(616)
(9)
(394)
(4)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ..} إلى قوله تعالى: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} الآية: 17، من سورة الجن
﷽
(وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ۖ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدُلله الذي أكرمنا بالقرآن العَجَب الرُشدِ الهادي، والبيان على لسان عبده المصطفى محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله وآلهم وصحبهم والملائكة المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم فيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وإننا في تأمّلنا لآيات ربنا -جلَّ وعلا- تَأَمَلنا آياتٍ من سورة الجن ومررنا على قوله تعالى يحكي عنهم:
وكلما ذهب الران والأدران عن باطن الإنسان وعن عقله؛ كان أبصر بالحقيقة وأهدى إلى الحق، فإن الأهوية التي عند الإنس والجن هي التي قادتهم إلى:
مع أنهم يرون في حياتهم أنه من العقل عندهم أن يتركوا أمرًا حَسنًا ومحبوبًا لأمرٍ أحسن منه وأحب، هم يعلمون ذلك، ولكنه إلى حدود قريبة فقط، ولا يمتدُّون بالنظر إلى ما هو أبعد.
ولكن كل من انزاح عنه الهوى امتد نظره؛ ولِذا كان أعرف الخَلق بحاجتهم إلى الرب وخُضُوعِهم إلى الرب وعظمة الرب عليهم؛ المُقَرَبين من الملائكة والنبيين والمرسلين والعباد الصديقين؛ لأن الحقيقة إنجلتْ لهم، فهم أبعد عن الوهم وعن الخيال، وعن الظن الذي يأخذ الإنسان:
إذًا فكُلُ غيبةٍ عند الإنسان ولجميع الكائنات عن هيبة الرب؛ إنما هي راجعة إلى الجهل والضلال والزيغ والران الذي عند هذا المخلوق، ولو انكشف عنه لكان أخوف، ولكان أشفق، ولكان بعيدًا عن الطغيان والغرور: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) [العلق:6-7].
(وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ (13)) يعني سمعنا ما تلاه محمد -هذا الهدى- سمعنا القرآن، ولما كان القرآن جامعًا لمعاني الهداية والرشد والحق قالوا: (سَمِعْنَا الْهُدَىٰ)، (سَمِعْنَا الْهُدَىٰ)، الهُدى كله سمعناه، وإنما سمعوا آيات تلاها محمد الهادي، الذي جاء بالهدى من عند ربه، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ) [التوبة:33]، وكان أجلى مظاهر الهدى هو القرآن، هو الجامع للخير كله، وهم سمعوا من القرآن فأدركوا من سر هذا الكلام أنه جامع لأسرار الهدى.
قالوا: (سَمِعْنَا الْهُدَىٰ (13))، سمعوا الهدى من الهادي فصار:
والرب قال عن نفسه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ) [التوبة:33].
سمعوا رسول الله، وسمعوا القرآن، سمعوا منه ﷺ المنهج الذي جاء به والدين الذي يدعو إليه؛ فهذا هو الهدى.
(وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ (13)) ونِعمَ الإيمان، وهؤلاء يُنْشأون في الوقت القصير، استمعوا إلى البشير النذير فأعتلَوا درجات في الإيمان كسحرة موسى، آية واحدة من الآيات وتلقَّفت ما يأكلون، وقفزوا قفزة في الإيمان قوية تحدوا به طُغيان الأرض والقوى الطاغية على ظهر الأرض كلها، قالوا لفرعون -وكانوا يتزلفون إليه- قالوا: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [الشعراء:41-42]؛ الآن (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، (لَن نُّؤْثِرَكَ) [طه:72] ما أصبح لك مكان عندنا، ما هذا التحول السريع؟! هذه قوة الإيمان حلت في صدورهم، اللهم ارزقنا كمال الإيمان حتى يخرج رمضان ونحن من أقوى عبادك إيمانًا بك وبرسولك وبما جاء به عنك.
(..لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ)، ولما كان الإيمان بالهدى إيمانٌ بالله وما جاء عن الله، قالوا: (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ)، لم يقولوا: فمن يؤمن بالهدى.
قالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ..(14)) تفننوا في ذكر الاقسام لديهم:
فالمسلمون أي بعد بعثة هذا النبي محمد ﷺ، سرُّ اتباعه هو الإسلام وهو دين جميع الأنبياء من قبل.
(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ) قاسط؛ جائر، قاسط؛ خرج عن الطور وعن الواجب، بخلاف المُقسط، مُقسط عادل؛ ولهذا قال الإمام البخاري في آخر باب من أبواب صحيحه: "القسط هو العدل بالرومية"، ويُقال: القسط مصدر المُقسط وهو العادل، وأما القاسط فهو الجائر.
القاسط: الجائر، فقال سبحانه تعالى: (وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات:9] يعني الحاكمين بالعدل، وقال هنا: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ..(15))، يعني منا المسلمون ومنا القاسطون.
(فَمَنْ أَسْلَمَ) -آمن واتبع واهتدى- (فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)) يعني طلبوا الرَّشَد وعثروا عليه، توخَّوا أن يَرشُدوا فَرُشِدوا، قصدوا الهدى والرشاد فاهتدوا ورَشَدوا فلهم المنزلة السامية.
قال: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) يعني توخوا الرشاد والهدى فاهتدوا إليه، هداهم الله إليه، "يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكُم"، فلما تحروا الرَشد دخلوا في الإيمان وهُدُوا إلى الحق.
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ) الذين كذَّبوا بمحمد ﷺ وما جاء به، وما اتبعوا آيات الله؛ (فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15))، يقعون فيها، توقد بهم؛ وفي هذا أنّ تعذيب الجن أيضًا بالنار، ولا يقالُ: أنهم خُلقوا من نار كيف يُعذبون بالنار؟! خُلِقوا من نار فتكونت أجسادهم.
حتى أنت عندك نصيب من الحديد ومن التراب، ما تتأذى؟ إذا أحضرنا حديد نضربك به! ما تتأذى به؟! أنت من تراب مخلوق، سنضع التراب فوقك، هل ستفرح به أو تتأذى به؟ وتتعذب بُه؟ وإذا دفنّاك فيه تموت أيضًا وأنت مخلوق من تراب؛ فكذلك الجان خُلقوا من النار وتكوَّنوا أجسادا، صارت النار تحرقهم كما تحرق الإنس؛ وبهذا يُعذبون.
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15))، وذَكَر الإمام الماوردي بالتفسير كما ذكر غيره من أهل كتب السيرة والحديث- قصة إسلام سيدنا سواد بن قارب عليه رضوان الله، وسبب إسلامه، أنّه دعاه إلى الإسلام جنّي في حياة النبي ﷺ، وحتى كان سيدنا عمر يسأل عنه.
كما يروي الإمام الماوردي، يقول: روى عمر بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب، قال: بينما سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ذات يوم جالس، مرَّ رجل، فقيل له: هل تعرف المار يا أمير المؤمنين؟ قال: من هو؟ قالوا له: سواد بن قارب؛ رجل من أهل اليمن له شرف، كان له رَئِي من الجن -واحد يأتيه ويكلمه -من الجان-، قال لهم: هاتوه، دعوا سواد يأتي، فجاء إلى سيدنا عمر، جلس قال له: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: انت الذي أتاك رئيٌ من الجن يظهر لك؟ قال: ما قصته؟ قال: بينما أنا ذات يوم أو ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ اتاني رئي من الجن فضربني برجله قال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بُعث رسولٌ من لوي بن غالب يدعو الى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ ابيات يخبره فيها أن الجن راحوا وامنوا به فيقول له:
عَجِبتُ للجِنِّ و تطلابها *** وشَدّها العيسَ بأذنابها
تَهوي إلى مكَّةَ تبغي الهُدى *** ما صادق الجِنّ كَكَذَّابها
فارحَلْ إلى الصَّفْوَةِ من هاشِمٍ *** فليس قد أتاها كاذبًا بها
يقول قال قلت له: دعني أنام فإني أمسيت ناعسا، ولم ارفع بما قاله رأسًا، ثم كان الليلة الثانية قد أتاني وضربني برجله، قال: "قُم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بُعث رسولٌ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته و أنشأ يقول:
ععَجِبتُ للجِــنِّ و تخبارهـــا *** وشَدّها العيسَ بأَكوارِها
تَهوي إلى مكَّـةَ تَبغي الهُدى *** ما مؤمن الجِنِّ ككُفَّــارِها
فارحَلْ إلى الصَّفْوَةِ من هاشِمٍ *** ما بَينَ رابيها وأَحجـــــارِها
قال قلت له: دعني فإني أمسيت ناعسا، واذًا ما تأثرتُ بكلامه ولم ارفع به رأس، فلما كان الليلة الثالثة، قد أتاني وضربني برجله قال: قُم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بُعث رسولٌ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، وانشأ يقول:
عجبت للجــن وتحساسهــا *** وَشَدِّها العيسَ بأَحلاسها
تَهوي إلى مكةَ تبغي الهُدى *** ما خيّر الجن كأنجاسها
فارحلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ *** واسْمُ بيديك الى رأسهـــا
قال: سوف سنذهب لنرى من هذا النبي من لؤي بن غالب! قال :أصبحت قد امتحن الله قلبي للإسلام فرحلتْ ناقتي، فأتيت المدينة وإذا رسول الله ﷺ قد هاجر ووصل المدينة وأصحابه، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله، قال لي النبي: هات، فأنشأتُ أقول:
أَتاني نَجيِّي بعد هَـدْءٍ وَرَقْدَةٍ *** ولم يَكُ فيما قَد عَهدتُ بكاذِبِ
ثَلاثَ ليالٍ قَولُــهُ كُلّ ليلــةٍ *** أَتاكَ رسولٌ من لُؤي بن غالِبِ
فَشَمَّرتُ عن ذيلي الإِزارِ وأَرْقَلَتْ *** بي الدِّعلبُ الوجناءُ عَبرَ السَّباسِبِ
السباسب: يعني ناقته.
فأَشهدُ أَنَّ اللهَ لا رَبَّ غيره *** وأنَّكَ مأمونٌ على كُلِّ غائِبِ
وأَنَّكَ أَدنى المُرسلينَ وسيلــةً *** إلى اللهِ يا ابنَ الأَكرَمينَ الأَطايِبِ
فَمُرنا بما أَحببتَ يا خيرَ مُرْسَلٍ *** وإنْ كان فيما قلت شَيْبُ الذَّوائِبِ
وكُن لي شَفيعاً يومَ لاذُو شَفَاعَةٍ *** سِواكَ بِمُغْنٍ عن سَواد بن قَارِبِ
يقول: ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه فرحًا شديدا حتى رُؤي الفرح في وجوههم، قال: فوثب سيدنا عمر والْتزم سواد بن قارب، وقال: كنت أشتهي أن أسمع منك هذا الحديث، وقال له: هل يأتيك رئيك من الجن اليوم؟ قال: يا أمير المؤمنين أما وقد قرأت القرآن؛ فلا، ونِعم العوض كتاب الله عن الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ..(14)) صلى الله على سيدنا محمد وآله، دعا إليه من سبقت له السعادة من الإنس، ومن الجن، حتى من الحيوانات دعوا إلى محمد ﷺ.
وإن صح في الحديث أن بعض الصحابة جاء، وسبب إسلامه ذئب! ذئب ! ذئب! كان راعي غنم بعيد، وإذا بذئب عدَا على غنمه وأخذها، جاء وأخرجها من فمه؛ فأنطق الله الذئب، تكلم وقال: رزقٌ ساقه الله، هل ستخرجه من بين أسناني؟ الله! ذئب يتكلم بالعربية.
قال: ما هذا بأعجب من محمد، جاءكم يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، مَن محمد؟ قال: رسول الله صفته كذا، جاء يدعو، قال له: لو أجد أحد يحرس غنمي هذه فأذهب إليه، قال: هو قريب منك دونك هنا وراء هذه الجبال، قريب من المدينة هو، قال: لو وجدت أحد يحرس الغنم، قال: أنا أحرس غنمك عُدَّها واذهب، ثم أتني فإن وجدت شيء نقص منها فاقتلني، قال: تفعل؟ قال: نعم، قال: انتبه من الغنم، ومشى الرجل ودخل المدينة، قابل النبي وأخبره، قال له: إذا اجتمع الصحب في المسجد فأخبرهم، فأسلم على يد النبي وآمن، ولما اجتمع الصحابة قال لهم: إن هذا جاء بسبب ذئب، فقم: فقام وقال قصته فيهم، لا إله إلا الله!.
و لما ذَكَر ﷺ مرة كلام الذئب تعجب بعض الناس وقالوا:ذئب يتكلم! قال: "إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر" ، قالوا: (أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت:21]، و في القيامة أنت الآن ترى وما تستطيع تتكلم إلا بلسانك، في القيامة فخذك يكلمك ورجلك تكلمك ويدك تكلمك واصبعك يكلمك وعينك تكلمك كلهم يتكلمون، بل الأرض: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة:4] الأرض تُخبر بما كان عليها، وهكذا.
وهكذا و ذَكَر بعض التابعين في استدلاله على كونهم في الجنة، قال ألم تسمع الله يقول عن الحور العين: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن:56]، فلو ما أحد منهم يدخل الجنة، لماذا يقول هكذا؟ يدخلون الإنس والجن إلى الجنة -لا إله إلا الله- وقد أُرسل إليهم نبينا محمد؛ فمُحْسنهم له الجزاء، وكافرهم وفاسقهم ومُسيئهم له العذاب.
فكذلك المُكلَّفون من الإنس: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16))، تحَول إلى الفتح والهمزة: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا)؛ إشارة أنه ليس هذا من كلام الجن وأنه مما أوحي إلي: أن الإنس والجن معًا (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) ما أحبَّ الله منهم وشرع لهم؛ (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) يُقال فيها: سَقى وأَسقى (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)؛ كثيرًا يعني وآلينا عليهم النعم والخير، كما قال في الآيات الأخرى:
(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)) وقد مُنع المطر سنين على أهل مكة إلى سبع، ثم فرَّجها عليهم.
فيقول: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) ثبتوا على ما أحببنا منهم من ملة الإسلام (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)، وسّعنا عليهم الرزق وأرسلنا عليهم السماء مدرارا؛ قال سيدنا نوح لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [نوح:10-12]، قال سيدنا هود لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) [هود:52]؛ ففيه أن:
كما قال الحق: في أن الأمر فتنة، أي اختبار:
وهكذا يقول الحق: أن طبيعة الإنسان إذا لم تُهذب وتُزكى:
هؤلاء لا يتأثرون، كما يقول سبحانه وتعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ)؛ (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) عن الصلاة، لا يدخلون في هذا وإلا غيرهم يتأثر، كيف؟! يقول: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ) -وقتٍ محدد-. يقول: (إنما يحبسه يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم) يقول: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) [هود:8-11]..
(إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) [هود:11]؛ ولهذا قال: (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ..(17)) نختبرهم:
وهكذا، يقول: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)؛ فتكون الحكمة في وجود البأس أن يرجعوا إلى الله، فتكون نعمة عليهم، لكن الشياطين والأشرار وقت ما يكفروا:
إذًا كلٌ من الفقر والغنى والشدة والرخاء محل اختبار للعباد، والمؤمن الصادق المخلص فيها كلها، ثم أنه بحكم الطبائع التي وزعها الله للعباد: بعض الناس يكون الأصلح له فقر، وبعضهم أصلح له غنى، حتى جاء في حديث قدسي: "إن من عبادي:
فهو يوزعها؛ وفيهم كُمَّل:
هؤلاء كُمل من العباد المؤمنين، فالطبائع تختلف، سبحان الله!.
وقد يؤثر في هذا أيضا اختلاف الأماكن والأزمنة من وقت إلى وقت، والحقُ أعرف بمصالح عباده فكن مؤمن صادق معه وهو يسّيرلك الذي أصلح لك..
فيُفوض الأمر إلى الله؛ فيتولاه بحسن تدبيره وجميل اختياره -جلَّ جلاله-.
يقول: ومع ذلك كله فلا حرج على العبد أن:
ما تطلب أن يفتح لك باب ثم يقع فيه هلاكك من حيث لا تشعر، هو أدرى وأعلم، تطلب منه وإن علمت لي فيه خير مع اللطف والعافية مع التوفيق، أي خير تطلبه أو أي شيء تريد دفعه اسأله من الله مع التفويض، مع التفويض والرضا بقضائه وربط ذلك باللطف والخير والعافية، لا يكون شر عليك من حيث لا تدري.
يقول: (لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ..(17)):
هذا هو التفسير الذي عليه جمهور المفسرين بالواضح: بعض المفسرين قال: (لَّوِ اسْتَقَامُوا..(16)) -الجن هؤلاء- على كفرهم لفتحنا عليهم الأبواب ولكن هذا يكون في بعض الأحوال التي أشار إليها، والآية تتفق مع الآيات الأُخر ومع ما كان من حال أهل مكة وتأخر المطر عليهم أن المراد (لَّوِ اسْتَقَامُوا) على الطريقة الحق، طريقة الإسلام والهُدى.
وقال: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))، وفي قراءة: (يَسْلُكْهُ).
(مَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ) أي نوظفه ونسير به في مسار السلِك هذا، قال: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة:32].
(مَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ)، نعوذ بالله من الإعراض- عن ذكر الله قال تعالى:
(نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17))، متزايدًا متكاثرًا شاقًا صعبًا -اللهم أجرنا من عذابك- هذه نتيجة الإعراض عن الذكر؛ مصيبة لما يتولى الإنسان عن ذكر ربه ويغتر بأي شيءٍ آخر، أي شيء آخر؛ نفسه، عشيرته، ماله، (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) [العلق:17-18] يقول الله تعالى.
لكن ذِكر الله فيه النجاة، ما عمل آدمي عملًأ أنجى له من عذاب الله؛ من ذِكر الله، أكبر شيء ينجيك من عذاب الله؛ ذِكر الله ووسائل الذكر:
هذه مفاتيح للذكر، من شأنها إذا تنورت بنورها، وأن تتفكر في معاني كلام ربك وسيرة نبيه وتكثر الذكر مع حضور القلب تتحول إلى مبهرج بنور الذكر:
مراتب في الذكر ترتفع فيها، لكن هذا لا يأتي بفكر وذكر يوم ولا يومين؛ بدوام الذكر، استمرارية الذكر، تنفتح أبواب الذكر، الإنسان حتى يتعلم معاني الفناء عن الكائنات.
يقول ابن عطاء الله صاحب الحكم عليه رحمة الله: كيف يصير الى الله قلبٌ صُور الأكوان منطبعة فيه؟ يعني بعد ما تحقق بالذكر، قد يكون له أذكار كثيرة باللسان لكن صور الأكوان ملآنة بها قلبه. يقول:
دع كل صورة وأشهد الحقائق
حينئٍذ تعلم أن هذا الوجه الظلماني الذين ينحجب به الناس وهو رؤيتهم الأشياء كأنها مستقلة، لما يجيء النور تروح هذه الظُلمة:
لكن تصل الى هذا إذا جاهدت وكابدت، أما ومهمتك ضعيفة حتى في الذكر الظاهر، متى ستصل؟ متى تصل؟ أحضر واجتهد وثابر؛ يبدأ نور الذكر يشرق في قلبك..
قال نبينا: أصدق كلمة قالها الشاعر؛ كلمة لبيد:
ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللَهَ باطِل
"لا إلهَ إلاَّ اللَّه"، الله يحققنا بحقائق لا إله إلا الله في خاتمة الشهر الكريم المبارك، اجعل لنا حظًا من سر رمضان يمتلئ به الجنان بالإيمان، ونرقى أعلى مراتب الإيقان، فنُمكن في علم اليقين، وفي عين اليقين، وفي حق اليقين، برحمتك ياأرحم الراحمين، أرزقنا شهودك بمرآة حبيبك الأمين وأنت راض عنا في لطف وعافية وقوة تمكين وأصلح شؤوننا وشؤون المسلمين أجمعين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد
اللَّهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
25 رَمضان 1439