها وإليه مصيرها.

 الحمدلله الذي شرَّف منا الأذهان والعقول بتدبر القرآن وما فيه من معان، ويا ليت شهر رمضان لا ينقضي عنا، ويدوم لنا الخير في هذا التلقي لفائضات الجود من الجواد الحق حساً ومعنى، ولكن جعله الله شهرًا معدودةٌ أيامه؛ فهي أيام معدودات قد مضى أكثرها ولم يبق إلا القليل، القليل منها بارك الله لنا فيما بقي وكتب لنا القبول فيها وفيما مضى وأعاد العوائد علينا في لطف وعافية.

مع مضي أيام الشهر، مضينا في تأمل بعض الآيات الكريمة ووصلنا في سورة الجن إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: 

  • (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))؛ وفي هذا بيانُ: أن ما يُمكنُ أن تُستصلح به الشؤون؛ الاستقامة على أمر مَن بيده أمر الظهور والبُطون؛ على المنهاج، على الطريقة، على الشريعة.
  • (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)، والَينا عليهم الأمطار، وجعلنا أرزاقهم مدرار، وتوليناهم في السر والإجهار، وكَثَّرنا لهم الخيرات، ووهبنا لهم جزيل الهبات. (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)، (غَدَقًا)، كثيرًا طيبًا حَسَنًا. 

(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16))، وهو ما عرضه الله لخلقه في صلاح القُرى والمُدن، قال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا)؛ هذه الاستقامة على الطريقة (آمَنُوا وَاتَّقَوْا)؛ (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:96]: 

  • إذًا فاستَصلِح شؤونك الخاصة. 
  • وشؤون الأسرة.
  • ثم شؤون المجتمع.
  • ثم شؤون المدن والقرى مهما قدرت. 

وذلك بالاستقامة؛ فإن الله يُصلح لك الشؤون إذا استقمت.

(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16))؛ ولهذا يقول قائلهم: إذا رأيت ما يَسوؤك في أولادك فاعلم أنك مقصود بذلك؛ فأحسن بينك وبينه لِيُصلِح لك أولادك، أحسن بينك وبينه حتى يصلح لك أولادك وأسرتك، وما من أسرة تقوم على معنًى من الإستقامة إلا ولها حسب ذلك المعنى غَدَقٌ من فائض فضل الله في شؤونها الخاصة والعامة، ولو عاشت في أوقات شدائد وأوقات كُرَب وأوقات أتعاب، تجد ألطافًا في هذه الأُسر على حسب الاستقامة تَحوط بها، أو تُحيطها من جود الله وكرمه وتيسيره وتخفيفه الأمر جلَّ جلاله. 

ولذا قال ابن عباس: لو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله للمتقِّي منها مخرجا، بعد قوله: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:2-3]، إذًا فلنستصلح شؤوننا الخاصة والعامة وذلك؛ 

  • بإقامة  أمر الله. 
  • والاستقامة على ما يُحب الله منا. 

فإن ذلك يكون سببًاِ لاستقرار أحوالنا وصلاح شؤوننا ودفع الآفات عنا.

(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16))، ونعيش ونحيا على حذر من مصيبة الغفلة عن العلي الأكبر: 

  • تغفل بنفسك، تغفل بأهلك، تغفل بمالك، تغفل بأولادك. 
  • تغفل بأصحابك، تغفل بأصدقائك، تغفل ببرامج يبثونها لك.
  • تغفل بأعمال ترتبها لنفسك، تغفل بأصدقاء سوء تجالسهم.

وتغفل عن الله وتُعرض عن ذكره -جلَّ جلاله-: 

  • ترى آياته؛ وأنت وهم كلهم من آياته، فما كأنها آياته ولا كأنها خَلقُه. 
  • وترى التنبيهات والتذكيرات بالشدة وبالرخاء، وأنت لا تستفيق في شدة ولا في الرخاء. 

ويقول سبحانه: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)، لكن صنف من الناس هؤلاء لا ينفعهم لا الرخاء ولا الشدة؛ في غي، في إعراض؛ قال تعالى: 

  • (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ).
  • أمَهَلنا من دون أن نُهمِلهُم: (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام:43-44]. 
  • "إن الله لَيُملي للِظالم حتى يأخذه، فإذا أخذه لم يفلته". 

فالمصيبة مصيبة الإعراض: 

  • (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً)، إذًا مصيبة الدنيا. 
  • (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى) [طه:124]، وإذًا مصيبة الآخرة. 

مصيبة الدنيا والآخرة الإعراض:

  • الإعراضُ عن ذِكر الله.
  • الإعراض عن قُرآنه.
  • الإعراض عن رسوله محمد.
  • الإعراض عن تأمل آياته في الكون.
  • الإعراض عن أوامره بإهمالها، الإعراض عن نواهيه بارتكابها.

هذا هو الإعراض الخطير، يقول: (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))، (نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)

  • (عذابًا) لا يَخِفُ ولا يقف. 
  • (صَعَدًا) صَعِد مستمرًا متزايدًا. 

(عَذَابًا صَعَدًا) ومنه نوع مما يُعذَب به أهل النار: 

  • (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا): جبل أملس من النار إذا وضع يده عليه ذابت وإذا رفعها عادت، وضع رجله ذابت، إذا رفعها عادت، ويطلع عليه إلى فوق ويتدحرج منه ويرجع مرة ثانية. 
  • (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) [المدثر:17]، (نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)) مستمرًا متزايدًا، يتصاعد -إنا لله-.

هذا جزاء من أعرض عن ذِكر الله، وهم على مراتب من أعرض عن ذكر الله بالأصل؛ عن الإيمان بالله، أي لا يؤمن به أصلًا؛ فعذابه في أعلى مراتب التصعيد على التأبيد على التأبيد -والعياذ بالله-، إذا مات على ذلك:

  • (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:167].
  • (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [البينة:6].
  • (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج:22].
  • (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [الأنفال:51] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

يقول: (نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)) والعَجب أن من الناس من يريد أن يجادل: لماذا يُعَذَب الناس في الآخرة؟ وإنما يُعَذبُ في الآخرة من أساء الأدب مع الرب، وأعرض عن ذكره، وهو المُنعِم عليه والخالق له؛ فما أشدها من إساءة.

ثم بعد ذلك يرون لأنفسهم أن لهم الحق ان يُعاقبوا من خرج عن قوانينهم، بل يُعِدُّوا الأفراد والدولُ قوى وأسلحة لماذا؟ لأجل تُعاقب، الخلق لهم أن يعاقبوا بعضهم البعض، والرب تكفر به؟! وتلعب على دينه ولا يوجد عليك عذاب!؟ مجنون أنت؟ يحق لك أنت أن تُعَذِب خَلق الله وأنت مثلهم خُلِقت كما خُلقوا ! ولست أنت خالقهم، تقول أنهم يستحقونه، وخرجوا عن القانون؟! وتأتي تَكفُر برب العالمين، وما خرجت عن القانون يا مجنون؟! أنت أشد، أفسد الخارجين عن القانون، أنت الذي تستحق العذاب الأليم:

  • (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40].
  • (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج:22].
  • (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [الأنفال:51].

هذا الذي ما احترم نظامك، قمت تحبسه، وتكتب عليه غرامات في العمل، وأنت آدمي مثله مخلوق مثله! وأنت تريد تلعب بدين ربك وشريعته وتُكَذِب رسله ولا يعاقبك، لماذا؟ عجيب!! فقط أنت محل الاحترام، أما الإله لا! ، فقط أنت نظامك  له الاحترام، الإله ما يُحتَرَم ؟! -أعوذ بالله من غضب الله-؛ هذا الكلام معكوس.

نقول مثلا أن المفروض؛ نحن لا نُعَذِب بعضنا البعض لأننا كلنا محل القصور ومحل النقص ومحل التقصير ومخلوقين كُلنا؛ هذا كان أقرب، أقرب من أن تقول نحن سنعاقب بعضنا البعض، والرب هو الذي عليه لا يُعاقب أحد، لماذا يعني؟ لأنه أقل من مخلوق يعني؟ -أعوذ بالله من غضب الله، لا إله إلا الله-؛ إذًا هو ليس إله؛ هذا طير حصلته  تلعب عليه أنت؟ أو بقرة؟ ما هذا إله!!  لا إله إلا الله، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

(وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)) -نعوذُ بالله من غضب الله-  وبداية العذاب نَفسه هو إعراضه عن ذِكر الله ورضاه بذلك؛ هذا عذاب هذا حجاب وهذا موجب للطرد والعقاب؛ فالحمدلله على التوفيق لنعمة الإسلام والإيمان والطاعة. 

قال سيدنا الكليم موسى عليه السلام لربه: لما حَمَل الرسالة في وضع صعب، كُبار طُغاة الأرض في ذلك الوقت، اذهب وقل له: 

  • (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ) اترك الخيال الباطل هذا الغرور بالمُلك وبالأموال وبالجنود وبمواتاة الأسباب لك، أنت مخلوق راجع إلى الخالق المُسبب للأسباب.
  • (هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ) [النازعات:18-19]؛ هذه مُهمة الرُسل، والله يجعلنا ممن صَدَق في اتباع الرسل؛ فمُهمتنا كذلك نقول للخلائق.
  •  فلما حمل هذه الأمانة الصعبة قال: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه:25-34]، (نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)؛ هذه نعمة.

 قال الله لسيد خَلقِه وأقربهم إليه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) [الكهف:28]، لكن ليس فقط دعاء و ذكر فقط؛ بل عندهم قصد خالص: 

  • (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)؛ لا من أجل يقولون هؤلاء ذاكرين، ولا من أجل يرحمهم الناس، ولا من أجل يعطونهم شيء، ولا من أجل يقدمون لهم شيء (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
  • (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)، يعني هؤلاء هم الذين أخلصوا القصد لنا، هم محل نظرنا وحدهم؛ فليكونوا محل نظرك وحدهم. 
  • (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف:28]؛ لأنك عبدنا الخالص، إنما تنظُر إلى من ننظر إليه، وتُعرض عمّن نُعرض عنه.

لهذا قال له: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا) [النجم:29]؛ لأن حضرة الربوبية أعرضت عنهم؛ فحضرة النبوة تُعرض عنهم: 

  • لا تُقبِل حضرة النبوة على من أعرض الله عنه.
  • ولا تُقبِل حضرة الربوبية على من أعرض النبي عنه. 

عبد خالص للحق -جلَّ جلاله-: 

  • من أقبل الله عليه أقبل مُحمد عليه. 
  • ومن أعرض الله عنه أعرض مُحمد عنه ﷺ. 
    • (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء:80]. 
    • (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح:10]. 

الله اكبر! ما المنزلة هذه في العبودية هذه؟! مَن بَلَغَها؟! -صلوات ربي وسلامه عليه- (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، إذا بايعت يدك؛ (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح:10].

 (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))

  • فليكن من خير ما تخرج به من رمضان سرًا ونوًرا وهَديةً وقربة ووصْلةً؛ صِدق إقبالك على الله وولعك بذكره.
  • ابدأ انطلق من ليلة العيد بالتكبير، يوم العيد التكبير، وتولّع بذكر الله في الصباح والمساء وهو علامة قبولك في هذا الشهر، هو علامة أن عالم السر والجهر أصلح لك الأمر، وشرح لك الصدر، تولّع بذكره، اعشق ذكر ربك. 
  • فبعد رمضان لا تغفل، أُعمُر ما بين المغرب والعشاء، أُعمُر قبيل المغرب، أُعمُر ما بين الفجر وطلوع الشمس. 
  • اجعل لك اذكار في الصباح والمساء نصيب من القرآن، تولّع بذكر الله، وهي علامة صحيحة أن موازينك رجيحه. 

الله يكرمنا، اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أما تدري أنه بجلاله وعَظَمَتِه يَذكُر مَن ذَكَرَهَ، -الله أكبر- وفي قرآنه يقول: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، تريد جزاء أكبر من هذا؟ ربُ السماوات والأرض  خالق كل شيء، قال: سيذكرك.. سيذكرك.. سيذكرك؟ ومن أنت؟! الذي سيذكرك؟!! الله الله الله، ليس جبريل، ليس ميكائيل، ليس مَلَك؛ الله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:152]. 

  (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)):

  • افرح بذكر الله، وسبح بعد الصلوات.
  • وسبح قبل النوم، واظب على التسبيح؛
    •  هذا بعد كل صلاة: ثلاثة وثلاثين سبحان الله، ثلاثة وثلاثين الحمد لله، ثلاثه وثلاثين الله أكبر تمام المائة لا إله إلا الله وحده ولا شريك له. 
  • وقبل النوم كذلك؛ 
    • وفي رواية أربع وثلاثين من التكبير، وفي رواية من التحميد أربع وثلاثين تواظب عليها قبل النوم.  

قال سيدنا علي: ما تركتها منذ علمنيها رسول الله، ليلة جاء إلى عنده هو والسيدة فاطمة وعلى فراشهم يتهيئون للنوم، فقاما له فجلس بينهما على الفراش، وسألهم: "لِم جاءت فاطمة؟ وقال له سيدنا علي: إنها جاءت قد أعياها الطبخ والعجن والطحن يا رسول الله"، يعني قائمة بشؤون البيت -أم أبيها- وبخدمة زوجها وأولادها حتى أثرت الرحى في يديها، وأنت تُقَسم وتُوزع هؤلاء الخُدام؛ فأرادت منك خادم، قال: "ألا أدلكم على ما هو خير لكم من ذلك؟ إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا  الله ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبراه أربعا وثلاثين؛ فذلكم خير لكما من خادم"، قال: ما تركتها منذ علمنيها رسول الله، قال له واحد: ولا ليلة صفين؟ ليلة الوقعة التي حصلت بينك وبين المقاتلين، قال: ولا ليلة صفين، ذكرتها من آخر الليل جئت بها، كل ليلة لا يتركها؛ فأنت تولّع بذكر ربك ولا تترك مثل هذه الأذكار. 

كان بعض العارفين بالله يقول: 

  • هذا الذِّكر الذي قبل النوم وبعد الصلاة.
  • وذكر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله،  واستغفر الله، مئة مرة عند الفجر هذا إما قبل الصلاة أو بعد الصلاة.
  • وذكر: "لا إله إلا الله الملك الحق المبين" في الظهر أو قبل أو بعد.

هذه الثلاثة الأذكار مهما فاتك من الأذكار لا تفوتها، لا تفوِّت هذه، ثبتها عندك؛ فإن لها آثار كبيرة في تنوير البصيرة وتصفية السريرة ودفع الجريرة والارتقاء بالمراتب الكبيرة والاتصال بأهل الحضيرة؛ فاخرج من رمضان بذكر تواظب عليه.

 يقول: (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ)، رَبه خَلَقُه ويُرَبيه وهو يُعرِض عن ذكره!؛ (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))؛ يستحق هذا، -الله يجيرنا من العذاب-. 

يقول: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ..(18))، أي أوحي إلي: (أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ):

  • (الْمَسَاجِدَ) الأماكن التي تُبنى من أجل السجود.
  • (الْمَسَاجِدَ) أعضاؤنا التي نسجد بها.

"أُمرت أن أسجد على سبعةِ أعظُم، الجبهة، اليدان، الركبتان وبطون أصابع القدمين"، أطراف القدمين؛ سبعة، "أمرت أن أسجد على سبعة أعظُم"، وجَعَل من أعضاء السجود -الإمام أبو حنيفة- الأنف أيضًا، عند الشافعية يُسن وضعها، ولكن يقول الحنفية هي مثل الجبهة وأيهما يُجزي.

 قال لك: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ..(18)): 

  • (الْمَسَاجِد) الأرض، البِقاع كلها التي تسجد فيها، قال: "وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا".
  • (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، الأماكن التي بُنيت للصلاة، لله تعالى ومن أعظمها المسجد الحرام. 

وكان بعض المشركين يأتون يطوفون يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لبيك، لا شريك إلا شريكًا واحدا، كيف لا شريك لك، ثم يقولون: إلا؟ إلا شريكًا هو.. إلا شريكًا هو لك! تملِكه ما ملَك!. (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ..(18))، ما لله شريك، ما لله شريك في مُلكه ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، الله واحد: 

  • (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [البقرة:163].
  • (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [ الاخلاص:1].
  • (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام:19]. 

ويَدخُل المساجد بعض اليهود والنصارى ويشركون فيها، ويعبدون صليب، ويقول اليهود: عُزير بن الله، ويقول النصارى: المسيح ابن الله، ويدعون التثليث؛ (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحدا(18)).

(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، جبهتك، من أين جئت بها؟ من عند أي صنم؟ من عند أي شمس؟ من عند أي قمر؟ من أين جئت بجبهتك؟ من اعطاك اياها؟ من أين؟ جبهتك وأنفك ويدك، (لِلَّهِ)؛ فلا تسجد بها لغيره، عيب عليك. 

(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18))، ثم إنه في شريعة نبينا محمد حُرِّمَ السجود لغير الله ولو على وجه الإكرام، وكان جائزًا في الشرائع السابقة؛ فلا تنحني على هيئة ركوع ولا سجود لتحية أحد ولا لإكرام أحد؛ وذلك الفعل مُحرم، هل يكون شركًا؟ إن اعتقد صاحبه أن الذي ركع له أو سجد له إله؛ فهو شرك، وإن لم يعتقد أنه إله؛ فليس بشرك.. 

  • فقد سجد الملائكة لآدم وهم من أبعد خَلق الله عن شرك: 
    • (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) [البقرة:34]. 
    • وفي الآية الأخرى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر:30]. 
    • كلهم سجدوا لغير الله، بأمر الله سجدوا، بأمر الله، هم ما يعبدون إلا الله. 
  • وسيدنا يعقوب وصل إلى عند ولده سيدنا يوسف بعد غياب الفترة الطويلة ومعه زوجته ومعه أولاده الإحدى عشر: 
    • (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ) [يوسف:100].
    • (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف:4]. 
    • (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) هل في شك في توحيد سيدنا يعقوب؟ -اعوذ بالله- نبي الله الكريم ابن الكريم ابن الكريم. 

السجود لغير الله ليس عبادة له، إلا إن قصد صاحبه العبادة، إن قصد أنه إله، وإلا فالسجود لآدم عبادة لآدم -أعوذ بالله- من يقول هذا إلا هو؛ هذا هو التجري على الله وعلى ملائكته وعلى كتابه؛ هذا الخروج عن الأدب مع الله، أن تقول: السجود لغير الله عبادة له، اضبط كلامك! فإن الرحمن يقول للملائكة: (اسْجُدُوا لِآدَمَ) [البقرة:34] اعقل ماذا يقول الله؟! اترك التعبئة بتكفير خلق الله، ابعد! اعقل كلام ربك! أنت ستقع الآن في الكفر سَتُكَفِر الملائكة؟ السجود لغير الله ليس عبادة له إلا إن قصد صاحبه العبادة، و تعتقد أن هذا المسجود لغير الله هو إله مع الله؛ فقصده ونيته: العبادة ليست هيئة السجود.

ومع ذلك ففي شريعة النبي محمد حُرمت الانحناءات على هيئة الركوع أو على هيئة السجود -لأي تحية- ممنوع حرام يأثم صاحبها، وإذا كانوا يَدخلون أصحابه على الملوك الذين يعتادون التحية بالسجود، وما كانوا يسجدون وما كانوا ينحنون؛ فإذا سؤلوا قالوا: أن تحيتنا جاءت في شريعة الله، حَرَّمَ علينا الانحناء لغير الله.

يقول: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18))، أخرِجوا من عقولكم واعتقاداتكم أن مع الله شريك و إله غيره، لا إله إلا هو.

(فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) في دعوة الألوهية والربوبية، ليس في مجرد النداء قال: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) [النور:63]، كيف دعاء الرسول كدعاء بعضنا لبعض، هذا كيف؟ في نداء بعضكم البعض ليس فيه إشكال؛ هذا دعاء تدعو فلان وتدعو فلان ماعليك، يعني تناديه، لكن (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) بألوهية وربوبية؛ لا تجعلوا معه إله آخر ولا رب آخر، ما في إله إلا هو ولا رب إلا هو. 

قال تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) [الأحزاب:5]، يعني انسبوهم لهم، قولوا: ابن فلان ابن فلان، ما معنى أدعوهم يعني يعبدوهم؟!! لا -أستغفر الله العظيم-، الدعاء العبادة يعني الدعاء طلب من الله على اعتقاد ألوهيته وربوبيته؛ هذا هو العبادة وإلا كيف (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بيْنَكُمْ) [النور:63]؟ 

  • يعني عبادة الرسول؟!! -استغفر الله- من يعبد الرسول؟! الذي يعبد الرسول؛ مُشرك، ما احد يعبد الرسول، (كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) [النور:63]. 
  • هل الصحابة عندما يدعون بعضهم، يعبدون بعضهم البعض؟!، لا، لا والله ما أحد يعبد بعضهم بعضا، صحابة -رضي الله عنهم-، يعني نداءاتكم وخطاباتكم: يا فُُلان .. يافلان .. يا فُلان لا تجعلوها. لا تجعلوا دعاء الرسول مثلكم: 
    • نادوا قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، يا حبيب الله، يا خير خلق الله. 
    • لا تقول: يا محمد .. يا محمد كما تنادي أي واحد. 
  • هذا معناه: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) [النور:63]، يعتقدون أن الدعاء عبادة، أي واحد يدعو .. ينادي غير الله؛ هذا مُشرك.

مَرة واحد عرض قصيدة لواحد قال له: عسى ما يوجد فيها (يا)، هل فيها (يا)، (يا) لا حول ولاقوة إلا بالله ،لا إله إلا الله، ونحن ننادي وسط الصلاة رسول الله، فنقول: السلام عليك أيها النبي؛ هذا نداء، هذا دعاء: أيها النبي، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ﷺ.

 (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18))، لا تعتقدوا أن مع الله إله غيره، ولا رب غيره، وأيضًا أُوحي إلي: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ..(19)) يعني نفسه ﷺ، عبد الله وهو أعظم عباد الله عبودية لله وعَبدية وعُبودة؛ ولذا القرآن الذي يخاطبه بـ:

  •  (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) [المزمل:1].
  •  و(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) [الأحزاب:59]. 

ذكر عبديته في أشرف المواطن:

  •  (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ) [الإسراء:1]: 
    • ما أحلاها من الرب وما أطيبها عند محمد وما ألذها في روحه وسمعه، لما يقول له الرب: (بِعَبْدِهِ).
  •  ويقول: (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ) [النجم:10].
  • ويقول: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ) [الفرقان:1]، ونِعم العبد.

قال قَبله في بعض الأنبياء: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) -سيدنا النبي أيوب- (نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:44]، (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، بل هذا شرفهم وعزهم وفخرهم؛ (وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء:172-173]، استنكفوا أن يُقِروا بعبوديتهم لله، ثم استُعبدوا الأهواء والشهوات؛ وصاروا عبيد الملذات، عبيد الدنانير والدراهم، وعبيد السمعة -أعوذ بالله- نزلوا إلى أتفه مستوى، بدل الشرف العبودية لله، صار عبد الدينار، عبد الدرهم، عبد السمعة، عبد الشهرة؛ هذا ذل ومهانة؛ كُن عبد الرحمن عز وشرف وكرامة لك أن تكون عبد لله.

(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ)، بمعنى يدعو إليه، وبمعنى يُصَلي له، يقرأ القرآن: يَدْعُوهُ؛ (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)) ثلاثة معاني:

  1. الأول على القول: بأن هذا من كلام الجن يقولون لأصحابهم (لَمَّا قَامَ) النبي يصلي، والصحابة قاموا وراءه مُصطفين مُؤتمين؛ يكادون من محبتهم وطاعتهم له أنهم يلتصقوا به، ورأوهم يسجدون ويركعون خلفه.
  2.  الثاني: أن الجن لما سمعوا هذا الكلام العظيم ورأوا هذا الوجه النوير؛ تجمعوا فوقه تجمعوا، تجمعوا وهو يقرأ، وهم يستمعون وينصتون متلبدين فوقه جماعات.
  3. والقول الثالث: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ) -اي أُوحي إليه- (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ (19))، يعني كفار وفجرة كفار من الإنس والجن المعاندين، تجمعوا كلهم لإطفاء هذا النور ولتكذيب هذا الرسول ولإبعاد ما جاء به؛ (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32].

(كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ (19))، فقد اجتمعوا بأنواع من الاجتماعات، واجتمع في مكة المكرمة المشركين وإبليس بنفسه حضر معهم في دار الندوة؛ من أجل القضاء على محمد، وباءت خِططهم بالفشل، فقط قل لي: هذه خطة كبيرة على مستوى الدولة ورئيس الكفر والشر ابليس حاضر فيها، بماذا بطلت الخطة؟ كيف بطلت؟  

  • بنوم!  نوم؟ .. نوم!  بنوم! ماذا بنوم؟! والخطة الكبيرة كلها والترتيب يذهب بنوم، كيف يذهب؟ في اللحظة التي خرج فيها من بيته، أُلْقي النوم على عيون العشرة وكملت خطة إبليس بنوم بنوم.
  • ثم واصلوا خطتهم بقوتهم كلها وبطلت، للمرة الثانية، بماذا؟! بعنكبوت! ماذا؟! عنكبوت يُبطِل خطة دولة! عنكبوت!. 

المسألة ليست نوم ولا عنكبوت؛ حي قيوم، حي لا يموت هو الذي يرتب هذا؛ هذه مجرد أسباب، وهذه آيات كبيرة للناس، كيف الخطة تفشل بنومة؟ ماهذا الكلام؟ خطة دولة كاملة، وإبليس حاضر فيها، وموقِّع عليها؛ هذا هو الرأي، وليس رأيك ورأيهم، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) [الأنفال:30]، ومثل هذا كم بعده؛ عشرات .. لا، مئات .. أكثر، أُلوف .. من خِطط وقعت وذهبت بمثل هذه؛ بنوم، بعنكبوت، بأي شيء. 

وهكذا جلَّ القوي، جلَّ القادر، (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32]، وَصَلوا إلى عند الغار ورأوا العنكبوت، ثم يقول بعضهم: يمكن وسط الغار هذا، يقول الثاني: أما ترى العنكبوت هذه أقدم من ميلاد محمد يا أبله يا بليد!! اذهب لايفوتنا محمد، الثاني منهم جاء قرب، لما قرب رجع قال: ما لك؟ قال رأيت عنكبوت هناك، لو دخلوا سيبعدوا العنكبوت، وانتهت خطتهم؛ فشلت. 

وخطة بعد خطة، ثم  تجمعوا مرة بعد ذلك، كانوا عشر آلاف مُقاتل حاصروا المدينة، جاءوا للمدينة المنورة، وهموا أن يستأصلوا الدعوة المحمدية، خطة بإجماع قرروا ذلك؛ جاء الأحزاب، ثم فشلت الخطة، ريح، ريح هبت ورجعوا: 

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا).
  • ذَكَر كلام أهل النفاق الذي يحدث عند الحوادث وبعض المواقف يقولون: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ) [الأحزاب:9-13]. 

هذه أعمال المنافقين دائمًا في كثير من المواقف، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب:22].

(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19))، قال في قراءة: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي) لماذا بالمُضادة؟ لماذا بالمُعاندة، لماذا بالخطط هذه لماذا؟ (إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30].

قال: إنما (أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا(20))، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ)، (تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) -وإليه ترجعون جلَّ جلاله- (أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس:104] ﷺ وهو أقوى الخَلق إيمانًا.

قال: (أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا(20))، قُل لهم: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا(21))، 

  • (لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا) أدفعه عنكم.
  • (وَلَا رَشَدًا) أُهديه إليكم إلا ما كان من ربي. 
    • قال سيدنا نوح لقومه: (وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [هود:34].

(قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21))، وبعد ذلك يقول بعض الجن: إن محمد يريد منا أن نُجيره وأنا أجيره:

  • (قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَد..(22)) يعني أنا في جوار الله، وعلي أن أقوم بتبليغ رسالته؛ فإن عصيته فلا أحد يقدر يجيرني منه. 
  • قال سيدنا صالح لقومه: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) [هود:63].

(قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَد) ولا أحتاج جوار أحد منكم جنب جوار الله. 

  • (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا)، ملجأ ولا ملاذًا ولا حصنًا ولا آمنًا ولا طمانينةً.
  • (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) مَلْجَأ ومَلَاذا وَنَاصِرًا.
  • (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا)؛ إِذًَا؛ فَأَنَا بِاللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ.

(قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ)، أنا أَلْجَأْ إِلَيهِ وَحْده، وَلُجُوئي إِلَيهِ عَبْرَ تَبْلِيغِ الرِّسَالَه وَالْقِيَامِ بِالْأَمْرِ؛ هذا مَلْجَأي وهذا حِصني، ليس لي مَلْجَأ آخر، (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ)، (بَلَاغًا) جَاءنِي مِنَ اللَّهِ، وَرِسَالَاتِ وَصَلَتْنِي أُبَلِّغُهَا إِيَّاكُمْ، (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23))، اللهم ارزقنا طاعتك وطاعة رسولك وحققنا بحقائق الطاعة.

وهكذا نأتي على قُرب ختام هذه السورة الكريمة كما أن الشهر يقرُبُ من ختامه أيضًا، والله يقبلنا والله يُنيلنا عفوه وعافيته ومغفرته وعتقه من النار وبركة هذا الشهر، ويجعل ما بقي خيرًا لنا مما مضى.

يا رب العالمين يا أكرم الأكرمين، بارك لنا في شهرنا رمضان ابسط لنا بساط الفضل والإحسان والجود والإمتنان كم اعتقت من النيران؛ فلا تُبقي فينا رقبة إلا أعتقتها من رقاب الحاضرين والسامعين ومن في بيوتهم ومن في ديارهم وأهاليهم وقرباتهم وذرارهم يا الله.

وكم عتقت في هذا الشهر من الذنوب، كم عبد حررته من الذنوب؛ فحررنا من رق المعاصي والذنوب واعتقنا من الذنوب، واعتقت رقابًا في هذا الشهر من هذا العام أعتقتها من الغفلات ومن الإنشغال بغيرك ومن الالتفات الى ما سواك، الله!

وأعتقت في هذا الشهر رقابًا من العيوب؛ فاعتق رقابنا من كل ذلك يا رب، ولك عفوًا فأرزقنا أعلى مراتب العفو وأوسع معاني العفو يا عفو.

ولك رحمات فبوئئا أرفع مراتبها وأعلى منازلها وأوسع حظنا ونصيبنا منها يا من يختص برحمته من يشاء، ولك مغفرات؛ فأرزقنا أوسع المغفرة وأتم المغفرة وأشمل المغفرة وأعظم المغفرة يا غفور يا أرحم الراحمين بوجاهة حبيبك محمد وأهل تقريبه.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

فوائد:

وهذا يقول عندما نقول الآيات؛ (إن في خلق السماوات..)  قال ﷺ: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها"، كيف يكون التفكر فيها؟ 

  • بتأمل معانيها وبتذكر إشاراتها وما تدل عليه؛ هذا هو التفكير فيها، وإذا أراد أن يتجاوزها بدون أن يتفكر فيها؛ خطأ، بل عليه أن يقصدها لأجل التفكر فيها؛ فإنه إذا تجاوزها وأعرض عنها؛ فقد أبعد عما هو مجرد التفكير فيها أبعد عنها كلها من أصلها؛ وهذا أشد إذا أعرض عنها من أصلها وهذا أشد وأعظم، 
  • بل يقصدها من أجل أن يتدبر ويتفكر وإذا أعمل قدرته من التأمل وما علِمَه من المعاني؛ فكفاه أن يكون متفكراً فيها ويدخل في دائرة ذلك. 

الذي يُعرض عن مجالس العلم، مجالس التذكير كمن يعرض عن ذكر الله، فيه معنى من الإعراض عن ذكر الله على مراتب: 

  • فإن كان مما يجب عليه تعلمه وهو لا يتعلم؛ فهذا مأثوم. 
  • وإن كان مما يُستحب له ويقدم عليه غيره بغير حاجة ولا عذرًا؛ فهذا مذموم. 
  • ومن كان يذهب لأداء مهمة أو واجب أو عدم قدرة؛ فيختلف الأحوال والأمور. 
  • ومن كان يعرض عن مجالس العلم إيثارًا للبطالة أو للعب أو لمجالس الغفلة أو ينهى  غيره أو يتسبب في إعراض غيره عن ذلك؛ فهذا مُعرَّض لأن ينظر الرحمن إليه بسخطٍ -والعياذُ بالله تبارك وتعالى-. 

فينبغي أن نتصل بمعاني الذكر ومن عظيمها مجالس التعليم والتذكير؛ فهي من أعظم المجالس وهي من أعلى معاني ذكر الله -جل جلاله وتعالى في علاه- رزقنا الله الاستقامة وأتحفنا بالكرامة والحمد لله رب العالمين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

تاريخ النشر الهجري

26 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

10 يونيو 2018

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام