(616)
(9)
(394)
(4)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ ..} إلى قوله تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} الآية: 10، من سورة الجن
﷽
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
الحمدلله مُكرمنا بالآيات البينات، وحسن البيان على لسان خاتم الرسالات، عبده المصطفى سيد أهل الأرض والسماوات، اللهم أدِم صلواتك في كل الآناء واللحظات والساعات، على عبدك المُجتبى المُصطفى مُحمد مَن جاءنا منك بالبينات، وعلى آله الأطهرين وصحبه القادات، وعلى من تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين الذين رفعت لهم الدرجات، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقَرَبين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين يا مجيب الدعوات.
وبعد،،
فقد انتهينا من التأملات فيما أوحى الرب إلى نبينا المصطفى محمد في سورة المزمل، ووقفنا على سورة سماها الله بسورة الجن، يقول سبحانه وتعالى في مطلعها:
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ..(1))، يا عبدنا ونبينا محمدًا، (قُلْ)، (قُلْ)، (قُلْ)، وأوحى إليه بكثير من الآيات يقول فيها: (قُلْ)؛ يُعلمهُ أَسدَّ القول وأصوبه وأتمه وأكمله، وقد خُص ﷺ
وتولى الحق تعالى تلقينه الأقوال المعينة بقوله: (قُلْ)، (قُلْ) منها فيما يتعلق بخطاب الخلق، ومنها فيما يتعلق بدعائه سبحانه وتعالى وطلبه:
وفي ترديد هذا إشارة إلى أن:
ولذلك ولِحِكَمٍ أخرى حوى معنى (قُلْ): ثبتت في كل التلاوة في محلها.
قُل: (قُلْ)
لما؟ لأنه:
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ..(1))، أخبرْهم بأنه جاءني الوحي من ربي عن أنباء وأخبار أُحَدِثُكُم بها، والوحي الذي معناه في لغة العرب: الإعلام في خفاء.
الإعلام في خفاء، يأتي على معاني كثيرة:
وهكذا معاني الوحي، ثم إن أشرف ما يكون من الوحي ما كان من وحي الأنبياء، الوحي إلى الأنبياء والمرسلين، وهم في ذلك على درجات ومراتب، ثم أعلى الوحي للأنبياء؛ الوحي الذي أوحاه الله إلى سيد الأنبياء وخاتم الأنبياء ومُقَدَم الأنبياء رسوله محمد، وكان من الخصوصية البارزة في الوحي إليه أنَّ وحي القرآن الكريم كان معجزة من المعجزات:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، الحمد لله على ذلك.
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ)، أُنْبِئْتُ عن الرب فيما أخبرني الإله الحق أنه في الحال والشأن؛ (اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ (1))، (اسْتَمَعَ) أنصتَ وأصغى (نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ) كما قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا) [الأحقاف:29]؛ وهذا الذي أرشدنا الله إليه عند سماع القرآن، ووعدنا عليه الرحمة فقال: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف:204]؛ فيتعرض المؤمن لرحمة ربه بِحُسنِ استماعه وإنصاته لكلام الله؛ ومن هنا:
ولما كان يُصلي بهم مرةً وقرأ بـ(سَبِّحِ اسْمَ) [الأعلى:1]، وكان يُرَدِّدُ معه القراءة بعض المأمومين، فلما انتهى من الصلاة قال: "أيكم ينازعني قراءتي؟! إذا قَرأ الإمام فأنصتوا؛ فإذا قال: ولا الضالين؛ فقولوا: آمين"، وقال لبعض الذين وفدوا عليه من الصحابة: "أإنكم لتقرءون خلفَ إمامِكم، قالوا: إنا لنفعل يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا إلا بأُم القرآن":
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ..(1))، النفر في اللغة يُطلق ما بين الثلاثة والعشرة، يُقال: نفر؛ ثلاثة أربعة خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة؛ (نَفَرٌ).
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ)، أن من صنف الخَلق المُكلفين؛ الجن..
إذًا فالمقصود الأعلى من خَلق العقل للإنس والجن:
فأيُ ذي عقلٍ منهم لم يستخدم عقله في كسب هذه المعرفة؛ فقد عطّل مهمة العقل، وبتعطيله مهمة العقل يتعرض للعذاب، ثم يُقرُّ على نفسه في الآخرة: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك:10]، ما كنّت عَرَضنا أنفسنا لهذه النار المُوقدة.
وقد تكلم الأنبياء وتكلم المُبلِّغين عن الأنبياء في أعمارنا، واستهزأنا بهم، وغرتنا المُتَع الفانية وكذبنا؛ والآن تبين ما فينا عقل، ما كان يسمونك المُخترع والمفكر؟! قال: ما كان فيَّ عقل، لو كنت عاقل ما وصلتُ إلى النار الموقدة هذه، وضيعت على نفسي النعيم والملك الكبير، (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك:10-11]، في وقت لا ينفع الاعتراف، لو اعترفوا في الحياة الدنيا لنفعهم.
فالحمد لله على نعمة الإيمان والله يُهيء عقولنا لأن تفقه عن ربها، وتَعقل عن وحيه ما به ندركُ حظًا وافرًا من معرفته الخاصة ومحبته الخالصة:
نسأل الله حبه وحب من يحبه وحب عمل يقربنا إلى حبه، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأموالنا ومن الماء البارد على الظمأ.
(اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ (1))؛ استفادوا وانتفعوا بهذا الاستماع، بل آمنوا كما حكى الحق عنهم، وتقدم معنا أن له ﷺ مع الجان مواقف ومنها ما أوحى الله إليه؛ فيخبرنا أنهم استمعوا وآمنوا، ومنها ما تحدث عنه أنه كلمهم وخاطبهم وسألوه الزاد إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة. وقد جعل الله السنة السائدة في خلق الإنس والجن:
قال تعالى في هذه السُّنة في الأرض:
يقول: (اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ..(1)) وآمنوا هؤلاء، يُقال إنهم من جن نصيبين -بعض قُرى اليمن- فقيل إنهم تسعة وقيل سبعة (نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ)، ثم وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ، فجاء قال سبعون آمنوا وزادوا وهكذا.
(اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ)، قال في الآية الأخرى:
وهنا ذَكَر من أقوالهم بعض هذه المعاني، (فَقَالُوا) قالوا لبعضهم و لقومهم لما رجعوا إليهم: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا) -وحيًا من عند الله- (عَجَبًا (1))، عجيب يأسرك يملأك، يأخذ عقلك ولُبك، عجيب في لفظه في معناه في دلالته في نورانيته في روحانيته (قُرْآنًا عَجَبًا)، (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1))، كان يقول سيدنا عثمان بن عفان: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله.
(إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1))؛ وهكذا، قال بعضهم وكان في بعض أسفاره في الطائرة ومعه مصحف ويقرأ، وواحد شايب يستمع إليه، وهبطت الطائرة في مكان، تناول جريدة وأخذ يقرأ، إلتفت الشايب إليه وقال: كنت تقرأ كلام ربي والآن تجيء بجريدة، كلام مَنْ هذا؟ قال: سمِّعنا كلام الله واترك كلام الخلق هذا.
وهكذا لما أول ما ابتُكر أسلوب الجرائد بين الناس ونشرها، كانت تأتي بعض الجرائد قليل حضرموت ويهتم بها بعض الذين يُنسبون إلى الثقافة، وكان يذكِّرهم الحبيب علوي بن شهاب يقول: تعتنون بهذا!! اقرأوا جريدة ربكم، نريد لكم تهتمون بجريدة الرب من عند الرب جاءت هذه، ما من عند هيئة ولا جماعة ولا حكومة، جاءت من عند الرحمن جريدة لك تأملها وانظر ما فيها، اقرأها، اجعل لك اهتمام بالقرآن أعظم من اهتمامك بالجرائد.
(إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1))، وفي سبب مجيئهم واستماعهم؛ قيل أنه كان بسبب ما ذُكِر في السورة من منعهم من استراق السمع، (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا) -يعني السماع- (مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا (9))؛ فلما حصل شدة منع الجن من القُرب من السماع واستراق السمع، وهو وما يتداوله الملائكة من أقضية الرب فيما يتعلق بالأرض ومَن عليها وما قضى فيها، فيتكلمون بينهم، فيتلقفه بعض الجن، فيخرجون إلى أوليائهم من الإنس ويقولون أنه سيكون كذا وكذا من القضاء، وكانوا يُزَيِدون فوق الكلمة عشرين كلمة وستين ومائة كلمة، ويكذبون ويزيدون ويُقَدِمون ويُؤَخِرون. وكان أصحابهم يُحَدِثون الناس ويسمونهم الكهنة، ويقولون: سيكون كذا وكذا، ويقع منه شيء من الذي حُفظ هذا؛ فرجع الناس يصدِّقونهم في كل شيء!!.
هكذا طبيعة الناس مساكين، أردتَ حق واضح صريح لا يوجد فيه إلا صدق؟ هذا القرآن، هذا القرآن العجب، أما أقاويل الناس، إن أنت تريد من كلام الناس الحق الخالص الصرف الصريح: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:4-3] حديثه ﷺ.
وقع تنبيه في الرؤيا لبعض الناس، وكان له مطالعة في عدد من الكتب وشغوف بالكتب، قال: فرأيت النبي ﷺ مرة قال له: فلان، تطالع في كتب الناس ولا تطالِع في كتابي، تطالع في مؤلفات الناس ولا تُطالع في مُؤَلَفي، قال: يا رسول الله ما مؤلفك؟ قال: صحيح البخاري؛ هذا كلامي أنا هذا، قال: اخذت كلام فلان وفلان وفلان و أين كلامي؟ لماذا؟ لا تعتني بكلامي؟ ﷺ.
وقد كانوا يحشون اذهان وعقول اطفالهم، أول ما يفتحون على الحياة كلام الله وكلام الرسول، يُحَفِّظونَهُم، حتى في الثمانين السنة إلى قريب من المائة سنة الماضية، لما اشتهر في العالم الإسلامي نوع مخصوص للتعليم والمدارس على غير المعتاد في العالم الإسلامي كان محفوظ فيه كالكتاتيب والعُلَم التي يُبدأ فيها بتعليم القرآن وتعليم القراءة والكتابة من أجل القرآن والأحاديث والصلاة، وكان العالَم الإسلامي كله على هذا الحال.
حدثت ولما حدثت كان في بعض اماكن الشرق آسيا في حوالي الهند وباكستان أُسر كثيرة حافظوا بعد وجود هذه المدارس أن لا يُدخلوا ابنًا ولا بنتًا لهم إلى المدرسة إلا بعد أن يحفظ كتاب الله ويحفظ جمع من حديث النبي ويتقن أمور دينه الأولية، ثم ممكن يدخل المدرسة، أما قبل هذا ممنوع أن يدخل أي مدرسة؛ فحُفِظ فيهم أساس وأصل.
والآن عندنا بعض المسلمين يتفاخر إذا ولده يذهب مدرسة ومازال لا يعرف يقرأ ولا يكتب، ولكن في لغة غير عربية يفتخر بها، ومازال ولدك لا يعرف الفاتحة! دعهُ يتعلم القرآن، دعْهُ يتنور بكلام الله، ثم لما يكبر علمه اللغات، وتولع لغته الأساسية حتى صار بعض أبناء المسلمين لغته الاساسية لا يعرفها؛ وهكذا ضحك على العقول.
يقول تعالى: فلما مُنِعَت الشياطين من استراق السمع، قالوا: حدث امر، ويروى أنهم ذهبوا الى رأسهم إبليس قالوا: لماذا مُنعنا؟ كان يُصيب الشهاب أحد! كان نادر منهم، والأكثر يسلمون يسمعون ويأتوا بالخبر، لكن الآن، (مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8))، ما عاد يستطيعون، يقال لهم: ما يكون هذا إلا لأمر حدث في الأرض، انتشِروا في الأرض؛ انتشروا
جماعة منهم صادفوه ﷺ يصلي بأصحابه صلاة الصبح -وهو في طريقه إلى سوق عُكاظ- فلما سمعوه قالوا: هذا الذي مَنَعنا من القُرب من السماء؛ هذا الكلام. استمَعوا للقرآن وأنصتوا ورجعوا، وعَلِموا أن سبب منعهم..
(فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1))، يعني قولًا يُتلى وحيًا مُنَزَّل، (عَجَبًا)عجيب لذيذ طيب يملأك ويأخذ بعقلك ولُبك وفيه حِكَم ومنافع وإرشاد؛ (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ..(2))، إلى رشد، إلى توحيد الله وإلى المسلك السوي.
(يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ)، وقد كانوا مختلطين سواء كانوا مجوس أو نصارى أو يهود يقولون: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة:30] إلى غير ذلك. كانت عقائد عندهم زائغة، ناقص توحيد الحق عندهم، قالوا: (فَآمَنَّا بِهِ)، علِمنا هذا والكلام الصواب والحق والهدى، الإله واحد لا شريك له لا ابن ولا ولد ولا شريك ليس له من والد، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الاخلاص:4-3]؛ ولهذا قالوا: (وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2))، بعدما سمعنا هذا الكلام من فم محمد، ماعاد نشرك بالله أحد، الله واحد: (وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)؛ لأن الزيغ والشرك كان منتشر بينهم؛ هؤلاء يقولون ثلاثة، وهؤلاء يقولون ابن الله، وهؤلاء يقولون.
فلما سمعوا القرآن، قالوا: (وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ) وفي قراءة: (وأنه)، (وإنه) بالفتح والكسر..
وإنما هذا الكلام، (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4))، يعني السفهاء منا هم الذين يقولون على الله شطط، يعني كلام كذب وزيغ ودجل؛ ليس الحقيقة:
(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا) يعني السفهاء منا إبليس ومن تبعه؛ ولهذا كان يقول بعض الصحابة والتابعين: إنما عَصاه وخالفه سفهاء الجن كما خالفه وعصاه سفهاء الإنس، قال: هم سفهاء الإنس و سفهاء الجن، هم الذين يخالفون الله ويعصون الله؛ وإلا لا شيء يخرج عن طاعة الله؛ لا ملائكة ولا أرض ولا سماء ولا حيوان ولا نبات ولا جماد، لا شيء؛ إلا سفهاء الإنس و سفهاء الجن، هم هؤلاء الذين يقولون الكلام الخبيث والذين يعصون الله تعالى، لا أحد غيرهم يعصي الله، لا شيء يعصي الله، لا أحد يعصي الله إلا سفهاء الإنس وسفهاء الجن؛ هؤلاء سبب الفساد كله، سبب الشر كله.
(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4))، أي كلامًا خارجًا عن الصواب -شطط- كذب، دجل،
يقول: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5))؛ وهكذا كان بِحُكم الفطرة، كثير من الناس لا يظن أن أحدا يكذب، لماذا يكذب؟ مجنون؟ لا أحد يتكلم إلا بحق وبالصدق.
(وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ)، يعني يلجأون إليهم ويتحصنون بهم ويتحفظون بهم؛ (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)).
(فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يرجع إلى هؤلاء وهؤلاء، كيف؟ كان منتشر بينهم في الجاهلية، إذا واحد نزل في بَرِيّة أو صحراء أو مكان يقول: أعوذ بكبير هذا الوادي وهذه الصحراء من سفهاء الجن ومن..؛ فبالنسبة لكبار الجن هؤلاء يتعاظمون ويتكلمون يقولون: كسبنا الإنس والجن (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) كبرًا. (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)، الجن زادوا الإنس رهق؛ إثم فوق إثمهم وضلال فوق ضلالهم وتعب فوق تعبهم.
(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6))، يعني عار وعيب وتعب وإثم، ومنه تكبُرُ الجن مثلما يفعل إبليس، إذا واحد يقول: هذا شيطان، يتعاظم، هو ما يقدر يقدم ولا يؤخر إلا تحت قهر القاهر، ولكن يفرح لما تُنسب الأشياء إليه، وما بيده شيء، ولكنه قد خُلق من كِبر، يحب الكبر فقد دفعه الكبر إلى طرده من السماء وأوجب له النار.
(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ) -يلوذون ويلجأون و يستعيذون ويتحفظون- (بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ) -هؤلاء السفهاء- (ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7))، فيهم ملحدين وفيهم من ينكر البعث، يقولون: لا بعث بعد الموت ولا رجع، (ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ) -يا مشركين- (أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا)، يقول: (بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن:7].
يقول: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ..(8))، ظواهر الآيات تدل على أنه تركيبتهم التي خلقهم الله عليه تمكنهم من اختراق أجواء كبيرة جدا واسعة عظيمة، وهو ما بين الأرض والسماء؛ هذه مسافات شاسعة، واسعة، بعيدة، وكأنهم أيضًا لا يحتاجون إلى نوع الأكسجين هذا الذي يحتاجه أجسام البشر، والآن هؤلاء الذين يجوبون الفضاء من بني آدم، يأخذوا لهم الاحتياطات والأكسجينات والطعومات؛ وهؤلاء أسرع منهم وأقوى من دون شي مركبة فضائية يركبون فيها ولا شي بأنفسهم يطيرون.
(لَمَسْنَا السَّمَاءَ) -بمعنى قصدناها وقَرُبنا منها، ولكن- (فَوَجَدْنَاهَا) -يعني طريقنا إليها الآن- (مُلِئَتْ حَرَسًا) -من الملائكة- (شَدِيدًا وَشُهُبًا (8))، كواكب تنقضُّ علينا، نُرمى بها، شُهُب، وجاء في الحديث أنه ﷺ مرة كان يمشي مع بعض الصحابة وشاهدوا بعض الشُهُب تخِرّ، قال: ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية؟ قالوا: نقول أنه مات عظيم أو يولد عظيم، قال: "إنها لا تخر لموت أحد ولا لحياته، ولكن يُرمى بها الشياطين الذين يسترقون السمع" (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ)؛ فمُنعنا ببعثة النبي محمد.
(فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ) -أي بعد بعثة محمد ﷺ- (يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9))، كما قال في الآية الأخرى: (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ) [الحجر:18]، راصد، شهابٌ ثاقب، وبعد ذلك:
(وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10))، قبل سنوات كنا مع العلامة الشيخ عبدالله بن بيه، بدأت الثورات التي يسمونها "الربيع العربي"، الشيخ عبدالله قال: نحن الآن مثل الجن: (لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)، قال: والله ما عرفنا في هذه الساعة، كل ساعة جاء خبر من الدولة الفلانية والبلاد الفلانية خبر، قال: ونحن في حيرة مثل الجن هذه، ما أدري ما الخبر؟! (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)، لا إله إلا الله.
وهكذا في بداية الأمور تتبين الأشياء للناس، والخير في حركات الأنبياء وأتباعهم، وهذا الخير فيها في الأرض وأهل الأرض، والخير المرموق لأهل السماء، كل ما خالف هذه الأنبياء؛ شر في شر، شر في شر؛ فالله يتدارك الأمة ويغيث الأمة ويريد بنا وبالأمة رشداً وهدى من عنده وتوفيقاً لمرضاته.
يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه؛ وفقنا للخير وأعنا عليه يا أرحم الراحمين، نفعتَ جِنًا بهذا القرآن فرفعت قدرهم، اللهم فانفعنا وارفعنا؛ فإن نبيك الذي أنزلت عليه يقول: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين"، ومن رفعته دام رفعه ومن وضعته؛ فلا رفع له؛ فنسألك أن ترفعنا بالقرآن، انفعنا وارفعنا بكتابك، واجعلنا ممن ترفعهم بالقرآن وتنفعهم بالقرآن وتهديهم بالقرآن، واجعله أمامنا يقودنا إلى جناتك يا كريم يا رحمن، واشمل بذلك حاضرينا وسامعينا وأهل ديارهم وأولادهم وقراباتهم، يا أرحم الراحمين، وأمة حبيبك محمد الأمين.
اللهم انفعنا بالقرآن اللهم ارفعنا بالقرآن واجعله حُجة لنا لا حُجة علينا، واجعله نورًا لنا نهتدي به إلى سبيل الهدى والصواب والرشاد، اللهم املأ قلوبنا بنور القرآن واحشرنا في زمرة أهل القرآن واجعلنا عندك من أهل القرآن، الذين هم أهلك وخاصتك، يا أرحم الراحمين، وأصلح شؤون الأمة
وبالقرآن فرج كروب الأمة واكشف الغُمة، وعامل بمحض الجود والرحمة، وبالقرآن أحسن لنا خواتيم رمضان، يا من أنزلت القرآن في رمضان، أحسن لنا بالقرآن خواتيم رمضان، واجعلنا في رمضان هذا من أسعد عبادك بالقرآن وبسر القرآن ونور القرآن، واحفظنا بما حفظت به القرآن وانصرنا بما نصرت به المرسلين الأعيان.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي محمد
اللَّهم صل وبارك عليه وعلى آله وأصحابه،
الفاتحة
23 رَمضان 1439